Post: #1
Title: أين يقع السودان؟ سؤال الهوية، ودولة المواطنة!
Author: محمد جمال الدين
Date: 10-06-2026, 12:49 PM
12:49 PM October, 06 2026 سودانيز اون لاين محمد جمال الدين-The Netherlands مكتبتى رابط مختصر
أين يقع السودان؟ سؤال الهوية، ودولة المواطنة!
شرق أوسط أم شمال أفريقيا أم شمال شرق أفريقيا أم قرن أفريقي أم أفريقيا جنوب الصحراء... أم ماذا؟
موقع السودان بين سؤال الهوية، ودولة المواطنة، ودور المجتمع المدني والمسار التالت
قد يبدو السؤال لأول وهلة غريبًا، وربما بلا معنى؛ فالسودان موجود في مكانه المعروف على الخريطة، ولا يحتاج المرء إلى أكثر من أطلس ليحدد إحداثياته وحدوده. ولكن ما إن نغادر الجغرافيا الطبيعية إلى الجغرافيا السياسية والثقافية والمؤسسية حتى يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل السودان من شمال أفريقيا؟ أم شمال شرق أفريقيا؟ أم أفريقيا جنوب الصحراء؟ أم الشرق الأوسط؟ أم الشرق الأدنى وشمال أفريقيا؟ أم القرن الأفريقي؟ أم الساحل؟ أم وادي النيل؟ أم فضاء البحر الأحمر؟ أم العالم العربي؟
والأغرب أن الإجابة قد تكون: كل ذلك، بحسب الجهة التي تسألها والغرض الذي تسأل من أجله.
ما أهمية التصنيف أصلًا؟
من حيث المبدأ، ليس مهمًا كثيرًا أن يسمى السودان «شرق أوسطيًا» أو «أفريقيًا» أو «شمال أفريقي». فالناس لا يصبحون شيئًا آخر بمجرد أن تنقلهم مؤسسة دولية من جدول إحصائي إلى جدول آخر، ولا يتغير موقع الخرطوم أو بورتسودان أو الفاشر لأن تقريرًا دوليًا وضع السودان ضمن إقليم معين.
ولكن التصنيف أيضًا ليس بلا أهمية.
فالتصنيفات تحدد أحيانًا المؤسسات التي يتعامل معها البلد، والمكاتب الإقليمية التي تتولى ملفاته، والبرامج التنموية والصحية التي يدخل فيها، ومصادر التمويل، والمقارنات الاقتصادية، ومجموعات البيانات التي يقاس من خلالها، والتحالفات السياسية والإقليمية التي ينظر إليه عبرها. ومن ثم فإن السؤال ليس مجرد تمرين في الجغرافيا، كما أنه ليس مسألة هوية نفسية خالصة.
ولهذا البعد أهمية عملية خاصة بالنسبة إلى المجتمع المدني السوداني. فالمنظمة أو المبادرة السودانية التي تبحث عن شراكة إنسانية أو ثقافية أو بحثية أو تنموية قد تجد نفسها مرة أمام مكتب إقليمي للأمم المتحدة مختص بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومرة أمام مكتب لأفريقيا، ومرة أمام مؤسسة تعمل في القرن الأفريقي، ومرة داخل فضاء الدول العربية أو الساحل أو البحر الأحمر. وهذا يؤثر في أبواب الاتصال، والتمويل، والمؤتمرات، والشراكات، وحتى في اللغة التي تُعرض بها القضية السودانية أمام العالم.
ومن هنا لا تبدو تعددية التصنيف مجرد مسألة نظرية. ففي عمل المجتمع المدني الذي نسعى إليه عبر المسار التالت، مثلًا، لا يمكن النظر إلى السودان من نافذة إقليمية واحدة. فالأزمة الإنسانية السودانية تمتد آثارها إلى مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وليبيا ودول أخرى، كما أن السودانيين أنفسهم منتشرون في أفريقيا والعالم العربي وأوروبا وأبعد من ذلك. وبالتالي فإن العمل الإنساني والمدني والمعرفي يحتاج عمليًا إلى مخاطبة أكثر من فضاء إقليمي ومؤسسي في الوقت نفسه.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التصنيف الإداري أو الجغرافي إلى تعريف للإنسان نفسه: من نحن؟ وإلى من ننتمي؟ ومن منا «أصيل» ومن منا «وافد»؟ ومن له حق أكبر من الآخر في الدولة؟
عندها تنتقل المسألة من الخرائط إلى السياسة، ومن المؤسسات الباردة إلى الوجدان، وقد تصبح خطرة.
السودان في شمال أفريقيا
في أحد أكثر التصنيفات الدولية وضوحًا، تضع شعبة الإحصاء في الأمم المتحدة السودان رسميًا في Northern Africa — شمال أفريقيا، إلى جانب مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب. وفي نظام الأمم المتحدة الإحصائي M49 لا يقع السودان ضمن مجموعة «أفريقيا جنوب الصحراء»، بل ضمن شمال أفريقيا.
إذن، إذا أخذنا التصنيف الإحصائي الجغرافي للأمم المتحدة، فالإجابة واضحة:
السودان شمال أفريقي.
لكن الأمر لا ينتهي هنا.
السودان في شمال شرق أفريقيا
الاتحاد الأفريقي نفسه يصف جمهورية السودان بأنها بلد يقع في Northeast Africa — شمال شرق أفريقيا. وهذا ربما يكون الوصف الجغرافي الأكثر مباشرة ودقة من حيث الموقع الفعلي: مصر وليبيا إلى الشمال والشمال الغربي، البحر الأحمر وإريتريا وإثيوبيا شرقًا، جنوب السودان جنوبًا، وتشاد وأفريقيا الوسطى غربًا وجنوب غرب.
وبهذا المعنى، لا تناقض حقيقيًا بين «شمال أفريقيا» و«شمال شرق أفريقيا»: الأول إقليم واسع، والثاني تحديد أدق لموضع السودان داخله.
السودان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
ثم ننتقل إلى مؤسسة أخرى فنجد صورة مختلفة.
صندوق النقد الدولي يدرج السودان ضمن مجموعات اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويظهر السودان في تقاريره الإقليمية الحديثة ضمن مجموعات MENA/MENAP.
وتذهب اليونيسف إلى الأمر بصورة أكثر وضوحًا؛ فلديها وثيقة بعنوان Sudan Country Brief ضمن مشروع «Mapping in the Middle East and North Africa Region 2024»، أي إن السودان يعالج مباشرة باعتباره بلدًا داخل إطار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وفي الوثيقة نفسها يوصف جغرافيًا في الوقت ذاته بأنه بلد في شمال شرق أفريقيا.
وهذه وحدها مفارقة كاشفة: يمكن للوثيقة ذاتها أن تقول إن السودان شمال شرق أفريقي جغرافيًا، وأن تدرسه في الوقت نفسه ضمن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مؤسسيًا.
السودان في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا
منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO تستخدم تسمية مختلفة قليلًا:
Near East and North Africa — الشرق الأدنى وشمال أفريقيا.
ومكتبها الإقليمي لهذا الإقليم يضم السودان رسميًا إلى جانب مصر والعراق والأردن وبلدان الخليج وليبيا والمغرب وتونس وغيرها.
وهكذا يصبح السودان، في مؤسسة دولية كبرى أخرى، جزءًا من الشرق الأدنى وشمال أفريقيا.
السودان في شرق المتوسط
أما منظمة الصحة العالمية فلها خريطة أخرى.
السودان داخل إقليم شرق المتوسط التابع للمنظمة، وهو إقليم يجمع دولًا أفريقية وآسيوية من المغرب إلى باكستان وأفغانستان، مرورًا بمصر والسودان ودول الجزيرة العربية والعراق وإيران.
ومرة أخرى لا يعني ذلك أن السودان قد انتقل جغرافيًا، وإنما أن منظمة الصحة العالمية بنت إقليمًا وظيفيًا خاصًا بها.
السودان في العالم العربي وغربي آسيا
السودان كذلك عضو في الفضاء المؤسسي العربي، وتدخله مؤسسات الأمم المتحدة نفسها في تصنيفات مرتبطة بـ Arab States/MENA.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP يذكر السودان صراحة ضمن البلدان التي تغطيها مجموعة Arab States/MENA.
والسودان أيضًا عضو في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا ESCWA، على الرغم من أن أرض السودان تقع في أفريقيا لا في آسيا.
وهذا ربما يكون من أفضل الأمثلة على أن أسماء الأقاليم الدولية لا ينبغي أن تقرأ دائمًا كحقائق جغرافية حرفية.
السودان وأفريقيا جنوب الصحراء
في المقابل، نجد البنك الدولي يستخدم إطارًا آخر. فهو يتعامل مع السودان في عدد من تصنيفاته وبياناته ضمن المجال الأفريقي، لكنه يصف موقع السودان بعبارة شديدة الدلالة:
“Sudan lies at the crossroads of Sub-Saharan Africa and the Middle East.”
أي إن السودان «يقع عند ملتقى أفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط».
وهذه ربما أصدق عبارة مختصرة عن المشكلة كلها: السودان ليس بعيدًا عن أي من العالمين؛ بل يقع عند نقطة اتصالهما.
هل السودان من القرن الأفريقي؟
كثيرًا ما يدخل السودان أيضًا في المعنى السياسي الواسع لـ القرن الأفريقي الكبير Greater Horn of Africa، خصوصًا من خلال منظمة IGAD التي تضم السودان وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والصومال وكينيا وأوغندا وجنوب السودان.
لكن من اللافت أن إحدى صفحات IGAD نفسها تقسم دولها داخليًا إلى فضاءات أصغر: تصف جيبوتي وإثيوبيا والصومال وإريتريا بأنها Horn of Africa، بينما تضع السودان وجنوب السودان تحت Nile Valley — وادي النيل، وكينيا وأوغندا ضمن البحيرات العظمى.
إذن حتى «القرن الأفريقي» ليس جوابًا بسيطًا. السودان جزء من المنظومة السياسية للقرن الأفريقي الكبير، لكنه في تصنيف داخلي أدق يمكن أن يوصف بوصفه بلدًا من وادي النيل.
وهناك أيضًا الساحل والبحر الأحمر ووادي النيل
وإذا خرجنا من التصنيفات المؤسسية الكبرى إلى الأقاليم الجغرافية والتاريخية، ازدادت الصورة تعقيدًا.
السودان يمتد في حزام الساحل الأفريقي من حيث البيئة والمناخ والتاريخ الاجتماعي في أجزاء واسعة منه، ويتصل بغرب أفريقيا عبر طرق السكان والتجارة والحج والهجرات القديمة.
وهو في الوقت نفسه بلد من وادي النيل؛ فالنيل ليس مجرد نهر يمر بالسودان، بل أحد المحاور الكبرى التي تشكل حولها التاريخ السكاني والحضاري والسياسي للبلاد.
وهو كذلك بلد من فضاء البحر الأحمر؛ له ساحل طويل وموانئ وعلاقات تاريخية بالجزيرة العربية وشرق أفريقيا ومصر، وهو موقع اتصال قديم بين الداخل الأفريقي وضفتي البحر الأحمر.
وبالتالي يمكننا أن نرسم للسودان خريطة مدهشة من الانتماءات المتراكبة:
شمال أفريقيا — شمال شرق أفريقيا — وادي النيل — الساحل — البحر الأحمر — العالم العربي — الشرق الأوسط وشمال أفريقيا — الشرق الأدنى وشمال أفريقيا — شرق المتوسط — القرن الأفريقي الكبير — والاتصال بأفريقيا جنوب الصحراء.
ولا يلغي واحد منها الآخر بالضرورة.
هل هذه حالة فريدة؟
ربما يكون السودان من أكثر بلدان العالم تعددًا في تصنيفاته؛ فرغم وجود دول حدودية أخرى تتنازعها أقاليم مختلفة، فإن الحالة السودانية تبدو أكثر حدة من حيث كثافة التقاطعات التي تجتمع فيها.
فالسودان يبدو بالفعل حالة شديدة الخصوصية في كثافة التقاطعات التي تجتمع فيه.
فالمسألة ليست مجرد وقوع بلد بين إقليمين. السودان يقع في آن واحد عند تقاطع مجموعة كبيرة من الأحزمة: عربي وأفريقي، صحراوي وساحلي، نيلي وبحر أحمري، شمال أفريقي وشرق أفريقي، وشرق أوسطي في بعض التصنيفات الدولية.
ومن النادر أن نجد بلدًا واحدًا تستطيع مؤسسات دولية كبرى مختلفة أن تضعه، دون أن ترى في ذلك تناقضًا، في كل هذه الأطر.
وقد يكون الأصح لذلك ألا نقول إن السودان «بلا إقليم»، وإنما إنه بلد تتقاطع فيه أقاليم كثيرة.
لكن من الذي اختار هذه التصنيفات؟
هذه نقطة مهمة.
معظم التسميات التي ناقشناها ليست أسماء اختارها المجتمع السوداني لنفسه في استفتاء وطني. إنها في جانب كبير منها تصنيفات صنعتها مؤسسات دولية وقوى تاريخية ومراكز معرفة خارج السودان لأغراض إدارية وسياسية وإحصائية مختلفة.
حتى مفاهيم مثل «الشرق الأوسط» و«الشرق الأدنى» نفسها نشأت تاريخيًا من منظور أوروبي للعالم.
ولكن لا ينبغي في المقابل أن نفهم السودان بوصفه مجرد متلقٍّ سلبي لتسميات الآخرين. فالدولة السودانية المستقلة اختارت كذلك الانضمام إلى مؤسسات أفريقية وعربية معًا، وانخرطت في سياسات حاولت الموازنة بين الدائرتين العربية والأفريقية.
إذن هناك فرق بين أمرين:
أن يصنف الآخرون السودان، وأن تختار الدولة علاقاتها وتحالفاتها.
ولا يتطابق الاثنان دائمًا.
وكيف يصنف السودانيون أنفسهم؟
هنا يصبح الأمر أكثر تعقيدًا، ولا يصح أن نتحدث عن «السودانيين» كما لو كانوا جماعة متجانسة تحمل تعريفًا واحدًا لنفسها.
لا توجد إجابة شعبية سودانية واحدة من نوع: نحن عرب فقط، أو أفارقة فقط، أو شرق أوسطيون فقط.
والتاريخ نفسه يقول العكس.
منذ وقت مبكر أصبحت ثنائية العربي/الأفريقي واحدة من القضايا الكبرى في النقاش السوداني حول الهوية. وتشير دراسات عن السودان إلى أن الهويات السياسية لم تكن مجرد انعكاس مباشر للأصل أو اللغة، وإنما تشكلت كذلك عبر تاريخ الدولة والاسترقاق والاستعمار وسياسات ما بعد الاستقلال، ثم ارتبطت لاحقًا بأسئلة السلطة والمواطنة والأرض والاعتراف.
وقد وصفت دراسة سودانية مبكرة السودان بأنه، من الناحية الجسدية والثقافية والإثنية، أشبه بـ«عالم أفريقي مصغر»، وربطت مشكلة التعريف الذاتي بتنوع الانتماءات التي تجتمع داخل البلد.
وهذه ربما نقطة شديدة الأهمية:
فالمشكلة ليست في أن يكون الإنسان، مثلًا، نوبيًا أو عربيًا أو أفريقيًا، أو يجمع أكثر من واحد من هذه الانتماءات معًا؛ المشكلة تبدأ حين تطالبه الدولة أو السياسة بأن يختار هوية منها في مواجهة الهويات الأخرى.
وهل للتصنيف أثر عملي أم أنه مجرد حالة نفسية؟
له الأمران معًا.
عمليًا، يؤثر التصنيف في السياسة الخارجية، والاقتصاد، والتمويل الدولي، ومؤسسات التنمية والصحة، ومراكز الدراسات، والمقارنات الإحصائية، والشراكات التجارية والأمنية.
وبالنسبة إلى المجتمع المدني، تظهر المسألة بصورة أكثر مباشرة. فالجهات الدولية لا تعمل كلها وفق الخريطة الإقليمية نفسها. وقد يحتاج المشروع السوداني الواحد إلى مخاطبة مكتب «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في مؤسسة، و«الدول العربية» في مؤسسة ثانية، و«أفريقيا» أو «شرق أفريقيا» في ثالثة، و«القرن الأفريقي» في رابعة. وهذا ليس تفصيلًا بيروقراطيًا؛ فقد يحدد أين تقدم المشاريع، ومن هم الشركاء الممكنون، وأي شبكات إقليمية يستطيع السودانيون دخولها.
ولذلك يمكن للمجتمع المدني السوداني أن يحول هذا الموقع المركب من مصدر ارتباك إلى ميزة عملية: أن يخاطب أفريقيا والعالم العربي والقرن الأفريقي والبحر الأحمر والفضاء الدولي معًا، لا أن يسجن نفسه في دائرة واحدة.
ومن هذا المنظور، فإن المسار التالت، بوصفه مسارًا مدنيًا وإنسانيًا لا سياسيًا ولا عسكريًا، لا يحتاج إلى حسم سؤال «هل السودان أفريقي أم عربي؟» بقدر ما يحتاج إلى الاستفادة من جميع الدوائر التي يقع السودان عند تقاطعها في بناء الشراكات الإنسانية والمعرفية والثقافية، وفي إيصال صوت المجتمع السوداني إلى المؤسسات الإقليمية والأممية المختلفة.
هل لهذا علاقة بالصراع السوداني؟
نعم، ولكن ليس بالطريقة التبسيطية التي تختزل الصراع في عبارة من نوع: «الحرب في السودان حرب عرب وأفارقة».
المسألة أبعد من ذلك، وتمتد إلى طبيعة الدولة نفسها منذ الاستقلال سنة 1956.
فالدولة التي ورثها السودانيون عند الاستقلال لم تبدأ من فراغ. لقد ورثت حدودًا ومؤسسات وهياكل إدارية واقتصادية واجتماعية تشكّل جانب كبير منها خلال الحقبة الاستعمارية، وقبلها، وصولًا إلى زمن السلطنة السنارية، وورثت كذلك تفاوتًا واضحًا بين المركز وأقاليم واسعة من البلاد. بل إن الحرب الأهلية الأولى كانت قد بدأت قبل إعلان الاستقلال نفسه بأشهر، مع تمرد توريت في أغسطس 1955، أي إن دولة 1956 ولدت وهي تحمل داخلها أزمة العلاقة بين المركز والأطراف، وفي مستوى أعمق أزمة العلاقة بين المواطن والدولة على وجه العموم.
ومنذ الاستقلال ظهرت حركات مسلحة وإقليمية عديدة طرحت أسئلة تتصل بتوزيع السلطة والثروة، والأرض، والحكم الذاتي، والاعتراف بالهويات المحلية، والأهم حقوق المواطنة المتساوية. وتشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن جانبًا أساسيًا من الأزمة ارتبط بعجز الدولة ما بعد الاستعمارية عن بناء إطار مواطنة شامل يتجاوز التصنيفات العرقية والإثنية ويستوعب تعدد المجتمع السوداني.
وهكذا فإن الهوية في ذاتها لم تكن سببًا للحروب، وقد تكون بريئة تمامًا من ذلك؛ وإنما تكمن المشكلة في استخدامها وتوظيفها في الصراع السياسي والاجتماعي، كما أن التنوع نفسه ليس سببًا للحرب.
هناك أسباب متداخلة: شكل الدولة، وطبيعة المركز، وتوزيع السلطة والثروة، والتنمية غير المتوازنة، والأرض والموارد، والمؤسسة العسكرية، وأنماط الحكم، إضافة إلى استخدام الانتماءات العرقية والثقافية والدينية سياسيًا في مراحل مختلفة وحتى يومنا هذا.
ومن ثم فإن ثنائية «العرب والأفارقة» قد تصف جانبًا من اللغة التي استُخدمت في بعض الصراعات، لكنها حتمًا لا تكفي لتفسير حالة الدولة السودانية ولا تاريخ صراعاتها وحروبها.
السؤال الأنفع هو:
هل استطاعت دولة 1956 أن تتحول من دولة ورثت هياكلها وحدودها وتفاوتاتها إلى دولة مواطنة يتساوى فيها الناس بصرف النظر عن الإقليم والأصل واللغة والثقافة؟
وهذا السؤال، في تقديري، أكثر فائدة من محاولة تحديد أي هوية غلبت على السودان أو أي هوية نريد لها أن تغلب.
من سؤال الهوية إلى دولة المواطنة
ربما كان أحد أخطاء النقاش السوداني الطويل أن سؤال «من نحن؟» أُعطي أحيانًا وظيفة سياسية كان ينبغي أن يؤديها سؤال آخر:
كيف نصنع صيغة تنظم العيش المشترك بيننا؟
فالدولة الحديثة لا تحتاج إلى إثبات أن جميع مواطنيها ينحدرون من أصل واحد، ولا إلى اختيار ثقافة واحدة واعتبارها التعريف الكامل للأمة.
دولة المواطنة تبدأ من قاعدة أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
أن يكون السوداني سودانيًا بحق المواطنة، لا بدرجة قربه أو بعده من هوية ثقافية أو عرقية أو إقليمية معينة.
وعندها يمكن أن تبقى الهويات كما هي: عربية، نوبية، بجاوية، فوراوية، نوباوية، أفريقية، إسلامية، مسيحية، محلية، لغوية أو ثقافية أو أيديولوجية؛ ويمكن أن تتداخل جميعها في الشخص الواحد دون أن تصبح أي منها شرطًا لاكتساب الحقوق السياسية.
دولة المواطنة بهذا المعنى لا تلغي الهوية، بل تنزع عنها وظيفة تحديد الحقوق.
وهذا مهم بصورة خاصة في السودان لأن تعدد دوائر الانتماء ليس استثناء طارئًا، بل جزء من تكوين البلد نفسه. فإذا كان السودان يقع عند تقاطع كل هذه الأقاليم خارجيًا، فمن الطبيعي أن يكون داخله أيضًا ملتقى لهويات وثقافات متعددة.
ربما كان السؤال نفسه خطأ
لعل الخطأ الذي صاحب تاريخ السودان الحديث هو الاعتقاد بأن علينا أن نعثر على صندوق واحد لنضع فيه البلاد:
إما عرب أو أفارقة.
إما شرق أوسط أو أفريقيا.
إما شمال أو جنوب الصحراء.
لكن السودان، في واقعه، لا يقبل هذا التقسيم البسيط.
إنه بلد في قارة أفريقيا، ولكنه في الوقت نفسه جزء تاريخي من العالم العربي او المصنف عربيا، بحكم روابطه اللغوية والثقافية والتاريخية. وهو شمال أفريقي في نظام الأمم المتحدة الإحصائي، وشمال شرق أفريقي في وصف الاتحاد الأفريقي، وشرق أوسطي/شمال أفريقي في مؤسسات دولية أخرى، وجزء من منظومة القرن الأفريقي، وبلد وادي النيل والبحر الأحمر والساحل والسهل والصحراء في الوقت نفسه.
هذه ليست أزمة جغرافية.
إنها ببساطة نتيجة موقع بالغ التركيب وتاريخ طويل من حركة البشر والثقافات.
والسؤال الحقيقي ربما ليس:
إلى أي إقليم ينتمي السودان؟
بل:
لماذا نصر على أن يكون له إقليم واحد وهو في الأصل منطقة التقاء؟
إذا كانت الخريطة الدولية نفسها لم تستطع حبس السودان في تعريف واحد، فمن باب أولى ألا تحاول السياسة أو الأيديولوجيا أو الدولة حبس السوداني في هوية واحدة.
يمكن للإنسان السوداني أن يحمل أكثر من انتماء ثقافي ومحلي وإقليمي في الوقت نفسه دون أن ينتقص ذلك من مواطنته.
الدولة ليست مطالبة بأن تحدد للناس أنسابهم أو هوياتهم الحضارية.
وظيفتها أن تحسم شيئًا واحدًا فقط:
أنهم متساوون في المواطنة: الحقوق والواجبات.
وربما كانت إحدى مفارقات السودان الكبرى أن ما يبدو في الخارج ثراءً استثنائيًا في الموقع والتاريخ، تحول في الداخل مرارًا وتكرارًا إلى سؤال قلق عن الهوية.
السودان ليس ضائعًا بين عوالم أفريقيا والعالم العربي والشرق الأوسط؛ فالسودان موجود في نقطة اتصالها جميعًا. تلك حقيقة جغرافية واضحة.
والمشكلة هنا لم تكن يومًا في تعدد الدوائر التي ينتمي إليها السودان، بل أحسب أن المشكلة تكمن في محاولات تحويل إحدى هذه الدوائر إلى تعريف وحيد للدولة كلها، ثم مطالبة بقية البلاد بأن تدخل في ذلك التصنيف.
ومن هنا قد تكون الإجابة الأجدى عن السؤال «أين يقع السودان؟»:
السودان في السودان؛ بلد في قارة أفريقيا، عند ملتقى شمال أفريقيا، ووادي النيل، والساحل، والقرن الأفريقي، والبحر الأحمر، والعالم العربي، وتمتد صلاته المؤسسية والسياسية إلى الشرق الأوسط. وهذه التعددية ليست مشكلة مطلوبًا حلها، بل حقيقة يمكن أن تُبنى فوقها دولة المواطنة، وأن ينطلق منها المجتمع المدني السوداني في علاقاته بالعالم بدل أن يظل أسير السؤال: إلى أي خانة ينتمي؟
محمد جمال الدين حامد، باحث مستقل، مهتم بأنثروبولوجيا السودان ومحيطه الإقليمي، وبقضايا المجتمع والثقافة ودولة المواطنة
|
|