اكتشف علماء في جامعة ستانفورد أن الدماغ عبارة عن عضوين منفصلين يعملان معاً، وليس وحدة واحدة متكاملة.
ويرجح الباحثون الآن أنه في مرحلة ما من التاريخ التطوري للبشر، ربما كان جزآ الدماغ منفصلين مكانياً -على غرار قناديل البحر التي تمتلك جهازين عصبيين في أجزاء مختلفة من أجسامها- قبل أن يلتحما معاً.
وبناءً على ذلك، يعتقد الخبراء أن الدماغ البشري يتكون من نظامين عصبيين قديمين "مُدمجين معاً ببراعة" وتطورا بشكل مستقل على مدى ملايين السنين.
يتولى أحد الجزأين البدائيين -المعروف باسم الدماغ الخلفي أو جذع الدماغ- مهاماً حيوية للبقاء على قيد الحياة، مثل الحفاظ على نبضات القلب، وتحفيز النوم، والتحكم في التنفس؛ ويقع هذا الجزء في مؤخرة الجمجمة.
في المقابل، يتولى الدماغ الأوسط والدماغ الأمامي مسؤولية العمليات الذهنية العليا، مثل اللغة والمنطق والتفكير التجريدي.
وقد اكتشف الخبراء أن هذين الجزأين تطورا بشكل مستقل، ومع ذلك يمكنهما العمل معاً بتناغم تام.
وفي تصريح لصحيفة "التلغراف"، قال ريان جوخاي، المؤلف الرئيسي للدراسة: "على الرغم من أن مقدمة الدماغ ومؤخرته تنشآن من مصادر مختلفة، إلا أنه من اللافت للنظر كيف ترتبطان ببعضهما ارتباطاً وثيقاً لتشكيل دماغ وظيفي متكامل".
وأضاف: "يُعد تحريك عضلات الجسم مثالاً نموذجياً على ذلك؛ إذ تتخذ مقدمة الدماغ قرار القيام بالحركة، بينما تنسق مؤخرة الدماغ التفاصيل الدقيقة لهذه الحركة في الحيز المكاني وتضمن سلاسة أدائها".
وتابع قائلاً: "بالإضافة إلى ذلك، تنطلق إشارات حركات الوجه والرقبة من مقدمة الدماغ، لكن تنفيذها يتم مباشرة عبر مؤخرة الدماغ بواسطة الخلايا العصبية الحركية. وهذا أمر بالغ الأهمية لقدرتنا على الأكل والبلع وتكوين تعبيرات الوجه". توصل الباحثون إلى هذا الاكتشاف أثناء محاولتهم فهم سبب استحالة تنمية خلايا من "الدماغ الخلفي" في المختبر، على الرغم من سهولة استنبات خلايا من "الدماغ الأوسط" و"الدماغ الأمامي".
وقد أعاق تعذر تنمية خلايا الدماغ الخلفي الأبحاث المتعلقة بأمراض مدمرة تصيب جذع الدماغ، مثل "الضمور العضلي الشوكي" (SMA) و"التصلب الجانبي الضموري"، وهي أمراض تعيق وظائف الأكل والبلع والنطق.
كان علماء الأعصاب يفترضون سابقاً وجود خلية سلفية واحدة في المراحل المبكرة من النمو تؤدي إلى تكوين الدماغ بأكمله، إلا أنهم اكتشفوا -أثناء دراسة اللحظات الأولى للنمو الجنيني لدى الفئران- أن الدماغ الخلفي يتبع مساراً نمائياً منفصلاً تماماً.
تمكن العلماء من رصد اللحظات الأولى لتكوين الدماغ من خلال فحص أجنة الفئران في مرحلة تُعرف بـ "المعيدة" (gastrulation)؛ وهي المرحلة التي يبدأ فيها الجسم بتشكيل هيئته بدلاً من كونه مجرد كيس من الخلايا.
ولا يمكن إجراء هذه الدراسات على الأجنة البشرية؛ إذ يُحظر إجراء تجارب عليها بمجرد بدء مرحلة "المعيدة" لاعتبارات أخلاقية، غير أن النتائج التي تم التوصل إليها قابلة للتطبيق على البشر.
حدد الفريق نوعين مختلفين من الخلايا السلفية الدماغية: النوع الأول يعبّر عن جين يُدعى "Otx2"، ومصيره التحول إلى الدماغ الأمامي والدماغ الأوسط.
أما النوع الثاني فيعبّر عن جين يُدعى "Gbx2"، وهو مخصص لتكوين الدماغ الخلفي؛ ولا يحدث أي تداخل بين هاتين المجموعتين من الخلايا.
وباستخدام هذه المعرفة الجديدة، فحص الباحثون كيفية حزم الحمض النووي (DNA) داخل الخلايا، واكتشفوا أن طريقة الحزم تختلف تماماً بين النوعين. وأشار باحثون من جامعة ستانفورد إلى أن هذا الاختلاف في مراحل النمو المبكرة يحدد مصائر مختلفة للخلايا، "مثل مسافرين على مسارات متوازية لا تتقاطع أبداً".
وأضاف الدكتور كايل لوه، الأستاذ المشارك في بيولوجيا النمو بجامعة ستانفورد: "لقد أثبتنا لأول مرة أن الجزء الأمامي من الدماغ ينشأ من خلية سلفية تختلف تماماً عن تلك التي ينشأ منها الجزء الخلفي للدماغ".
وتابع قائلاً: "ربما كان من الأفضل كفاءةً أن يتكون الدماغ كعضو واحد، لكننا نعتمد على هذه الآلية البدائية لتكوين الدماغ في هيئة جزأين منفصلين".
وتشير أبحاثنا إلى أن عملية التطور أخذت نظامين عصبيين كانا موجودين بالفعل ودمجتهما معاً في حيز مكاني واحد.
يعني هذا الاكتشاف أن العلماء أصبح بإمكانهم الآن تنمية عصبونات (خلايا عصبية) مستمدة من جذع الدماغ في أطباق المختبر ودراسة وظائفها. وقد نجح الباحثون في توجيه الخلايا الجذعية البشرية متعددة القدرات -التي يمكنها التحول إلى أي نوع من خلايا الجسم- لتصبح عصبونات حركية وظيفية خاصة بالجزء الخلفي من الدماغ (الدماغ الخلفي) داخل المختبر.
كان يُعتقد سابقاً أن الدماغ الخلفي -المسؤول عن التحكم في الوظائف الحيوية للحياة- هو الجزء الذي تطور أولاً، إلا أن الباحثين اكتشفوا النمط نفسه المتمثل في وجود "دماغين" لدى ديدان البلوط (acorn worms)؛ وهي كائنات دقيقة تعيش في قاع المحيط وتشترك مع البشر في سلف مشترك بعيد.
ويشير هذا إلى أن تلك الأنظمة العصبية المنفصلة -التي تعمل الآن كوحدة واحدة تقريباً- كانت موجودة بالفعل منذ 500 مليون سنة.
نهج جديد لنمذجة الأمراض مع توفر إمكانية تنمية عصبونات الدماغ الخلفي لدى الباحثين، من المرجح أن تتسارع وتيرة تطوير علاجات لمرض ضمور العضلات الشوكي (SMA) والتصلب الجانبي الضموري (ALS)؛ وهما مرضان يؤديان إلى موت عصبونات الدماغ الخلفي، دون أن يدرك العلماء الآلية الدقيقة لحدوث ذلك.
وأضاف السيد جوخاي: "إن قدرتنا على إنتاج أعداد كبيرة من العصبونات الحركية للدماغ الخلفي البشري انطلاقاً من خلايا جذعية في أطباق المختبر تتيح نهجاً جديداً لنمذجة هذه الأمراض".
وتابع قائلاً: "نحن ندرس الآن -بدقة عالية- كيف يتسبب مرض ضمور العضلات الشوكي في موت العصبونات الحركية للدماغ الخلفي داخل المختبر، ونأمل في استخدام هذا النظام لاكتشاف واختبار أدوية لعلاج هذا المرض".
"ويتمثل الأمل في توفير علاجات تجديدية يوماً ما للمرضى الذين يعانون من العديد من الأمراض التنكسية العصبية الموجودة حالياً".
نُشرت هذه النتائج في دورية "نيتشر نيوروساينس" (Nature Neuroscience).
أدمغة غريبة في عالم الحيوان
لقد أدى التطور إلى تنوع مذهل في آلية عمل هذا العضو الحيوي عبر أرجاء العالم الطبيعي.
الأخطبوط
يمتلك الأخطبوط تسعة أدمغة: دماغاً صغيراً في كل ذراع، ودماغاً مركزياً على شكل حلقة (دونات) يقع بين عينيه.
توجد أكثر من 60% من خلاياه العصبية في أذرعه، مما يتيح لكل طرف القدرة على الاستشعار والتذوق والحركة بشكل مستقل.
يمتلك الأخطبوط عدداً من الخلايا العصبية يقارب ما يمتلكه الكلب، ويتميز ببراعة في استخدام الأدوات، وحل المتاهات المعقدة، وتمييز الوجوه البشرية، وإيجاد طرق للخروج من الحاويات المغلقة، والمشي في قاع البحر حاملاً أشياءً مختلفة.
نجم البحر
يفتقر نجم البحر إلى الدماغ؛ وبدلاً من ذلك، يمتلك جهازاً عصبياً يتكون من حلقة عصبية تحيط بفمه وأعصاب شعاعية تمتد على طول كل ذراع.
في عام 2023، خلص العلماء إلى أن نجم البحر هو مجرد "رأس يزحف على قاع البحر".
توجد الإشارات التي تُرصد عادةً في الدماغ الأمامي لدى البشر في منتصف كل ذراع من أذرع نجم البحر، بينما يظهر التعبير الجيني المماثل لما يوجد في الدماغ الأوسط البشري باتجاه الحواف الخارجية للأذرع.
الصراصير
تمتلك الصراصير دماغاً رئيسياً يقع في الرأس، بالإضافة إلى مجموعات عصبية ثانوية موزعة في أنحاء الجسم.
وهذا يعني أن الصرصور يمكنه العيش لأسابيع دون رأسه؛ لأنه لا يعتمد على دماغه في التنفس أو الدورة الدموية، وإنما يموت في النهاية لعدم قدرته على الشرب.
بخاخات البحر (الأسيديا)
تبدأ بخاخات البحر -التي تشبه كتلًا هلامية برميلية الشكل تلتصق بالصخور أو قاع البحر- حياتها بوجود دماغ، لكنها تتخلص منه لاحقاً.
في مرحلة اليرقة، تحتاج هذه الكائنات إلى دماغ بدائي صغير للبحث عن مكان مناسب لتثبيت نفسها في قاع المحيط، لكنها بعد ذلك تلتهم أدمغتها لإعادة استخدام الطاقة في بناء المعدة.
كسارة البندق (طائر كلارك)
يمتلك هذا الطائر، الذي يعيش في غابات شمال غرب أمريكا، منطقة "الحصين" (hippocampus) كبيرة بشكل استثنائي؛ وهي المنطقة الدماغية المسؤولة عن الذاكرة المكانية.
وتتيح هذه الميزة للطائر تذكر آلاف المواقع التي خبأ فيها المكسرات لفترات تصل إلى عدة أشهر. يمكن لطائر "كسارة البندق" (من نوع Clark's nutcracker) تخزين ما يصل إلى 33,000 بذرة صنوبر في آلاف المواقع المتباعدة كل خريف، كما يمكنه العثور على مخابئ البذور تلك ونقلها حتى بعد أن تغطي الثلوج الكثيفة أرجاء المكان.
ملخص مبسط للمقال
صيغ عنوان صحيفة "التلغراف" بأسلوب مثير ومبالغ فيه عمداً؛ فالدراسة لم تكتشف أن البشر يمتلكون حرفياً دماغين منفصلين داخل جماجمهم.
ما وجده باحثو جامعة ستانفورد بالفعل هو أن:
الدماغ الأمامي والدماغ الأوسط (المسؤولان عن التفكير، والاستدلال، واللغة، والتخطيط) ينشآن من مجموعة واحدة من الخلايا الجنينية.
الدماغ الخلفي/جذع الدماغ (المسؤول عن التنفس، ونبض القلب، والبلع، والنوم، ووظائف البقاء الأساسية) ينشأ من مجموعة مختلفة من الخلايا الجنينية.
يظل هذان المساران التنمويان منفصلين ومتميزين منذ المراحل المبكرة جداً للتطور الجنيني.
وبناءً على ذلك، يرى الباحثون أنه يمكن النظر إلى الدماغ البشري باعتباره نظامين عصبيين قديمين اندمجا في بنية وظيفية واحدة خلال مسار التطور.
بعبارة أخرى:
الصيغة العنوانية: "الدماغ عبارة عن عضوين."
الصيغة العلمية: "تنشأ أجزاء مختلفة من الدماغ من أصول جنينية وتطورية مختلفة."
وهذا طرح أكثر دقة وتحفظاً.
شرح للمصطلحات العلمية الرئيسية
الدماغ الخلفي (جذع الدماغ) Hindbrain (Brainstem)
أقدم أجزاء الدماغ من منظور تطوري.
يتحكم في:
التنفس
نبض القلب
البلع
دورات النوم
المنعكسات (ردود الفعل) الأساسية
إذا توقف جذع الدماغ عن العمل، يصبح البقاء على قيد الحياة مستحيلاً.
الدماغ الأمامي Forebrain
المنطقة الأكبر والأكثر تطوراً.
مسؤول عن:
اللغة
الذاكرة
التخطيط
التفكير الواعي
اتخاذ القرار
معظم ما يعتبره الناس "العقل" يحدث هنا.
الدماغ الأوسط Midbrain
منطقة أصغر تساعد في الربط بين مناطق الدماغ الأخرى والتنسيق فيما بينها.
يشارك في:
الحركة
معالجة المعلومات الحسية
الانتباه
الخلية السلفية (Progenitor cell)
خلية جنينية "أصلية" (أو خلية منشئة).
تتحول هذه الخلايا في النهاية إلى أنسجة عصبية متخصصة.
وجد فريق ستانفورد خلايا سلفية مختلفة لأنظمة دماغية مختلفة.
مرحلة التمعّد (Gastrulation)
إحدى المراحل المبكرة جداً للتطور الجنيني.
في هذه المرحلة، يبدأ الجنين في تنظيم نفسه ليشكل هياكل جسدية متميزة.
وهنا رصد الباحثون مساري التطور المختلفين.
الخلايا الجذعية متعددة القدرات Pluripotent stem cells
خلايا متخصصة قادرة على التحول إلى أي نوع من خلايا الجسم تقريباً.
استخدمها الباحثون لتخليق عصبونات (خلايا عصبية) خاصة بالدماغ الخلفي في المختبر.
ما هو الاكتشاف الفعلي؟
الاكتشاف الأهم ليس التكهنات المتعلقة بالتطور.
الاكتشاف الأهم هو التالي:
وجد العلماء أن خلايا الدماغ الخلفي وخلايا الدماغ الأمامي تنشأ من أصول نمائية مختلفة، وذلك في مرحلة مبكرة جداً عما كان يُعتقد سابقاً.
الجينات المعنية هي:
Otx2 ← المسار المؤدي للدماغ الأمامي والدماغ المتوسط
Gbx2 ← المسار المؤدي للدماغ الخلفي
لاحظ الباحثون أن مجموعات الخلايا هذه تظل منفصلة منذ البداية.
تلك حقيقة بيولوجية ملموسة.
هل ثمة مبرر للقول بوجود "دماغين"؟
نعم جزئياً، ولا جزئياً.
لماذا يميل الباحثون إلى تأييد هذا الرأي؟
النظامان:
ينشآن من خلايا سلفية مختلفة
يتبعان برامج نمائية مختلفة
يخضعان لتنظيم جيني مختلف
يؤديان وظائف مختلفة للغاية
ومن هذا المنظور، يبدوان وكأنهما نظامان عصبيان قديمان اندمجا معاً.
لماذا يبدي العديد من علماء الأعصاب حذراً تجاه هذه الفكرة؟
النظامان لا يشكلان عضوين مستقلين في الوقت الحاضر.
فهما:
يتشاركان في التروية الدموية
يتشاركان في الأعصاب
يتبادلان المعلومات باستمرار
لا يمكنهما العمل بشكل منفصل لدى البشر
لا يستطيع الجراح استئصال أحدهما وترك الآخر يعمل بشكل طبيعي.
لذا، ومن الناحية العملية والتشريحية، يظل الدماغ عضواً واحداً.
إن الحديث عن "عضوين" يمثل تفسيراً تطورياً ونمائياً أكثر منه وصفاً تشريحياً.
الحجة التطورية
يطرح الباحثون الفرضية التالية:
امتلكت حيوانات قديمة جداً أنظمة عصبية منفصلة.
تطورت هذه الأنظمة بشكل مستقل.
عمل التطور على دمجها تدريجياً.
ورثت الفقاريات الحديثة هذا التركيب المدمج.
وهنا تزداد درجة التكهن في المقال.
الأدلة الداعمة للفكرة
وجد الباحثون أنماطاً مشابهة لدى:
ديدان البلوط (Acorn worms)
الأنظمة العصبية للحيوانات البدائية
وهذا يشير إلى أن هذا التمايز قد يكون قديماً للغاية.
وبناءً على ذلك، يرجع الباحثون الأصول إلى زمن سحيق في التاريخ التطوري، ربما قبل مئات الملايين من السنين.
ما يظل غير مؤكد
لا تثبت الدراسة أن أسلافنا امتلكوا حرفياً دماغين منفصلين مادياً.
بل تشير إلى وجود برنامجين عصبيين نمائيين.
وهناك فرق بين الأمرين.
غير أن المقال يطمس هذا الفرق أحياناً.
قد تفوق الأهمية الطبية نظيرتها التطورية
ومن المفارقات أن التداعيات الطبية قد تكون أكثر أهمية من العنوان المثير حول "وجود دماغين".
لسنوات، واجه الباحثون صعوبة في تنمية عصبونات (خلايا عصبية) الدماغ الخلفي في المختبر.
كان اتفاق السلام المبرم في بريتوريا بشأن إثيوبيا اتفاقاً لوقف الأعمال العدائية، ولم يكن تسوية سياسية شاملة. فالتسوية السياسية هي اتفاق دائم ومستدام بين قوى مؤثرة يحقق مكاسب معينة للحيلولة دون نشوب الصراع.
وقعت الحكومة الإثيوبية و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" اتفاق بريتوريا عام 2022؛ وقد أدى الاتفاق إلى وقف القتال واسع النطاق في إقليم تيغراي ووضع إطار لنزع السلاح وتدابير عاجلة أخرى، لكنه كان يهدف أيضاً إلى تمهيد الطريق لحوار سياسي يعالج الخلافات الجوهرية.
كان من شأن هذه التسوية السياسية أن تعيد الحكم الذاتي لتيغراي من خلال حكومة إقليمية منتخبة، وأن تعيد تمثيل الإقليم في غرفتي البرلمان الإثيوبي، وكذلك في السلطتين التنفيذية والقضائية الفيدراليتين. وبدلاً من ذلك، أُلغي تسجيل "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" واستُبعد الإقليم من انتخابات يونيو 2026.
كما نص اتفاق بريتوريا على انسحاب القوات الإريترية وغيرها من القوات غير الفيدرالية من أراضي تيغراي، ودعا إلى المساءلة عن جرائم الحرب المزعومة وانتهاكات أخرى.
غير أن هذه التسوية الأوسع نطاقاً لم تتحقق قط، وبدأت العواقب تتضح الآن.
لقد استؤنف القتال بين القوات الحكومية وقوات تيغراي، وشهد الإقليم ضربات جوية وهجمات بطائرات مسيرة. كما شكلت سبع منظمات مسلحة - بما في ذلك جماعات كانت قد تقاتلت فيما بينها خلال حرب تيغراي (2020-2022) - تحالفاً يسعى للإطاحة بحكومة رئيس الوزراء أبي أحمد.
وقد ركز جانب كبير من رد الفعل الدولي تجاه تصاعد الصراع على "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"؛ فعلى سبيل المثال، اتهم السفير الأمريكي إرفين ماسينغا الجبهة في أواخر سبتمبر 2026 باتخاذ
قرار سيء بشن هجوم واسع النطاق.
ووصف السفير تلك الحملة بأنها "معركة لا يمكن كسبها"، مهدداً بفرض مزيد من العقوبات على الجبهة وقادة التحالف المسلح الذي تشكل حديثاً. غير أن التركيز على الطرف الذي شن الهجوم الأخير قد يحجب سؤالاً أكثر أهمية: لماذا فشلت عملية السلام التي أنهت حرب تيغراي عام 2022 في الحيلولة دون العودة إلى الصراع؟
بصفتي باحثاً متخصصاً في القانون الدستوري وخبيراً في الشأن الإثيوبي -مع تركيز خاص على مجالي صنع السلام وبنائه- أرى أن الفشل في الانتقال من "اتفاق بريتوريا" إلى تسوية سياسية أوسع نطاقاً قد أدى إلى ثلاث عواقب رئيسية:
نشوء تحالف مسلح يربط بين الصراعات في عدة أقاليم؛
تجدد الهجمات التي تنطوي على مخاطر وقوع المزيد من الضحايا المدنيين وحدوث نزوح جماعي؛
وتصاعد التوترات مع إريتريا، مما قد يجر صراعات إثيوبيا إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وعليه، فإن الحيلولة دون اندلاع حرب أوسع نطاقاً في إثيوبيا تتطلب ما هو أكثر من مجرد العودة إلى "اتفاق بريتوريا"؛ إذ تحتاج البلاد إلى تسوية سياسية شاملة. وينبغي أن تتم المفاوضات بشأن هذه التسوية بين قيادة آبي والقوى المناهضة للحكومة، لا أن تقتصر على اتفاق ثنائي آخر مع تيغراي.
المرحلة الانتقالية
فرض اتفاق بريتوريا التزامات عسكرية وسياسية على كل من الحكومة الإثيوبية وقوات تيغراي.
كان من المقرر أن تقوم "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" بتسليم أسلحتها، وأن تساعد الحكومة الفيدرالية في رفع تصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية، واستعادة الخدمات الأساسية في تيغراي، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، فضلاً عن عودة السلطة الفيدرالية إلى الإقليم.
وربطت محادثات السلام اللاحقة في نيروبي بين تسليم الأسلحة الثقيلة الخاصة بتيغراي وبين انسحاب القوات الأجنبية وغير الفيدرالية من الإقليم.
بدأت قوات تيغراي في تسليم أسلحتها الثقيلة في يناير 2023، وشهد فريق مراقبة تابع للاتحاد الأفريقي هذه العملية وأكدها؛ إلا أن الحكومة الفيدرالية لم تضمن الانسحاب المقابل للقوات الأخرى.
ولا تعفي هذه الإخفاقات قيادة تيغراي من بعض المسؤولية عن تصاعد الصراع؛ فقد خالفت خطوتها المتمثلة في إعادة العمل بالإدارة الإقليمية التي كانت قائمة قبل الحرب بنودَ اتفاق بريتوريا، الذي نص على تشكيل إدارة مؤقتة عبر الحوار تتولى الحكم لحين إجراء انتخابات تحت إشراف المجلس الوطني للانتخابات. وعلاوة على ذلك، فإن التقارير التي تتحدث عن عمليات حشد عسكري قسري تثير قلقاً بالغاً.
غير أن هذه التحركات جاءت في ظل عملية سلام كانت قد أُضعفت بالفعل بسبب عدم اكتمال تنفيذ بنود الاتفاق.
التبعات
يُغيّر تشكيل تحالف مناهض للحكومة طبيعة المشهد؛ إذ يضم "تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء" كلاً من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وجيش تحرير أورومو، وعناصر من "فانو" في أمهرة، ومنظمات من أقاليم أخرى، علماً بأن بعض هذه المجموعات كانت قد خاضت صراعات فيما بينها في السابق.
ولا يعني هذا التحالف أن حكومة آبي على وشك الانهيار؛ فالدولة الفيدرالية لا تزال تسيطر على الجيش والقوة الجوية والطائرات المسيرة والإيرادات الفيدرالية وآليات الحكم.
لكن هذا التحالف لا يحتاج إلى أيديولوجية مشتركة أو قيادة ميدانية موحدة ليتسبب في مشكلات للحكومة الفيدرالية؛ إذ قد يكون مجرد التنسيق في العمليات عبر الأقاليم كافياً لذلك.
فالتصعيد في تيغراي قد يجذب القوات الفيدرالية نحو الشمال، والقتال في أمهرة قد يستنزف القوات ويعيق الوصول إلى الشمال، بينما قد تفرض الضغوط في أوروميا على الحكومة الدفاع عن مداخل العاصمة وممرات النقل الرئيسية.
وبالتالي، يمكن لكل جبهة أن تؤثر في الجبهات الأخرى، حتى وإن لم تقاتل قوات التحالف جنباً إلى جنب في الميدان. تتمثل التحدي المباشر الذي يواجه الحكومة الفيدرالية في تشتت القوات عبر مناطق صراع متباعدة تختلف فيما بينها من حيث التضاريس وخطوط الإمداد والديناميكيات السياسية.
كما تزيد الهجمات الجوية وهجمات الطائرات المسيرة المتجددة من خطر حدوث أزمة إنسانية أخرى؛ إذ لا تزال منطقة تيغراي تتعافى من آثار الحرب التي دارت رحاها بين عامي 2020 و2022، وينطوي التصعيد على مخاطر وقوع إصابات في صفوف المدنيين، وحدوث نزوح، وتعطيل لعمليات المساعدات الإنسانية.
مسألة إريتريا والسودان
لا يزال دور إريتريا في التصعيد الأخير للصراع محل جدل؛ ففي حين تتهم إثيوبيا أسمرة بدعم جماعات مسلحة، تنفي إريتريا ذلك.
كما صرح آبي ومسؤولون إثيوبيون كبار آخرون مراراً بضرورة حصول بلادهم على منفذ إلى البحر الأحمر. وقد فُسرت التصريحات التي تشير إلى ميناء عصب الإريتري في إريتريا على أنها تهديد؛ إذ يُعد الميناء جزءاً من الأراضي الإريترية المعترف بها دولياً، وأي محاولة للاستيلاء عليه بالقوة ستشكل انتهاكاً للسيادة الإريترية.
وقد يتشابك الصراع أيضاً مع الحرب الدائرة في السودان. فوفقاً لتقرير لوكالة "رويترز"، تستضيف إثيوبيا معسكراً يُستخدم لتدريب مقاتلين شبه عسكريين لصالح قوات الدعم السريع السودانية. ورغم نفي إثيوبيا تورطها في ذلك، فإنها تتهم القوات المسلحة السودانية بدعم "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، وهو اتهام ينفيه السودان.
وفي حال ترسخت هذه التحالفات، فقد يوفر الصراعان الإثيوبي والسوداني لبعضهما البعض طرقاً لإمدادات الأسلحة، فضلاً عن توفير مجندين وقواعد خلفية ودعم خارجي. وهذا يزيد من خطر امتداد الصراع من السودان عبر شمال إثيوبيا وصولاً إلى إريتريا والبحر الأحمر.
ما الخطوة التالية؟
تتمثل الأولويات العاجلة في وقف الهجمات على المناطق المأهولة بالسكان وحماية الممرات الإنسانية، بالإضافة إلى ضرورة استعادة آليات المراقبة المستقلة والوفاء بالالتزامات الأمنية العالقة.
إن أي اتفاق ثنائي آخر بين أديس أبابا و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" لن يكون كافياً؛ فالصراع بات يربط الآن بين حركات مسلحة ومظالم سياسية تمتد عبر عدة أقاليم.
ويتطلب منع نشوب حرب أوسع نطاقاً التوصل إلى اتفاق شامل يضم الحكومة الفيدرالية، وتحالف الجماعات المسلحة، والجهات الفاعلة السياسية غير المسلحة، والمجتمع المدني. ويجب أن يعالج هذا الاتفاق قضايا النزاعات الإقليمية، والتمثيل السياسي، والانتخابات، والمساءلة، والحكم الذاتي الإقليمي، والإصلاح الدستوري، وتقاسم السلطة.
لقد أوقف اتفاق بريتوريا مرحلة واحدة من حرب واحدة، إلا أن عدم استكمال تنفيذه ترك نزاعات عالقة بدأت تتصادم وتتفاقم الآن.
ملخص حجة المقال
تتمحور حجة الكاتب حول نقطة بسيطة:
لقد نجح اتفاق بريتوريا في وقف حرب تيغراي (2020-2022)، لكنه فشل في إرساء تسوية سياسية دائمة. ونظراً لعدم تسوية الخلافات السياسية العميقة، فقد انزلقت إثيوبيا مجدداً نحو صراع واسع النطاق.
لا يركز المقال بشكل أساسي على تحديد الطرف الذي أطلق الرصاصة الأولى في الجولة الأخيرة من القتال.
بل يطرح السؤال التالي:
لماذا فشل اتفاق السلام الموقع عام 2022 في الحيلولة دون تجدد الحرب بحلول عام 2026؟
ويرى الكاتب أن اتفاق بريتوريا كان في المقام الأول اتفاقاً لوقف إطلاق النار وترتيبات أمنية، وليس تسوية سياسية شاملة.
ما هو اتفاق بريتوريا؟
يطرح المقال تمييزاً مهماً:
اتفاق وقف إطلاق النار
يركز اتفاق وقف إطلاق النار بشكل أساسي على:
وقف القتال الفعلي
نزع سلاح القوات تأمين وصول المساعدات الإنسانية الترتيبات الأمنية الفورية التسوية السياسية
تُعد التسوية السياسية مفهوماً أوسع نطاقاً.
فهي تتناول قضايا مثل:
من يتولى الحكم
التمثيل السياسي
الانتخابات
الحكم الذاتي الإقليمي
الخلافات الدستورية
تقاسم السلطة
وتتلخص حجة الكاتب في أن اتفاق بريتوريا حقق الهدف الأول لكنه أخفق في تحقيق الهدف الثاني.
الانتقاد الرئيسي للكاتب
وفقاً للمقال، ظلت عدة قضايا رئيسية دون حل:
1. الوضع السياسي لإقليم تيغراي
يرى الكاتب أن اتفاق بريتوريا كان من المفترض أن يهيئ الظروف الملائمة لـ:
تشكيل حكومة منتخبة في تيغراي
استعادة التمثيل في المؤسسات الفيدرالية
إعادة الاندماج في النظام السياسي الإثيوبي
ويعتقد الكاتب أن ذلك لم يتحقق بالكامل.
ويشير المقال تحديداً إلى:
إلغاء تسجيل "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" (TPLF)
استبعاد تيغراي من انتخابات عام 2026
باعتبار ذلك دليلاً على عدم حدوث تطبيع سياسي.
2. انسحاب القوات الأجنبية
تشير التقارير إلى أن الاتفاق ربط بين:
نزع سلاح قوات تيغراي
و
انسحاب القوات الإريترية وغيرها من القوات غير الفيدرالية
ويذكر المقال أن:
قوات تيغراي سلمت أسلحتها الثقيلة
عملية انسحاب القوات الأجنبية لم تكتمل
ويُطرح هذا الأمر باعتباره واحداً من أكبر إخفاقات التنفيذ. 3. المساءلة
يشير المقال إلى أن كلاً من:
المساءلة عن جرائم الحرب المزعومة
والتحقيق في الانتهاكات
قد نوقشا، لكن لم يتم تنفيذهما بالكامل قط.
ويرى الكاتب في ذلك مظلمة أخرى لم تُعالَج.
ما الذي يعزوه الكاتب إلى عودة الحرب؟
يحدد الكاتب ثلاث عواقب رئيسية.
النتيجة الأولى:
تشكيل تحالف وطني مناهض للحكومة
يرى المقال أن الصراعات المختلفة في إثيوبيا قد أصبحت مترابطة.
ووفقاً للكاتب، يضم هذا التحالف الآن مجموعات من:
تيغراي
أوروميا
أمهرة
مناطق أخرى
علماً بأن العديد من هذه المجموعات كانت تتقاتل فيما بينها تاريخياً.
وتكمن الأهمية -بحسب الكاتب- ليس بالضرورة في تحقيق وحدة عسكرية.
بل في الآتي:
قد تتحدى مناطق متعددة الحكومة الفيدرالية في آن واحد.
يؤثر الضغط في منطقة ما على منطقة أخرى.
تتعرض موارد الحكومة للاستنزاف والضغط الشديد.
وهذا طرح استراتيجي وليس أيديولوجياً.
التبعة الثانية:
المخاطر الإنسانية
يحذر المقال من:
موجات نزوح جديدة
سقوط ضحايا مدنيين
تعطل وصول المساعدات
يؤكد الكاتب أن إقليم تيغراي كان لا يزال يتعافى من آثار الحرب السابقة عندما اندلع قتال جديد.
التبعة الثالثة:
التصعيد الإقليمي
يرى المقال أن الصراعات في إثيوبيا تنطوي على خطر الارتباط بأحداث في:
إريتريا
السودان
ويخشى الكاتب من نشوب أزمة إقليمية أوسع تمتد عبر منطقة شمال شرق أفريقيا.
النقاش حول إريتريا
يكتسي القسم المتعلق بإريتريا أهمية خاصة.
يشير المقال إلى ما يلي:
تتهم إثيوبيا إريتريا بدعم جماعات مسلحة.
تنفي إريتريا هذا الاتهام.
لا يجزم الكاتب بصحة موقف أي من الطرفين.
بل يرى أن التوترات في تزايد مستمر.
يتناول المقال أيضاً التصريحات الإثيوبية المتكررة بشأن الوصول إلى البحر الأحمر.
ويشير الكاتب إلى أن الإشارات المتعلقة بميناء "عصب" تُفسَّر في إريتريا على أنها تهديدات.
ويعكس هذا قلقاً سياسياً حقيقياً في إريتريا، بغض النظر عما إذا كانت إثيوبيا تعتزم القيام بعمل عسكري أم لا.
النقاش حول السودان
يتناول المقال بإيجاز الادعاءات والاتهامات المتبادلة المتعلقة بالسودان.
وفقاً للمقال:
نقلت وكالة "رويترز" مزاعم بشأن تدريب قوات الدعم السريع.
نفت إثيوبيا تورطها في ذلك.
وجهت إثيوبيا اتهامات منفصلة للسودان.
ونفى السودان تلك الاتهامات.
يُلاحظ هنا توخي الكاتب الحذر.
فهو يتعامل مع هذه الأمور باعتبارها مزاعم وليست حقائق ثابتة.
ما الذي يقترحه الكاتب؟
يرى الكاتب أن مجرد العودة إلى اتفاق بريتوريا لم تعد كافية.
ويتمثل الحل الذي يقترحه في إجراء مفاوضات وطنية موسعة تشمل:
السلطات الفيدرالية
المعارضة المسلحة
الأحزاب السياسية
مجموعات المجتمع المدني
والهدف هو التوصل إلى تسوية على مستوى البلاد بأكملها، بدلاً من الاكتفاء باتفاق يركز فقط على إقليم تيغراي.
نقاط القوة في المقال
1. التركيز على الجوانب الهيكلية بدلاً من توجيه اللوم
تركز العديد من النقاشات على:
"من بدأ القتال؟"
في المقابل، يطرح الكاتب السؤال التالي:
"لماذا فشلت عملية السلام؟"
وهو سؤال تحليلي مفيد.
2. الإقرار بتعدد الأطراف الفاعلة
لا يصور المقال الأزمة الإثيوبية على أنها مجرد صراع بين أديس أبابا وتيغراي.
بل يتعامل مع كل من:
تيغراي
أمهرة
أوروميا
إريتريا
السودان
باعتبارها عوامل مترابطة. هذا منظور أوسع.
3. الإقرار بمسؤولية "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" (TPLF)
على الرغم من تعاطف المقال مع الرأي القائل بأن اتفاقية بريتوريا لم تُنفذ بالكامل، إلا أنه يقرّ بأن:
إعادة الإدارة التي كانت قائمة قبل الحرب
وعمليات التعبئة القسرية المزعومة
تُعد ممارسات إشكالية قامت بها سلطات تيغراي.
وهذا ما يمنع المقال من أن يكون منحازاً لطرف واحد بشكل كامل.
نقاط الضعف والانتقادات
1. الاهتمام المحدود بمخاوف الأمن الفيدرالي
يخصص المقال حيزاً أكبر لمناقشة إخفاقات الحكومة الفيدرالية مقارنة بمناقشة الأسباب التي قد تكون جعلت السلطات الفيدرالية مترددة في تقديم تنازلات سياسية إضافية.
وقد يجادل مؤيدو الحكومة بأن:
المخاوف الأمنية ظلت قائمة وخطيرة.
التطبيع السياسي الكامل كان يتطلب ضمانات أقوى.
عمليات نزع السلاح وإعادة الدمج السياسي لم يكن بالإمكان المضي فيها بالتزامن.
إلا أن المقال يخصص وقتاً قليلاً نسبياً لاستعراض وجهة النظر هذه.
2. افتراض إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية
يفترض الكاتب أن التوصل إلى تسوية أوسع نطاقاً كان أمراً ممكناً.
ومع ذلك، يمكن القول إن:
الصراعات في إثيوبيا تنطوي على أهداف متناقضة جوهرياً.
فبعض الأطراف تسعى للحصول على الحكم الذاتي.
وبعضها يسعى لإجراء إصلاح دستوري شامل.
وبعضها الآخر يسعى لتغيير النظام.
وقد يكون من الصعب التوفيق بين هذه الأهداف من خلال التفاوض.
3. التقليل من شأن انعدام الثقة التاريخي
يتعامل المقال مع الحوار الشامل باعتباره الحل المنطقي.
وتكمن المشكلة في أن العديد من الأطراف السياسية المتنافسة في إثيوبيا تحمل إرثاً من انعدام الثقة المتراكم على مدى عقود.
قد يكون التفاوض أمراً مرغوباً فيه، لكنه قد لا يكون كافياً.
التقييم العام
تتمثل أقوى فكرة في المقال فيما يلي:
اتفاقية بريتوريا كانت اتفاقاً لوقف إطلاق النار، وليست تسوية سياسية نهائية.
وربما تكون هذه هي النقطة الأكثر إقناعاً في المقال.
يجادل الكاتب بأن الأعمال العدائية العسكرية قد توقفت، لكن النزاعات الجوهرية المتعلقة بالسلطة والتمثيل والأمن والأراضي والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم ظلت دون حل.
وسواء اتفق المرء مع جميع استنتاجات الكاتب أم لا، فإن التحذير الأساسي الذي يطرحه المقال هو:
أن وقف إطلاق النار قد يوقف الحرب مؤقتاً، ولكن إذا ظلت القضايا السياسية التي تسببت في الحرب دون حل، فقد يعود الصراع للاندلاع في نهاية المطاف.
وهذه هي الفكرة المحورية التي تتخلل المقال بأكمله.
أليمايهو فينتو ويلديماريام
باحث (زميل) في برنامج الدكتوراه، مركز الديمقراطية الدستورية، جامعة إنديانا
يُعد أليمايهو فينتو ويلديماريام باحثاً متخصصاً في مجالات السلام وفض النزاعات، والتصميم الدستوري والقانون الدستوري، والنظريات الدستورية والسياسية، مع تركيز إقليمي على منطقة القرن الأفريقي. وقد نشر العديد من الأعمال البحثية التي تتناول قضايا السلم والأمن الإقليمي في القرن الأفريقي، والقانون الدستوري الإثيوبي، والسياسات الخارجية والأمن القومي، حيث يجمع في أبحاثه بين التحليل القانوني والنظرية السياسية والبحث التاريخي.
حصل على درجة البكالوريوس في القانون (LLB) من جامعة أديس أبابا، ودرجة الماجستير في العلوم (MS) من كلية كارتر لتحليل وحل النزاعات بجامعة جورج ميسون في أرلينغتون بولاية فرجينيا (حيث درس الفلسفة أيضاً)، كما نال درجة الماجستير في الآداب (MA) من الجامعة الأوروبية لدراسات السلام، حيث تتلمذ على يد يوهان غالتونغ في "قلعة السلام" (Friedensburg Schlaining) في مدينة شتادتشلاينينغ بالنمسا. شارك كزميل في ندوة سالزبورغ العالمية حول صنع السلام وبناء السلام في قصر ليوبولدسكرون في سالزبورغ، ودرس برنامج "الكتب العظيمة" (Great Books) في كلية سانت جون في أنابوليس بولاية ماريلاند.
درّس العديد من المقررات الدراسية في مجالي القانون والشؤون الدولية في كل من جامعة جيما وجامعة ميكيلي في إثيوبيا، وكلية ليندون جونسون (LBJ) للشؤون العامة بجامعة تكساس في أوستن، وقسم العلوم الحكومية بجامعة سوفولك في بوسطن. وهو حالياً باحث مرشح لنيل درجة الدكتوراه في جامعة إنديانا، حيث يركز في دراسته على القانون الدستوري والتصميم الدستوري كمجال تخصص رئيسي، والفلسفة السياسية والدراسات الأفريقية كمجالات تخصص فرعية.
الخبرة المهنية
– حتى الآن: باحث (زميل) في برنامج الدكتوراه، مركز الديمقراطية الدستورية بجامعة إنديانا، بلومينغتون، الولايات المتحدة الأمريكية.
التعليم
2016: جامعة جورج ميسون، ماجستير في العلوم (MS).
2009: المركز الأوروبي الجامعي لدراسات السلام، ماجستير في الآداب (MA).
2005: جامعة أديس أبابا، بكالوريوس في القانون (LLB).
المنشورات
2023: إثيوبيا (Ethiopia)، ضمن "المراجعة العالمية للقانون الدستوري لعام 2022" (Global Review of Constitutional Law)، تحرير: ريتشارد ألبرت، وديفيد لانداو، وبييترو فاراغونا، وجوليا دي روسي أندرادي؛ رقم الكتاب المعياري الدولي (ISBN): 978-1-7374527-5-1. برعاية برنامج الدراسات الدستورية في جامعة تكساس في أوستن، ومن إصدار دار نشر "EUT Edizioni Università di Trieste"
++++++++++++++++++++++++++++++++
من لفائف النقانق إلى وجبات الإفطار الإنجليزية الكاملة: كيف شكّلت الطبقة الاجتماعية الأطعمة التي تحدد الهوية الإنجليزية
من لفائف النقانق إلى وجبات الإفطار الإنجليزية الكاملة: كيف شكّلت الطبقة الاجتماعية الأطعمة التي تحدد الهوية الإنجليزية
نُشر في: 29 سبتمبر 2026، الساعة 2:23 مساءً بتوقيت بريطانيا الصيفي
غالباً ما يُنظر إلى الطعام الإنجليزي على أنه عريق ويتسم بطابع الثبات المريح الذي لا يتغير. غير أن الكتاب الجديد لمقدم البودكاست لويس باسيت، المعنون "The Full English: The Ways We Eat and Why" (الإفطار الإنجليزي الكامل: طرق تناولنا للطعام وأسبابه)، يجعل الحفاظ على هذه النظرة أمراً صعباً.
يكشف النهج الاجتماعي الذي يتبعه باسيت كيف أثرت عوامل مثل التحضر، والإمبراطورية، والصناعة، وحتى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، في أنماط تناول الطعام لدى الأمة. ولنأخذ على سبيل المثال "لفائف النقانق" (sausage rolls) المنتشرة في كل مكان حالياً؛ فقد كان هذا النوع من أطباق اللحوم في السابق حكراً على الطبقات العليا، ولكن -كما يوضح باسيت- أتاح التصنيع الحديث واسع النطاق لـ "سكان بريطانيا تناول وجبات بانتظام كانت يوماً ما حكراً على الأثرياء".
لا يُعد كتاب "The Full English" مجرد سرد لتاريخ الوصفات الإنجليزية، ولا تاريخاً تقليدياً للطعام؛ إذ يجمع باسيت بين خبرته العملية في المطابخ الاحترافية وخبرته الأكاديمية في العلوم الإنسانية لاستكشاف أسباب وطبيعة العادات الغذائية للإنجليز، وما تكشفه هذه العادات عن المجتمع الإنجليزي. وتتمثل الفكرة المحورية للكتاب في أن الطعام الإنجليزي يتسم بطابع فريد وغير معتاد نظراً للمسار الخاص الذي سلكته إنجلترا نحو الحداثة، وهو مسار ربط بشكل وثيق بين الأفكار المتعلقة بالطعام وتلك المتعلقة بالطبقة الاجتماعية والهوية.
ومن نقاط قوة الكتاب الجمع بين البحث التاريخي والحكايات الشخصية؛ إذ يخوض باسيت تجارب عملية تشمل الصيد التجاري والعمل في مخبز حرفي، ثم يسرد تفاصيل تلك التجارب. وتتيح له هذه الجولات مراقبة ثقافة الطعام عن كثب، وإن كان التركيز على الجانب الاجتماعي يأتي أحياناً على حساب الحديث عن الطعام ذاته.
يقدم الكاتب وصفاً تفصيلياً للأماكن التي تناول فيها طعامه: مطعم "راقٍ" أنفق فيه 369.56 جنيهاً إسترلينياً على تجربة طعام فاخرة وحيدة -وهو المطعم نفسه الذي عمل فيه مجاناً طوال الأسبوع، ورغم ذلك لم يرَ القائمون عليه -في لفتة دالة- ضرورة لخصم أي مبلغ من الفاتورة- ومحل لبيع السمك والبطاطا المقلية (fish-and-chip shop) ذي مفارش بلاستيكية، حيث يفترض أن سمك القد المستخدم هو سمك آيسلندي مجمد. ومع ذلك، ثمة قدر ضئيل ومفاجئ من الحديث عما كان ممتعاً أو مميزاً أو لا يُنسى في أي من الوجبتين؛ فاهتمام باسيت ينصب في المقام الأول على ما تخبرنا به تجارب تناول الطعام هذه عن المجتمع. يستعرض الكتاب ثمانية أصناف من الأطعمة أو المنتجات، بما في ذلك الخبز، والكاري، ووجبة "السمك والبطاطا المقلية"، ولحم البقر المشوي. ويوضح "باسيت" حجته المتعلقة بالطبقات الاجتماعية من خلال "الإفطار الإنجليزي الكامل" -الذي يحمل الكتاب اسمه- وهو طبق ذو "أصول مرتبطة بوضوح بطبقة ملاك الأراضي"، لكنه اكتسب هوية ترتبط بالطبقة العاملة في الثقافة المعاصرة.
تكشف مكوناته المألوفة -مثل لحم الخنزير المقدد الدنماركي، والخبز الأبيض المصنّع آلياً، والطماطم الإيطالية المعلبة- عن طبق جُمعت عناصره من مكونات كانت في الماضي غائبة عن النظام الغذائي للطبقات الدنيا. فالخبز الأبيض بحد ذاته، كما يوضح "باسيت" في الفصل الافتتاحي، كان تاريخياً حكراً على الأثرياء. ويُبرز هذا الطبق الإنجليزي الحجة الأوسع للكتاب: إذ أن ما يبدو تعبيراً عريقاً عن الهوية الوطنية قد يكون في الواقع نتاجاً لتغيرات اجتماعية واقتصادية حديثة نسبياً.
أما القراء الذين يتوقعون تاريخاً حسياً يثير الحنين إلى الماضي فيما يخص الطعام، فعليهم البحث في مصدر آخر؛ إذ لا توجد محاولة تذكر لاستحضار تلك المتع التي تجعل الطعام جزءاً من الحياة اليومية.
لنأخذ على سبيل المثال قواقع البحر (المعروفة بـ "الويلكس" أو whelks). كان بإمكان "باسيت" تتبع صعود ثقافة الترفيه الساحلي وأكشاك بيع هذه القواقع التي ظهرت على المماشي والأرصفة البحرية في العصر الفيكتوري، حيث كانت تُباع مسلوقةً وتُقدم متبلة بخل الشعير والفلفل الأبيض. لكنه بدلاً من ذلك، يعترف بصعوبة تقبّلها كصنف غذائي، ويشير إلى أنه "لا يكاد يوجد أحد في بريطانيا يتناولها، أو يتناولها بانتظام".
إن هذه الدولة الجزيرية تحصد وتبيع أطنانًا من قواقع البحر لكنها نادراً ما تستهلكها، في حين أن الأسماك التي نأكلها فعلياً هي -على ما يبدو- "مستوردة بالكامل تقريباً". يطرح هذا التناقض سؤالاً اجتماعياً مثيراً للاهتمام، لكنه يترك القارئ دون معرفة تذكر بالأسباب التي قد تجعل شخصاً ما يستمتع فعلياً بتناول هذه القواقع.
من الناحية الهيكلية، يستكشف الكتاب ثقافة الطعام الإنجليزية عبر عدسة التجارة وثقافة المطاعم بتعمقٍ كبير، لدرجة أنه كان من الممكن أن يحمل عنواناً فرعياً مثل "كيف نأكل خارج المنزل ولماذا". فحتى "لفافة النقانق" (sausage roll) المتواضعة تصبح مدخلاً لسرد قصة سلسلة "غريغز" (Greggs) ونمو سلاسل الوجبات الجاهزة. وغالباً ما يكون هذا الطرح مثيراً للاهتمام، لا سيما عندما يوظف "باسيت" التاريخ التجاري لتفسير كيف تحولت أطعمة كانت مرتبطة سابقاً بطبقات اجتماعية محددة إلى وجبات يومية شائعة. غير أن هذا الأسلوب يعزز أيضاً الانطباع بأن الطعام هنا يُعامل في المقام الأول كدليل أو مادة للتحليل والتفسير، لا كشيء يُستمتع بمذاقه.
ومع ذلك، ينطوي مشروع "باسيت" على جانب مُلهم ومُجدِّد؛ فمن خلال تجريد الطعام الإنجليزي من الأساطير المريحة التي تحيط به، يفتح الباب أمام رؤيته بمنظور جديد. قد لا يثير الكتاب شهيتك للطعام دائماً، لكنه يضفي طابعاً من الغموض المثير للاهتمام على أطعمة مألوفة؛ إذ إن إصراره على ضرورة التدقيق فيما نأكله وكيفية تناولنا للطعام يمثل دعوة للتفكير بشكل مختلف في ثقافة الطعام الإنجليزية، وربما لتخيل ما يمكن أن تؤول إليه في المستقبل.
يتضمن هذا المقال إشارات إلى كتب أُدرجت لأسباب تحريرية، وقد يحتوي على روابط لموقع bookshop.org. وإذا قمت بالنقر على أحد هذه الروابط وأتممت عملية شراء، فقد تحصل مؤسسة "The Conversation UK" على عمولة.
سارا ريد
محاضرة أولى في اللغة الإنجليزية، جامعة لوفبرا
تشغل سارا منصب محاضرة أولى في اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية بجامعة لوفبرا، وهي أيضاً روائية تكتب أعمالاً تاريخية. تولي سارا اهتماماً خاصاً بالتصورات الأدبية والثقافية لجسد المرأة وقدرته على الإنجاب في عصر الحداثة المبكرة. وقد نشرت دراسة أكاديمية متخصصة، وطبعة محققة علمياً، والعديد من المقالات والفصول البحثية التي تتناول قضايا الحمل والإنجاب في القرن السابع عشر. تكتب سارا لمجلات متنوعة مثل "History Today" و"Discover Your Ancestors" وغيرها. كما نشرت روايتين تدور أحداثهما في ستينيات القرن السابع عشر وتتناولان حياة وعمل قابلة (مولّدة) عاشت في تلك الحقبة تُدعى لوسي سميث، وهما: *The Gossips' Choice* (2020) و*The Midwife's Truth* (2023). وهي تعكف حالياً على كتابة روايتها الثالثة التي تدور أحداثها أيضاً في الفترة الزمنية نفسها (ستينيات القرن السابع عشر).
الخبرة المهنية
– حالياً: محاضرة في اللغة الإنجليزية، جامعة لوفبرا
الجوائز والعضويات الفخرية
زميلة الجمعية التاريخية الملكية (FRHistS)، زميلة أكاديمية التعليم العالي (FHEA)