انطفأت شاشة هاتفه الذكي على وميض خبرٍ عاجل، مصوغٍ بلغةٍ فضفاضةٍ ومكلفة، كأنها فستانٌ سواريه على جثة- "عودة المناضل إلى حضن الوطن.. بعد تفاهماتٍ وتسويةٍ أثمرت عن طيّ الصفحة"
تأمّل الكلمات بابتسامةٍ مريرة، كاشفةٍ عن أسنانٍ بارزة وعينين تنهشهما قلّة النوم. كان يعرف هذه اللغة جيداً؛ لغةٌ تُتقن رتق الفتق بالكلام، وتبيع الأوطان في مزادٍ علنيّ مغلق، ثم تُصفّق لنفسها بحرارةٍ في نشرات الثامنة لم يكد ينتهي من قراءة عبارة "قبض الثمن لتمرير المذكرة الذكية" حتى تحوّل الخبر في مجموعات الثريد والواتساب إلى صكّ إدانةٍ جاهز، صاغه رفاق الأمس ببرودٍ عجيب كانوا في السابق يقسمون على أصابعه العشرة أنه "رمزٌ وصامد" و اليوم، صار غيابه معادلةً رياضيةً بسيطة- إما بطلٌ أسطوريّ، أو خائنٌ مرتشٍ. لا ثالث بينهما، كأن الحياة شرطان فقط: خلودٌ أو خيانة لم يخطر على بال أحدهم ذلك الاحتمال البسيط، الإنساني، والمهين في عريه: أنه لم يكن في "حضن الوطن" المزعوم، بل كان عالقاً في مأزقٍ وجوديٍّ وإنسانيٍّ صرف كان يبحث عن دواءٍ غير متوفر لوالدته التي كانت تذوي في غرفةٍ بلا كهرباء، أو عن رغيفٍ يسدّ رمق يومه، أو عن ممرٍّ آمنٍ ينجو به من جحيم الحرب والتشرد كان يبحث عن إنسانٍ يمدّ له يداً، لا عن مذكرةٍ "ذكية" ولا عن مقعدٍ في طاولةٍ مستديرةٍ يدور حولها المنتصرون وحدهم
جلس في غرفته المعتمة، يستعيد شريط السنوات التي قضاها يحمل أرواحهم على كفّيه يجاملهم رغم العنت و تذكّر كيف حمل جرحاهم على ظهره في الأزقة، وكيف خبّأ منشوراتهم تحت فراشه، وكيف بكى في جنازة أول شهيدٍ عرفه كانوا جميعاً يقولون له- "أنت القلب"- واليوم، اكتشف أن القلوب تتوقف حين ينفد الأكسجين، وأن رفاق الأمس يبحثون عن قلبٍ بديلٍ لا يتعب أدرك اليوم ببساطةٍ صادمة أنهم عاجزون حتى عن أبسط قواعد التضامن الإنساني. عندما تعجز عقولهم عن تفسير الضعف البشري، وعندما تخور قواهم عن تقديم مساعدةٍ حقيقية تفرضها أبسط البديهيات الأخلاقية و يلجؤون إلى آلة التخريف والافتراء. يخترعون الروايات، ويصنعون الخونة والبطولات الوهمية، ليحموا أنفسهم من شعور التقصير فالخائن أرخص من الاعتراف بالعجز، والخيانة أسهل من رفع السماعة وسماع صوتٍ مبحوحٍ يقول- "أنا أموت هنا ببطء، هل يمكنكم إرسال شيء؟" في تلك الليلة، فتح هاتفه كانت الرسائل تتقافز كضفادع في مستنقعٍ آسن. أحدهم كتب--- "لقد خان دماء الشهداء" وآخر- "باع القضية بثلاثين من الفضة". وثالث، وهو أكثرهم وجعاً، كتب- "كنا نظنك منهم، فإذا بك عليهم" لم يردّ
تذكّر بيته القديم في الحي الذي قُصف ثلاث مرات. تذكّر أمه وهي تلفّ ساقها بكيسٍ بلاستيكي في يومٍ ماطرٍ لأن حذاءها الوحيد كان قد تهرّأ تذكّر صديقه الذي مات وهو يحمل خبزاً لأطفاله، فسقط الخبز في الوحل، وسقط هو فوقه , و لم يكن موتاً بطولياً، ولا خيانةً. كان مجرد حياةٍ تنتهي، بلا نشيدٍ ولا خطابٍ ولا "مذكرةٍ ذكية" فكّر أن يكتب رداً, كتب- "أنا لم أُبع. أنا فقط... عشت". ثم مسح الجملة. كانت مبتذلة. لكنها كانت الحقيقة الوحيدة المتاحة و لم يكن بطلًا، ولم يكن خائنًا. كان رجلًا حاول أن ينجو، لا أكثر في الصباح، خرجت الصحف بعنوانٍ واحد: "عودة المناضل.. صفحةٌ جديدة" وفي مقالات الرأي، اختلف الكتّاب بين مادحٍ وقادحٍ، وبين متحسّرٍ على زمنٍ مضى ومتفائلٍ بزمنٍ آت لم يذكر أحدٌ أن الرجل كان جالساً في غرفته، ينتظر دواءً لأمه، ورغيفاً ليومه، وممراً آمناً لا يقود إلى أيّ وطن، بل إلى أيّ مكانٍ لا تُسمع فيه أصوات المنتصرين
سحب نفساً عميقاً وسط هدأة الليل الموحشة، ولم يردّ , و أدرك أن الردّ عليهم يشبه محاولة شرح الشفق لعميانٍ يقبضون على مفاتيح الظلام. تركهم يثرثرون في طقوسهم البائسة، بينما استمرّ هو يصارع ليله الطويل وحيداً، بعيداً عن أراجيفهم وعن الوطن الذي اختصروه في ورقةٍ وموقفٍ عابر، وعن مذكرةٍ ذكيةٍ لا تُطعم جائعاً ولا توقف قذيفة في الخارج، كانت المدينة تنام على صخبها المعتاد. وفي الداخل، كان رجلٌ واحدٌ يحاول أن يتذكّر كيف يكون إنساناً، لا بطلاً ولا خائناً. فقط إنساناً وفي زمنٍ تُختزل فيه البشر في لافتات، وتُختزل فيه الأوطان في بيانات، كان ذلك أكثر أشكال المقاومة صعوبةً وفي المجموعات، استمرّ الجدل و من "مناضلٍ عاد" إلى "خائنٍ باع"- من "صفقة القرن" إلى "المذكرة الذكية" ! ومن خلف شاشةٍ مكسورة، في غرفةٍ بلا كهرباء، لم يكن هناك سوى رجلٍ ينتظر الفجر، لا ليصنع نصراً، بل ليصنع كوب شايٍ، وربما، إن نجح، أن يجد دواءً لأمه
أما الوطن، فكان بعيداً_ بعيداً جد _ كنجمةٍ يراها الجميع، ولا يلمسها أحد.
Post: #2 Title: Re: عائدٌ من غيابه # قصة قصيرة Author: عزالدين عباس الفحل Date: 09-20-2026, 04:02 AM Parent: #1