Post: #1
Title: سيمفونية البقاء- حين يصبح الوطن هو المفقود#
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 09-16-2026, 06:08 PM
06:08 PM September, 16 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
026, 8:06 PM
هناك أوطان تموت مرة واحدة، وهناك أوطان تموت كل صباح, تستيقظ عليها فلا تجد فيها شيئاً من الأمس إلا وجوه الذين نجوا، وذاكرة البيوت التي كانت عامرة، وأسماء الشوارع التي ما زالت معلقة على الجدران كأنها لا تعرف أن المكان الذي حملها لم يعد هو المكان نفسه , في السودان، لم تعد الحياة مجرد محاولة للعيش. أصبحت محاولة لتأجيل الموت ,يستيقظ الناس كل صباح على سؤال لا يحتاج إلى إجابة- ماذا تبقى لنا؟ ماذا تبقى من بيت كان آمناً؟ من مدرسة كان الطفل يذهب إليها بحقيبته الصغيرة؟ من مستشفى كان المريض يدخل إليه أملاً في الشفاء؟ من سوق كان الناس يذهبون إليه ليشتروا طعام يومهم، لا ليحسبوا كم مرة يستطيع الراتب أن ينكسر أمام الأسعار؟ ماذا تبقى من وطن كان، رغم كل أزماته، يتسع للجميع؟ لقد صار الخبز أكثر من خبز. وصار الدواء أكثر من دواء. وصارت الكهرباء والماء والأمان أشياء تشبه الأحلام القديمة. حتى النوم نفسه لم يعد راحة؛ فقد صار المواطن ينام وفي داخله سؤال- هل سيكون الصباح شبيهاً بما كان، أم أن شيئاً آخر سيُنتزع من هذا الوطن قبل أن نفتح أعيننا؟ , يا لهذا الوطن الذي أتعبه أبناؤه , ليس أكثر وجعاً على الإنسان من أن يرى وطنه يُسرق أمام عينيه، ثم يكتشف أن الذين يحملون مفاتيح خزائنه ليسوا غرباء , نحن لا نستطيع أن نلقي كل شيء على عاتق الآخرين , و نعم، هناك مصالح إقليمية ودولية، وهناك من يتدخل، ومن يمول، ومن يبحث عن نصيبه من السودان وثرواته وموقعه. لكن المأساة الأشد قسوة أن أبواب الوطن لم تُفتح من الخارج وحده؛ بعضها فتحه أبناؤه بأيديهم ’وطن كامل يُنهك، ثم يجلس أبناؤه يتجادلون حول من يملك الحق في وراثة أنقاضه , يا للحزن كأن السودان لم يعد وطناً نعيش فيه، بل غنيمة يتنافس عليها المتنافسون وتُنهك الحرب الإنسان، ثم يأتي الغلاء ليكمل ما بدأته الرصاصات. ينهار الاقتصاد، فتنهار معه قدرة الأسرة على إطعام أطفالها. تتراجع الخدمات، فيصبح العلاج امتيازاً، والتعليم حلماً، والسفر نجاة، والبقاء نفسه بطولة يومية لا يصفق لها أحد , وفي الجانب الآخر، تستمر لغة القوة، وتعلو الشعارات، وتكثر البيانات، ويظل المواطن في مكانه، واقفاً أمام طابور طويل من الانتظار , ينتظر الأمن - ينتظر الخبز- ينتظر الدواء -ينتظر الكهرباء -ينتظر أن يعود ابنه من الطريق -وينتظر أن يتوقف هذا الجنون- لكن أكثر ما يؤلم ليس الفقر وحده، ولا الحرب وحدها، ولا انهيار الدولة وحده. أكثر ما يؤلم أن الإنسان السوداني بدأ يعتاد كل ذلك -أن يصبح سماع الرصاص جزءاً من الحياة اليومية -أن يصبح فقدان شخص خبراً عابراً , أن يصبح النزوح رقماً في تقرير , أن تصبح الأسرة التي فقدت منزلها مجرد حالة من آلاف الحالات , أن يصبح موت الوطن خبراً نمر عليه في الهاتف ثم نضعه جانباً لأن لدينا فاتورة يجب دفعها، أو خبزاً يجب البحث عنه، أو طفلاً ينتظر شيئاً يأكله- هنا تكمن الكارثة الحقيقية , حين يصبح الألم عادياً , حين تتعب الروح من الحزن حتى تعجز عن البكاء , السودان لا يموت فقط تحت القصف. السودان يموت أيضاً في التفاصيل الصغيرة التي تتآكل كل يوم-- في طفل انقطع عن المدرسة، في أم لا تجد ثمن الدواء، في شاب فقد عمله، في أسرة غادرت بيتها ولم تعرف إن كانت ستعود إليه، في مزارع لم يعد يعرف لمن يزرع، وفي مثقف لم يعد يعرف أين يمكن أن يقول كلمته دون أن تتحول الكلمة إلى تهمة ويموت الوطن كذلك عندما تصبح الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها، أو عندما تتحول مؤسساتها إلى ساحات للصراع على السلطة والنفوذ، بينما يزداد المواطن فقراً وخوفاً ووحدة , والمؤلم أكثر أن كل طرف يستطيع أن يجد تفسيراً لمأساتنا، وأن يحمل الطرف الآخر المسؤولية كاملة , لكن الوطن لا يعيش بالتبرير , الوطن يعيش عندما يتوقف أبناؤه عن التعامل معه كغنيمة , يعيش عندما تصبح حياة الإنسان أغلى من السلطة، وكرامة المواطن أهم من انتصار أي جماعة، وثروات البلاد ملكاً للأجيال لا مكافأة للمقاتلين ولا امتيازاً للنافذين لقد أخذنا من السودان كثيراً , أخذنا من أرضه، ومن مائه، ومن خيراته، ومن ذاكرته، ومن شبابه، ومن أحلام أطفاله. وحان الوقت، ولو متأخرين، أن نسأل أنفسنا السؤال الذي تهربنا منه طويلاً- ماذا أعطينا هذا الوطن؟ , لا أريد أن أكتب عن السودان اليوم ببرود المحلل. لا أستطيع , هناك أوقات يصبح فيها التحليل أقل من الحزن، وتصبح الأرقام عاجزة عن وصف خراب القلب , أريد فقط أن أبكي على وطن كان يمكن أن يكون أجمل , على وطن واسع كالحلم، غني كالأرض، متنوع كالنهر، كريم كأهله، لكنه ظل طوال عقود يدفع ثمن صراعات أبنائه، حتى وصل إلى هذه الحافة , أبكي على الذين ماتوا، وعلى الذين نجوا ولم يعد لديهم ما يعودون إليه , أبكي على الطفل الذي عرف صوت الطائرة قبل أن يعرف صوت المدرسة , أبكي على الأم التي تخبئ خوفها كي لا يخاف أطفالها , أبكي على الأب الذي يحسب ثمن الطعام قبل أن يحسب ما تبقى من راتبه , وأبكي على وطن صار أبناؤه يبحثون عن طريق للخروج منه، بينما كان ينبغي أن يكون هو الطريق إلى مستقبلهم , ومع ذلك، ربما لا تزال هناك لحظة أخيرة يمكن فيها أن نتوقف , أن ننظر إلى الخراب لا لنتبادل الاتهامات، بل لنسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ أن نعترف بأن السودان لم يُسرق كله بواسطة الآخرين، وأن جزءاً كبيراً من مأساته صنعته أيدٍ سودانية , أن نكف عن تقديس القوة أن نكف عن تحويل الوطن إلى ملكية خاصة لهذا الطرف أو ذاك , أن نفهم أن لا أحد ينتصر عندما يحترق السودان , فالمنتصر في الحرب قد يجلس فوق الركام، لكنه سيجلس فوق وطن ناقص، وفوق ذاكرة مثقوبة، وفوق أجيال ستسأل ذات يوم- ماذا فعلتم بالسودان؟ ربما يكون هذا هو السؤال الذي لا نستطيع الهروب منه إلى الأبد , أما الآن، فإن ملايين السودانيين لا يريدون بطولة جديدة، ولا خطباً جديدة، ولا شعارات جديدة , يريدون فقط أن يعيشوا , يريدون وطناً لا يخافون فيه من الغد , بيتاً لا يتركونه هرباً , مدرسة يعود إليها الأطفال - مستشفى يستطيع الفقير أن يدخله -خبزاً لا يحتاج إلى معجزة- وقبراً لا يكون سببه الحرب يريدون وطناً لا يكون البقاء فيه معركة فهل كثير على السودان أن نتركه يعيش؟ربما لم يعد السؤال: كيف ننتصر؟ السؤال الأشد إيلاماً هو- كيف ننقذ ما تبقى من وطن يموت بأيدينا؟
|
|