أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم الجمعة، أن المساس بأمن السودان ووحدته وسيادته يمثل خطاً أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه.
جاء ذلك في إطار لقاء جمع السيسي اليوم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في نيودلهي قبل انطلاق قمة «بريكس» غداً السبت، وفق بيان للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.
وقال المتحدث إن الرئيسين بحثا التطورات الراهنة في السودان، وشددا على ضرورة الحفاظ على سيادة السودان ووحدته ومؤسساته الوطنية.
وأضاف المتحدث أن الرئيسين تبادلا الرؤى حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث أكدا وجوب التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة، استناداً إلى حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية.
وفي هذا الإطار، استعرض السيسي جهود مصر للدفع بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، مشدداً على ضرورة إدخال المساعدات الإنسانية اللازمة بشكل كافٍ ومستدام، للتخفيف من معاناة سكان القطاع.
كما تطرق اللقاء إلى الأزمة الإيرانية، حيث أكد الرئيسان أولوية خفض التصعيد والعودة إلى مسار التفاوض، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام ينهي الأزمة بالوسائل السلمية.
وصرح المتحدث بأن الرئيسين أكدا حرصهما على مواصلة العمل لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين والتعاون في مختلف المجالات، تحقيقاً لصالح البلدين والشعبين.
وأشار الرئيس المصري إلى المشروعات المحورية الجاري تنفيذها بمصر في إطار الشراكة المصرية - الروسية، وفي مقدمتها مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية، والمنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلاً عن التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والأمن الغذائي والسياحة.
من جانبه، أكد الرئيس الروسي التزام بلاده بمواصلة توثيق أواصر التعاون مع مصر، والإسهام في دعم جهود القاهرة الهادفة إلى تحقيق التنمية الشاملة، وتنفيذ المشروعات الكبرى وفقاً للبرامج الزمنية والمواصفات المتفق عليها.
اتّهمت إريتريا، السبت، جارتها إثيوبيا بـ«زعزعة الاستقرار في القرن الأفريقي» عموماً، ومساندة «قوّات الدعم السريع» في السودان خصوصاً، في ظلّ توتّر العلاقة بين البلدين وتنامي المخاوف من نزاع جديد بينهما.
وحصلت إريتريا، المستعمرة الإيطالية السابقة التي ضمّتها إثيوبيا تدريجياً إلى أراضيها في خمسينات القرن العشرين، على استقلالها رسمياً سنة 1993، بعد عقود من النزاع المسلّح مع أديس أبابا.
وتواجهت الدولتان الجارتان في حرب بين 1998 و2000 بسبب خلافات حول الحدود، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف، وعن تشنّج العلاقات لمدّة 18 عاماً.
وطبّعت إريتريا وإثيوبيا علاقتهما إثر وصول آبي أحمد إلى السلطة سنة 2018. وقد حاز رئيس الوزراء الإثيوبي جائرة نوبل في السنة التالية؛ تقديراً للجهود التي بذلها لتحقيق هذا التقارب.
ثمّ دعمت القوّات الإريترية الجيش الفيدرالي الإثيوبي في حربه في تيغراي، لكن منذ انتهاء النزاع في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، توتّرت العلاقات من جديد في ظلّ اتهام أسمرة جارتها التي لا تملك منفذاً بحرياً بمطامع في مرفأ عصب الإريتري.
وجاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية الإريترية أن حزب «الازدهار» الحاكم برئاسة آبي أحمد «يعكف على زعزعة الاستقرار في القرن الأفريقي».
وتابع البيان: «فيما تتسلّح إريتريا بصبر استراتيجي، عمدت أديس أبابا منذ أكثر من ثلاث سنوات إلى تصعيد متواصل لخطابها الحربي، واضعة المعاهدات الدولية على المحكّ، فضلاً عن إيوائها وتدريبها وتمويلها مجموعات رديفة تخريبية وطائفية بهدف صريح هو تغيير النظام في إريتريا».
واتّهمت إريتريا، التي يرأسها منذ استقلالها آسياس أفورقي بقبضة من حديد، إثيوبيا بـ«إيواء ومساندة وتعزيز» «قوّات الدعم السريع» في حربها مع الجيش السوداني منذ 2023.
وتنفي إثيوبيا من جهتها إيواء مقاتلين من «الدعم السريع» في أراضيها، لكن مصادر محلية تفيد بأن الحدود التي يصعب ضبطها تشكّل سبيلاً مهمّاً لإمداد هذه القوّات وحلفائها.
وفي فبراير (شباط)، أمرت إثيوبيا جارتها الإريترية بـ«سحب قوّاتها على الفور» من أراضيها، مندّدة بـ«توغّلات» و«مناورات عسكرية مشتركة» مع متمرّدين يقاتلون القوّات الفيدرالية.
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
تُشكل السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل حجر الأساس لمستقبله الدراسي وصحته وقدرته على الكسب مستقبلاً. وتستكشف دراسة أفريقية كيفية توجيه الإنفاق على التعليم بشكل فعال.
تُشكل السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل حجر الأساس لمستقبله الدراسي وصحته وقدرته على الكسب مستقبلاً. وتستكشف دراسة أفريقية كيفية توجيه الإنفاق على التعليم بشكل فعال.
تاريخ النشر: 7 سبتمبر 2026، الساعة 3:45 مساءً بتوقيت جنوب أفريقيا القياسي
تضع السنوات الخمس الأولى من الحياة أساساً مهماً لمستقبل الأطفال فيما يتعلق بالتعليم والصحة ومستويات الدخل. ومع ذلك، فإن أكثر من 77% (الجدول 2) من الأطفال في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى لا يحصلون على خدمات رعاية وتعليم الطفولة المبكرة، مما يعرضهم لخطر عدم تحقيق كامل إمكاناتهم النمائية.
واستجابةً لذلك، تتزايد التزامات الحكومات في جميع أنحاء أفريقيا بتوسيع نطاق الالتحاق بمرحلة ما قبل المدرسة (التعليم الأولي).
غير أن الأبحاث تشير إلى أن مجرد توسيع نطاق الالتحاق ليس كافياً؛ إذ من المهم أيضاً تهيئة بيئات تعليمية صحية وداعمة تساعد في إعداد الأطفال للمرحلة الابتدائية.
ينبع اهتمامنا -كخبراء اقتصاد- بهذا الموضوع من رغبتنا في المساعدة على تصميم برامج وسياسات فعالة وقابلة للتوسع في مجال تعليم الطفولة المبكرة. فنحن بحاجة إلى معرفة:
ما هي أنواع برامج تعليم ما قبل المدرسة المتاحة؟
ما هي تأثيرات هذه البرامج على النتائج النمائية للأطفال؟
ما هي عناصر تعليم ما قبل المدرسة التي تؤدي إلى هذه التأثيرات؟
لقد سعينا للإجابة عن هذه الأسئلة من خلال مراجعة أحدث الأدلة المتاحة حول برامج تعليم ما قبل المدرسة في الدول الأفريقية منخفضة ومتوسطة الدخل. وقد بحثت دراستنا في الأسباب التي قد تجعل بعض برامج تعليم ما قبل المدرسة أكثر نجاحاً من غيرها.
حددت دراستنا وراجعت نتائج ستة برامج نفذتها حكومات محلية في كل من غامبيا وغانا وكينيا وملاوي وموزمبيق. وقد نُفذت معظم هذه البرامج في مناطق فقيرة وريفية ونائية.
ووجدنا أن معظم البرامج ركزت على التعلم القائم على اللعب، وأنها حققت -في المتوسط- تأثيرات إيجابية على نمو الأطفال. كما تشير الأبحاث إلى أن البرامج التي تقدم الدعم للآباء قد تحقق أكبر الأثر على النتائج النمائية للأطفال.
وهذا يشير إلى ضرورة أن يعمل مخططو البرامج على استقطاب معلمين وكوادر عالية الكفاءة، قادرين على التفاعل بفعالية مع كل من الأطفال وأولياء الأمور.
دراسات حول نمو الطفل
للإجابة عن أسئلة بحثنا، بدأنا بالبحث عن دراسات تتناول تأثيرات برامج تعليم ما قبل المدرسة في الدول الأفريقية منخفضة ومتوسطة الدخل. وقد اقتصرت مراجعتنا على الدراسات التي شملت عينات كبيرة بما يكفي لضمان دلالة النتائج، واستخدمت أساليب صارمة لتقييم تلك النتائج. استوفت ستة برامج معايير الإدراج لدينا؛ حيث وُجد برنامج واحد في كل من غامبيا وموزمبيق وكينيا وملاوي، وبرنامجان في غانا.
وعلى وجه التحديد، درسنا الآثار المترتبة على فئتين من جوانب نمو الطفل: النمو المعرفي والنمو الاجتماعي العاطفي.
النمو المعرفي: يشير هذا المصطلح إلى العمليات الفكرية لدى الطفل. ويُقاس هذا الجانب من خلال تقييم مهارات الأطفال في الحساب والقراءة والكتابة والإدراك المكاني واللغة والتواصل والوظائف التنفيذية، مثل الانتباه والذاكرة العاملة.
النمو الاجتماعي العاطفي: يشمل هذا الجانب الكفاءة الاجتماعية والعاطفية للطفل، ومزاجه، وقدرته على ضبط سلوكه. ويُقاس من خلال تقييم مدى إدراك الأطفال لمشاعر الآخرين وطريقة تعاملهم معهم.
وعلى مستوى عام، ركزنا على جودة البيئة الصفية وجودة التدريس. وبشكل خاص، نظرنا في التدخلات المصممة لتحسين ممارسات التدريس والتفاعل بين المعلم والطفل من خلال التعلم القائم على اللعب.
تضمنت جميع البرامج تدريباً للمعلمين. كما وفرت بعض البرامج للمعلمين موارد مثل مواد اللعب والتعلم الأساسية أو أدلة إرشادية للمعلمين. وبالإضافة إلى ذلك، قدم برنامجان مكافأة شهرية للمعلمين الذين أتموا التدريب؛ إذ لم يكن المعلمون يتقاضون رواتب عادةً.
كما تضمنت معظم البرامج أيضاً إشراك أولياء الأمور في الأنشطة المدرسية أو توعيتهم بممارسات الرعاية الإيجابية؛ فعلى سبيل المثال، شجعت هذه البرامج الآباء على القراءة واللعب مع أطفالهم، والحد من أساليب التأديب القاسية، وفهم مدى تأثيرهم على نمو الطفل.
نجاح البرامج
في المتوسط، نجحت البرامج في تحسين النمو المعرفي والاجتماعي والعاطفي للأطفال. وتُعد هذه النتيجة مهمة لأن تحسن هذه المهارات في مرحلة مبكرة من العمر يرتبط بنتائج تعليمية ومهنية واقتصادية أفضل في مراحل لاحقة من الحياة. ويمكن أن تكون هذه الفوائد طويلة الأمد كبيرة للغاية؛ فعلى سبيل المثال، تشير التقديرات في الولايات المتحدة إلى أن كل دولار استُثمر في "برنامج بيري لمرحلة ما قبل المدرسة" (Perry Preschool Program) -وهو برنامج لتعليم الطفولة المبكرة يستهدف الأطفال من الأسر منخفضة الدخل- قد حقق فوائد للمجتمع تتراوح قيمتها بين 7 و12 دولاراً أمريكياً تقريباً.
لتفسير الآثار الإيجابية الملحوظة في البلدان الأفريقية منخفضة ومتوسطة الدخل، تشير الأدلة إلى أهمية كل من البيئة الصفية والبيئة المنزلية.
أولاً، تعمل البرامج الناجحة عموماً على تحسين ممارسات المعلمين وجودة الأداء داخل الفصول الدراسية. وتُظهر أبحاثنا أن تدريب المعلمين يمكن أن يقلل من معدلات الاحتراق الوظيفي لديهم، ويزيد من استخدام المواد التعليمية المناسبة، ويحسن جودة التفاعل بين المعلم والطفل. فعلى سبيل المثال، في غانا، شجّع التدريب المعلمين على أخذ أفكار الأطفال بعين الاعتبار أثناء الدروس، وإتاحة الفرص لهم لممارسة التفكير المنطقي وحل المشكلات.
ثانياً، قد تكون البرامج التي تشرك أولياء الأمور أكثر فعالية في تعزيز نمو الأطفال وتطورهم. ومثال على ذلك برنامج طُبِّق في ملاوي، حيث دُمجت جلسات تعليمية جماعية لأولياء الأمور حول التربية ورعاية الأطفال ضمن برامج مرحلة ما قبل المدرسة التي يشرف عليها معلمون مدربون؛ وقد أدى ذلك إلى تحقيق مكاسب أكبر في المهارات اللغوية والسلوكيات الاجتماعية الإيجابية لدى الأطفال. وركز هذا البرنامج على تزويد أولياء الأمور بأدوات عملية لتحفيز نمو أطفالهم وتعزيز صحتهم، مثل القراءة للأطفال واللعب معهم، والحرص على غسل اليدين.
ثالثاً، تلعب جودة التنفيذ دوراً جوهرياً؛ إذ يُعد استقطاب معلمين ذوي كفاءة عالية وخبرة أمراً بالغ الأهمية لنجاح البرنامج. وفي الحالات التي لم تُسفر فيها البرامج عن نتائج إيجابية، كان ذلك يُعزى غالباً إلى نقص خبرة الكوادر (كما حدث في غامبيا) أو إلى الصعوبات التي واجهها الموظفون (كما في غانا) في التواصل مع أولياء الأمور بشأن الأساليب الجديدة المتبعة في تعليم الطفولة المبكرة.
الآثار المترتبة على السياسات والممارسات تشير النتائج إلى ضرورة أن يتولى تقديم ممارسات الرعاية الإيجابية موظفون مؤهلون قادرون على التواصل بفعالية والتفاعل مع مقدمي الرعاية، بمن فيهم أولئك الذين قد يكون لديهم مستوى تعليمي منخفض أو محدودية في الوصول إلى الموارد.
وتحمل أبحاثنا دلالات هامة تتعلق بالهدف 4.2 من أهداف التنمية المستدامة، والذي يسعى إلى ضمان حصول جميع الأطفال على تعليم جيد في مرحلة ما قبل المدرسة بحلول عام 2030، بما يضمن استعدادهم للالتحاق بالمدرسة الابتدائية.
كاثرين ثيس
أستاذة مساعدة في الاقتصاد، جامعة رادفورد
أعمل أستاذة مساعدة في الاقتصاد بجامعة رادفورد. وتتركز مجالات أبحاثي حول اقتصاديات التنمية والاقتصاد الجزئي التطبيقي، مع التركيز بشكل خاص على قضايا النوع الاجتماعي، والصحة، والاقتصاد العام، والاقتصاد القياسي التطبيقي. حصلتُ على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة فوردهام. وإلى جانب دراساتي الأكاديمية، عملتُ مستشارة في العديد من المشاريع القائمة على البيانات والتي نفذتها جهات دولية ومؤسسات مرموقة، مثل الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وشركة "IMPAQ International"، ومركز "NORC" التابع لجامعة شيكاغو. الخبرة
– حالياً: أستاذ مساعد في الاقتصاد، جامعة رادفورد
التعليم
2025 جامعة فوردهام، دكتوراه في الاقتصاد
سوبها ماني
أستاذة الاقتصاد، جامعة فوردهام
تشغل سوبها ماني منصب أستاذة الاقتصاد وباحثة مشاركة في مركز دراسات السياسات الدولية بجامعة فوردهام. وهي محررة مشاركة في كل من "مجلة السلوك الاقتصادي والتنظيم" (Journal of Economic Behavior and Organization) و"مجلة اقتصاديات السكان" (Journal of Population Economics). كما تشغل منصب باحثة منتسبة في مركز دراسات السكان بجامعة بنسلفانيا، وباحثة زميلة في معهد اقتصاديات العمل (IZA) ومنظمة العمل العالمية (GLO). حصلت على درجة البكالوريوس (مع مرتبة الشرف) في الاقتصاد من جامعة دلهي، ودرجة الماجستير في الاقتصاد من جامعة مومباي، ودرجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة جنوب كاليفورنيا. تتمتع سوبها بخبرة تزيد عن 15 عاماً في مجالات البحث والتدريس، وتشمل اهتماماتها: اقتصاديات التنمية، وتقييم البرامج، والتجارب الميدانية، والاقتصاد القياسي التطبيقي، والاقتصاد الجزئي التطبيقي، والصحة، وتنمية الطفولة المبكرة، وسوق العمل، والتعليم. عملت سوبها على العديد من دراسات التقييم التجريبية وغير التجريبية، كما تولت مهام واسعة النطاق تتعلق بجمع البيانات الأولية والعمل الميداني والإدارة في العديد من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، بما في ذلك التعامل مع بيانات حساسة تتعلق بالأطفال والمراهقين، والأشخاص في مناطق النزاع، وبيانات الصحة النفسية. حظيت أعمالها البحثية بتمويل خارجي (يتجاوز 3 ملايين دولار أمريكي) من جهات عدة، منها: مركز النمو الدولي (فرع الهند)، ومبادرة تقييم الأثر الدولية (3ie)، ومؤسسة بيل وميليندا غيتس، والمعهد الوطني لصحة الطفل والتنمية البشرية (NICHD)، ومؤسسة "التحديات الكبرى في كندا" (Grand Challenges Canada). وعملت بشكل وثيق مع البنك الدولي، ومنظمة خدمات الإغاثة الكاثوليكية (Catholic Relief Services)، ومؤسسة "ماجيك باص" (Magic Bus Foundation)، والمعاهد الوطنية للصحة (NIH)، وحكومتي ولايتي جارخاند وناغالاند، وذلك لتصميم تجارب المسح، والتجارب المختبرية، وتجارب السياسات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة واتخاذ القرار الأسري وبرامج الأشغال العامة. نُشرت أعمالها البحثية في أكثر من 30 منبراً علمياً محكماً، بما في ذلك مجلات مرموقة مثل: *Journal of Development Economics*، و*The Review of Economics and Statistics*، و*World Development* (أربع مرات)، و*Journal of Nutrition*، و*Journal of Economic Behavior and Organization* (مرتان)، و*Economic Development and Cultural Change*، و*Oxford Bulletin of Economics and Statistics*، و*Labour Economics*، وغيرها من الدوريات المحكمة.
الخبرة المهنية
– حالياً: أستاذة الاقتصاد، جامعة فوردهام
التعليم
2008: جامعة جنوب كاليفورنيا، دكتوراه في الاقتصاد
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
التوترات بين إثيوبيا وإريتريا بشأن ميناء على البحر الأحمر تحوّل اتفاق سلام تيغراي إلى سلاح سياسي
التوترات بين إثيوبيا وإريتريا بشأن ميناء على البحر الأحمر تحوّل اتفاق سلام تيغراي إلى سلاح سياسي
نُشر في: 25 أغسطس 2026، الساعة 3:36 مساءً بتوقيت جنوب أفريقيا
انتهت الحرب واسعة النطاق بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وقوات حكومة إقليم تيغراي في نوفمبر 2022 بتوقيع اتفاقية بريتوريا. وقد اتفق الطرفان على نزع سلاح قوات تيغراي، وانسحاب القوات الأجنبية والقوات الأخرى غير التابعة للجيش الفيدرالي من الإقليم. كما اتفقا على استعادة النظام الدستوري في تيغراي وتسوية النزاعات حول المناطق المتنازع عليها وفقاً للدستور.
أنا باحث متخصص في دراسة النزاعات المسلحة والحوكمة والاتصال السياسي في إثيوبيا. وقد قمت مؤخراً بتحليل اتفاقية بريتوريا ومسار تنفيذها، حيث فحصت البيانات الرسمية الصادرة عن السلطات الإثيوبية والإريترية وسلطات تيغراي، وتقارير المنظمات الدولية ومراقبي النزاعات، بالإضافة إلى التقارير الإخبارية المنشورة في الفترة ما بين نوفمبر 2022 ويونيو 2026. ومكّنني ذلك من تتبع كيفية ارتباط النزاعات المتعلقة بنزع السلاح والأراضي والتمثيل السياسي بالتنافس القائم بين إثيوبيا (الدولة الحبيسة) وإريتريا حول الوصول إلى البحر الأحمر.
وخلصتُ إلى أنه على الرغم من استمرار قبول اتفاقية بريتوريا من قبل الحكومة الفيدرالية الإثيوبية و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" (TPLF)، إلا أن الالتزامات الرئيسية للاتفاقية قد طُبقت بشكل انتقائي.
لقد صمد اتفاق السلام من الناحية الرسمية، لكن النزاع الذي كان من المفترض أن ينهيه لا يزال مستمراً بأشكال أخرى؛ وهي حالة أصفها بـ "ترسيخ النزاع". فقد توقف القتال واسع النطاق، واستؤنفت الخدمات الفيدرالية، وتأسست إدارة إقليمية مؤقتة. ومع ذلك، لم تتم إعادة منطقة غرب تيغراي إلى إدارة الإقليم، ولم تنسحب القوات الأجنبية وغير الفيدرالية بشكل كامل، كما لم يتم دمج تيغراي بالكامل في المشهد السياسي الفيدرالي. ولا تزال عملية نزع السلاح غير مكتملة، وتستمر ظواهر النزوح والإقصاء السياسي والقتال المحلي.
وتقع التوترات بين إثيوبيا وإريتريا في صلب هذا المشهد، وهي توترات تفاقمت بسبب سعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر. وقد جعلت هذه التوترات من "التنفيذ غير المكتمل" لاتفاقية السلام المبرمة في نوفمبر 2022 أمراً أكثر فائدة -لكل من الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإريتريا- مقارنةً بما سيكون عليه الحال في حال التنفيذ الكامل للاتفاقية؛ وهذا ينطبق رغم أن إريتريا ليست طرفاً موقعاً على الاتفاق. التوترات في البحر الأحمر تزيد من تعقيد اتفاقية بريتوريا أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة (بلا منفذ بحري) منذ استقلال إريتريا عام 1993، وهي تعتمد حالياً على ميناء جيبوتي في معظم تجارتها الدولية من السلع. وفي السابق، كان ميناء عصب -الواقع في منطقة البحر الأحمر الجنوبية بإريتريا- يمثل المنفذ الرئيسي لإثيوبيا، وذلك حتى اندلاع الحرب بين إثيوبيا وإريتريا في الفترة ما بين عامي 1998 و2000.
لقد جعل هذا التاريخ من "عصب" محوراً لنزاع بين إثيوبيا وإريتريا. ففي الداخل الإثيوبي، وُجّهت أصابع الاتهام إلى "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" (TPLF) بترك البلاد دون منفذ بحري؛ إذ وافقت حكومة انتقالية هيمنت عليها الجبهة على استفتاء عام 1993 الذي أفضى إلى استقلال إريتريا كدولة ذات سيادة.
ويرى رئيس الوزراء أبي أحمد أن تعداداً سكانياً يبلغ 150 مليون نسمة لا يمكنه العيش داخل "سجن جغرافي". وتتأرجح الخطابات الإثيوبية بين السعي للحصول على منفذ تجاري إلى البحر وبين التأكيد على مطالبة تاريخية بمدينة "عصب"؛ حيث يُصوَّر قبول استقلال إريتريا -دون ضمان سيطرة إثيوبية على ميناء- على أنه الخطأ الذي حرم إثيوبيا من امتلاك ساحل بحري.
أما بالنسبة لإريتريا، فلا تُعد "عصب" مجرد ميناء عادي؛ فالسيطرة على الساحل جزء لا يتجزأ من الاستقلال الذي انتُزع بعد حرب استمرت 30 عاماً ضد إثيوبيا. وحين يطرح السياسيون الإثيوبيون مسألة الوصول إلى البحر باعتبارها حقاً تاريخياً، فإن إريتريا ترى في ذلك تهديداً محتملاً لسيادتها على أراضيها.
ومع مرور الوقت، أصبحت قضايا الوصول إلى الموانئ، والسيطرة على الحدود، والمعارضة المسلحة داخل إثيوبيا، أجزاءً من مواجهة واحدة شاملة.
وتُعد منطقة "تيغراي" نقطة التقاء هذه القضايا؛ فهي تتاخم إريتريا، ولا تزال منطقة "غرب تيغراي" -وهي جزء كبير من أراضي الإقليم- خاضعة للإدارة والسيطرة العسكرية لقوات "أمهرة". وعلاوة على ذلك، لم تُنزع أسلحة قوات تيغراي بالكامل. وبالنسبة للحكومة الفيدرالية، فإن تأمين الحدود ونزع سلاح قوات تيغراي من شأنهما تقليل مخاطر وصول الدعم الإريتري إلى تيغراي، أو تجنيب إثيوبيا خطر مواجهة جبهتين شماليتين مترابطتين.
لقد انهار التحالف الذي جمع أديس أبابا وأسمرة إبان حرب تيغراي عقب توقيع "اتفاق بريتوريا" في نوفمبر 2022. ومن تداعيات ذلك أن إريتريا و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" وجدتا أرضية مشتركة لمواجهة الحكومة الفيدرالية. ورغم عدم الإعلان عن تحالف رسمي، إلا أن التقارير التي تتحدث عن اتصالات وتنسيق محتمل -مقترنة باتهامات فيدرالية بوجود تحضيرات عسكرية مشتركة- تشير إلى وجود اصطفاف تكتيكي غير رسمي؛ في حين نفت الجبهة المزاعم القائلة بوجود تنسيق مع إريتريا.
وبالنسبة لإريتريا، فإن استمرار الصراع داخل إثيوبيا يقلل من حجم التهديد المحدق بمدينة "عصب"؛ فالحكومة الفيدرالية التي تخوض صراعات في أقاليم أمهرة وأوروميا وتيغراي تمتلك عدداً أقل من القوات والموارد المالية، فضلاً عن ضيق الحيز السياسي المتاح لممارسة الضغط على إريتريا. ولا تحتاج إريتريا إلى تحالف دائم مع "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"؛ إذ يكفي تعاون محدود لإجبار أديس أبابا على تركيز جهودها في عدة جبهات داخلية.
وتشير تحليلاتي إلى أن الحكومة الإثيوبية قد تبنت حسابات مغايرة تماماً. يتعزز هذا الطرح بتحذيرات الحكومة الفيدرالية من أن "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" (TPLF) تقف إلى جانب إريتريا في حرب محتملة بالوكالة، وهو اتهام تنفيه الجبهة. ومع ذلك، فإن تصوير الجبهة كشريك لإريتريا يتيح للحكومة الفيدرالية وصف مقاومة نزع السلاح بأنها تهديد مدعوم من الخارج؛ مما يساعد أديس أبابا في تبرير إخفاقها في التنفيذ الكامل لاتفاقية بريتوريا، وحشد الدعم الداخلي حول قضايا الوحدة الوطنية والسيادة.
كما تخلق هذه الاتهامات الفيدرالية مبرراً سياسياً لإضعاف "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" قبل تكثيف الضغط على إريتريا بشأن ميناء عصب. ويمكن تفسير ذلك باعتباره حجة سيادية ذات شقين: إذ يمكن أولاً التعامل مع الجبهة باعتبارها شريكاً داخلياً لعدو خارجي، ثم استخدام الحجة السيادية ذاتها لدعم ممارسة الضغط على إريتريا بخصوص ميناء عصب.
فالادعاءات القائلة بأن ميناء عصب يتبع إثيوبيا تاريخياً قد تجعل هذا الضغط يبدو وكأنه استعادة لأراضٍ وطنية. ورغم أن هذا لا يثبت تبني الحكومة الفيدرالية لمثل هذه الخطة العسكرية، إلا أنه يوضح كيف يمكن توجيه حجة السيادة نفسها ضد كل من "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" وإريتريا.
في المقابل، يمكن للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إجراء حساباتها الخاصة؛ إذ تمنح حالة العداء بين إثيوبيا وإريتريا الجبهة فرصة لاستغلال الدعم الإريتري المحتمل كورقة ضغط لحث أديس أبابا على تنفيذ اتفاقية بريتوريا. أما بالنسبة لإريتريا، فإن دعم الضغوط القادمة من تيغراي قد يؤدي إلى إضعاف الحكومة الإثيوبية بالتزامن مع سعي إريتريا لفرض مطالبها بشأن ميناء عصب.
يستخدم المراقبون المحليون في تيغراي وإريتريا مصطلح "تسيمدو" (Tsimdo) -وهو مصطلح باللغة التغرينية- للإشارة إلى التعاون المزعوم بين إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. ورغم استمرار الجدل حول مدى هذا التعاون، إلا أن أديس أبابا تتعامل مع هذا الاحتمال باعتباره تهديداً أمنياً.
التنافس في البحر الأحمر يعرقل تنفيذ اتفاقية بريتوريا
يعيق هذا التنافس اتفاقية بريتوريا عند أهم بنودها؛ إذ ربطت خطة التنفيذ العسكري بين نزع سلاح قوات تيغراي وبين انسحاب القوات الأجنبية والقوات غير التابعة للجيش الفيدرالي. وكان من المتوقع أن تسلم قوات تيغراي أسلحتها بالتزامن مع انسحاب القوات التي كانت تشكل تهديداً للإقليم.
غير أن هذه العملية المتبادلة قد تعطلت؛ إذ يتساءل الفاعلون في تيغراي عن سبب مطالبتهم بنزع السلاح في حين لم تعد منطقة غرب تيغراي إلى الإدارة التابعة للإقليم. كما أن الاحتفاظ بالأسلحة يوفر لهم الحماية في حال تطور التوتر بين إثيوبيا وإريتريا إلى حرب شاملة.
يشير تحليلي إلى أن السلطات الفيدرالية قد تكون مترددة في إعادة منطقة ذات أهمية استراتيجية إلى قيادة تيغراي المنقسمة؛ إذ أن إعادة المنطقة قد تضع الحكومة الفيدرالية في مواجهة مع الأطراف السياسية والعسكرية في إقليم أمهرة، وتكلفها خسارة الدعم السياسي من جانبهم.
ينظر كل طرف إلى التزاماته باعتبارها انتقاصاً من أمنه، ويطالب الطرف الآخر بأن يبادر هو بالخطوة الأولى.
وتتحمل منطقة غرب تيغراي العبء الأكبر لهذا المأزق؛ إذ لا يزال أكثر من 760 ألفاً من سكان تيغراي نازحين. ولا يقتصر النزاع على أماكن إقامة النازحين فحسب، بل يمتد ليشمل تحديد السلطة الإقليمية التي ستحكم المنطقة؛ ونتيجة لذلك، يجد النازحون أنفسهم عالقين وسط صراع أمني لم يكونوا سبباً في نشوئه.
يُكسب الإقصاء السياسي القوةَ المسلحة قيمةً أكبر؛ فلم تشارك تيغراي في انتخابات الأول من يونيو 2026. وبالتالي، فإن قادة "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" -الذين يفتقرون إلى قنوات التفاوض البرلماني- لديهم أسباب أقوى للاحتفاظ بنفوذهم العسكري. وفي المقابل، يمكن للسلطات الفيدرالية استخدام هذه القوة العسكرية كدليل على أن تيغراي ليست مستعدة لإعادة الاندماج السياسي.
حماية السلام في تيغراي من التنافس الإقليمي يتطلب منع اندلاع حرب أخرى مسارين مترابطين:
يتعين على إثيوبيا وإريتريا تسوية النزاع حول ميناء عصب سلمياً، بما في ذلك قضايا الوصول إلى الميناء، والسيادة، والاتهامات بدعم جماعات مسلحة؛ إذ لا يمكن لاتفاق بريتوريا أن يتحمل عبء نزاع لم يكن جزءاً من اتفاق السلام الأصلي.
أما في تيغراي، فإن تنفيذ اتفاق السلام يتطلب تسلسلاً قابلاً للتحقق من الخطوات: انسحاب القوات الأجنبية والقوات غير التابعة للجيش الفيدرالي، واستعادة الإدارة التيغراوية في غرب تيغراي، والعودة الآمنة للنازحين، ونزع سلاح قوات تيغراي، وإعادة الاندماج السياسي.
من شأن هذه الخطوات أن تقلص الفرص التي يتيحها التوتر في منطقة البحر الأحمر؛ إذ سيقل هامش المناورة المتاح لإريتريا لاستغلال الصراع في تيغراي من أجل تقييد إثيوبيا، كما ستنتفي المبررات لدى الحكومة الفيدرالية الإثيوبية للتعامل مع مطالب تيغراي باعتبارها تهديدات خارجية، وستقل دوافع قوات تيغراي للسعي وراء الدعم الإريتري طلباً للحماية. إن السلام في تيغراي مرهون بجعل عملية التنفيذ خياراً أكثر قيمة وجدوى من استمرار حالة عدم اليقين.
هافتي غيبريسيلاسي غيبريهيت
باحث، جامعة أوسلو
باحث مشارك فخري، جامعة كيب تاون
يعمل هافتي غيبريهيت باحثاً في مركز الاستدامة العالمية بجامعة أوسلو.
شغل سابقاً منصب باحث ما بعد الدكتوراه في كلية نيلسون مانديلا للحوكمة العامة بجامعة كيب تاون، كما عمل محاضراً في جامعة أديغرات بإثيوبيا. تناولت أطروحته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة ستيلينبوش موضوع إصلاح الأراضي الحضرية في إثيوبيا، مساهمةً بذلك في النقاشات المتعلقة بالحوكمة الديمقراطية، وإصلاح السياسات، والتنمية المستدامة.
تشمل اهتماماته البحثية: التنمية المستدامة، والفقر، والمساواة بين الجنسين، والسياسة المقارنة، والاقتصاد السياسي، والحوكمة الديمقراطية، والفساد، والاستقطاب السياسي والعرقي، وانعدام الأمن الغذائي، والنزاعات والأزمات الإنسانية.
نُشرت أعماله في دوريات دولية مرموقة، منها: *Sustainable Development*، و*Discover Food*، و*International Journal of Sociology and Social Policy*، و*Politikon*، و*Transforming Government*. كما شارك في مؤتمرات دولية وقدم محاضرات كضيف في كل من جامعة ليدن، وجامعة ستيلينبوش، وجامعة غرب النرويج للعلوم التطبيقية.
حصل على تمويل بحثي تنافسي من جهات عدة، بما في ذلك منظمة الشفافية الدولية، والهيئة الألمانية للتبادل العلمي (DAAD)، وجامعة كيب تاون، وجامعة أكسوم. وهو عضو نشط في شبكات مهنية وأكاديمية، مثل شبكة COMPETE في جامعة غرب النرويج للعلوم التطبيقية ومبادرة "الأكاديمية في المنفى" (Academy in Exile) في جامعة دورتموند التقنية (TU Dortmund).
الخبرة المهنية
2026 – حتى الآن: باحث، جامعة أوسلو
2023 – 2026: أستاذ مشارك، جامعة غرب النرويج للعلوم التطبيقية
2023 – 2024: باحث ما بعد الدكتوراه، جامعة كيب تاون
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
لماذا صوّت النواب البريطانيون ضد مشروع قانون "الموت بمساعدة طبية" – وماذا سيحدث الآن؟
لماذا صوّت النواب البريطانيون ضد مشروع قانون "الموت بمساعدة طبية" – وماذا سيحدث الآن؟
نُشر في: 11 سبتمبر 2026، الساعة 5:02 مساءً بتوقيت بريطانيا الصيفي
صوّت أعضاء البرلمان في وستمنستر ضد مشروع قانون "الموت بمساعدة طبية"، في ضربة قوية للناشطين الساعين لتغيير القانون، وذلك بعد مرور 11 عاماً بالضبط على رفض النواب لمحاولة سابقة مماثلة.
لو أُقِرَّ مشروع القانون، لكان قد أتاح للمرضى المصابين بأمراض عضال في إنجلترا وويلز -في ظروف محددة- الحصول على مساعدة لإنهاء حياتهم.
يُعد هذا أحدث تطور في جدل طويل الأمد داخل البرلمان حول خطط تقنين الموت بمساعدة طبية. وكان النواب قد صوّتوا في البداية لصالح نسخة سابقة من هذا المشروع في نوفمبر 2024 -وهو مشروع قانون قدمته النائبة العمالية كيم ليدبيتر- ثم أقرّوا النسخة النهائية منه في يونيو 2025.
لكن عند انتقال مشروع القانون إلى مجلس اللوردات، واجه عقبات بعد أن اقترح عدد قليل نسبياً من الأعضاء عدداً كبيراً وغير مسبوق من "التعديلات" التشريعية. ونتيجة لذلك، انتهى الوقت المتاح لمشروع القانون قبل ختام الدورة البرلمانية؛ إذ كان يتطلب إتمام مراحله في مجلس اللوردات ليصبح قانوناً نافذاً، كما أن أي تغييرات يجريها اللوردات كانت ستتطلب موافقة أعضاء مجلس العموم (النواب).
وقد جاءت هذه النسخة الجديدة من مشروع القانون، التي قدمتها النائبة العمالية لورين إدواردز، لتستكمل المسار الذي بدأه مشروع قانون ليدبيتر.
وفي التصويت الأخير، صوّت النواب بأغلبية 286 صوتاً مقابل 270 صوتاً ضد مشروع القانون، مما منح المعارضين أغلبية بفارق 16 صوتاً. وشكّل هذا تحولاً مقارنة بالتصويت الأول في نوفمبر 2024، حين صوّت 330 نائباً لصالح المشروع وعارضه 275. ومقارنة بشهر يونيو 2025، لم يغير سوى عدد قليل نسبياً من النواب مواقفهم بشكل مباشر؛ إذ تحول خمسة فقط من التأييد إلى المعارضة، ولم يتحول أحد في الاتجاه المعاكس.
وكانت القضية الأهم هي نسبة المشاركة في التصويت: فمن بين المعارضين في عام 2025، امتنع 15 عضواً عن التصويت هذه المرة، بينما بلغ هذا العدد 43 عضواً بين المؤيدين (باستثناء من لم يعودوا نواباً). وقد أحدث هذا الفارق حاسماً في ظل تقارب نتائج التصويت.
ولعب نواب حزب العمال دوراً محورياً في تحديد هذه النتيجة. غالباً ما تخضع القضايا التي تُعرف بـ "تصويت الضمير" - مثل مسألة الموت بمساعدة طبية - لما يُسمى بـ "التصويت الحر"، مما يعني أن النواب يتمتعون بحرية التصويت وفقاً لقناعاتهم الشخصية.
في عام 2024، انقسمت آراء نواب حزب العمال، حيث أيد 61% منهم مشروع القانون مقابل معارضة 39%. أما هذه المرة، فقد كان الانقسام أكثر حدة؛ إذ تراجعت نسبة التأييد إلى 55% بين النواب المشاركين من حزب العمال، في حين صوت 45% ضده. وفي المقابل، ظل نواب حزب المحافظين معارضين بشدة، بينما استمر نواب الحزب الليبرالي الديمقراطي في إبداء تأييد واسع - وإن تخلل ذلك بعض التقلبات وتغيير مواقف بعض النواب.
تحليل عملية التصويت من المرجح أن ثلاثة اعتبارات رئيسية كانت حاضرة بقوة في أذهان النواب: السياسة العامة (مضمون التشريع)، والإجراءات البرلمانية، والاعتبارات السياسية.
أولاً، مواقفهم تجاه السياسة المقترحة. فبينما يؤيد العديد من النواب أو يعارضون بشدة - من حيث المبدأ - تقنين الموت بمساعدة طبية، أبدى آخرون سابقاً تأييداً مشروطاً. وفي الفترة التي سبقت هذا التصويت، سعى معارضو مشروع القانون إلى تسليط الضوء على مخاوف محددة، مثل مدى فعالية الضمانات الرامية إلى منع الإكراه وحماية الأشخاص ذوي الإعاقة.
ومنذ التصويت السابق على مشروع قانون مماثل، رفض البرلمان الاسكتلندي مشروعاً مشابهاً بشكل قاطع في شهر مارس. كما أتيح للنواب وقت أطول لدراسة السياسة المقترحة، وباتوا أكثر خبرة في العمل التشريعي مقارنة بعام 2024، حين كان معظمهم قد انتُخبوا حديثاً. ومع ذلك، لم يغير سوى عدد قليل نسبياً من النواب مواقفهم بشكل مباشر، مما يشير إلى أن هذه العوامل كان لها تأثير محدود على النتيجة النهائية.
ثانياً، كان على النواب الموازنة بين الحجج الإجرائية المتعلقة بإقرار مشروع القانون. فمن خلال إعادة طرح مشروع قانون يكاد يكون مطابقاً لمشروع "ليدبيتر" (Leadbeater)، حاول المؤيدون استخدام "قوانين البرلمان" (Parliament Acts) كسلاح إجرائي. وباختصار، يعني هذا أنه إذا أقر مجلس العموم مشروع القانون نفسه في دورتين برلمانيتين متتاليتين، فيمكن تحويله إلى قانون نافذ دون الحاجة إلى موافقة مجلس اللوردات.
ويرى العديد من معارضي الموت بمساعدة طبية أن سبب فشل مشروع قانون "ليدبيتر" يعود إلى عدم منح مجلس اللوردات وقتاً كافياً لتدقيق مقترح تشريعي كان يعاني من عيوب؛ إذ جادلوا بأن إقرار مجلس العموم للمشروع مرة أخرى - مما يتيح تفعيل "قوانين البرلمان" - قد يؤدي إلى تحوله إلى قانون دون معالجة تلك العيوب.
في المقابل، يعتقد الكثير من المؤيدين أن مشروع قانون "ليدبيتر" قد فشل بسبب "تكتيكات المماطلة المتعمدة" داخل مجلس اللوردات، وليس نتيجة لعملية تدقيق بحسن نية. وفقاً لهم، كان الهدف من التلويح بـ "قوانين البرلمان" هو تشجيع أعضاء مجلس اللوردات على اعتماد نهج أكثر إيجابية وبنّاءة هذه المرة.
ربما وضع العديد من نواب حزب العمال المشهد السياسي الأوسع في اعتبارهم أيضاً؛ ففي عام 2024، كان الحزب بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، الذي طالما دعا إلى تقنين "الموت بمساعدة طبية". أما في عام 2026، فكان موقف آندي بورنهام أقل وضوحاً؛ فبينما امتنع في النهاية عن التصويت، أبدى أيضاً تحفظات علنية بشأن هذه السياسة، وهو ما قد يكون بعض النواب قد فسروه على أنه تحذير ضمني من التصويت لصالح مشروع القانون.
ولعل الأهم من ذلك هو الانقسامات الحزبية التي لا يمكن إنكارها والتي أثارتها النسخة السابقة من مشروع القانون. ولو صوّت النواب لصالحه مرة أخرى، لكانت تلك الانقسامات قد تفاقمت مع تقدم مشروع القانون عبر مراحله التشريعية؛ إذ كان من المرجح أن تواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة من بعض نوابها لتسهيل إقرار المشروع، مما ينطوي على مخاطرة بمزيد من الاستياء.
وفي وقت كان الحزب قد بدأ فيه للتو في استعادة استقراره عقب رحيل ستارمر، ربما خلص بعض نواب حزب العمال إلى أن فشل مشروع القانون هذا كان ثمناً يستحق الدفع لمنح بورنهام المساحة السياسية اللازمة لإعادة ترسيخ مكانة الحزب الانتخابية.
ماذا بعد؟ من خلال التصويت ضد مشروع القانون هذا، ربما يكون النواب قد أعلنوا فعلياً نهاية أي احتمال لتقنين "الموت بمساعدة طبية" في إنجلترا وويلز في المستقبل المنظور. ومن الناحية النظرية، يمكن لأي نائب إعادة طرح القضية بعد عملية الاقتراع على مشاريع القوانين التي يقدمها النواب (المعروفة بـ "مشاريع قوانين الأعضاء") في العام المقبل، وقد يرى البعض أن الأمر يستحق محاولة أخرى. ومع ذلك، يبدو من المرجح أن يخلص مؤيدون آخرون إلى أن النواب قد عبّروا بوضوح عن موقفهم الجماعي.
خلال المناقشات التي دارت على مدار العامين الماضيين، جادل البعض بأن إصلاحاً بهذا الحجم لا ينبغي أن يُترك لنواب البرلمان العاديين (من غير شاغلي المناصب الوزارية)، بل يجب أن تتبناه الحكومة، ربما بعد إجراء تحقيق متعمق مثل تشكيل "لجنة ملكية". ويظل هذا الخيار وارداً، وإن كان من المشكوك فيه أن ترغب حكومة بورنهام في استنزاف المزيد من رصيدها السياسي في هذه القضية، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر إعادة إشعال الانقسامات الحزبية.
لكن من غير المرجح أيضاً أن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي نسمع فيها عن الحملة الرامية إلى تشريع "الموت بمساعدة طبية" في إنجلترا وويلز؛ فحين يحين الوقت المناسب، ستشكل مناقشات العامين الماضيين أساساً لما سيلي ذلك في مسار هذه الحملة. دانيال غوفر
محاضر أول في السياسة البريطانية، جامعة كوين ماري في لندن
انضم دانيال إلى جامعة كوين ماري في لندن بصفة محاضر عام 2019. وتتمحور أبحاثه حول السياسة البريطانية، مع تركيز خاص على البرلمان والدستور في المملكة المتحدة.
شغل دانيال عدداً من المناصب البحثية قبل توليه منصبه الحالي؛ ففي الفترة ما بين عامي 2011 و2015، ومرة أخرى في عام 2019، عمل في "وحدة الدستور" (Constitution Unit) التابعة لكلية لندن الجامعية (UCL). وشملت أبحاثه هناك دراسةً موسعةً حول تأثير سياسات البرلمان البريطاني على التشريعات الحكومية -وهو ما أثمر عن تأليفه بالمشاركة لكتاب "التشريع في وستمنستر" (Legislation at Westminster) الصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد (OUP) عام 2017- بالإضافة إلى بحث دور البرلمان في ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست). كما عمل بين عامي 2015 و2016 في "معهد مايل إند" (Mile End Institute) بجامعة كوين ماري، حيث أجرى أبحاثاً حول تطبيق مبدأ "أصوات إنجليزية للقوانين الإنجليزية" (English Votes for English Laws) في مجلس العموم. وعلاوة على ذلك، نال درجة الدكتوراه من جامعة كوين ماري عن أطروحة تناولت دور جماعات الضغط المسيحية في صنع السياسات في المملكة المتحدة.
الخبرة المهنية
2019 – حتى الآن: محاضر أول في السياسة البريطانية، جامعة كوين ماري في لندن
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
للسياسة الأمريكية تاريخ طويل مع الرشوة؛ فهل يواصل دونالد ترامب هذا النهج؟
للسياسة الأمريكية تاريخ طويل مع الرشوة؛ فهل يواصل دونالد ترامب هذا النهج؟
نُشر في: 11 سبتمبر 2026، الساعة 1:31 مساءً بتوقيت بريطانيا الصيفي
قدم دونالد ترامب هذا الأسبوع عرضاً للناخبين الأمريكيين يأمل ألا يتمكنوا من رفضه؛ ففي حال فوز حزبه الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، سيحصل كل مواطن بالغ على "عائد ترامب" (Trump Dividend) بقيمة 5000 دولار أمريكي (أي ما يعادل 3700 جنيه إسترليني).
تشهد أرقام استطلاعات الرأي الخاصة بالحزب الجمهوري تراجعاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في شهر نوفمبر، ومن الواضح أن الرئيس الأمريكي يأمل في أن يكون تقديم مبالغ نقدية مباشرة هو الحل. غير أن هذا العرض أدى على الفور إلى ظهور اتهامات بأنه يحاول رشوة الناخبين لدعم حزبه.
هل يفعل ذلك حقاً؟ الإجابة معقدة. فمن ناحية، كثيراً ما يعد المرشحون بإجراء تغييرات في السياسات الضريبية والإنفاق تعود بالنفع المالي على الناخبين. وقد وعد ترامب بمنح هذا العائد لكل مواطن بالغ، وليس فقط لأولئك الذين صوتوا لصالحه.
ومن ناحية أخرى، بدا أن خطاب ترامب يصور هذا المبلغ كـ "مكافأة" سيمنحها للبلاد مقابل التصويت بالطريقة الصحيحة. فهو لم يربط وعده بأي هدف سياسي محدد بخلاف فوز حزبه. كما أن الإدارة لا تملك خطة واقعية لتمويل هذا الوعد، ولا تملك السلطة القانونية لوضع مثل هذه الخطة دون موافقة الكونغرس.
ويمكن القول إن اجتماع كل هذه العوامل يجعل الأمر يبدو أقل شبهاً بوعود الحملات الانتخابية المعتادة، وأقرب إلى ما يمكن وصفه بـ "الرشوة".
الكحول وصناديق الاقتراع للرشوة تاريخ طويل في السياسة الأمريكية، وكانت في الماضي أكثر وضوحاً وفجاجة.
انضم إلى قرائنا المشتركين في خدمة الأخبار المجانية القائمة على الأدلة احصل على النشرة الإخبارية في الحقبة الاستعمارية، وخلال التاريخ المبكر للجمهورية، كانت الانتخابات تمثل إحدى المناسبات القليلة التي يجتمع فيها الرجال البالغون في المجتمع (إذ لم يكن يحق لأي فئة أخرى التصويت) في مكان واحد.
وكثيراً ما كانت هذه التجمعات تتحول إلى مهرجانات مجتمعية تغمرها المشروبات الكحولية، مما ألهم المرشحين الطموحين بفكرة: ربما يمكنهم جعل الناس يسكرون ثم يطلبون منهم التصويت لصالحهم. في صحة الجميع! استخدم جورج واشنطن نفسه هذا الأسلوب عندما ترشح لمقعد في المجلس التشريعي الاستعماري لولاية فرجينيا عام 1758. وتُظهر السجلات أنه قدم للناخبين 35 جالوناً من النبيذ، و43 جالوناً من البيرة القوية وعصير التفاح المخمر (السيدر)، وكمية مذهلة بلغت 95 جالوناً من مشروب "البنش" الكحولي. ورغم أنه كتب لمدير حملته معرباً عن اعتقاده بأنهم ربما لم يقدموا ما يكفي من المشروب، إلا أنه لم يكن بحاجة للقلق؛ فقد حقق فوزاً ساحقاً ومريحاً (وإن كان ربما قد وصل إليه متعثراً!).
كان الامتناع عن اتباع هذا النهج قد يعني الخسارة. فعندما ترشح جيمس ماديسون لمقعد في المجلس التشريعي ذاته في فرجينيا عام 1777، صرح بأن المنافسة يجب أن تعكس "نقاء المبادئ الأخلاقية والجمهورية" بدلاً من أن تكون ساحة مفتوحة للفوضى التي يغذيها الكحول. وفي النهاية، خسر ماديسون الانتخابات أمام صاحب حانة كان قد فتح أبواب الحانة وقدم المشروبات للجميع بلا قيود.
المال والفساد لم يقتصر ما قدمه المرشحون للناخبين على الكحول فحسب، بل عرضوا عليهم المال أيضاً.
وقد شجعت طبيعة عملية التصويت -التي لم تكن شأناً خاصاً كما هي عليه اليوم طوال فترات طويلة من التاريخ الأمريكي- على هذا النوع من المعاملات. فلفترة طويلة، كان الناخبون يعلنون عن خياراتهم إما شفهياً أو عن طريق وضع بطاقة ملونة زاهية ترمز لحزب معين داخل وعاء مخصص لذلك. وكانت هذه العملية تتم علناً أمام الجميع، مما أتاح لمشتري الأصوات التأكد من الحصول على عائد مقابل "استثمارهم".
وفي بعض المناطق، تحولت هذه الممارسة إلى ظاهرة مؤسسية واسعة النطاق. فقد كشف تحقيق أُجري في مقاطعة آدامز بولاية أوهايو خلال العقد الثاني من القرن العشرين أن بيع الأصوات كان ممارسة شائعة وشاملة تقريباً في بعض الأماكن؛ إذ تمكن أحد الناخبين الدهاة من بيع صوته لثلاثة مرشحين مختلفين في الانتخابات نفسها. وبحلول الوقت الذي انتهى فيه التحقيق وفُرض حظر مؤقت على تصويت المتورطين، كانت بعض البلدات قد خلت تماماً من أي ناخبين مسجلين.
وعلى مدار القرن التاسع عشر، ضغط دعاة الإصلاح الانتخابي من أجل اعتماد نظام الاقتراع السري، الذي يُعد اليوم حجر الزاوية في الديمقراطية الأمريكية. لكن التقدم في هذا المجال كان بطيئاً؛ فبينما كانت معظم الولايات قد تحولت إلى هذا النظام بحلول عام 1900، لم تقم الولاية الأخيرة -وهي كارولينا الجنوبية- بذلك إلا في عام 1950.
سياسات مقابل أصوات؟ لقد جعل نظام الاقتراع السري من الصعب للغاية إدارة عمليات موثوقة لشراء الأصوات، مما أدى إلى تلاشي هذه الممارسة تدريجياً. مع صعود قضية إعادة توزيع الثروة في الأجندة السياسية، وتأسيس الولايات المتحدة لنظام "دولة الرفاه" ونظام ضريبي أكثر تعقيداً، دأب السياسيون على اتهام خصومهم بمحاولة رشوة الناخبين عبر تقديم منح نقدية غير مسؤولة. فعلى سبيل المثال، عزا ميت رومني -المرشح الجمهوري للرئاسة عام 2012- خسارته أمام باراك أوباما إلى "الهدايا" التي وعد بها الأخيرُ فئاتٍ من الأقليات.
غير أن الوعد بتعديل معاشات التقاعد الحكومية أو تغيير معدلات ضريبة الدخل يختلف تماماً عن منح الناخبين جالوناً من مشروب "الروم" أو ورقة نقدية بقيمة 10 دولارات مقابل التصويت بطريقة معينة؛ إذ إن طرح تغييرات في السياسات العامة مقابل الحصول على الأصوات يمثل جوهر الممارسة السياسية الديمقراطية.
شأنها شأن أدوات السياسة الديمقراطية الأخرى، يمكن أن تتعرض هذه الأداة للفساد وسوء الاستخدام. غير أن مسألة حدوث ذلك من عدمه تخضع لوجهات نظر متباينة، لا سيما في بلد يشهد انقساماً سياسياً حاداً كالولايات المتحدة؛ إذ سيكون من الصعب للغاية وضع قواعد قانونية تحكم مثل هذه الحالات.
وهذا يعني أن ترامب قد اقتحم -مرة أخرى- منطقة رمادية في السياسة الديمقراطية، ويبدو عازماً على استغلالها إلى أقصى حد. ويبقى أن نرى ما إذا كان سينجح في ذلك أم لا.
أندرو غوثورب
محاضر في التاريخ والدراسات الدولية، جامعة ليدن
أنا باحث ينصبّ اهتمامي الأكاديمي على دراسة الولايات المتحدة في العصرين الحديث والمعاصر. ورغم أنني مؤرخ من حيث التكوين الأكاديمي، إلا أن عملي يدمج رؤىً من تخصصات أخرى، ولا سيما العلاقات الدولية والسياسة الأمريكية. أشغل حالياً منصب الباحث الرئيسي في مشروع "السياسة الخارجية الأمريكية والليبرالية" الممول من منظمة البحث العلمي الهولندية (NWO) ضمن برنامج "Vidi". يتحدى هذا المشروع فكرة "النظام الدولي الليبرالي" الذي أوجدته الولايات المتحدة، وذلك من خلال دراسة كيف تشكّل النهج الأمريكي تجاه النظام الدولي بفعل أيديولوجيات غير ليبرالية، كتلك التي تغذي العنصرية في الداخل أو الإمبريالية في الخارج.
كما أعكف حالياً على تأليف كتاب دراسي حول السياسة الأمريكية، يطرح تساؤلات نقدية حول العديد من الافتراضات السائدة بشأن الديمقراطية والليبرالية في أمريكا، وذلك من منظور تاريخي تحليلي. أكتب مقالات على نطاق واسع لوسائل الإعلام العامة والمجلات الأكاديمية، وأصدر نشرة إخبارية تتناول السياسة والسياسة الخارجية والثقافة الأمريكية تحت عنوان "America Explained" (أمريكا مشروحة). سبق لي أن شغلت منصب زميل باحث في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، وزميل تدريس في أكاديمية الدفاع بالمملكة المتحدة، كما عملت في الخدمة المدنية ضمن مكتب مجلس الوزراء البريطاني.
الخبرة المهنية
– حالياً: محاضر في التاريخ والدراسات الدولية، جامعة ليدن
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
علم الصيدلة الجينية: كيف يمكن لجيناتك أن تساعد الأطباء في اختيار الدواء والجرعة المناسبين؟
علم الجينوم الدوائي: كيف يمكن لجيناتك مساعدة الأطباء في اختيار الدواء والجرعة المناسبين
تاريخ النشر: 11 سبتمبر 2026، الساعة 5:03 مساءً بتوقيت بريطانيا الصيفي
قد يتناول شخصان الجرعة نفسها من الدواء ذاته، ومع ذلك تكون النتائج مختلفة تماماً؛ فقد تتحسن حالة أحدهما، بينما لا يحقق الآخر سوى فائدة ضئيلة أو تظهر عليه آثار جانبية خطيرة. وغالباً ما يكمن جزء من التفسير في الجينات الخاصة بكل منهما.
يستخدم علم الجينوم الدوائي المعلومات الجينية للتنبؤ بكيفية استجابة الفرد لأدوية معينة. فبعض الجينات تنتج بروتينات تساعد الجسم على معالجة الأدوية، بينما تؤثر جينات أخرى على آلية عمل تلك الأدوية. ويمكن أن تؤدي الاختلافات (الطفرات أو التباينات) في هذه الجينات إلى تغيير مدى فعالية العلاج أو التأثير على احتمالية حدوث آثار جانبية.
لكن الجينات تمثل جزءاً واحداً فقط من الصورة؛ إذ يمكن للعمر، ووظائف الكلى والكبد، والأدوية الأخرى التي يتناولها المريض، وطبيعة الحالة الصحية التي يتم علاجها، أن تؤثر جميعها على استجابة الشخص. كما أن ردود الفعل التحسسية تنجم عن أسباب مختلفة.
يحمل كل شخص تقريباً نوعاً من هذه الاختلافات الجينية ذات الصلة. وقد أظهر تحليل شمل ما يقرب من 500 ألف مشارك في "البنك الحيوي للمملكة المتحدة" (UK Biobank) أنه من المتوقع أن يبدي 99.5% منهم استجابة غير معتادة لدواء واحد على الأقل، وذلك بسبب اختلافات في 14 جيناً تمت دراستها بشكل مستفيض. كما تبين أن ربعهم تقريباً قد وُصف لهم بالفعل دواء يتأثر بأحد تلك الجينات.
ومع ذلك، فإن القيمة المباشرة لهذه المعلومات تظل محدودة أكثر مما قد يوحي به ذلك الرقم؛ إذ تكتسب المعلومة الجينية أهميتها عندما يتناول الشخص -أو يُحتمل أن يُوصف له- دواءً ذا صلة، وعندما تتوفر أدلة قوية حول الإجراءات المختلفة التي ينبغي على الطبيب اتخاذها في هذه الحالة.
وفي ظل هذه الظروف، قد يساهم الفحص الجيني في تجنب ردود الفعل الضارة أو العلاج غير الفعال. وتجدر الإشارة إلى أن الاختلافات الجينية تفسر جزءاً فقط من التفاعلات الدوائية الضارة، التي تتراوح حدتها بين الغثيان ونزيف يهدد الحياة. وقد كشفت دراسة أُجريت عام 2022 حول حالات دخول البالغين إلى المستشفى على مدار شهر واحد في إحدى هيئات الخدمات الصحية الوطنية (NHS) في ليفربول، أن التفاعلات الدوائية الضارة كانت سبباً أو عاملاً مساهماً في 16.5% من حالات الدخول.
وقد قدّر الباحثون أن مثل هذه الحالات قد تكلف هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا (NHS England) ما يصل إلى 2.21 مليار جنيه إسترليني سنوياً. ونظراً لأن هذا التقدير استُمد من بيانات هيئة واحدة وعلى مدار شهر واحد فقط، فإنه يظل تقديراً وليس إحصاءً وطنياً شاملاً.
ويواجه كبار السن الذين يتناولون أدوية متعددة خطراً مرتفعاً بشكل خاص للإصابة بتفاعلات دوائية ضارة. ومع تزايد متوسط أعمار السكان، ستصبح مسألة الحد من الأضرار التي يمكن تجنبها أمراً بالغ الأهمية.
وهناك أدلة تشير إلى أن إجراء الفحوصات الجينية يمكن أن يجعل عملية وصف الأدوية أكثر أماناً. شملت تجربةٌ سريرية 6,944 مريضاً في سبع دول أوروبية، حيث جرى فحص متغيرات جينية في 12 جيناً وتزويد واصفي العلاج بتوصيات خاصة بكل دواء.
وفيما يتعلق بالمرضى الذين أظهرت الفحوصات نتائج قد تؤثر على علاجهم، لوحظ حدوث تفاعلات ضارة ذات أهمية سريرية في غضون 12 أسبوعاً لدى 21% ممن خضعوا لرعاية موجهة بناءً على نتائج الفحص، مقارنة بـ 27.7% ممن تلقوا الرعاية القياسية المعتادة.
يُستخدم الفحص الجيني بالفعل مع أدوية محددة؛ إذ تُدرج وثيقة مرجعية لهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) -حُدثت عام 2025- خمسة أزواج من الأدوية والجينات التي تخضع للفحص بشكل روتيني نسبياً في إنجلترا. وتشمل هذه الحالات فحص جين *DPYD* قبل استخدام أدوية معينة للعلاج الكيميائي، نظراً لأن بعض المتغيرات الجينية تقلل من قدرة الجسم على تكسير هذه الأدوية. كما يجري الأطباء فحصاً لجين الجهاز المناعي *HLA-B* قبل وصف دواء "أباكافير" (abacavir) لعلاج فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، لأن أحد المتغيرات الجينية يزيد من خطر حدوث تفاعل فرط حساسية خطير.
ويجري حالياً استكشاف سبل توسيع نطاق استخدام هذه الفحوصات من خلال دراسة تمولها هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا (NHS England) لبحث آلية عمل خدمة وطنية للفحوصات الجينية الدوائية (pharmacogenomic testing). كما يبحث المشروع في كيفية دمج النتائج وتوصيات وصف العلاج ضمن الأنظمة الحاسوبية السريرية.
وتُعد هولندا نموذجاً مفيداً للمقارنة في هذا الصدد؛ حيث تُدمج التوصيات الصادرة عن "مجموعة العمل الهولندية لعلم الوراثة الدوائي" في قاعدة البيانات الوطنية للأدوية التي يستخدمها واصفو العلاج والصيادلة. وهذا يتيح توفر الإرشادات عند نقطة تقديم الرعاية بمجرد معرفة النتيجة الجينية للمريض، وإن كانت مسألة إتاحة الفحص نفسه تظل أمراً منفصلاً.
كيف يمكن للفحص الجيني أن يغير مسار العلاج؟ لنتخيل مريضاً يغادر المستشفى بعد إصابته بنوبة قلبية؛ فقد يُوصف له دواء "كلوبيدوجريل" (clopidogrel) للوقاية من تجلط الدم، ودواء من فئة "الستاتين" (statin) لخفض الكوليسترول، ودواء "أوميبرازول" (omeprazole) لحماية المعدة.
يمتلك بعض الأشخاص متغيرات في جين *CYP2C19* تقلل من قدرتهم على تفعيل دواء "كلوبيدوجريل". وفي حالات قلبية معينة، توصي الإرشادات السريرية بالنظر في استخدام دواء آخر مضاد لتجمع الصفائح الدموية للمرضى الذين تظهر لديهم نتائج جينية محددة.
كما يمكن لمتغيرات جينية أخرى أن تؤثر على احتمالية ظهور أعراض عضلية ناتجة عن استخدام بعض أدوية "الستاتين". ويؤثر جين *CYP2C19* أيضاً على مستويات دواء "أوميبرازول"، مما ينعكس بدوره على مدى فعاليته في الوقاية من مشاكل المعدة التي قد تسببها أدوية أخرى.
ومع ذلك، يظل كل دواء بحاجة إلى تقييم سريري منفصل؛ إذ يمكن للنتيجة الجينية أن توفر للطبيب أدلة إضافية عند اختيار الدواء أو تحديد الجرعة المناسبة.
وينطبق الحذر ذاته عند التعامل مع مضادات الاكتئاب. يمكن أن تؤثر متغيرات الجينين CYP2D6 وCYP2C19 على مستويات بعض مضادات الاكتئاب، وتوضح الإرشادات كيف يمكن للنتائج أن توجه عملية وصف العلاج؛ إذ قد تساعد النتيجة الطبيبَ المعالج في اختيار جرعة البدء أو النظر في خيار علاجي بديل. ومع ذلك، فإن الجينات تفسر جزءاً فقط من استجابة الفرد للعلاج.
يمكن الحصول على عينة للاختبار من الدم أو عن طريق مسحة من باطن الخد. ونظراً لأن المتغيرات الجينية الموروثة لا تتغير، يمكن حفظ النتيجة في السجل الطبي للمريض طوال حياته والرجوع إليها عند وصف أدوية أخرى؛ كما أن تفسير هذه النتائج قد يتطور مع تحديث الأدلة العلمية والإرشادات السريرية.
من يمكنه الاستفادة؟
تتاح للأشخاص الذين يتناولون أدوية متعددة فرص أكبر لمواجهة حالات تتفاعل فيها الأدوية مع الجينات بشكل ذي صلة. ومع ذلك، يتطلب ضمان الوصول العادل إلى هذه الاختبارات تخطيطاً دقيقاً لضمان استفادة الفئات الأكثر احتياجاً لها.
يمكن لعلم الصيدلة الجيني (Pharmacogenomics) أن يقلل من الاعتماد على أسلوب "التجربة والخطأ" عند وصف الأدوية، وذلك في الحالات التي تكون فيها العلاقة بين الدواء والجين مدعومة بأدلة قوية. وبالفعل، بدأت هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) في تطبيق أجزاء من هذا النظام، إلا أن توسيع نطاقه يتطلب توفير اختبارات موثوقة وإرشادات سريرية محدثة، فضلاً عن تدريب مناسب للمختصين الذين يصفون الأدوية.
بالنسبة للأطباء والمرضى على حد سواء، فإن السؤال العملي بسيط: لا يتعلق الأمر بما إذا كان بإمكاننا إجراء الاختبار أو ما إذا كان ينبغي علينا ذلك، بل بكيفية تحويل هذا الاختبار إلى إجراء روتيني.
ريبيكا مور
طبيبة ممارس عام وباحثة في الدراسات العليا في مجال الصيدلة الجيني، جامعة إيست أنجليا
تعمل ريبيكا مور باحثةً لنيل درجة الدكتوراه في الصيدلة الجيني في كلية نورويتش للطب بجامعة إيست أنجليا، وبالتعاون مع مؤسسة مستشفيات جامعة نورفولك ونورويتش التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS).
تعمل ريبيكا أيضاً طبيبة ممارس عام، حيث حصلت على عضوية الكلية الملكية للممارسين العامين (MRCGP) في عام 2022. تخرجت في جامعة كامبريدج عام 2017 بدرجة البكالوريوس في الطب والجراحة (MBBChir) ودرجة الماجستير في العلوم الطبيعية.
يركز عملها الأكاديمي على تطبيق الطب الشخصي، وتحديداً تقييم استخدام وانتشار اختبارات الصيدلة الجيني (PGx) في خدمات الرعاية الصحية الأولية والمجتمعية. تكرس ريبيكا جهودها لفهم كيف يمكن للرعاية الموجهة بنتائج الصيدلة الجيني أن تدعم الإدارة الآمنة للأدوية وتقلل من حالات دخول المستشفى للمرضى الذين يعانون من حالات معقدة ويتناولون أدوية متعددة. وتهدف من خلال أبحاثها إلى ردم الفجوة بين العلوم الوراثية والممارسة السريرية الروتينية، وذلك بهدف إرساء آليات عمل أكثر أماناً وفعالية لوصف الأدوية.
الخبرة المهنية
– حتى الآن: باحثة في الدراسات العليا وطبيبة ممارس عام، جامعة إيست أنجليا
التعليم
2017: جامعة كامبريدج، بكالوريوس في الطب والجراحة
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
قد تكون هناك صلة بين عدوى شائعة في المعدة وسرطان الأمعاء؛ إليكم ما نعرفه
قد تكون هناك صلة بين عدوى شائعة في المعدة وسرطان الأمعاء؛ إليكم ما نعرفه
نُشر في: 11 سبتمبر 2026، الساعة 2:49 مساءً بتوقيت بريطانيا الصيفي
قد تكون هناك علاقة غير متوقعة بين سرطان الأمعاء وبكتيريا يمكنها العيش بصمت في المعدة لعقود.
وتُقدّر دراسة جديدة أن التعرض لبكتيريا "الملوية البوابية" (Helicobacter pylori أو H. pylori) قد يرتبط بأكثر من حالة واحدة من بين كل خمس حالات إصابة بسرطان الأمعاء على مستوى العالم.
إنه رقم لافت للنظر، لا سيما وأن هذه البكتيريا شائعة للغاية. لكن ثمة توضيح مهم: الدراسة لا تثبت أن بكتيريا "الملوية البوابية" تسبب سرطان الأمعاء، بل تكتفي بتقدير مدى ارتباط هذا السرطان بالعدوى.
ينشأ سرطان الأمعاء -الذي يُعرف أيضاً بسرطان القولون والمستقيم- في القولون أو المستقيم. ويُعد واحداً من أكثر أنواع السرطان تشخيصاً في العالم، إذ يصيب نحو 1.9 مليون شخص سنوياً.
نحن نعلم بالفعل بوجود عدة عوامل قد تزيد من خطر الإصابة بسرطان الأمعاء، وتشمل: التقدم في العمر، والتاريخ العائلي، والتدخين، والسمنة، واستهلاك الكحول، والأنظمة الغذائية الغنية باللحوم المصنعة. غير أن الباحثين يولون اهتماماً متزايداً لعامل محتمل آخر: تريليونات الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش في جهازنا الهضمي (الميكروبيوم)، والعدوى التي يمكن أن تغير هذه البيئة.
وتُعد بكتيريا "الملوية البوابية" مرشحاً مثيراً للاهتمام بشكل خاص؛ فهي ليست متكيفة فقط للبقاء على قيد الحياة في بيئة المعدة الحمضية، بل من المعروف أيضاً أنها تسبب سرطان المعدة.
يُعتقد أن نحو نصف سكان العالم مصابون ببكتيريا "الملوية البوابية"، وإن كانت معدلات الإصابة تتفاوت بشكل كبير بين الدول. وغالباً ما تحدث العدوى خلال مرحلة الطفولة.
لا تظهر أي أعراض على معظم المصابين، لكن البكتيريا تسبب لدى البعض التهاباً طويل الأمد في بطانة المعدة. وقد يؤدي ذلك إلى الإصابة بالقرحة، وفي نسبة قليلة من الحالات، إلى سرطان المعدة. وتُعد الأدلة التي تشير إلى تسبب هذه البكتيريا في السرطان قوية لدرجة أنها صُنفت كعامل مسبب للسرطان.
إلا أن علاقة هذه البكتيريا بسرطان الأمعاء لا تزال أقل وضوحاً.
فقد وجدت دراسات سابقة أن الأشخاص المصابين ببكتيريا "الملوية البوابية" يواجهون خطراً أكبر للإصابة بسرطان القولون والمستقيم.
وقد سعت هذه الدراسة الأحدث إلى وضع تلك النتائج في سياقها الصحيح؛ إذ جمعت بيانات من 43 دراسة شملت ما يقرب من 49 مليون شخص، ودمجتها مع معلومات حول معدلات انتشار كل من بكتيريا "الملوية البوابية" وسرطان الأمعاء على مستوى العالم. بشكل عام، كان خطر الإصابة بسرطان الأمعاء لدى الأشخاص المعرضين لبكتيريا الملوية البوابية (H. pylori) أعلى بنحو 1.6 مرة مقارنةً بأولئك الذين لم تظهر لديهم أي دلائل على الإصابة بالعدوى. واستناداً إلى هذه الأرقام، قدّر الباحثون أن ما يقرب من 22% من حالات سرطان الأمعاء على مستوى العالم قد تكون مرتبطة بهذه البكتيريا.
ولا يعني هذا أن الدراسات قد أثبتت أن الملوية البوابية هي المسبب لحالة واحدة من كل خمس حالات للإصابة بسرطان الأمعاء؛ إذ اعتمدت عملية الحساب بشكل كبير على الدراسات المشمولة في التحليل، كما أنها تفترض -وهذا أمر جوهري- أن جزءاً على الأقل من الارتباط الملحوظ يعود إلى علاقة سببية.
عندما قصر الباحثون تحليلهم على 14 دراسة سكانية ودراسات أترابية (وهي تصاميم بحثية تُعد عموماً أكثر ملاءمة لدراسة كيفية تطور المخاطر بمرور الوقت)، انخفضت النسبة المقدرة لحالات سرطان الأمعاء المرتبطة ببكتيريا الملوية البوابية (H. pylori) إلى حوالي 12%.
ومن المحتمل أيضاً أن يعكس جزء من هذا الرابط الظاهري اختلافات أخرى بين الأشخاص الذين يصابون بهذه البكتيريا وأولئك الذين لا يصابون بها؛ وتشمل هذه الاختلافات النظام الغذائي، والتدخين، ومستويات النشاط البدني، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، ومدى توفر الرعاية الصحية.
الملوية البوابية والسرطان ومع ذلك، هناك عدة طرق معقولة قد تؤثر بها الملوية البوابية على سرطان الأمعاء.
إحدى هذه الطرق هي الالتهاب المزمن؛ إذ يمكن للبكتيريا أن تحفز استجابة مناعية تستمر لعقود. ويمكن للالتهاب طويل الأمد أن يؤثر على الإشارات الكيميائية المشاركة في نمو الخلايا وإصلاحها. وفي بعض الظروف، يخلق هذا الالتهاب بيئة تسمح للخلايا التالفة أو غير الطبيعية بالبقاء على قيد الحياة.
ومن المعروف بالفعل أن الالتهاب المزمن يساهم في تطور أنواع عديدة من السرطان، مما يوفر رابطاً منطقياً من الناحية البيولوجية.
وهناك احتمال آخر يتعلق بالميكروبيوم المعوي (البكتيريا النافعة في الأمعاء)؛ فمن خلال تغيير مستويات الالتهاب وإنتاج حمض المعدة، قد تؤثر الملوية البوابية على الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش في الجهاز الهضمي. وقد تؤثر هذه التغييرات على المواد الكيميائية التي تنتجها الأمعاء وعلى كيفية استجابة بطانة الأمعاء للتلف.
كما قد تؤثر الملوية البوابية على الهرمونات والجزيئات الأخرى المشاركة في عمليات الهضم ونمو الخلايا. ورغم أن هذا الاحتمال مثير للاهتمام، إلا أنه لا يوجد دليل حتى الآن يوضح تسلسل الأحداث التي تؤدي من الإصابة بالعدوى في المعدة إلى الإصابة بالسرطان في القولون أو المستقيم.
ولعل النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام في هذه الدراسة تتعلق بما يحدث عند علاج العدوى.
عادةً ما يمكن القضاء على الملوية البوابية باستخدام مزيج من المضادات الحيوية والأدوية المثبطة لحمض المعدة. وقد أظهرت أربع دراسات رصدية شملها التحليل أن الأشخاص الذين تلقوا علاجاً لهذه البكتيريا بدوا أقل عرضة لخطر الإصابة بسرطان الأمعاء لاحقاً، حيث أصبح هذا الفرق ملحوظاً بعد مرور عشر سنوات.
ولكن نظراً لأن هذه الدراسات كانت رصدية - وليست تجارب سريرية يتم فيها توزيع الأشخاص عشوائياً لتلقي العلاج أو عدمه - فلا يمكننا الجزم بعد بأن القضاء على الملوية البوابية يمنع الإصابة بسرطان الأمعاء.
إذن، هل ينبغي للأشخاص الآن طلب إجراء فحص للكشف عن الملوية البوابية لتقليل خطر إصابتهم بسرطان الأمعاء؟ بناءً على الأدلة المتاحة حالياً، فالإجابة هي لا؛ إذ نحتاج إلى أدلة أقوى تثبت أن الكشف عن الملوية البوابية وعلاجها يقلل بالفعل من معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم.
وفي الوقت الراهن، تظل الطرق الأكثر فائدة لتقليل خطر الإصابة بسرطان الأمعاء هي تلك المدعومة بأدلة قوية. يشمل ذلك فحص سرطان الأمعاء، الذي يمكنه الكشف عن السرطان في مرحلة مبكرة يسهل علاجها، كما قد يساهم أحياناً في الوقاية من المرض عبر رصد وإزالة الزوائد اللحمية (البوليبات) التي تُعد آفاتٍ سابقة للتسرطن. كذلك، يمكن أن يقلل الحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني، والامتناع عن التدخين، والحد من استهلاك الكحول، وتقليل تناول اللحوم المصنعة، من احتمالية الإصابة.
ولا ينبغي تجاهل أعراض مثل وجود دم في البراز، أو تغير مستمر في عادات الإخراج، أو فقدان الوزن غير المبرر، أو الشعور المستمر بعدم الراحة في البطن، رغم أن هذه الأعراض غالباً ما تكون ناجمة عن حالات صحية أخرى غير السرطان.
اقرأ المزيد: خمس طرق للحد من خطر الإصابة بالسرطان – بقلم استشاري في طب الأورام
قد تكمن الأهمية الأوسع لهذا البحث فيما يكشفه لنا عن مسببات السرطان؛ إذ نميل عادةً إلى ربط سرطان الأمعاء بعوامل مثل الجينات والتقدم في العمر ونمط الحياة، غير أن بعض أنواع السرطان تنطوي أيضاً على عامل مرتبط بالعدوى.
ومن ثم، فإن احتمال أن تؤثر عدوى مكتسبة في مرحلة الطفولة على خطر الإصابة بسرطان الأمعاء بعد عقود من الزمن يستحق دراسةً وبحثاً جاداً.
جاستن ستيبينغ
أستاذ العلوم الطبية الحيوية، جامعة أنجليا روسكين
أثمرت مسيرة جاستن المهنية كطبيب وباحث عن نشر أكثر من 650 ورقة بحثية خضعت لمراجعة الأقران، نُشرت أكثر من 50 منها في دوريات علمية ذات معامل تأثير يتجاوز 10، وكان هو المؤلف الأول أو الأخير في الغالبية العظمى منها (يبلغ مؤشر "إتش" - H-index - الخاص به حالياً على "جوجل سكولار" 87).
درس الطب في كلية ترينيتي بجامعة أكسفورد وحصل على درجة علمية بتقدير ممتاز، ثم انتقل إلى مستشفى جونز هوبكنز في بالتيمور بالولايات المتحدة، ليعود بعدها لاستكمال تدريبه في مستشفيي "رويال مارسدن" و"سانت بارتس". وفي عام 2007، عُيّن محاضراً أول في إمبريال كوليج لندن واستشارياً في طب الأورام لدى مؤسسة "إمبريال كوليج للرعاية الصحية" (التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية)، ثم أصبح أستاذاً لطب الأورام في عام 2009 (وهو يشغل حالياً منصب أستاذ زائر هناك).
وتقديراً لطبيعة مساهماته العلمية ودوره القيادي الدولي في مجال الأبحاث الانتقالية (التي تنقل الاكتشافات العلمية إلى تطبيقات سريرية)، مُنح جاستن أول منصب أستاذية بحثية في الأبحاث الانتقالية من المعهد الوطني لأبحاث الصحة والرعاية (NIHR)، كما تولى منصب رئيس تحرير دورية "Oncogene" - وهي دورية متخصصة في أبحاث السرطان تابعة لمجموعة "سبرينغر نيتشر" (Springer Nature) - وانتُخب عضواً في الجمعية الأمريكية للبحث السريري.
كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة الجمعية الأيرلندية للسرطان، وتأسست مؤسسة خيرية وطنية باسم "Action Against Cancer" (العمل ضد السرطان) لدعم أبحاثه.
بدأ جاستن مسيرته في الأبحاث الانتقالية بدراسة العلاقة بين علم المناعة والأورام والفيروسات، حيث حدد الآليات التي تمنع تطور المرض في حالات مثل الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV-1). ووسّع نطاق أبحاثه ليشمل السرطان، موضحاً كيف تعمل مضادات الفيروسات القهقرية على منع نشوء الأورام، سواء على مستوى الأفراد أو ضمن مجموعات دراسية كبيرة. وقد تم ذلك فور عودته إلى المملكة المتحدة بعد إتمام برنامج الإقامة الطبية في مستشفى جونز هوبكنز، حيث أنجز زمالة بحثية لنيل درجة الدكتوراه - بتمويل من مجلس البحوث الطبية (MRC) - حول دور الفيروسات والمناعة في نشوء السرطان والقضاء عليه.
وأظهرت أوراقه البحثية المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV-1) ومضادات الفيروسات القهقرية - إذ نشر أكثر من 150 ورقة بحثية حول فيروس نقص المناعة البشرية والسرطان بصفته المؤلف الأول أو الأخير، بما في ذلك 30 ورقة في دوريات ذات معامل تأثير يتجاوز 10 - انخفاضاً في معدلات الوفيات الناجمة عن السرطانات المرتبطة بمرض الإيدز، فضلاً عن تراجع الآفات الورمية لدى المرضى.
وفي مرحلة لاحقة، وجه جاستن اهتمامه نحو الأورام الصلبة، وركز عمله على تطوير الأدوية، وجزيئات الحمض النووي الريبي غير المشفرة (non-coding RNAs)، وإنزيمات الكيناز، والمؤشرات الحيوية. على سبيل المثال، قام فريق كان يرأسه بتوصيف جين جديد يُدعى LMTK3 لأول مرة (ونُشر البحث في دورية *Nature Medicine*)، ثم عملوا على تحديد دوره في بعض المسارات الرئيسية المسببة للأورام. ونحن ننفذ حالياً برنامجاً لتطوير أدوية تستهدف أنواعاً مختلفة من الأورام الخبيثة؛ ويهدف هذا البرنامج أيضاً إلى تعزيز صحة الأمة وازدهارها الاقتصادي، وإرساء دعائم التعاون على المستويين الوطني والدولي، وتوفير التدريب والتعليم للعلماء مع ربط أبحاثهم بالتطبيقات السريرية.
وفي السنوات القليلة الماضية، أثمر العمل على هذا الإنزيم (الكيناز) وحده عن نشر أوراق بحثية ذات تأثير علمي عالٍ - حيث كان جاستن المؤلف الأول أو الأخير فيها - في دوريات مرموقة مثل *Journal of Clinical Investigation* و*Gastroenterology* و*Cell Reports* و*Science Signaling* و*PNAS* و*Molecular and Cellular Proteomics* و*Genome Research*، وذلك باستخدام نماذج بحثية متنوعة.
كما تولى جاستن دور الباحث الرئيسي في عدد كبير من الدراسات السريرية التي تناولت مركبات دوائية جديدة ومبتكرة، وقاد أيضاً عملية التطوير العالمي لدواء "مشابه حيوي" (Biosimilar) يُعرف بـ CT-P6، وهو نسخة من دواء "هيرسيبتين" (Herceptin) عالي القيمة؛ وأصبح هذا الدواء متاحاً الآن للدول النامية بتكلفة منخفضة، مما يضمن العدالة في توفيره للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط.
وقد حظي هذا العمل باهتمام إعلامي عالمي على مر السنين، كما حرص جاستن دائماً على نقل شغف العلوم الطبية الحيوية وتبسيط مفاهيمها للجمهور العام.
وخلال الجائحة، كان جاستن وفريقه مدفوعين برغبة قوية في إحداث فارق ملموس. فبعد نشر أبحاثه في دورية *The Lancet* في أوائل عام 2020 - والتي وصفت استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف دواء جديد (وهي أبحاث حظيت بآلاف الاستشهادات العلمية لاحقاً) - قاد جاستن العديد من الدراسات الآلية والمخبرية والعالمية التي أفضت إلى حصول دواء "باريسيتينيب" (baricitinib) على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) في نوفمبر 2020، كما منحته منظمة الصحة العالمية أعلى تصنيف من حيث قوة الأدلة العلمية.
ويُعد دواء "باريسيتينيب" الأكثر فعالية في خفض معدلات الوفيات بين جميع الأدوية المستخدمة خلال الجائحة لعلاج المرضى المصابين بـكوفيد-19 والذين استدعت حالتهم دخول المستشفى. وقد ألّف جاستن كتاباً يروي قصة اكتشاف هذا الدواء بعنوان *Witness to Covid* (شاهد على كوفيد)، وهو متاح على نطاق واسع؛ ويُعد هذا الكتاب دليلاً عملياً على الفوائد الكبيرة للذكاء الاصطناعي والعمل الجماعي والتعاون المشترك.
وتساهم الأوراق البحثية التي نشرها جاستن مؤخراً في إزالة الحواجز بين القطاع الصناعي والأوساط الأكاديمية؛ فعلى سبيل المثال، تضمنت ورقة بحثية حديثة نُشرت في دورية *Science Advances* - وقادها جاستن - مشاركة 55 مؤلفاً ينتمون إلى 33 مؤسسة في 12 دولة. كما كان المؤلف الرئيسي لورقة بحثية أخرى حول جين LMTK3 نُشرت في العدد نفسه من الدورية ذاتها. في عام 2023، نشر فريق "جاستن" في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) دراسةً حول المشهد الطفري للثدي السليم؛ حيث توفر هذه الدراسة مرجعاً طبيعياً لجينوم الثدي، وتساعد في فهم تأثيرات العمر والحمل على الطفرات في الخلايا الطبيعية.
تماشياً مع عمله السابق المتعلق بالعقار الحيوي المماثل "CT-P6" والرامي إلى ضمان عدالة الحصول على الأدوية، أثبت عقار "باريسيتينيب" (baricitinib) -المُستخدم لعلاج كوفيد-19- ملاءمته للاستخدام في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل؛ نظراً لكونه يُؤخذ كقرص واحد يومياً، ويتميز بعمر نصفي قصير، وغياب التفاعلات الدوائية، وانخفاض التكلفة، وقلة الآثار الجانبية، وهي جوانب تُعد ركيزة أساسية في عمله. ويسعى من خلال ذلك إلى إحداث فارق ملموس في جودة حياة المرضى وإطالة أمدها، والمساهمة في تحويل السرطان إلى مرض قابل للشفاء.
الخبرة المهنية
– حتى الآن: أستاذ في جامعة "أنغليا روسكين" (Anglia Ruskin University)
+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
رئيس شركة "أنثروبيك" (Anthropic) يحذر: يجب على قطاع الذكاء الاصطناعي "إبطاء الوتيرة"
داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، بقلم جيسون هنري لصحيفة وول ستريت جورنال
رئيس شركة "أنثروبيك" (Anthropic) يحذر: يجب على قطاع الذكاء الاصطناعي "إبطاء الوتيرة"
داريو أمودي يرى ضرورة للحد من مخاطر حدوث "خطأ جسيم"
بقلم روبرت ماكميلان
12 سبتمبر 2026 | 12:18 مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة
دعا داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك"، قطاع الذكاء الاصطناعي إلى ضبط وتيرة تطوير الأدوات المتطورة للحد من مخاطر وقوع أضرار كارثية.
اقترح أمودي تدابير تشمل تعزيز التنسيق العالمي بين الدول الديمقراطية وإشراك جهات خارجية لتقييم السلامة بشكل مباشر داخل الأنظمة.
جاء هذا التحذير مدفوعاً بالقدرات المتنامية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وحادثة اختراق منصة "Hugging Face" في شهر يوليو على يد "سرب" من الوكلاء البرمجيين (agents) الذين أفلتوا من سيطرة شركة "OpenAI".
بعد شهرين من خروج "سرب" من أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة في أحد المختبرات وقيامه بسلسلة من عمليات الاختراق، صرح الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" بأن الوقت قد حان "لتهدئة السرعة" في تطوير الذكاء الاصطناعي.
وفي يوم السبت، قال داريو أمودي إن المخاطر التي تفرضها الأدوات المتطورة الحالية كبيرة للغاية لدرجة تحول دون استمرار التطوير بنفس الوتيرة المتسارعة والمحمومة. ويأتي تحذيره العلني الأخير بعد أيام قليلة من إثارة أحد موظفيه مخاوف بشأن احتمالية تدمير أنظمة الذكاء الاصطناعي للحضارة البشرية.
وأشار أمودي إلى أن سرباً يتمتع بقدرات أكبر ومستوى مماثل من "عدم التوافق" (مع الأهداف البشرية) كان من الممكن أن يتسبب في أضرار كارثية. وحذر من أن مثل هذا السرب المارق قد يتمكن من السيطرة على شبكة الإنترنت في غضون فترة تتراوح بين 6 إلى 12 شهراً.
وفي تدوينة نشرها على مدونته الشخصية، دعا أمودي قطاع الذكاء الاصطناعي إلى ضبط وتيرة تطوير الأدوات المتطورة، مقترحاً تدابير جديدة تشمل تعزيز التنسيق العالمي بين الدول الديمقراطية وإشراك جهات خارجية لتقييم السلامة بشكل مباشر داخل الأنظمة.
وكتب في التدوينة: "أعتقد أنه إذا أتاح لنا إبطاء الوتيرة كسب عام أو عامين إضافيين قبل أن تصل النماذج إلى مستويات حرجة من القدرات، واستغلال ذلك الوقت لتعزيز التوافق (بين أهداف الذكاء الاصطناعي والقيم البشرية)، فإننا سنتمكن من تقليل مخاطر حدوث خطأ جسيم بشكل كبير".
وقال أمودي إن التقدم الذي أحرزه الذكاء الاصطناعي منذ الصيف -والمدفوع بأنظمة قادرة على تحسين أدائها ذاتياً دون تدخل بشري- "قد يتجاوز قدرتنا على فهم هذه الأنظمة والسيطرة عليها؛ ولذا يجب المضي قدماً في هذا المجال بحذر شديد، أو التفكير ملياً فيما إذا كان ينبغي المضي فيه أصلاً". في منشور على منصة "إكس" (X)، صرح أمودي بأن شركة "أنثروبيك" (Anthropic) ستمنح مقيّمين من أطراف خارجية "وصولاً دائماً -بمستوى صلاحيات الموظفين- إلى أنظمتنا، ليتسنى لهم التحقق من الالتزام بتدابير السلامة، والإبلاغ عن الحوادث، وتقييم مدى توافق النماذج مع الأهداف المحددة أثناء مرحلة التدريب".
ويأتي تعهد أمودي في وقت يواجه فيه بعض موظفيه مخاوف بشأن المخاطر الوجودية المحتملة للتقنيات التي يعملون على تطويرها. ففي يوم الثلاثاء، استقال الباحث في "أنثروبيك"، جاكوب كوكسون، من الشركة، معرباً عن عدم رغبته في المشاركة في قطاع يرى أنه خرج عن نطاق السيطرة.
وأوضح أمودي أن عاملين اثنين كانا وراء المنشور الذي نُشر يوم السبت؛ أولهما القدرات المتنامية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، التي باتت قادرة بشكل متزايد على بناء نسخ أسرع من نفسها، وهي ظاهرة تُعرف بـ "التحسين الذاتي التكراري".
أما العامل الثاني، فكان حادثة الاختراق التي تعرضت لها شركة برمجيات الذكاء الاصطناعي "هاجينغ فيس" (Hugging Face) في شهر يوليو، والتي نفذتها مجموعة ضخمة ضمت ما يصل إلى 1200 "وكيل" (برمجيات ذكاء اصطناعي مستقلة) كانت قد تسربت من بيئة اختبار تابعة لشركة "أوبن إيه آي" (OpenAI). وقد كشفت تلك الحادثة -والتحقيقات التي تلتها- أن أنظمة اختبار الذكاء الاصطناعي كانت تمارس أنشطة متنوعة عبر الإنترنت دون أن تلاحظها كبرى شركات الذكاء الاصطناعي في العالم، بما في ذلك شركة "أنثروبيك".
وفي يوم الجمعة، أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن حادثة أمن سيبراني وقعت في شهر مايو -عُرفت باسم "GemStuffer"- كانت في الواقع من تنفيذ وكلاء تابعين لشركة "أوبن إيه آي"، دون علم المحققين بذلك.
يكتب روبرت ماكميلان عن أمن الحاسوب، ومخترقي الأنظمة (الهاكرز)، والخصوصية، وذلك من مكتب صحيفة "وول ستريت جورنال" في سان فرانسيسكو. عمل سابقاً كاتباً في مجلة "وايرد" (Wired)، ووكالة "IDG News Service"، ومجلة "Linux Magazine"، حيث غطى مواضيع الحوسبة السحابية، وتقنيات الأعمال، وعملة البيتكوين، والذكاء الاصطناعي، والبرمجيات مفتوحة المصدر.
++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++
الذكاء الاصطناعي قوي بما يكفي لحل أعقد معضلاتنا الرياضية... والقضاء علينا جميعاً
الذكاء الاصطناعي قوي بما يكفي لحل أعقد معضلاتنا الرياضية... والقضاء علينا جميعاً
لست بحاجة إلى معرفة أي شيء عن الرياضيات لتدرك أهمية الإنجاز المتعلق بـ "مسائل جائزة الألفية" (Millennium Prize Problems)؛ فهو دليل على التقدم المتسارع والمخيف للذكاء الاصطناعي.
بقلم: بن كوهين
11 سبتمبر 2026، الساعة 9:00 مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة
لماذا ينبغي أن نهتم بكون الذكاء الاصطناعي قد أصبح فجأة بارعاً للغاية في الرياضيات؟
إنه سؤال ظللت أطرحه على علماء الرياضيات وباحثي الذكاء الاصطناعي لعدة أشهر، ولا سيما هذا الأسبوع، حين نشرت شركة "أوبن إيه آي" (OpenAI) حلاً لإحدى "مسائل جائزة الألفية" المعروفة بتعقيدها الشديد.
وهي المسألة الرياضية الوحيدة التي يمكنني الإجابة عنها دون أن ينتابني شعور بالتوتر والقلق الشديد.
تمثل الرياضيات أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين؛ فهي قد تكون جميلة وأنيقة، أو مصدراً للكوابيس. وعلى مدار العام الماضي، أصبحت الرياضيات أيضاً دليلاً على التقدم المتسارع للذكاء الاصطناعي، إذ تظهر كيف تزداد هذه التكنولوجيا ذكاءً وبسرعة تفوق توقعات معظم الناس.
إنه مجال توقع فيه المشككون أن الذكاء الاصطناعي لن يبلغ أكثر المعايير طموحاً فيه لسنوات قادمة، إلا أن الذكاء الاصطناعي قد تجاوز تلك المعايير بالفعل. وإذا كان هذا ممكناً في مجال يتطلب أعلى مستويات التفكير المنطقي، فإنه يمكن أن يحدث في أي مجال آخر.
لطالما استخدم البشر الرياضيات لفهم العالم.
والآن، يمنحنا تقدم الذكاء الاصطناعي في الرياضيات لمحة عن عالم يفوق قدرتنا على الاستيعاب.
وفي هذا الأسبوع، وبينما كنا نُبهر بقدرة الذكاء الاصطناعي على إجراء العمليات الرياضية، تساءلنا أيضاً عما إذا كان هذا الذكاء سيؤدي إلى تدمير البشرية.
ففي الوقت الذي نشرت فيه "أوبن إيه آي" حلها لإحدى مسائل جائزة الألفية، طرح عالم بارز في شركة "أنثروبيك" (Anthropic) نوعاً مختلفاً تماماً من الحسابات: تمثلت في اعتقاده بأن احتمالات انقراض البشرية خلال العقد المقبل تتجاوز الآن 10%. وجاء ذلك رداً على تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها باحث آخر يُدعى جاكوب كوكسون -الذي عمل سابقاً لدى كل من "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك"- حيث قال إن أياً من الشركتين لا تتصرف بمسؤولية في سباقها المحموم نحو تطوير "ذكاء فائق" قادر على تحسين ذاته، مما يعرض وجودنا ذاته للخطر.
وفي غضون ذلك، يستمر سباق التسلح الرياضي بين هذه الشركات في التصاعد.
ولا يعود ذلك إلى أن أعمالها التجارية تعتمد على إثبات "فرضية ريمان" (Riemann hypothesis)، بل لأن الرياضيات تُعد أداة تسويقية مفيدة؛ فهي وسيلة للإعلان عن القدرات المتنامية لأحدث نماذجهم. بهذا المعنى، تُعد لحظة تحقيق إنجاز يتعلق بمسائل "جوائز الألفية" (Millennium Prize) نسخةً أكثر إيجابية وودية مقارنةً بحادثة "Hugging Face"؛ فكلا الحدثين يبرز القدرات الهائلة لهذه الأنظمة المتطورة باستمرار حين تُترك لتعمل بحرية ودون قيود.
فبدلاً من التخطيط لاختراق شركة ما، انكبّ سربٌ يضم ما يصل إلى 10,000 وكيل (برمجية ذكاء اصطناعي) على معالجة مسائل رياضية لمدة 88 ساعة، حيث بنى كل منها على عمل الآخرين -وعلى أعمال البشر أيضاً- حتى توصلوا جميعاً إلى الحل. لقد ظلت مسألة "نافيير-ستوكس" (Navier-Stokes) المعقدة للغاية تشكل تحدياً حير علماء الرياضيات لما يقرب من قرن من الزمان، لكن الذكاء الاصطناعي تمكن من حلها مستعيناً بموارد حوسبة تبلغ تكلفتها ملايين الدولارات وفي غضون أيام قليلة.
لقد كان هذا الإنجاز الرياضي الأكثر تميزاً -والذي كان يُعد أمراً لا يمكن تصوره من قبل- علامةً فارقة في عامٍ حافلٍ بالإنجازات المماثلة.
لقد أمضت نماذج الذكاء الاصطناعي السنوات القليلة الماضية وهي تنجز مهاماً كنا نعتقد أنها لن تكون قادرة على القيام بها في أي وقت قريب. ففي البداية، عجزت هذه النماذج عن إجراء عمليات حسابية بسيطة، ثم عجزت عن التعامل مع الرياضيات المتقدمة (بمستوى الأبحاث)، كما لم تكن قادرة على الفوز بالميدالية الذهبية في أولمبياد الرياضيات أو حل أي من الألغاز الرياضية الشهيرة.
وعندما نجحت في تحقيق كل ذلك، لم يتبقَ أمامها سوى حل إحدى مسائل "جوائز الألفية" التي تتسم بصعوبة بالغة وتعقيد هائل.
قبل عام واحد، قدّر خبراء التنبؤ احتمالية نجاح الذكاء الاصطناعي في تحقيق ذلك بحلول عام 2030 بنحو 20% فقط. لكن في الأشهر الأخيرة، بدأ الأمر الذي كان يُعتبر مستبعداً يبدو وكأنه حتمية قادمة لا محالة. ولعل أكثر ما يثير الدهشة بشأن هذا الاختراق المتعلق بمسائل "جوائز الألفية" هو أنه لم يعد مفاجأة هائلة؛ ففي الواقع، أطلقت شركة "OpenAI" نموذجاً داخلياً للعمل على مسائل "جوائز الألفية" بعد سماع شائعات تفيد بأن شركة "Anthropic" قد نجحت بالفعل في حل إحداها.
وفي غضون أيام من نشر حل لإحدى المسائل، أشارت "OpenAI" إلى أنها تقترب من حل مسألة أخرى، مما أثار احتمال التوصل إلى اكتشافين -كانا قد استعصيا علينا لعقود- في غضون أسبوع واحد فقط.
وبالنسبة لأولئك منا الذين لم يفكروا في الرياضيات منذ أيام المدرسة الثانوية، فقد علمتنا الأحداث الأخيرة عن "مسائل إيردوس" (Erdős problems)، و"حدسية جاكوبي" (Jacobian conjecture)، وظاهرة تُعرف باسم "الانفجار في زمن محدود" (finite-time blowup).
أما بالنسبة لعلماء الرياضيات، فقد أثارت هذه التطورات تساؤلات وجودية -مثل: ماذا تفعل عندما تكرس حياتك لحل مسائل بات الذكاء الاصطناعي ينجزها الواحدة تلو الأخرى؟- كما أشعلت موجة عارمة من ردود الفعل الغاضبة والمعارضة؛ فحتى قبل ظهور البرهان الرياضي التاريخي على الإنترنت، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بشكوك مفادها أن نموذج "OpenAI" قد استند إلى أعمال بشرية رائدة وغير منشورة، وهو ادعاء تنفيه الشركة بشدة. وفي نهاية المطاف، لم يكن ذلك الحدث الدرامي الأكثر إثارة للقلق -مما يتعلق بالذكاء الاصطناعي والأرقام- في ذلك اليوم.
فبعد ساعات، استقال "كوكسون" من شركة "أنثروبيك" (Anthropic) بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة، وصرح للعالم بأن القائمين على تطوير الذكاء الاصطناعي "يؤمنون بصدق بأنه قد يقضي علينا جميعاً". وقد أيد هذا الطرحَ "إيفان هوبينجر"، وهو باحث تتمثل مهمته في "أنثروبيك" في ضمان ألا يتسبب الذكاء الاصطناعي في فنائنا؛ إذ قدّر عبر حسابه على منصة "إكس" (X) احتمالية وقوع هذا الفناء الشامل بأكثر من 10%، معتبراً أن احتمال حلول "يوم القيامة" بات الآن أكبر من احتمال أن يُخفق لاعب كرة السلة "ستيفن كاري" في تسجيل رمية حرة.
كان كل هذا ليبدو وكأنه خيال علمي قبل وقت ليس ببعيد، ناهيك عن مطلع الألفية، حين اختيرت المسائل الرياضية السبع الكبرى ورُصدت جائزة قدرها مليون دولار لحل كل منها.
قال عالم الرياضيات آلان كون، الحائز على ميدالية فيلدز، في عام 2000: "إن هذه المسائل السبع عصية تماماً على أجهزة الكمبيوتر".
أو هكذا كانت الحال على الأقل. أما الآن، ومع ظهور نوع جديد من أجهزة الكمبيوتر، فقد أخبرني كون بأنه "متفائل للغاية" بشأن التقدم الذي يحرزه الذكاء الاصطناعي في مجال الرياضيات؛ وإن لم يكن كل الحائزين على ميدالية فيلدز يشاركونه هذا التفاؤل.
بالعودة إلى "الزمن الغابر" عام 2023، رأى تيرينس تاو أن الذكاء الاصطناعي قد يُحدث "تحولاً جذرياً" -كما كتب في مدونته- لدرجة أن "الاستمرار في الممارسات والثقافة الرياضية التقليدية دون تكييف سيصبح أمراً غير قابل للاستمرار". ولا يزال الرجل، الذي يُعد على نطاق واسع أبرز علماء الرياضيات في العالم، يؤمن بقيمة نماذج الذكاء الاصطناعي، لكنه بدأ يفقد الثقة في الشركات التي تطورها.
وفي هذا الأسبوع، كان تاو واحداً من بين نحو أربعة وعشرين عالماً حائزاً على ميدالية فيلدز حذروا من أن هوس صناعة الذكاء الاصطناعي بحل المسائل الرياضية قد يقوض الغاية من الرياضيات ذاتها. ويقول تاو إن الرياضيات تقترب بسرعة من "أسوأ سيناريو ممكن"، مما يهدد السلامة طويلة الأمد لهذا المجال وللمجتمع بأسره.
وفي اليوم الذي علم فيه المجتمع بنجاح الذكاء الاصطناعي في حل إحدى "مسائل جائزة الألفية"، اتصلتُ بعالم رياضيات آخر حائز على ميدالية فيلدز لفهم أبعاد هذا الإنجاز الأخير.
قال لي تيموثي غاورز: "إن هذا الأمر لا يقضي تماماً على ذلك الحلم الخافت بوجود دور للبشر في الرياضيات. لكن تقديري هو أنه إذا توفر لدينا نموذج قادر على القيام بهذا الأمر، فسيكون قادراً أيضاً على القيام بأشياء أخرى كثيرة".
وهو ما قاده إلى استنتاج مقلق.
قال غاورز: "لا أريد أن أقول إن الأمر قد انتهى تماماً، لكنني بالتأكيد لا أريد أن أقول إنه لم ينتهِ".
كانت مسألة ما إذا كان الأمر قد انتهى بالفعل هي محور النقاش عندما استضافت شركة "أوبن إيه آي" (OpenAI) علماء رياضيات في مكاتبها بسان فرانسيسكو الشهر الماضي. وقد استهلت القمة أعمالها بفرضية مفادها: أن الذكاء الاصطناعي سيتفوق على البشر في الرياضيات.
وبمجرد قبولهم لهذه الفرضية، أمكنهم تحليل كافة تداعياتها العملية. ماذا يعني ذلك بالنسبة للتعليم، أو التعاون، أو نشر الأفكار، أو كيفية إعدادنا للجيل القادم؟ لم يطرحوا حلولاً، لكن لم يكن ذلك هو الهدف.
لقد تمثّل هدفهم في اختيار المشكلات المناسبة للعمل عليها، على غرار علماء الرياضيات الذين اختاروا "مسائل جائزة الألفية".
وعلينا جميعاً أن نولي هذا الأمر اهتماماً؛ لأن البشر هم من سيتعين عليهم حل هذه المسائل هذه المرة.