Post: #1
Title: العودة إلى سنار ودولة 56، نحن لم نخرج من سنار كي نعود إليها!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-31-2026, 03:35 AM
03:35 AM August, 30 2026 سودانيز اون لاين محمد جمال الدين-The Netherlands مكتبتى رابط مختصر
الجزء التالت من "مانيفستو لمستقبل السودان" يأتي في أقساط
|
Post: #2
Title: Re: العودة إلى سنار ودولة 56، نحن لم نخرج من سن
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-31-2026, 03:41 AM
Parent: #1
الشاعر م. عبد الحي والعودة إلى سنار ودولة 56، نحن لم نخرج من سنار كي نعود إليها!
الجزء الثالث من "مانيفستو لمستقبل السودان"
إن استدعاء الشاعر محمد عبد الحي لسنار في قصيدته الشهيرة «العودة إلى سنار» لا يعني بالضرورة أننا غادرنا سنار ثم شرعنا في الرجوع إليها. فالمعنى الأقرب أن السودان ظل يعيش داخل المجال الحضاري والرمزي الذي أسسته سنار، وأن «العودة» هنا تعني عودة الوعي إلى هذا الأصل الحاضر في حياتنا، حتى عندما لا ننتبه إليه.. وإلا علينا أن ننتبه!.
نحن لم نخرج أبداً "في المتوسط" من سنار ولا للحظة واحدة!.
وقد قرئت القصيدة من البعض بوصفها محاولة لاستحضار هوية سودانية مركبة، تتجاوز ثنائية العربي والأفريقي، وتستعيد سنار باعتبارها فضاءً للتداخل والتمازج، لا مجرد ماضٍ مغلق. ومن هذه الزاوية، فإن العبارة الأدق ليست: «سنعود إلى سنار»، بل: نحن نعيش داخل نسقها، ونحاول الآن أن نتحول من داخله: من دولة الهوية إلى دولة المواطنة ومن مخيال/ثقافة الهوية إلى مخيال المواطنة.
سنار بوصفها نسقًا حضارياً
لا يُقصد بالنسق السناري مجرد سلطنة الفونج التي قامت عاصمتها في سنار في أوائل القرن السادس عشر، بل منظومة واسعة امتد أثرها في الدين واللغة والمجتمع والسلطة والخيال السياسي. وقد تداخل في هذه المنظومة الإعتقاد الروحي، واللغة العربية "العامية"، والطرق الصوفية، والإدارة الأهلية، والبنى القبلية، وأنماط التراتب الاجتماعي، ومفاهيم الحماية والولاء وشرعية السلطة بكل معانيها الممكنة.
كانت سنار مرحلة مهمة في انتشار الإسلام الصوفي والعربية "العامية" في مناطق واسعة من السودان الوسيط، كما أصبحت الطرق الصوفية من أبرز المؤسسات التي نظمت حياة الناس. فلم تكن الزاوية أو التكية أو الخلوة مجرد أماكن للعبادة، بل كانت تقوم بالتعليم، وتقديم العون، وفض النزاعات، وربط الناس بالمشايخ والبيوتات الدينية. وفي كثير من الأحيان أدت هذه المؤسسات أدوارًا تتجاوز وظيفة الدولة الرسمية.
ومن هنا يمكن فهم صورة «الزول السوداني» في تركيبها الخاص: درويشًا زاهدًا، وفارسًا عشائريًا، ومتدينًا، ومتمدنًا تمدنًا مجروحًا، أو «على خفيف». فهذه الصورة ليست طبيعة ثابتة في الإنسان السوداني، وإنما هي نتيجة تاريخ طويل اجتمعت فيه قيم البساطة والتقشف والشجاعة والكرم، مع الولاء للشيخ والقبيلة والجماعة، إلى جانب مظاهر حديثة لم تكتمل شروطها الاقتصادية والمؤسسية.
التمدن المجروح دخلت إلى السودان خلال الحكم الإنجليزي مؤسسات حديثة في الإدارة والتعليم والاقتصاد والنقل والصحة، وبدأت محاولات لبناء جهاز دولة أكثر انتظامًا وربط البلاد بشبكات الإنتاج والتجارة الحديثة. غير أن هذا التحديث ظل محدودًا وانتقائيًا، ولم يتحول إلى مشروع شامل يعيد بناء المجتمع على أساس المواطنة المتساوية.
فقد جمع الحكم الاستعماري بين الإدارة الحديثة والاستعانة بالقوى التقليدية. فمن جهة، أنشأ المكاتب والدوائر والمحاكم والميزانيات والمدارس، ومن جهة أخرى اعتمد على الزعماء المحليين والشيوخ والعمد والنظار في إدارة السكان. وتشير دراسات تاريخية عديدة إلى أن الحكم البريطاني استخدم الإدارة غير المباشرة، وأدخل القيادات المحلية في جهاز الحكم بوصفها وسطاء بين السلطة والمجتمع.
لهذا لم يكن التحديث الإنجليزي خروجًا من سنار، بل كان إدخالًا لبعض أدوات الحداثة في مجتمع ظلت بنيته الاجتماعية سنارية بالكامل. ظهر المظهر الحديث في المدينة والديوان والمدرسة، لكن الناس ظلوا، في حياتهم اليومية، يعتمدون على القبيلة والطائفة والشيخ والزعيم المحلي.
نشأ بذلك تمدن مزدوج: مؤسسات حديثة جاءت من الخارج، وعلاقات تقليدية متجذرة ظلت حاضرة في الداخل. وربما كان هذا هو معنى «التمدن المجروح»، أو «المدنية الجريحة»، في نظري: أن تدخل الحداثة إلى المجتمع، من دون أن تكتمل شروطها، أو أن تنجح في إعادة تشكيل الطريقة التي تتوزع بها السلطة والثروة والانتماءات. ويتجلى هذا التمدن المجروح، في دولة 56، في دستور يجمع بين مواطنة قانونية وولاءات قبلية وطائفية، وفي أحزاب ورثت شبكات وساطة قديمة، وفي جيش وأجهزة أمنية تتداخل فيها الولاءات الشخصية والجهوية مع الولاء للمؤسسة.
لكن، قبل دولة 56، كانت هناك "الجدة العظمى" سنار.. دولة 56 ما هي سوى الحفيد الوفي لسنار.
وهنا لا بد من مواجهة ما لا يمكن تجنبه: لا يمكن أن نفهم ما حدث لاحقاً من دون أن نتوقف عند سنار نفسها، بوصفها واحدة من التحولات الكبرى في تاريخ السودان الوسيط والحديث "ثلاثة قرون"؛ دولةً نشأت في سياق تاريخي مختلف، وفتحت طريقاً جديداً في تنظيم السلطة والمجتمع، ثم تركت آثاراً ممتدة في الذاكرة السياسية والاجتماعية للسودان.
ولا بد، في النهاية، مما ليس منه بد: أن نعود إلى سنار، لا باعتبارها نموذجاً نريد استعادته، ولا باعتبارها ماضياً ينبغي أن نحاكمه بمعايير الحاضر، وإنما باعتبارها جزءاً أساسياً من الطريق الذي أوصل السودان إلى ما هو عليه اليوم.
|
Post: #3
Title: Re: العودة إلى سنار ودولة 56، نحن لم نخرج من سن
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-31-2026, 03:42 AM
Parent: #1
عودة الإنجليز إلى سنار: إنصياع بعد تمرد كانت التركية والمهدية، رغم اختلافهما الكبير عن سنار في طبيعة الحكم والظروف التاريخية، جزء من النسق الحضاري والاجتماعي الذي تشكل في عهد سنار واستمر في المجتمع السوداني بعده. أما العهد الإنجليزي، فقد حاول في بدايته أن يتعامل مع السودان بمنطق مختلف، وأن يعيد ترتيب المجتمع والدولة وفق أدوات الإدارة الاستعمارية الحديثة.
لكن تلك المحاولة اصطدمت بالبنية الاجتماعية التي وجدها الإنجليز أمامهم. ومع مرور الوقت، اضطر الحكم الإنجليزي عملياً إلى العودة إلى بعض الأدوات التي كانت قد ترسخت في المجتمع منذ سنار، وإن حاول أعادة تنظيمها ووضعها داخل جهاز الدولة الاستعمارية. بلا كثير نجاح.. أو سرعان ما انقشع.
المفارقة هنا أن الإنجليز، وهم قوة استعمارية حديثة جاءت بمؤسسات إدارية وقانونية وتعليمية جديدة، وجدوا أنفسهم يعودون إلى الآليات الاجتماعية التي قامت عليها سنار بالذات بعد نهاية الحرب العالمية الاولى 1919 (هنا إشارة إلى سفينة الزعامات الأهلية والطائفية السودانية إلى إنجلترا عام 1919) إنها العودة إلى سنار!.
لم يفعلوا ذلك لأنهم أرادوا إحياء سنار لذاتها، ولا لأنهم كانوا يرون فيها نموذجاً حضارياً ينبغي استعادته، وإنما لأنهم وجدوا في بعض أدواتها الاجتماعية وسائل عملية وفعالة لإدارة المجتمع والسيطرة عليه.. لانها الأرسخ في مخيال المجتمع.
ويمكن ملاحظة هذه العودة، بصورة خاصة، في ثلاثة مجالات رئيسية: المناطق المقفولة: محاولة إخراج أجزاء من السودان من المجال السناري لكن العودة إلى أدوات سنار لم تكن شاملة لكل السودان.
ففي الوقت الذي اعتمد فيه الحكم الإنجليزي على بعض البنى الاجتماعية والدينية والإدارية المتجذرة في المناطق التي رأى أنها جزء من المجال السوداني الذي تشكل تاريخياً حول سنار، اتخذ سياسة مختلفة تجاه مناطق أخرى، خصوصاً جنوب السودان وجبال النوبة وأجزاء من دارفور. وهنا ظهرت سياسة «المناطق المقفولة». كان جوهر هذه السياسة، في تقديري، أن الإدارة الاستعمارية لم تتعامل مع هذه المناطق باعتبارها جزءاً من المجال الاجتماعي والثقافي الذي تشكل في السودان النيلي حول سنار، وإنما سعت إلى عزلها عنه ومنع أو الحد من امتداد تأثيراته إليها.. دا سر أساسي!.
لم تكن المسألة مجرد إجراء إداري لتنظيم حركة الناس، بل كانت وراءها رؤية أوسع: أن هذه المناطق ينبغي أن تبقى منفصلة عن المجال الذي كانت قد تشكلت فيه، تاريخياً، أنماط الإسلام الصوفي واللغة العربية وشبكات التجارة والهجرة والتعليم والطرق الصوفية والعلاقات الاجتماعية المرتبطة بالفضاء السناري.. ولاسباب تخص الإنجليز ومستعمراتهم في بقية العمق الأفريقي وصراعاتهم آنذاك مع القوى الإستعمارية الأخرى.
وبذلك يمكن فهم سياسة المناطق المقفولة باعتبارها، في أحد أوجهها، محاولة لإيقاف تمدد النسق السناري إلى تلك المناطق، أو على الأقل منع إعادة إدماجها فيه بصورة طبيعية. وهذا الأمر نجح إلى أكبر قدر ممكن.
فبدلاً من أن يقول الحكم الاستعماري: إن هذه المناطق جزء من السودان، ولذلك ينبغي أن تدخل تدريجياً في النسيج الاجتماعي والسياسي نفسه، تعامل معها باعتبارها فضاءات مختلفة ينبغي ضبط علاقتها ببقية الرقعة الجغرافية والثقافية.
وهنا تظهر المفارقة مرة أخرى:
فالإنجليز عادوا، في المناطق التي احتاجوا فيها إلى إدارة المجتمع من خلال بنياته المتجذرة، إلى بعض أدوات سنار؛ لكنهم في مناطق أخرى حاولوا أن يمنعوا امتداد هذه البنية إليها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى «المناطق المقفولة» لا باعتبارها مجرد سياسة عزل جغرافي، وإنما باعتبارها أيضاً سياسة لإدارة الاختلاف ومنع التداخل الاجتماعي والثقافي الذي كان يمكن أن يؤدي إلى توسيع المجال السناري.
وهذا مهم لفهم تاريخ السودان اللاحق؛ لأن آثار تلك السياسة لم تتوقف بانتهاء الحكم الإنجليزي. فقد ساهمت في تكوين مسارات مختلفة بين أجزاء السودان، وأوجدت مسافة بين المركز النيلي المنسجم وبين مناطق أخرى ظلت علاقتها بالدولة وبالمجال الاجتماعي والثقافي المحيط بها مختلفة.
وهكذا، بينما كان الحكم الاستعماري يستخدم بعض أدوات النسق السناري في إدارة المجتمع، كان في الوقت نفسه يعيد رسم حدود هذا النسق، فيُدخل مناطق في مجاله، ويعزل مناطق أخرى عنه.
|
Post: #4
Title: Re: العودة إلى سنار ودولة 56، نحن لم نخرج من سن
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-31-2026, 03:43 AM
Parent: #1
ومن هنا تصبح «عودة الإنجليز إلى سنار» عودة جزئية ومتناقضة: عودة إلى بعض أدواتها من جهة، ومحاولة للحد من امتدادها من جهة أخرى.. أي أنها عودة إضطرارية (هبوط إضطراري بلغة الطيران). البيوتات الصوفية
عرفت الإدارة الاستعمارية أن الطرق الصوفية والبيوتات الدينية ليست مجرد جماعات روحية، بل شبكات اجتماعية واسعة لها تأثير حقيقي على الناس. فهي تقدم التعليم الكلاسيكي، وتنظم العلاقات، وتحل النزاعات، وتوفر الحماية، وتملك قدرة على الحشد والتعبئة.
لذلك لم يكن موقف الإنجليز من الطرق الصوفية موقفاً واحداً. فقد حاربوا التيارات التي رأوا فيها خطراً سياسياً، خصوصاً التيارات المهدوية أو الجماعات القادرة على تحريك الناس ضد الحكم. وفي الوقت نفسه حاولوا تنظيم المجال الديني، والتقرب من بعض القيادات، ودعم نمط من التعليم الديني يكون أكثر خضوعاً للرقابة.
وتشير دراسات عن السياسة البريطانية تجاه الدين في السودان إلى أن الإدارة سعت إلى الحد من نفوذ المهدية وبعض الطرق، كما عملت على توجيه التعليم الإسلامي عبر علماء ومؤسسات دينية يمكن مراقبتها بصورة أكبر.
لكن الطرق الصوفية ظلت حاضرة في المجتمع، بل تحولت بعض البيوتات والطوائف المرتبطة بها لاحقاً إلى قوى سياسية واجتماعية مؤثرة.
وبذلك لم تختفِ البنية السنارية، وإنما أعيد ترتيبها داخل نظام استعماري جديد. فالإنجليز لم يجدوا أمامهم مجتمعاً خالياً من التنظيم يمكنهم أن يبنوه من الصفر، وإنما وجدوا شبكات دينية واجتماعية قائمة بالفعل وقوية (قطعت رأس غردون باشا قبل عدة سنوات فقط) .. فكان عليهم، شئنا أم أبينا، أن يتعاملوا معها، سواء بالمواجهة أو الاحتواء أو التنظيم أو الاستفادة من نفوذها.
الإدارة الأهلية
أعاد الحكم الإنجليزي تنظيم الزعامات المحلية في صورة الإدارة الأهلية (القديمة المتجددة)
ولم تكن هذه الإدارة نسخة مطابقة لنظام سنار، لكنها استفادت من المنطق نفسه: إدارة المجتمع عبر قياداته التقليدية، وربط الدولة بالناس من خلال العمدة والشيخ والناظر والزعيم القبلي.
كان لهذا النظام جوانب عملية؛ فقد ساعد في فض النزاعات وتنظيم الأرض وجمع الضرائب وحفظ الأمن المحلي. لكنه رسخ في الوقت نفسه فكرة أن المواطن لا يتعامل مع الدولة مباشرة، بل يصل إليها من خلال جماعته ووسيطه.
وهنا بقي الفرد عضواً في قبيلة أو طائفة أو منطقة قبل أن يكون مواطناً متساوياً أمام مؤسسة عامة. وتحول الزعيم المحلي إلى حلقة وصل بين المجتمع والدولة، وأصبح الوصول إلى الحقوق والخدمات مرتبطاً، في كثير من الأحيان، بالمكانة الاجتماعية والولاء والعلاقات. بهذا المعنى، ساعدت الإدارة الأهلية على تثبيت جانب من النسق السناري داخل جهاز الدولة الحديثة. تغيرت أسماء الوظائف، ودخلت المرتبات والسجلات والمكاتب، لكن منطق الوساطة والتراتبية والولاء الجماعي ظل حاضراً.
معهد أم درمان العلمي (نقطة تستحق الانتباه!)
أما إنشاء معهد أم درمان العلمي عام 1912، فقد كان محاولة لإنشاء مؤسسة حديثة للتعليم الديني، لها مقر ومناهج وشهادات وإدارة، بدلاً من أن يظل التعليم الديني موزعًا بالكامل بين الخلاوي والزوايا والمشايخ. وكان هذا تحولًا مهمًا من ناحية الشكل؛ إذ انتقل جزء من التعليم الديني التقليدي إلى مؤسسة مركزية يمكن تنظيمها والإشراف عليها. لكنه لم يقطع مع المجال السناري من حيث المضمون، فقد ظل الإسلام واللغة العربية والفقه والعلوم الشرعية في قلب العملية التعليمية. لذلك يمكن القول إن المعهد حدّث التعليم الديني، لكنه لم يغيّر المرجعية الحضارية التي تشكلت منذ سنار. لقد نقل بعض وظائف الخلوة والزاوية والرواق إلى مؤسسة تعليمية حديثة، دون أن يستبدل المنظومة الدينية والاجتماعية التي قامت عليها تلك المؤسسات.
ومن الأهداف المهمة للمعهد، والتي غالبًا ما تُغفل، قطع أو تقليص التأثير المصري الباشاوي التركي عبر إيقاف البعثات إلى الأزهر بعد إنشاء المعهد. في هذا المعنى، كان إنشاء المعهد أشبه بـ«وقف رواق السنارية»: تحويل مركز الثقل التعليمي والديني من القاهرة إلى أم درمان، وإعادة إنتاج النخبة الدينية داخل السودان، لكن ضمن مرجعية سنارية ظلت حاضرة في المضمون والروح.
وهكذا نرى الصورة كاملة: دخل الإنجليز السودان بمؤسسات وأدوات حديثة، وحاولوا أن يعيدوا تشكيل المجتمع وفق منطق الدولة الاستعمارية، لكنهم لم يستطيعوا أن يبدأوا من الصفر. وجدوا أمامهم نسقًا اجتماعيًا وحضاريًا متجذرًا، واضطروا إلى التعامل معه، وإعادة تنظيم بعض أدواته، واستخدامها في إدارة الدولة والمجتمع. وفي الوقت نفسه، لم تكن هذه العودة كاملة ولا بريئة من أهدافها الاستعمارية؛ فقد استخدم الإنجليز هذه الأدوات للسيطرة بقدر ما استخدموها للإدارة، كما رسموا حدودًا جديدة للمجال الاجتماعي والثقافي، وكان من أبرز تعبيراتها سياسة المناطق المقفولة. ولهذا فإن «العودة إلى سنار» هنا لا تعني أن الحكم الإنجليزي أصبح سناريًا، وإنما تعني أن الحداثة الاستعمارية، عندما اصطدمت بمجتمع ذي بنية تاريخية متجذرة، اضطرت إلى استعارة بعض أدواته وإعادة توظيفها داخل نظام جديد. وهنا بالضبط تكمن إحدى مفارقات الحداثة الاستعمارية في السودان: أنها جاءت لتغيير المجتمع، لكنها لم تستطع أن تعمل من دونه؛ فاستعانت ببعض بنياته القديمة، وفي الوقت نفسه أعادت ترتيبها بما يخدم نظامًا استعماريًا حديثًا.
|
Post: #5
Title: Re: العودة إلى سنار ودولة 56، نحن لم نخرج من سن
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-31-2026, 03:43 AM
Parent: #1
التحول السياسي والحضاري: الفرق بين تغيير السلطة وتغيير النسق
ينبغي التمييز بوضوح بين التحول السياسي والتحول الحضاري؛ لأن تغيير الحكام أو القوانين أو أجهزة الإدارة لا يعني بالضرورة أن المجتمع انتقل إلى نسق حضاري جديد.
قد تسقط دولة وتقوم دولة أخرى، ويتغير الحاكم والجيش والإدارة والقوانين، بينما تبقى في العمق عناصر أساسية من النسق الحضاري السابق: الدين، واللغة، والعادات، وأنماط التنظيم الاجتماعي، والتراتبات، وشبكات النفوذ، وطريقة الناس في فهم السلطة والمجتمع. وقد يحدث العكس: أن يبدأ تحول حضاري واسع يعيد تعريف الإنسان والمجتمع والدين واللغة والسلطة والرموز والذاكرة، فيكون الصدام مع النسق السابق أكثر عمقاً وحدة، وقد يتخذ أحياناً صورة عداء صريح لما سبقه ومحاولة لإزاحته أو نفي شرعيته.
ولهذا فليس كل تغيير سياسي تحولاً حضارياً، كما أن التحول الحضاري لا يكون دائماً هادئاً أو تدريجياً. فقد يكون التحول الحضاري هو الأعنف في التاريخ؛ لأنه لا يكتفي بتغيير من يحكم، وإنما يحاول تغيير معنى الحكم نفسه، ومصدر شرعيته، وصورة الإنسان عن نفسه وعن ماضيه، وعلاقته بالدين والمجتمع واللغة والرموز.
ويمكن توضيح الفرق على النحو الآتي “وقف تصور أكاديمي”:
المجال: السلطة التحول السياسي: انتقال الحكم من أسرة أو حركة أو دولة إلى أخرى. التحول الحضاري: تغير مصدر الشرعية ومفهوم الحكم، وقد يصل إلى رفض المرجعية التي قامت عليها السلطة السابقة وإحلال مرجعية جديدة محلها.
المجال: الإدارة التحول السياسي: استبدال جهاز إداري بجهاز آخر. التحول الحضاري: تغير علاقة الفرد بالدولة والمجتمع، وتغير الطريقة التي تُنظم بها الجماعة وتُدار بها علاقاتها.
المجال: القوانين التحول السياسي: إصدار قوانين جديدة. التحول الحضاري: تغير القيم والمبادئ التي يقوم عليها القانون، وما يعتبر حقاً أو واجباً أو جريمة أو شرعية.
المجال: الجيش التحول السياسي: تغيير القيادة أو إعادة تنظيم القوات. التحول الحضاري: تغير موقع المؤسسة العسكرية في الدولة، وتغير علاقتها بالمجتمع والسلطة ومفهوم القوة نفسه.
المجال: اللغة التحول السياسي: تغيير لغة الإدارة أو التعليم.
التحول الحضاري: تغير لغة الثقافة والسلطة والهوية، وقد يؤدي إلى تراجع لغة سابقة عن المجال العام وصعود لغة جديدة بوصفها لغة الدين أو الإدارة أو المعرفة.
المجال: الدين التحول السياسي: تغيير سياسة الحاكم تجاه الدين. التحول الحضاري: انتقال المرجعية الدينية والرمزية العامة، وقد يعني ذلك أحياناً انتقال المجتمع من منظومة دينية إلى أخرى، بما يصاحبه من صراع مع الرموز والممارسات السابقة.
المجال: المجتمع التحول السياسي: تغيير النخب الحاكمة. التحول الحضاري: إعادة تشكيل الطبقات والتراتبات والولاءات وأنماط الانتماء والعلاقات بين الجماعات.
المجال: التاريخ والذاكرة التحول السياسي: إعلان بداية سياسية جديدة. التحول الحضاري: ظهور تصور جديد للإنسان والعالم والسلطة والماضي، وقد تعيد المرحلة الجديدة تفسير المرحلة السابقة أو تنزع عنها شرعيتها ورمزيتها.
ومن هنا يمكن القول إن التحول السياسي قد يكون انتقالاً في السلطة، أما التحول الحضاري فهو انتقال في النسق الذي يعطي السلطة والمجتمع والإنسان معناها. وقد يجتمع الاثنان، وقد ينفصلان.
فالحكم التركي، والمهدية، والحكم الإنجليزي، ودولة ما بعد الاستقلال، أحدثت تغييرات سياسية وإدارية كبيرة، لكنها لم تقطع بصورة كاملة مع العناصر الأساسية التي ترسخت في النسق السناري: الإسلام، والعربية، والطرق الصوفية، والبنى الأهلية، والعلاقات القبلية والاجتماعية.
وهذا لا يعني أن تلك العهود كانت متطابقة مع سنار، أو أنها لم تحدث تغييرات عميقة؛ بل يعني أن النسق الحضاري السناري كان أكثر قدرة على البقاء مما قد يوحي به تعاقب الدول والحكام. أما التحولات التي وقعت بين كرمة ونبتة، وبين نبتة ومروي، وبين مروي والممالك المسيحية، ثم بين الممالك المسيحية وسنار، فهي أقرب إلى التحولات الحضارية الكبرى؛ لأنها لم تكن مجرد انتقال للسلطة، بل مسّت بنية الدين واللغة والرموز ومصادر الشرعية وشكل المجتمع وعلاقة الإنسان بالسلطة. والأهم أن هذه التحولات لم تكن كلها بالدرجة نفسها من الهدوء أو الاستمرار.
فبعضها جاء في صورة تحول تدريجي وإعادة تركيب، وبعضها جاء في صورة صدام حاد مع ما سبقه، وبعضها حمل في داخله عناصر من المرحلة السابقة، حتى وهو يحاول إزاحتها.
وهنا يجب أن ننتبه إلى مفارقة أساسية في التاريخ الحضاري: التحول الحضاري قد يكون شديد العداء للمرحلة السابقة، ومع ذلك لا يستطيع التخلص منها بالكامل.
فالنسق الجديد قد يهدم رموز النسق القديم، ويرفض مرجعياته، ويغير لغته ودينه ومؤسساته، لكنه لا يبدأ من فراغ. يحمل معه، شاء أم أبى، أجزاء من المجتمع القديم، وعاداته، وتنظيمه المحلي، وذاكرته، وجغرافيته، وحتى بعض مؤسساته بعد إعادة تفسيرها. ولهذا فإن التحول الحضاري ليس دائماً قطيعة كاملة، ولا هو استمرار كامل.
إنه في كثير من الأحيان قطيعة داخل الاستمرار، واستمرار داخل القطيعة.
وقد يكون هذا التناقض أكثر وضوحاً في التحولات الحضارية العنيفة: حين تأتي منظومة جديدة وهي ترى نفسها نقيضاً للمنظومة السابقة، وتحاول أن تنتزع منها الشرعية والرمزية والمكانة، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى استخدام بعض البنى التي ورثتها عنها. وهنا يمكن أن نفهم بصورة أفضل تسلسل التحولات الكبرى في وادي النيل.
من كرمة إلى نبتة تمثل كرمة واحدة من أقدم المراكز الحضارية الكبرى في وادي النيل الأوسط. وقد ازدهرت مملكة كرمة في النوبة العليا خلال الألف الثالث والثاني قبل الميلاد، وكانت مركزاً سياسياً وتجارياً مهماً. وجاء الانتقال إلى نبتة بوصفه انتقالاً مهماً في مركز السلطة والرمزية، مع استمرار عناصر كثيرة من الإرث السابق.
لذلك لا ينبغي النظر إلى نبتة باعتبارها محواً كاملاً لكرمة، بل باعتبارها إعادة تنظيم للمجال الحضاري نفسه بعد تغير مركز القوة والرموز. لقد تغير مركز السلطة، وتغيرت بعض المرجعيات والرموز، لكن الجديد خرج من أرض قديمة. وهذه قاعدة تتكرر في تاريخ وادي النيل: المرحلة الجديدة تنشأ من أزمة المرحلة السابقة، وتحاول تجاوزها أو حتى القطيعة معها، لكنها تحمل معها بعض عناصرها، حتى عندما تعلن اختلافها عنها.
من نبتة إلى مروي شهدت مروي انتقالاً مهماً لمركز الحكم جنوباً، وأصبحت مركزاً سياسياً وحضارياً رئيسياً حتى نهاية مملكة كوش في القرن الرابع الميلادي. ولم تكن مروي مجرد امتداد جغرافي لنبتة؛ فقد شهدت تطورات مهمة في اللغة والكتابة والاقتصاد ومؤسسات الحكم. ويمثل ظهور الكتابة المروية وتطور الثقافة المروية جانباً أساسياً من هذا التحول. ومع ذلك، ظلت مروي مرتبطة بجذورها الكوشية والنبتية. وهنا يظهر شكل آخر من التحول الحضاري: انتقال مركز الثقل جنوباً مع إعادة بناء النسق من الداخل.
فالمركز الحضاري لم يبق ثابتاً في المكان نفسه. تحرك جنوباً، وتغيرت معه بعض أشكال السلطة والثقافة واللغة والرموز، بينما استمر الإطار الحضاري الكوشي في صورة جديدة. أي أن الانتقال من نبتة إلى مروي لم يكن مجرد تغيير عاصمة، بل كان تحولاً في مركز الثقل الحضاري، لكنه لم يكن بالضرورة قطيعة عدائية مع كل ما سبقه.
من مروي إلى المسيحية هنا يصبح التحول أكثر حدة. دخلت مروي في مرحلة من الضعف والتراجع قبل سقوطها، وتربط مصادر تاريخية كثيرة نهايتها بالتدخل الأكسومي في القرن الرابع الميلادي، مع أن التدخل الخارجي لم يكن العامل الوحيد، ولم يستمر كثراً ولا أثر له يذكر عملياً وحضارياً، إذ كانت المملكة العظيمة في الأصل تعاني الشيخوخة، على ما يبدو، ومنها مشكلات داخلية وتحولات إقليمية سبقت سقوطها.
بعد ذلك تبلورت ممالك نوبية مسيحية (يعقوبية/مالكانية في بعض الرؤى) 400م-1500م، من أهمها علوة التي اتخذت من سوبا مركزاً لها.
وهنا لم يعد الأمر مجرد انتقال لمركز الحكم من مدينة إلى مدينة، أو انتقال لأسرة حاكمة إلى أسرة أخرى.
لقد حدث تحول حضاري واسع مسّ الدين والرموز واللغة وشكل السلطة وعلاقات السودان بالمناطق المحيطة به. المسيحية لم تدخل باعتبارها مجرد سياسة جديدة للحاكم، بل أصبحت جزءاً من إعادة تشكيل المجال الحضاري نفسه.
ومن هنا كانت القطيعة مع المرحلة المروية أعمق من مجرد القطيعة السياسية. تغيرت المرجعية الدينية، وتغيرت الرمزية العامة، وأعيد تشكيل المجال الثقافي والسياسي، وتغيرت علاقة السودان بمحيطه.
ومع ذلك، لم تمحِ المسيحية كل ما سبقها. فقد بقيت عناصر من التنظيم الاجتماعي والثقافي، واستمرت تقاليد محلية داخل الإطار المسيحي الجديد.
وهنا تظهر المفارقة نفسها:
كلما كان التحول الحضاري أكثر حدة في رفض ما سبقه، أصبح من المهم البحث عما بقي منه في الواقع الاجتماعي. فالنسق الجديد قد يعلن القطيعة، لكن المجتمع لا يمحو ذاكرته بضربة واحدة.
من المسيحية إلى سنار يمثل الانتقال إلى سنار تحولاً حضارياً آخر بالغ العمق، وربما كان من أكثر التحولات حدة في تاريخ السودان الوسيط والحديث. فصعود سنار جاء بعد تراجع الممالك المسيحية في الوسط والجنوب، وبروز الإسلام والعربية والطرق الصوفية بوصفها مكونات رئيسية للنظام الجديد. وقد تأسست سلطنة سنار في أوائل القرن السادس عشر، وخلفت مملكة علوة في أجزاء واسعة من وسط السودان. ولم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير في الحاكم.
لقد مسّ المرجعية الدينية، ولغة الإدارة والثقافة، وشبكات التعليم والتجارة، ومراكز السلطة، وأنماط التراتب الاجتماعي، وأشكال الانتماء. وبذلك لم تكن سنار مجرد دولة جديدة جاءت بعد دولة قديمة؛ بل كانت بداية نسق حضاري جديد. وكانت القطيعة هنا حادة؛ لأن الإسلام والعربية والصوفية لم تدخل فقط إلى مؤسسات الحكم، وإنما أصبحت تدريجياً عناصر مركزية في إعادة تنظيم المجتمع والسلطة والثقافة. ومع ذلك، فإن حدة التحول لا تعني أن الماضي اختفى. لم تستطع سنار أن تمحو كل ما سبقها، كما لم تستطع المسيحية أن تمحو كل ما قبلها، ولم تستطع مروي أن تمحو نبتة.
بقيت آثار كوش والممالك المسيحية في الجغرافيا والعمارة والذاكرة والعادات، وفي بعض أنماط التنظيم الاجتماعي، حتى أصبحت سنار الإطار السياسي والحضاري الغالب. وهكذا فإن تاريخ وادي النيل لا يبدو كسلسلة من عمليات إحلال بسيطة، حيث تأتي حضارة فتقتل السابقة تماماً ثم تبدأ من الصفر.
الأدق أنه تاريخ تحولات كبرى، بعضها عنيف وبعضها تدريجي، وبعضها معادٍ بوضوح لما سبقه، لكنها جميعاً تعيد استخدام شيء من الماضي الذي حاولت تجاوزه.
وهذا هو الفرق الحاسم بين التحول السياسي والتحول الحضاري. في التحول السياسي قد يتغير الحاكم، بينما يبقى المجتمع إلى حد كبير في نسقه السابق. أما في التحول الحضاري، فإن السؤال يصبح أوضح: أي مجتمع نحن؟ ما المرجعية التي تمنح السلطة شرعيتها؟ واللغة التي تحمل المعرفة والسلطة؟ والدين والرموز التي تشكل المجال العام؟ كيف ينظم المجتمع نفسه؟ وكيف ينظر إلى ماضيه؟ تلك هي أهم القضايا الهويوية والتاريخية.
لهذا فإن التحول الحضاري هو التحول الأعمق أي الأكثر جذرية مطلقاً، وقد يكون في الوقت نفسه الأكثر عنفاً وعداءً لما سبقه؛ لأنه لا ينازع الدولة القديمة على السلطة فقط، وإنما ينازعها على معنى المجتمع نفسه.
لكن، بعد، حتى أكثر التحولات الحضارية عنفاً لا تبدأ من الصفر.
فالقديم قد يُهزم سياسياً، وقد يُدان دينياً، وقد تُهدم رموزه، وقد تُستبدل لغته أو مؤسساته، لكنه يبقى في المجتمع بأشكال أخرى.
ومن هنا يمكن فهم التاريخ السناري وما بعد السناري بصورة مختلفة:
لم تكن كل العهود التي جاءت بعد سنار قطيعة حضارية معها، حتى عندما كانت قطيعة سياسية معها.
وهذا هو ما يجعل سنار، في هذا السياق، أكثر من مجرد سلطنة تاريخية. إنها نسق حضاري امتلك قدرة استثنائية على البقاء وإعادة إنتاج نفسه، حتى بعد سقوط دولته. ولهذا فإن فهم ما حدث بعد سنار لا يبدأ من سؤال: من حكم السودان بعد سنار؟
بل من سؤال آخر: ما الذي بقي من سنار داخل الدول أو المخيالات الإدارية التي جاءت بعدها؟
نحن ما نزال نعيش سنار إذا كان النسق السناري قد استمر، بدرجات مختلفة، عبر التركية والمهدية والحكم الإنجليزي ثم دولة ما بعد الاستقلال، فهذا لا يعني أنه ظل كما هو، ولا يعني أنه لم يتغير. المعنى أن التغيير نفسه ظل يحدث، في جانب كبير منه، من داخل هذا النسق؛ بإعادة ترتيب عناصره وتغيير وظائفها، أكثر مما حدث بإزاحته من جذوره وبناء نسق آخر مكانه.
دخلت الحداثة إلى السودان، لكنها لم تدخل مجتمعاً خالياً من التاريخ. دخلت مجتمعاً كانت جوانب واسعة منه قد تشكلت داخل النسق السناري.
دخلت الدولة المركزية الحديثة، لكنها وجدت أمامها مجتمعاً ما تزال الطائفة والقبيلة والزاوية والإدارة الأهلية تؤدي فيه أدواراً أساسية. ودخل التعليم الحديث، لكنه لم يلغِ المرجعية الدينية واللغوية التي ظلت حاضرة بقوة في المجال العام. ودخلت الأحزاب السياسية بكل أشكالها الكلاسيكية والحديثة، لكنها ورثت أحياناً شبكات الولاء والوساطة القديمة، أو أعادت استخدامها في صور جديدة.
ولهذا يمكن القول إننا نعيش اليوم ما أسميه «الحتمية السنارية»!
لسنا نعيش في سنار التاريخية، بالطبع، ولا يمكن اختزال السودان المعاصر فيها. لكننا نعيش في كثير من آثارها ومفرداتها؛ نفكر من خلالها، ونختلف حولها، ونحاول تجاوزها، ونستعمل بعض أدواتها من حيث ندري أو لا ندري. ولذلك لم نغادرها حضارياً بصورة كاملة، حتى وإن غادرنا دولتها وزمنها السياسي. وربما لهذا السبب تبدو بعض أسئلتنا الراهنة قديمة إلى هذا الحد. من هو السوداني الأصيل؟ ما الدين أو اللغة أو التاريخ الذي ينبغي أن يمثل الدولة؟ من يملك حق تعريف الوطن؟ هل الدولة امتداد لجماعة تاريخية بعينها، أم هي عقد بين مواطنين متساوين؟
وهل تُدار البلاد من خلال المؤسسات العامة التي يصل إليها الفرد بوصفه مواطناً، أم من خلال الوساطات والجماعات التي ينتمي إليها؟ هذه الأسئلة ليست مجرد أسئلة عن الماضي. إنها تظهر في حاضرنا كل يوم، لأنها في جوهرها أسئلة عن شكل الدولة التي نريد أن نعيش فيها، وعن الطريق الذي يمكن أن نسلكه من دولة الهوية إلى دولة المواطنة.
الخروج من سنار من داخلها
لا أظن أننا نستطيع الخروج من سنار بأن نقف خارج التاريخ وننظر إليها من بعيد، وكأنها شيء يمكن التخلص منه بضربة واحدة.
ولا أظن أن الطريق هو إلغاؤها، أو استبدالها بهوية أسطورية مضادة.
فمحاولة محو سنار قد تقودنا، paradoxically، إلى إعادة إنتاج المنطق نفسه الذي نريد تجاوزه: هوية واحدة، وذاكرة واحدة، وشرعية واحدة، وجماعة واحدة تمتلك تعريف الوطن وتطلب من الآخرين أن يدخلوا إليه من بابها.
الخروج الحقيقي من سنار، في رأيي، لا يكون بإنكارها، وإنما من داخلها؛ بأن نعيد النظر في عناصرها، ونفصل ما يمكن أن يبقى حياً ومفيداً فيها عما أصبح مصدراً للتراتبية والإقصاء، ثم نضع هذه العناصر في إطار جديد.
فالروحانية يمكن أن تتحول من سلطة اجتماعية مغلقة إلى قيمة أخلاقية وروحية حرة.
والعربية يمكن أن تتحول من أداة للتمركز الثقافي والسياسي إلى لغة مشتركة بين السودانيين، مع الاعتراف باللغات المحلية وحمايتها واحترام مكانتها في المجتمع.
والطرق والبيوتات الدينية يمكن أن تستعيد دورها الروحي والثقافي والاجتماعي، من دون أن تتحول إلى وسائط سياسية تمنح جماعة نفوذاً فوق جماعة أخرى.
والإدارة الأهلية يمكن أن تتحول من امتياز اجتماعي أو وراثي إلى خدمة محلية حقيقية، تعمل داخل القانون وتخدم المجتمع بدلاً من أن تكون بوابة حصرية بين الفرد والدولة.
والقبيلة يمكن أن تبقى إطاراً اجتماعياً وثقافياً مهماً للإنسان، من دون أن تتحول إلى مصدر لحق سياسي أعلى من حق المواطن الآخر.
والتاريخ يمكن أن يتحول من سلاح لإثبات التفوق والأسبقية إلى ذاكرة مشتركة، متعددة الأصوات، يعرف كل سوداني أنه جزء منها، من دون أن يمتلكها وحده.
وسنار نفسها يمكن أن تتحول من هوية سياسية مفروضة أو مرجعية احتكارية إلى مكوّن أساسي من مكونات التاريخ السوداني المتعدد، له مكانه ومكانته، لكنه ليس السودان كله. وهذا هو الفارق بين نقد سنار ونفي سنار.
نقدها يعني أن ننظر إليها كما ننظر إلى كل مرحلة كبرى في تاريخنا: نرى ما صنعته، وما أبقته، وما أضافته، وما أنتجته من علاقات، وما حملته من إمكانات، وفي الوقت نفسه نرى حدودها وما يمكن أن يكون قد أصبح عائقاً أمام بناء دولة جديدة. أما نفيها، فيعني أن نتخيل أننا نستطيع أن نبدأ من الصفر، وكأن قروناً من التاريخ يمكن أن تُمحى بمجرد إعلان هوية جديدة.. دا غير ممكن.
فدولة المواطنة لا تقوم في الفراغ، ولا تبدأ من الصفر. إنها تحتاج إلى مادة تاريخية وثقافية واجتماعية سابقة؛ مادة تعيد قراءتها، وتفحصها، وتنقدها، ثم تعيد تركيبها في إطار جديد.
ولذلك لا تحتاج دولة المواطنة إلى أن تنفي سنار. لكنها، في الوقت نفسه، لا تستطيع أن تجعل سنار مصدرها النهائي للشرعية، أو معيارها الوحيد للانتماء، أو المرجعية التي يجب أن يخضع لها الجميع.
فسنار جزء مهم من التاريخ.. لكن السودان الحديث من المفترض أكبر من سنار التاريخية.
خاتمة "مختصرة"
إن «العودة إلى سنار» ليست عودة مسافر إلى مكان غادره، وليست دعوة إلى استعادة دولة تاريخية انتهى زمانها.. إنها عودة مجتمع إلى وعيه بتاريخ ظل حاضراً في حياته اليومية، حتى بعد أن تغيرت الأزمنة.
نحن لم نخرج من سنار ثم قررنا العودة إليها.. إشارة إلى الشاعر محمد عبد الحي.
نحن ما نزال، داخل آثارها؛ نتحرك في فضائها الاجتماعي والثقافي، مخيالها، ونحمل مفرداتها، ونحاول في الوقت نفسه أن نخرج من جوانبها التي لم تعد صالحة لمستقبل السودان.
تعاقبت على السودان سلطات كثيرة، وأدخلت كل واحدة منها تغييرات سياسية وإدارية مهمة. لكن التحول الحضاري الأوسع ظل، في جوانب أساسية منه، مؤجلاً.
والمطلوب اليوم ليس أن نستبدل سنار بهوية أخرى، ولا أن نبني دولة تقوم على الكوشية أو العروبة أو الأفريقانية أو السودانوية بوصف أي منها هوية نهائية للدولة.
المطلوب، ببساطة، أن نبني دولة لا تحتاج أصلاً إلى هوية عليا واحدة حتى تمنح مواطنيها حقوقاً متساوية أو تعلن نفسها بين الأمم.
دولة لا يكون فيها الانتماء الثقافي شرطاً للانتماء السياسي.. ولا يكون التاريخ سنداً لامتلاك شيء غير مستحق في الحاضر.
ولا تكون القبيلة طريقاً للحصول على حق يفوق حق المواطن الآخر.
كما لا يكون الدين معياراً لتحديد من هو المواطن الكامل ومن هو المواطن الناقص.
الخروج من سنار لا يكون خارجها، بل من داخلها؛ عبر نقدها، وفهمها، واصطحاب ما فيها من عناصر قابلة للحياة، وفي الوقت نفسه تجاوز ما أنتجته من تراتب وإقصاء واحتكار في زمانها والأزمنة التالية لها في اطار نسقها.
فسنار ليست سجناً ينبغي هدمه بالكامل.. وليست معبداً ينبغي تقديسه.. إنها مرحلة حضارية كبرى من مراحل تكوين السودان، تركت أثراً مستمراً في المجتمع والدولة والثقافة واللغة والدين وشبكات العلاقات بالمحيط الجغرافي والعالم، ولا يمكن فهم السودان الحديث من دون فهم هذا الأثر.
لكن المستقبل لا يكمن في البقاء داخلها إلى الأبد، كما لا يكمن في إنكارها.. طبعاً، لا.
المستقبل يبدأ حين نتحول من الوعي بأن سنار هي المرجعية التي ينبغي أن يبدأ منها الجميع، كما الوعي بأنها جزء من الذاكرة السودانية التاريخية المشتركة.
وحين تتحول سنار من مرجعية احتكارية إلى ذاكرة مشتركة، ومن نسق حاكم إلى مادة واعية نقرأها وننقدها ونتعلم منها، يصبح ممكناً أن نبدأ الانتقال الحقيقي إلى دولة المواطنة.
فالمطلوب ليس أن ننسى من أين جاء السودان الحديث. المطلوب أن نعرف من أين جاء، وأن نصطحب تاريخه كله ما أمكن، ثم نسأل السؤال الأهم:
كيف نعيش معاً؟
ومن هنا يبدأ سودان المستقبل.. وفق هذا التصور!.
الهوية للمجتمع، والمواطنة للدولة؛ والاصطحاب لا النفي.
ذلك كان: الجزء الثالث من "مانيفستو لمستقبل السودان"
محمد جمال الدين حامد، عضو اللجنة التنسيقية للمسار التالت.
المسار التالت، لا سياسي لا عسكري، مدني وطني، إنساني، مستقل.
أغسطس 2026
واتساب: +31684688891 E: Sudanin200@gmail.com
|
Post: #7
Title: Re: العودة إلى سنار ودولة 56، نحن لم نخرج من سن
Author: عبداللطيف حسن علي
Date: 08-31-2026, 07:05 AM
Parent: #6
Quote: ومن الأهداف المهمة للمعهد، والتي غالبًا ما تُغفل، قطع أو تقليص التأثير المصري الباشاوي التركي عبر إيقاف البعثات إلى الأزهر بعد إنشاء المعهد. في هذا المعنى، كان إنشاء المعهد أشبه بـ«وقف رواق السنارية»: تحويل مركز الثقل التعليمي والديني من القاهرة إلى أم درمان، وإعادة إنتاج النخبة الدينية داخل السودان، لكن ضمن مرجعية سنارية ظلت حاضرة في المضمون والروح |
روعة كالعادة استاذ محمد جمال
|
|