من كرمة إلى سنار إلى دولة 56: السودان وإعادة تعريف الدولة والهوية!

من كرمة إلى سنار إلى دولة 56: السودان وإعادة تعريف الدولة والهوية!


08-29-2026, 01:47 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1787964457&rn=0


Post: #1
Title: من كرمة إلى سنار إلى دولة 56: السودان وإعادة تعريف الدولة والهوية!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-29-2026, 01:47 AM

01:47 AM August, 28 2026

سودانيز اون لاين
محمد جمال الدين-The Netherlands
مكتبتى
رابط مختصر



نحو مخيال المواطنة
لا يكفي أن نكتب في الدستور أن المواطنين متساوون، ما لم يتغير المخيال الذي يحدد من هو المواطن الكامل ومن هو المواطن الناقص. فالمواطنة ليست مادة قانونية فقط، بل ثقافة عامة، وتربية، وذاكرة، ورموز، ومؤسسات، وتوزيع عادل للموارد.
ولذلك فإن الانتقال من النسق السناري إلى دولة المواطنة يحتاج إلى مسارات متزامنة:
إعادة كتابة التاريخ الوطني بوصفه تاريخاً متعدد المراكز والروايات.
الاعتراف بتنوع الأقاليم والثقافات واللغات، لا التعامل معها كهوامش تحتاج إلى التطبيع.
حياد الدولة تجاه الأديان والهويات، مع ضمان حرية المعتقد والممارسة.
إصلاح الجيش والأجهزة الأمنية وإخضاعها للسلطة المدنية والدستور.
تفكيك اقتصاد الامتيازات المركزية وإعادة توزيع التنمية والموارد.
اعتماد نظام لا مركزي أو فدرالي يتيح مشاركة الأقاليم في إدارة شؤونها.
إطلاق عدالة انتقالية تعترف بالضحايا وتكشف جذور العنف والتهميش.
بناء تعليم وإعلام وفنون تنتج سردية مشتركة لا تقوم على محو الذاكرات المحلية.
وتحتاج هذه العملية أيضاً إلى رموز وطنية يشعر الجميع بأنها ملك لهم، لا رموزاً تعكس تاريخ جماعة واحدة أو انتصار مركز واحد. فالعدالة الرمزية ليست أمراً تجميلياً؛ إنها مدخل إلى العدالة السياسية، لأن المواطن لا يشعر بالانتماء إلى دولة لا يرى نفسه في لغتها وصورها واحتفالاتها وسرديتها.

ما الذي نتعلمه من سلسلة التحولات الحضارية الكبرى؟
عندما ننظر إلى المسار كله، من كرمة إلى نبتة، ومن نبتة إلى مروي، ومن مروي إلى سوبا وعلوة، ومن سوبا إلى سنار، يمكن أن نرى تاريخاً طويلاً من الانتقال الحضاري والجغرافي. لكن يمكننا أيضاً أن نرى شيئاً آخر: كل مرحلة كانت تحمل في داخلها شيئاً من المرحلة التي سبقتها، حتى عندما كانت تعلن القطيعة معها.

كرمة لم تختفِ من الأرض عندما جاءت نبتة. ونبتة لم تختفِ من الذاكرة عندما صعدت مروي. ومروي لم تختفِ عندما ظهرت الممالك المسيحية. وسوبا لم تختفِ من التاريخ عندما صعدت سنار. لكن مركز الحضارة انتقل. ومع كل انتقال، أعيد تعريف الدين واللغة والسلطة والرموز.

وهنا ينبغي أن يكون درسنا الأساسي. ليس مطلوباً أن نعيد التاريخ إلى الوراء. ولا أن نبحث عن عاصمة حضارية قديمة لنضعها في مواجهة عاصمة أخرى. ولا أن نختار من هذه السلسلة مرحلة ونقول: هذه هي السودان الحقيقي. بل المطلوب أن نفهم أن السودان كان دائماً أكثر من مرحلة واحدة. وأن كل محاولة لتحويل مرحلة تاريخية إلى مالك سياسي للحاضر تعيد إنتاج منطق دولة الهوية.

موقـف هذا النص من الوحدة والانقسام والاندماج
لا ينادي هذا النص بوحدة ولا بانقسام ولا باندماج بصيغتها التقليدية؛ غايته هي الدعوة إلى إعادة تعريف الدولة نفسها. دولة لا تجعل من التاريخ أو الدين أو اللغة أو القبيلة شرطاً للانتماء الكامل، بل تجعل المواطنة هي الجسر الذي يجعل اختلاف السودانيين ممكناً، عادلاً، وقابلاً للحياة.
في هذا المنظور، تتعدد السيناريوهات السياسية الممكنة: وحدة بأشكال جديدة، أو ترتيبات لامركزية واسعة، أو حتى انفصال بعض الأقاليم. لكن مهما تعددت هذه الاحتمالات، أو تحقّق بعضها فعلياً على الأرض، يبقى جوهر الخلاص واحداً: دولة المواطنة. فبدون مواطنة متساوية، تتحول أي وحدة إلى هيمنة مقنّعة، وينقلب أي انقسام إلى إعادة إنتاج لمنطق الإقصاء، ويغدو أي اندماج قسري مجرد استمرار للتهميش بأدوات جديدة.

وعليه، فإن دولة المواطنة ليست خياراً من بين خيارات، بل هي الشرط الأساسي الذي يجعل أي خيار سياسي آخر قابلاً للحياة وعادلاً. مهما اختلفت الخرائط، وتبدلت الحدود، وتنوعت التسويات، تظل المواطنة المتساوية هي الخلاص الوحيد الذي يضمن أن يكون السودان وطناً للجميع، لا ملكية حصرية لجماعة واحدة أو نسق هوياتي مهيمن من أي جهة جاء.

سنار التي ينبغي أن تتحول
نحن نعيش في النسق السناري الحضاري لأن العقيدة واللغة والطرق الصوفية والبنى الاجتماعية والخيالات السياسية التي ترسخت منذ سنار ما تزال فاعلة في تشكيل الدولة والمجتمع. وقد جاءت التركية والمهدية والإنجليزية ودولة الاستقلال بتحولات سياسية وإدارية مهمة، لكنها لم تُنجز القطيعة الحضارية الكاملة التي تنقل السودان إلى نسق جديد.

لكن الاعتراف باستمرار النسق السناري لا يعني إدانته بوصفه شراً خالصاً، ولا يعني إنكار ما أنتجه من تمازج واستقرار وتواصل ثقافي. فسنار نفسها كانت حصيلة تفاعلات تاريخية طويلة، وحملت في داخلها آثار ما سبقها، كما حملت بذور ما سيأتي بعدها. والمطلوب ليس محو سنار، بل تجاوز منطقها الإقصائي، واستصحاب عناصرها الثقافية القابلة للحياة، وإعادة وضعها داخل عقد مواطني أوسع.

لقد ظل تاريخ السودان طويلاً محكوماً بمنطق: تهدم المرحلة السابقة كي تقوم المرحلة الجديدة. أما دولة المواطنة فتقترح تحولاً مختلفاً: لا الهدم من أجل الهدم، ولا التقديس من أجل التقديس، بل النقد والاعتراف وإعادة البناء. إنها تنقلنا من ثقافة المحو إلى ثقافة التراكم، ومن شرعية الماضي المغلق إلى شرعية المستقبل المشترك.

وهكذا يمكن أن تتحول سنار من آخر نسق هوياتي مهيمن إلى أرضية تاريخية للانتقال نحو دولة المواطنة؛ دولة لا تفرض أصلاً واحداً، ولا تلغي تاريخاً، ولا تمنح جماعة حقاً أعلى في الوطن.
خاتمة
ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: أي مرحلة من مراحل تاريخ السودان ينبغي أن نعيدها؟ ولا: أي مركز حضاري كان هو الأصل؟ ولا: أي دين أو لغة أو جماعة تملك الحق الأكبر في تعريف السودان؟ السؤال الأهم هو: هل نستطيع، بعد هذا التاريخ الطويل من انتقال المراكز وقيام الأنساق الجديدة فوق أنقاض الأنساق السابقة، أن ننجز هذه المرة انتقالاً مختلفاً؟

انتقالاً لا يحتاج إلى محو ما قبله. انتقالاً لا يحتاج إلى إلغاء لغة لكي تبرز لغة. ولا إلى إلغاء دين لكي يبرز دين. ولا إلى إلغاء جماعة لكي تتقدم جماعة. ولا إلى تحويل تاريخ إلى ملكية سياسية للحاضر.
ربما تكون هذه هي اللحظة التي يمكن فيها للسودان أن يتعلم من تاريخه بدلاً من أن يكرر آليته. فإذا كانت التحولات السابقة قد قامت، في جوانب أساسية منها، على القطيعة والإحلال، فإن دولة المواطنة يمكن أن تكون أول تحول كبير يقوم على الاصطحاب.

نصطحب كرمة. ونصطحب نبتة. ونصطحب مروي. ونصطحب سوبا وعلوة. ونصطحب سنار. ونصطحب كل ما جاء بعدها. لا نلغي أياً منها. لكننا لا نجعل أياً منها مالكاً للدولة. نحفظ التاريخ كله، ونترك الدولة للمواطنين.

وهنا يتجاوز الانتقال من النسق السناري إلى دولة المواطنة مجرد التغيير السياسي؛ فهو انتقال من منطق يقول: «هذه هي الدولة لأن هذه هي هويتها»، إلى منطق آخر يرى أن الدولة لنا جميعًا لأننا مواطنون فيها. عندها يصبح التاريخ، لأول مرة، ذاكرةً مشتركة لا سلاحًا سياسيًا، وتغدو الحضارة ميراثًا عامًا لا امتيازًا خاصًا، وتصبح سنار جزءًا أصيلًا من السودان لا تعريفًا نهائيًا له. وبذلك يستطيع السودان أن يصطحب تاريخه كله، دون أن يظل أسيرًا لأي مرحلة من مراحله.

الهوية للمجتمع، والمواطنة للدولة؛ اصطحابٌ لا نفي.

* هذا النص امتداد لمانيفستو «مستقبل السودان»، وتطوير لأفكاره حول الانتقال من دولة الهوية إلى دولة المواطنة.


محمد جمال الدين حامد، عضو اللجنة التنسيقية للمسار التالت.

المسار التالت، لا سياسي لا عسكري، مدني وطني، إنساني، مستقل.

أغسطس 2026

واتساب:
+31684688891
E:
Sudanin200@gmail.com