Post: #1
Title: نشيدُ النزوحِ الأخير
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 08-26-2026, 00:39 AM
00:39 AM August, 25 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
أَغْدو عَلَى جُرْحِي، وَأحْمِلُ هَمَّ الدُّروبِ عَلَى ظَهْرِي أَمْشِي، وَقَدْ مَاتَتْ خُطَايَ، فَمَا تَبَقَى غَيْرُ ظِلِّي فِي الرِّمَالْ أَنَا مَدْفُونٌ فِي دَاخِلِي، دَفَنْتُ الوَجَعَ وَلَكِنَّهُ يَنْمُو كَالشَّوْكِ فِي الظَامْ أُعَانِي الحُزْنَ وَالخَطْبَ، وَكُلَّمَا هَرَبْتُ مِنْ نَارٍ، وَقَعْتُ فِي رَمَادْ يا أَحْمَدُ، يا مَنْ كُنْتَ وَجَعِيَ الأَوَّلْ نَجَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا دَمَارِي، وَرَفَعُوا الرَّايَاتِ فَوْقَ رَمَادِي فَهَلْ يَبْقَى سِوَى دَمْعِي، وَدَمْعِي كَالسَّيْلِ لَكِنَّهُ لَا يُرْوِي؟ يَبْقَى الدَّمْعُ فِي عَيْنِي، يَسِيلُ حَارَّاً، فَلَا أَرْضاً تَرْوِي، وَلَا قَلْباً يُحسّْ. كُلَّمَا بَكَيْتُ، ظَنَنْتُ البَابَ يُفْتَحُ، لَكِنَّهُ سِجْنٌ آخَرٌ فِي انْتِظَارِيْ سَرَيْتُ وَبَيْنَ أَكْفَانِي، أَفِرُّ اليوْمَ مِنْ صَمْتِيَ الميّتِ إِلَى صَمْتٍ أَكْبَرَ، تَعْصِفُ بِي رِيَاحُ الظُّلْمِ وَتَدُوسُنِي زَمَانُ الكَبْتِ وَالبَلْوَى يُغَبِّرُ فَوْقَ أَيَّامِي، حَتَّى صَارَ الوَقْتُ غُبَاراً وَرِيحُ السُّوءِ قَدْ هَبَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ حُلْمٌ يُضِيءُ، ولا عَلَمٌ يَرْفَعُ الرَّأْسْ. كُلُّ النَّاس رَحَلُوا، وَكُلُّ الأَصْوَاتِ خنَقَتْها الرَّصَاصَةُ فِي الحَنَاجِرْ يا ابْنَ الغُرْبَةِ فِي وَطَنِي، كَيْفَ أُفَصِّحُ بِأَيِّ لِسَانٍ أَنْكُبْ؟ فَلَا أَرْضِي تُلَانِينِي، وَلَا رَيْحَانُها يُسْكِنُ نَبْضِي كُنْتُ رَجُلاً مِنْ طِينٍ، أَمَّا اليَوْمَ فَبُضْعَةُ قَلَمٍ مَكْسُورٍ، وَجُرْحٌ يَنْزِفُ فِي الصَّحْرَاءْ يا أُمَّ دَرْمَان، يا أُمِّي، يا تاريخِيَ المُمْتَدَّ كَالْمَجَرَّاتْ أَخَافُ عَلَيْكِ مِنَ الطَّوَائِفِ، مِنْ خِيَارَاتِ النَّاسِ الَّتِي مَزَّقَتْ جَسَدَكِ أَخَافُ أَنْ تَبْكِي السَّمَاءُ عَلَيْكِ فَلَا نَجْمَ يَبْقَى، وَلَا قَمَرَ يَشْهَدْ أَخَافُ عَلَى مَوْتَاكِ أَنْ تَضِيعَ أَجْسَادُهُمْ بَيْنَ الرِّمَالِ، فَلَا مَنْ يغْسِلُ وَلَا مَنْ يُكَفِّنْ كُلَّ صَبَاحٍ، أَسْمَعُ صَوْتَ أُمِّ دَرْمَانَ تَبْكِي مِنْ تَحْتِ الأَنْقَاضْ أَسْمَعُ طِفْلًا يَصِيحُ: "لِمَنْ هذِهِ الحربُ، وَكُلُّنَا نَمُوتُ وَلاَ أَحَدَ يُجِيبْ؟" يا دَمْعِي، كُنْ غَزِيراً هَذِهِ المَرَّةْ فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا سِوَاكَ مَنْ يَشْهَدُ عَلَى جِرَاحِنَا نَحْنُ الضَّائِعُونَ فِي مدِينَةٍ تَحْتَرِقْ نَحْنُ المَوْتَى الَّذِينَ مَشَوْا، وَالْمَاشُونَ الَّذِينَ مَاتُوا فِي كُلِّ زَقَاقْ لَا شَيْءَ يَبْقَى مِنْ ثَوْرَةِ دِيسَمْبَرْ سِوَى هَذَا السُّؤَالِ المَدْمُوعْ: كَيْفَ نَبْنِي وَطَناً مِنْ رُوَاقِ الحَرْبِ، وَكُلُّ حَجَرٍ فِيهِ يَصْرُخُ: "ارْحَلُوا"؟ عرض أقل !
|
|