وهم البساطة- حين ارتطمت ثورة ديسمبر بثقل الدولة المسلحة

وهم البساطة- حين ارتطمت ثورة ديسمبر بثقل الدولة المسلحة


08-25-2026, 11:04 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1787695493&rn=0


Post: #1
Title: وهم البساطة- حين ارتطمت ثورة ديسمبر بثقل الدولة المسلحة
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 08-25-2026, 11:04 PM

11:04 PM August, 25 2026 سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({}); 1




1. البدايات: حين ظننا أن سقوط الرأس يعني تفكيك الجسد
لم تكن ثورة ديسمبر 2018 مجرد انتفاضة عابرة ضد نظام استبدّ لعقود، بل كانت طارئة وجودية أعادت هندسة الوعي السياسي السوداني، وكسرت احتكار الأحزاب التقليدية للشارع. في تلك اللحظة، نشأت لجان المقاومة وشبكات المهنيين كبديل تنظيمي أفقي، لم يكتفِ بفتح رأس النظام، بل سعى – في حماسه التأسيسي – إلى تفكيك عقيدته بأكملها.

لكن الخطأ التاريخي الجوهري، الذي ارتكبته قوى الثورة بحسن نية أو تحت ضغط التسريع السياسي، تمثل في قياسها لسقوط الدولة بسقوط البشير. ظنّ الكثيرون أن اجتياح الشارع لكامل مفاصل الحكم أمر ممكن، متناسين أن الدولة ليست مجرد رأسٍ يُقطع، بل بنية معقدة من أجهزة أمنية، واقتصاد مواز، ومؤسسة عسكرية تُمسك بخيوط السلطة والمال معاً. هذا "وهم البساطة" هو ما دفع الثورة إلى الدخول في مرحلة انتقالية حددت قواعدها المؤسسة العسكرية، بينما ظل الشارع حبيس مواقع الهتاف والاحتجاج، معزولاً عن غرف القرار التي تصنع المستقبل.

2. الانفصام القاتل: بين شرعية الشارع وحيازة السلاح
وهنا ولد الانفصام الأكثر إيلاماً في تاريخ الثورة: شرعية الشارع الهائلة في مواجهة احتكار العسكر للسلطة الفعلية. لم يكن هذا الانفصام مجرد إجراء إداري خاطئ، بل كان أمَّ كل المآسي التي تلته. ففي الوقت الذي بقيت فيه لجان المقاومة في موقع الضغط الشعبي دون تمثيل مؤسسي، ظل الجيش وقوات الدعم السريع يسيطران على مفاصل الاقتصاد والاتفاقيات الدولية.

هذه المعادلة المختلة جعلت انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليس مجرد خيانة مفاجئة، بل محطة طبيعية – وإن كانت قاسية – لتصحيح "ميزان القوى الخشن" لصالح العسكر. وإذا كان الانقلاب قد أشعر البعض بأنه نهاية الطريق، فإن اندلاع حرب أبريل 2023 كشف أنه لم يكن سوى مقدمة حتمية لانهيار أكبر، حيث تحول الصراع على الموارد والسلطة إلى عنف شامل أعاد تشكيل الجغرافيا السودانية بالنار والدم.

3. فخ التنظيم الأفقي: متى تعجز الشوارع عن إدارة الدول؟
تاريخياً، عرف السودان سوسيولوجيا سياسية فريدة: أحزاباً تقليدية تهيمن على البرلمانات، وانقلابات عسكرية تخترقها بين فترة وأخرى. جاءت لجان المقاومة لتكسر هذا التراكم، مؤسسة قطيعة مع الزعامة الفردية، ومقدمة نموذجاً في التعبئة المجتمعية والشبكات اللامركزية.

لكن المفارقة التنظيمية الكبرى تكمن في أن القدرة الهائلة على حشد الملايين وإسقاط طاغية، لا تعني بالضرورة القدرة على صياغة سياسات اقتصادية، أو إدارة دولة منهارة، أو إعادة هيكلة جيش متضخم. فعندما يكون المشروع الثوري قادراً على الجسر الشامل بين الخدمات الإغاثية وحماية الأحياء، لكنه يغيب عن طاولات التفاوض على الميزانية والذهب والنفط، يصبح الطريق ممهداً أمام العسكر لإعادة فرض سيطرتهم الكاملة.

لم يكن انقلاب أكتوبر استثناءً في تاريخ السودان، بل كان تكراراً لنمط معروف: كلما انسحب المدنيون من قلب الدولة، عاد العسكر ليملأ الفراغ بقبضة حديدية، مهداً الطريق لانفجار أبريل 2023 الذي لم يأتِ من فراغ، بل من رحم فشل الانتقال نفسه.

4. الجغرافيا والمصير: العنف كامتداد للسياسة حين تُغلق الأبواب
من الخطأ – تاريخياً وواقعياً – النظر إلى حرب أبريل 2023 باعتبارها "حادثاً عارضا" أو مجرد خلاف بين جنرالين، بمعزل عن مسار الثورة. إنها النتيجة الحتمية لفشل السودان طوال عقود في الإجابة عن سؤاله المركزي: من يملك السلاح، ومن يملك القرار؟

منذ الاستقلال، وعبر حروب الجنوب، ودارفور، والنيل الأزرق، وجنوب كردفان، أدمن النظام السوداني تحويل الخلاف السياسي إلى نزاع مسلح. وعندما عجزت الأحزاب عن إحداث انفتاح ديمقراطي حقيقي، لم يبقَ أمام المعارضة سوى العودة إلى لغة السلاح، وكأنها الخيار الوحيد المتاح. وهنا حدث التبدل الأكثر إيلاماً في الوجدان السوداني: كيف تحول أولئك الذين كانوا يهتفون بالأمس بـ"حرية، سلام، عدالة"، إلى باحثين عن حماية في ظل الميليشيات والأطراف المتحاربة؟

هذه التحولات الفردية ليست، في مجملها، خيانة للثورة. ففي جحيم الحرب، وعندما يصبح الرغيف والنزوح والدمار معادلات يومية، تستهلك استراتيجيات السياسة النبيلة أمام غريزة البقاء القاسية. لكن الخطير حقاً هو محاولة "شرعنة" هذا التحول بأثر رجعي، أي أن تُعاد كتابة السيرة النضالية للأفراد أو الجماعات باعتبار أن الانحياز العسكري لأي طرف هو امتداد حقيقي لروح ديسمبر. فهذا التبرير اللاحق ليس إلا محاولة لتجميل الهزيمة، وتضليل الذاكرة الجماعية.

5. «لا للحرب» بين طوباوية الشعار وضرورة المشروع الراديكالي
وسط هذا الركام الإنساني والسياسي، برز شعار «لا للحرب» كصرخة إنسانية مدوية. لكن البديل الحقيقي لا يكمن في كونه مجرد استغاثة إنسانية عابرة، بل في قدرته على التحول إلى مشروع سياسي راديكالي لتفكيك العسكرة.

فالسلام في السودان ليس مجرد إسكات للمدافع أو توقيع اتفاق لتقاسم السلطة بين أمراء الحرب. السلام الحقيقي يتطلب تفكيك البنية الاقتصادية والعسكرية الشاملة التي جعلت السلاح هو الوسيط الأوحد للصراع. إنه يستلزم محاسبة الجناة، وتوحيد الجيوش في جيش وطني واحد خاضع للسلطة المدنية، ومعالجة جذرية لأسئلة الهامش والثروة والسلطة التي ظلت عالقة منذ الاستقلال. إذا لم يصبح شعار «لا للحرب» مدخلاً لدولة مدنية ديمقراطية، فسيظل مجرد هدنة مؤقتة تنتج حروباً جديدة بأقنعة مختلفة، وسيعود السودان إلى دورة العنف التي حاولت ثورة ديسمبر كسرها.

6. هل ماتت ديسمبر أم أنها تبحث عن ولادة أخرى؟
السؤال الحقيقي اليوم ليس: من سينتصر في هذه الحرب الضروس؟ بل سؤال وجودي أعمق: كيف نمنع السودان من أن يختفي أسيراً لدورة الدم والخراب التي لا تنتهي؟

التاريخ يعلمنا أن الثورات لا تموت حين تُهزم عسكرياً، بل حين تنسى غاياتها الإنسانية وتفقد قدرتها على تخيل البديل. ومهمة جيل ديسمبر اليوم – مهما تشظى وتغيرت مواقعه – هي إنجاز المعادلة الأصعب: إثبات أن السلطة يمكن أن تولد من رحم الإرادة المدنية، لا من فوهة البندقية.

إذا استطاع السودانيون، رغم كل هذا الدمار، بناء دولة يُدار فيها الاختلاف بالحوار لا بالرصاص، وتُحل فيها الأزمات بالمؤسسات لا بالميليشيات، فإن ديسمبر ستكون قد انتصرت ولو بعد حين. أما إذا ظل السلاح هو المشرّع الأخير للسياسة، فسنستقبل عقوداً أخرى من التمزق والانهيار.

من هنا، ومن هذا الوعي الجريح الذي تحمله لجان المقاومة وغرف الطوارئ والنازحون في العراء، يبدأ تاريخ المستقبل. فلا خلاص دون تفكيك وهم البساطة، والاعتراف بأن بناء الدولة أصعب من إسقاط الطاغية، وأن الثورة الحقيقية تبدأ حين ننتقل من هتاف الشارع إلى هندسة المؤسسات.