Post: #1
Title: من الإمامة إلى الدولة- كيف أعاد الفكر الشيعي تشكيل سؤال السلطة في الإسلام السياسي؟
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 08-22-2026, 01:08 PM
01:08 PM August, 22 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
لم يعد الفكر السياسي الشيعي المعاصر مجرد نقاش فقهي تقليدي حول موقع الإمام الغائب وحدود سلطة الفقيه في عصر الغيبة. فقد خرج هذا الفكر، خلال القرن العشرين، من فضاء الحوزات والمرجعيات إلى قلب السياسة الحديثة ليصطدم بأسئلة الدولة، والدستور، والمواطنة، والثورة، والسيادة. وفي هذه اللحظة التاريخية الفارقة، تحول السؤال الجذري من: «من يملك الحق في تفسير الدين؟» إلى: «من يملك الحق في حكم الدولة باسم الدين؟»
ومن هنا تنطلق قصة التحول الكبرى، وهي قصة لا يمكن اختزالها في صعود خطي لنظرية «ولاية الفقيه» وصولاً إلى الثورة الإيرانية، بل هي مسار مركب تتجاذبه تيارات متعددة بين الانتظار، والمرجعية الاجتماعية، والتقييد الدستوري وصولاً إلى الولاية المطلقة 1. التأسيس والتحول: من الاستبداد الدستوري إلى خلافة الإنسان النائيني والتحول الدستوري مثلت تجربة الشيخ محمد حسين النائيني في الثورة الدستورية الإيرانية (عبر كتابه تنبيه الأمة وتنزيه الملة) محطة مبكرة ومفصلية. فقد سعى النائيني إلى تأصيل فكرة الدولة الدستورية والشورى من داخل التراث الفقهي لمواجهة الاستبداد. وبهذا انتقل التركيز لأول مرة من البحث النظري عن «الحاكم الشرعي» إلى السؤال العملي: كيف نمنع الحاكم من الاستبداد؟
محمد باقر الصدر وفلسفة الاستخلاف جاء محمد باقر الصدر ليقدم مقاربة تأسيسية عميقة في مشروعه عن «خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء». لم يجعل الصدر الأمة مجرد متلقٍ سلبي، بل منحها موقعاً مركزياً في عملية الاستخلاف الاجتماعي، مع الاحتفاظ بدور التوجيه والشهادة للرسالة والدين وقد حاول الصدر تجاوز الثنائية البسيطة بين الدولة الدينية والعلمانية، مطوراً رؤية يكون فيها للدين حضور توجيهي وأخلاقي دون أن تذوب الأمة برمتها في شخص الفقيه.
2. لحظة التطبيق الكبرى: الجمهورية الإسلامية والنقد الإصلاحي الخميني: دخول الفقيه إلى هيكل الدولة جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 لتمثل الانقلاب الأكبر؛ إذ انتقلت نظرية «ولاية الفقيه» من الكتب الفقهية إلى إدارة الدولة ومؤسساتها الدستورية. وأنتج هذا النموذج هجيناً سياسياً معقداً يجمع بين الشرعية الدينية العليا (المرشد) والآليات الجمهورية المنتخبة (البرلمان والرئاسة)، مما فتح الباب أمام إشكالية كبرى حول تقاطع إرادة المؤسسات الشعبية مع تفسير السلطة الدينية منتظري: مراجعات من داخل البيت من قلب التجربة الإيرانية، جاءت مراجعات حسين علي منتظري لتشكل تساؤلاً نقدياً جريئاً من داخل الفقه نفسه حول حدود السلطة المطلقة للفقيه ومساءلة المؤسسة الدينية أمام المجتمع سروش وكديور: نقد المعرفة الدينية نقل كل من عبد الكريم سروش ومحسن كديور النقاش إلى المستوى الإبستمولوجي (المعرفي). فالتفريق الجذري بين «الدين» (الثابت والمقدس) و«المعرفة الدينية» (البشرية والقابلة للخطأ والتغير) أدى إلى نتيجة بالغة الأهمية: لا يجوز تحويل الفهم البشري للدين إلى سلطة سياسية مقدسة تلغي التعددية 3. التنوع الإقليمي: النجف، لبنان، ومحور المقاومة النجف والسيستاني: تتبنى المدرسة التقليدية في النجف نموذجاً يؤثر في المجال العام والدستوري (كما حدث في العراق بعد 2003) ويدعم الدولة المدنية القائمة على المواطنة، دون أن تحول المؤسسة الدينية نفسها إلى حكومة أو دولة لبنان وتعددية النماذج: قدم محمد مهدي شمس الدين نظرية "ولاية الأمة على نفسها"، بينما اشتغل محمد حسين فضل الله على اجتهادات فقهية مرنة تتلاءم مع الواقع اللبناني. في المقابل، قدم حزب الله نموذجاً حركياً وعسكرياً يتبنى عقائدياً ولاية الفقيه لكنه يعمل ببراغماتية داخل بنية الدولة الطائفية اللبنانية
4. التفاعل مع الإسلام السياسي السني: تقاطع النماذج والمصالح لم يعش الفكر الشيعي في عزلة عن العالم الإسلامي؛ فقد تأثر مبكراً بأفكار الحركات الإسلامية السنية (كالبنا والمودودي وقطب)، قبل أن تاتي الثورة الإيرانية لتعيد صياغة المشهد بتقديم نموذج عملي لإسقاط الأنظمة والاستيلاء على الدولة
ولم يكن هذا التأثير تصديراً للمذهب بقدر ما كان تصديراً للنموذج السياسي (الثورة، التعبئة، التنظيم، والمقاومة). وتظهر جلياً في الحالة الفلسطينية (حماس والجهاد الإسلامي) كيف يمكن للتحالف الاستراتيجي والميداني أن يتجاوز الفوارق المذهبية دون أن يذوب أحد الطرفين في الآخر، لتصبح المقاومة مساحة التقاء كبرى
من الإمامة إلى سؤال الإنسان والمواطنة لقد قطع الفكر السياسي الشيعي المعاصر رحلة شاقة وطويلة - بدأ بـ الإمام المعصوم. مر بـ الفقيه , ثم الأمة , ثم الدولة , ليصل اليوم إلى السؤال الأشد تعقيداً: أين يقف الإنسان والمواطن؟ إن القيمة الكبرى لهذا المسار التاريخي تكمن في أنه لم يقدم إجابة نمطية واحدة، بل تحول إلى مختبر فكري واسع تتصارع فيه شرعيات النص، والفقيه، والأمة، والمؤسسات، والإنسان. وبذلك، لم يعد السؤال الحقيقي مقتصراً على "من يحكم؟" بل صار: كيف يمكن بناء دولة لا يتحول فيها اختلاف الناس في تفسير الحقيقة إلى احتكار للسلطة، وكيف يعيش المختلفون معاً في فضاء وطني واحد؟
|
|