Post: #1
Title: قصة قصيرة# صمت البيت الكبير
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 08-22-2026, 12:30 PM
12:30 PM August, 22 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
صمت البيت الكبير كنتُ أردد لنفسي طوال سنوات الزواج السبع الأولى تلك المقولة الشهيرة: «الححب الحقيقي أفعال لا أقوال». كنتُ أؤكد لنفسي أن طيبة قلبه وكرمه وتهذيبه تعوض ذلك الجفاف اللفظي الذي يعيش فيه. آمنتُ بأن العشرة والمداومة كفيلتان بأن "تُبهتا" عليه قليلاً، ليخرج من عزلته الكلامية ويشاركني فضفضة اليوم. لكني كنتُ خاطئة؛ فلم يتغير شيء، بل تحول الصمت إلى سلاح أشد قسوة في بيتنا الصغير، حيث يتشارك طفلانا الضحكات واللعب، تعصف بنا الخلافات كأي زوجين. لكن طريقتنا في مواجهتها كانت هي المأساة. فور وقوع أي خلاف – مهما صغر – يُلقي بي بالخطأ كاملاً، ثم يغرق في صمت مطبق. يخاصمني لأيام طوال يتجاهلني تماماً، ويمشي أمامي وكأنني قطعة زجاج شفافة لا وجود لها كان هذا التجاهل يصيبني بتوتر خانق، يمزقني بين غضب عارم وجلد ذات لا يرحم. وكي أنجو من هذا العذاب وأعيد السلام إلى جدران البيت لأجل الطفلين، كنتُ أتنازل وأبادر بالاعتذار والمحايلة، رغم أنني لم أعتد يوماً هذا الأسلوب؛ فوالداي رغم اختلافهما أحياناً، لم أعرف الخصام بينهما قط وفي أوقات الصفاء القليلة، حين كنتُ أستميله برفق لأشرح له كم يحزنني هذا الصمت ويقتل روحي، كان يرد عليَّ ببرود حاسم: «هذا طبعي، أحتاج لمساحة ووقت لأهدأ، ولا أستطيع أن أعدك بتغييره» وحين اقترحتُ عليه يوماً بحذر شديد أن نلجأ لمستشار أسري يعيننا على التواصل، جاء رده كالصاعقة: «أنتِ وحدك من يعاني المشكلة، لستُ مضطراً للمشاركة» اليوم، وأنا في السابعة والثلاثين من عمري، أشعر أنني عالقة في منتصف نفق مظلم. أحبه، وأعرف أنه ليس سيئاً، لكن الوحدة تنهش روحي ببطء. أخشى أكثر ما أخشى أن يتشرب طفلاي ثقافة الخصام والصمت وكلما نظرتُ إلى الأمام، تساءلتُ بذعر: إذا كان هذا حالنا ونحن في البدايات، فماذا سيفعل بنا الزمن حين يكبر الصغيران ويلتهيان بحياتهما، وتبقيان وحدي في هذا البيت الصامت الموحش؟
|
|