Post: #1
Title: وداع في "فيصل".. حين تبكي الفيزياء على أقدام الحرب
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 08-19-2026, 10:21 PM
10:21 PM August, 19 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
لم يكن المودعون على باب مسجد حي الفيصل بالقاهرة يعلمون أنهم يودعون رجلاً كان يوماً يلقي محاضراته على جنبات قاعات درس العريقة بجامعة الخرطوم، أو أن الأكف التي تتصافح بحرارة لآخر مرة تودع عقلًا فيزيائياً فذاً، قضى عمره يفكك معادلات الكون المعقدة. بالنسبة لهم، كان "العم حسن" هو ذلك البائع البسيط ذو الوجه الوقور والابتسامة الهادئة، الذي فرّ من جحيم الحرب في الخرطوم ليقف طوال النهار تحت شمس القاهرة الحارقة يبيع الخضار، عله يكسب قوت يومه بكرامة وعرق جبين لا يلين.
قبل أيام معدودة، جاءت البصيص من حيث لم يحتسب. تناهى إلى مسامعه إعلان عن وظيفة أستاذ كيمياء في إحدى الجامعات الألمانية الشهيرة. لم يتردد، أرسل سيرته الذاتية الحافلة بعقود من البحث والعلم، متخففاً من أي كبرياء زائف فرضه عليه واقع النزوح. كان يدرك أن شهاداته التي طالما زيّنت منصات التتويج الأكاديمي أصبحت مجرد أوراق غبارها يحكي قصة وطن جريح. ولم تمضِ سوى أيام معدودات حتى جاء الاتصال الذي كاد يوقفه عن التنفس؛ الملحقية الثقافية بالسفارة الألمانية بالقاهرة تطلب حضوره فوراً ومعها جواز سفره. هناك، وابل من الاحترام والتقدير الحقيقي لموهبته، استقبل وابل الترحاب، وسُلّمت له تذاكر الرحلة إلى ألمانيا، ليطير إلى حيث تُحترم العقول، بعيداً عن وطنٍ صار يلفظ أبناءه البررة.
لكن دموع الوداع على أعتاب مسجد الفيصل لم تكن طرباً بالنجاة بقدر ما كانت مرثيةً لجرحٍ أعمق.
آهٍ.. كم في شوارع اللجوء من أمثال العم حسن! كم من أستاذ جامعي، وطبيب جراح، وفنان، ومهندس، وكاتب، تقطعت بهم السبل بين عواصم الشتات. هناك من أكل القهر قلبه بصمت حتى توقف عن النبض، ومن ألزمته صدمة النزوح فراش المرض مقعداً، ومن ضاقت به السبل فضاعت مداركه العقلية والنفسية في شوارع الغربة الموحشة، يبحثون عن أطياف بيوتهم المحروقة في زحام المدن الغريبة.
تباً لهذه الحرب العبثية اللعينة.. اللعنة على كل بندقية أشعلت نيران الحقد ودمرت بلادنا، اللعنة على من هجّر العقول، وأهان الكفاءات، وحوّل أساتذة الجامعات والعلماء إلى باعة خضار ولاجئين يبحثون عن فتات الأمان في أصقاع الأرض. حرب لعينـة سلب منا البيوت، والأحلام، وجعلت من أبسط حقوق الإنسان وهو العيش بكرامة في وطنه، حلمًا مستحيلاً يتطلب تأشيرة ومقعد طائرة نحو المجهول.
يغادر العم حسن إلى ألمانيا، حاملاً في جعبته ذكريات حطام الوطن وغصة وداع الأحبة في الفيصل. يرحل الجسد ليلحق بالعلم، ويبقى القلب معلقاً على ضفاف نيلٍ أدمته رصاصات الفتنة.
والحمد لله على ما أراد.
|
|