مانيفستو لسودان المستقبل!

مانيفستو لسودان المستقبل!


08-19-2026, 03:19 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1787105971&rn=0


Post: #1
Title: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:19 AM

03:19 AM August, 18 2026

سودانيز اون لاين
محمد جمال الدين-The Netherlands
مكتبتى
رابط مختصر



في سبيل: مانيفستو لسودان المستقبل تحت عنوان: نقول ولا نقول — مخيال وثقافة دولة المواطنة

ملف مرفق ك PDF

الهوية للمجتمع، والمواطنة للدولة - الاصطحاب لا النفي

مدخل من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال «كيف نعيش معاً؟»

هذا المقال ليس محاولة أخرى لاختيار اسم للدولة السودانية، ولا دعوة إلىاستبدال هوية بأخرى أو رواية برواية، أو تاريخ بتاريخ.

ما أحاول فعله هنا أبسط من ذلك، وأصعب في الوقت نفسه: أن نعيد التفكير في السؤال الذي ظل يطاردنا طويلاً. ليس فقط: من نحن؟ وإنما: أي دولة نريد أن نبني، وكيف نريد أن نعيش فيها معاً؟

ملاحظة استباقية

هذه الأفكار ليست وليدة اللحظة، ولا هي استجابة عابرة للحرب الحالية. لقد ظلت تتطور عبر ما يقارب ثلاثة عقود، وجرى نقاشها في عديد من المنابر والمناسبات، منذ أن كان كاتبها طالباً بجامعة الخرطوم في تسعينيات القرن الماضي.

بدأت الفكرة، في صورتها الأولى، من التفكير في تيمة «التسامح السوداني الحضاري». ثم أخذت تتغير شيئاً فشيئاً، عبر سنوات طويلة من القراءة والنقاش والمراجعة.

ونُشرت خلاصات منها في عامي 2010 و2015، ثم جاءت ورقة «دولة المواطنة» في عام 2025 لتدفع الفكرة إلى صياغة أكثر وضوحاً وترابطاً.

ولا أذكر هذا التسلسل باعتباره شهادة أسبقية، ولا لكي تُعامل هذه الأفكار وكأنها وصلت إلى صورتها النهائية أو اكتملت.

أذكره لسبب آخر تماماً: لأن هذه الأفكار ما زالت مفتوحة للنقاش.

فالظروف تغيرت، والأسئلة تغيرت، والسودان نفسه تغير. ومن الطبيعي، بل من الضروري، أن تتغير الفكرة معه؛ أن تُراجع، وأن تُنتقد، وأن تُضاف إليها أفكار جديدة، وربما أن يُتخلى عن بعض ما لم يعد صالحاً.

والمقصود من طرحها الآن أن تساهم، إن وجد فيها الآخرون ما يستحق الأخذ به، في البحث عن رؤية مشتركة للعيش السلمي المشترك لشعوب السودان؛ رؤية يمكن أن تظل صالحة في حالة استمرار السودان موحداً، وفي حالة أصبح الانقسام أمراً واقعاً أو خياراً سياسياً، وكذلك في حالة توافرت شروط الاندماج وإرادته الحرة.

ما أبحث عنه، إذن، ليس وصفة سياسية مرتبطة بشكل جغرافي واحد للدولة، وإنما مبدأ للعيش المشترك يمكن أن يظل صالحاً حتى لو تغير شكل الدولة.

لقد ظل جانب كبير من الصراع السوداني يدور حول أسئلة من نوع: من نحن؟ من كان هنا أولاً؟ من يملك التاريخ؟ من يملك الأرض؟ من هو السوداني الحقيقي؟ هل الدولة عربية أم أفريقية؟ إسلامية أم علمانية؟ كوشية أم سنارية؟ قديمة أم جديدة؟ دولة 56 أم دولة ضد 56؟ دولة مركز أم دولة هامش؟

لكنني أعتقد أن السودان يحتاج، في مرحلة ما، إلى أن يخرج من هذه الدائرة إلى سؤال آخر أكثر أهمية:

كيف نعيش معاً؟

وهنا تكمن الفكرة المركزية لهذا المقال/المنافيستو المأمول: لا نريد أن نستبدل دولة هوية بدولة هوية أخرى. نريد أن ننتقل من دولة الهوية إلى دولة المواطنة.. أرجو أن يجد البعض منكم الوقت المناسب لتبادل الفكرة ما أمكن✌️🌹

الملف مرفق ك PDF.. النسخة الكاملة المحررة ستصدر قريبا في كتاب كما هو مخطط له.. هذه النسخة مخصصة للاصدقاء المرسل اليهم وصحاب منبر سودانيزأونلاين حصرياً، لاجل النقاش الأولي والارشاد.. ما أمكن✌️🌹✨


---
هنا في منبر سودانيزأونلاين المحبب، مرفق المينافستو المزعوم في شكل مقتطفات.. تأتي تباعاً.. وأظنها تحتاج صبر أيوب!

Post: #2
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:20 AM
Parent: #1

مانيفستو سودان المستقبل تحت عنوان: نقول ولا نقول — مخيال وثقافة دولة المواطنة

الهوية للمجتمع، والمواطنة للدولة - الاصطحاب لا النفي

مدخل من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال «كيف نعيش معاً؟»

هذا المقال ليس محاولة أخرى لاختيار اسم للدولة السودانية، ولا دعوة إلىاستبدال هوية بأخرى أو رواية برواية، أو تاريخ بتاريخ.

ما أحاول فعله هنا أبسط من ذلك، وأصعب في الوقت نفسه: أن نعيد التفكير في السؤال الذي ظل يطاردنا طويلاً. ليس فقط: من نحن؟ وإنما: أي دولة نريد أن نبني، وكيف نريد أن نعيش فيها معاً؟

ملاحظة استباقية

هذه الأفكار ليست وليدة اللحظة، ولا هي استجابة عابرة للحرب الحالية. لقد ظلت تتطور عبر ما يقارب ثلاثة عقود، وجرى نقاشها في عديد من المنابر والمناسبات، منذ أن كان كاتبها طالباً بجامعة الخرطوم في تسعينيات القرن الماضي.

بدأت الفكرة، في صورتها الأولى، من التفكير في تيمة «التسامح السوداني الحضاري». ثم أخذت تتغير شيئاً فشيئاً، عبر سنوات طويلة من القراءة والنقاش والمراجعة.

ونُشرت خلاصات منها في عامي 2010 و2015، ثم جاءت ورقة «دولة المواطنة» في عام 2025 لتدفع الفكرة إلى صياغة أكثر وضوحاً وترابطاً.

ولا أذكر هذا التسلسل باعتباره شهادة أسبقية، ولا لكي تُعامل هذه الأفكار وكأنها وصلت إلى صورتها النهائية أو اكتملت.

أذكره لسبب آخر تماماً: لأن هذه الأفكار ما زالت مفتوحة للنقاش.

فالظروف تغيرت، والأسئلة تغيرت، والسودان نفسه تغير. ومن الطبيعي، بل من الضروري، أن تتغير الفكرة معه؛ أن تُراجع، وأن تُنتقد، وأن تُضاف إليها أفكار جديدة، وربما أن يُتخلى عن بعض ما لم يعد صالحاً.

والمقصود من طرحها الآن أن تساهم، إن وجد فيها الآخرون ما يستحق الأخذ به، في البحث عن رؤية مشتركة للعيش السلمي المشترك لشعوب السودان؛ رؤية يمكن أن تظل صالحة في حالة استمرار السودان موحداً، وفي حالة أصبح الانقسام أمراً واقعاً أو خياراً سياسياً، وكذلك في حالة توافرت شروط الاندماج وإرادته الحرة.

ما أبحث عنه، إذن، ليس وصفة سياسية مرتبطة بشكل جغرافي واحد للدولة، وإنما مبدأ للعيش المشترك يمكن أن يظل صالحاً حتى لو تغير شكل الدولة.

لقد ظل جانب كبير من الصراع السوداني يدور حول أسئلة من نوع: من نحن؟ من كان هنا أولاً؟ من يملك التاريخ؟ من يملك الأرض؟ من هو السوداني الحقيقي؟ هل الدولة عربية أم أفريقية؟ إسلامية أم علمانية؟ كوشية أم سنارية؟ قديمة أم جديدة؟ دولة 56 أم دولة ضد 56؟ دولة مركز أم دولة هامش؟

لكنني أعتقد أن السودان يحتاج، في مرحلة ما، إلى أن يخرج من هذه الدائرة إلى سؤال آخر أكثر أهمية:

كيف نعيش معاً؟

وهنا تكمن الفكرة المركزية لهذا المقال/المنافيستو المأمول: لا نريد أن نستبدل دولة هوية بدولة هوية أخرى. نريد أن ننتقل من دولة الهوية إلى دولة المواطنة.

فالهوية ليست عدواً ينبغي محوه كما الدين والقبيلة واللغة. والثقافة ليست عدواً كما التاريخ والذاكرة الحضارية.

وكوش وكرمة ونبتة ومروي .. وعلوة والمقرة والأبواب وسنار والمسبعات وتقلي والمهدية ومراحل الحكم الأجنبي ودولة الاستقلال إلخ، وكل ما مر بالسودان من مراحل وتجارب، ليست أشياء ينبغي أن نتخلص منها حتى نستطيع أن نبني المستقبل.

المشكلة تبدأ في اللحظة التي تتحول فيها أي واحدة من تلك المخيالات أو الكيانات أو المراحل إلى مصدر لامتياز سياسي داخل الدولة.

ولهذا فإن المشروع الذي أقترحه هنا ليس مشروع نفي، وإنما مشروع اصطحاب.

نصطحب تاريخ السودان كله، لا تاريخاً واحداً. ونصطحب ثقافاته كلها، لا ثقافة واحدة، ولغاته كلها، وأديانه ومعتقداته، وذاكراته التاريخية المنوعة والمختلفة.

ونصطحب ضحاياه ومظالمه إلى الحقيقة والعدالة، لا إلى الثأر.

ونصطحب كل السودانيين إلى الدولة، ولكن من الباب نفسه: باب المواطنة.

والاصطحاب لا يعني، بطبيعة الحال، المساواة بين الحق والباطل، ولا بين الضحية والجلاد. ولا يعني نسيان الجرائم أو دفن الذاكرة.

يعني أن نعترف بكل ما صنع السودان، وأن نضع كل ذلك داخل دولة لا تمنح أحداً حقاً سياسياً أصلياً دون غيره بسبب عرقه أو دينه أو قبيلته أو تاريخه أو جهته.

الهوية للمجتمع، والمواطنة للدولة.

هذه، في رأيي، ليست مجرد عبارة جميلة. يمكن أن تكون واحدة من أهم قواعد التفكير في سودان المستقبل.

أولاً: ما الفرق بين دولة الهوية ودولة المواطنة؟

دولة الهوية، في أبسط تعريف لها، هي الدولة التي تجعل انتماءً معيناً أساساً من أسس شرعيتها السياسية.

قد يكون هذا الانتماء ديناً، أو عرقاً، أو قبيلة، أو سلالة، أو لغة، أو تاريخاً، أو أيديولوجيا، أو جهة جغرافية، أو مجموعة من هذه الأشياء مجتمعة.

لكن المشكلة لا تبدأ من وجود الهوية. الناس لهم هويات، وهذا طبيعي، بل ربما لا يستطيع الإنسان أن يعيش من دونها.

المشكلة تبدأ عندما تنتقل الهوية من المجتمع إلى الدولة، وعندما تتحول من انتماء ثقافي أو اجتماعي إلى مصدر للحقوق والامتيازات السياسية.

عندها تبدأ الأسئلة التي عرفناها جيداً: من هو الأصيل؟ من هو الأقدم؟ من هو الأكثر سودانية؟ من هو العربي الحقيقي؟ من هو الأفريقي الحقيقي؟ من يملك تفسير التاريخ؟ من جاء الأرض أولا؟ من يحق له أن يحكم أكثر من غيره؟ ومن عليه أن يثبت أولاً أنه ينتمي إلى الأرض؟

وهكذا تصبح الدولة نفسها ساحة لصراع الهويات.

أما دولة المواطنة فتأخذنا إلى سؤال مختلف:

كيف نعيش معاً كمواطنين!.

وهذا ليس سؤالاً صغيراً، كما قد يبدو لأول وهلة.

إنه يعني أن الدولة لا تحتاج إلى أن تحسم، لصالح جماعة واحدة، سؤال الأصل أو اللون أو الدين أو القبيلة أو التاريخ، لكي تمنح الناس حقوقهم.

المواطن مواطن لأنه مواطن.

ليس لأنه عربي، ولا لأنه أفريقي، ولا لأنه نوبي، ولا لأنه بجاوي، ولا لأنه من قبيلة معينة، ولا لأنه مسلم أو مسيحي أو غير متدين، ولا لأنه ينحدر من مكان بعينه، ولا لأنه ينتمي إلى رواية تاريخية محددة.

دولة المواطنة لا تقول للناس: تخلوا عن هوياتكم. طبعاً من المفترض لا.

تقول لهم شيئاً آخر مختلف: احتفظوا بهوياتكم، ولكن لا تجعلوها للمعارك السياسية داخل الدولة. الهوية مخيال المجتمع والدولة مخيالها العقد الإجتماعي.

وهنا أيضاً يجب أن نتوقف قليلاً عند معنى «المخيال».

المخيال ليس فكرة معلقة في الهواء. إنه الطريقة التي نتخيل بها أنفسنا، ونتخيل بها الدولة، ونتخيل بها الآخر.

قد نكتب دستوراً ممتازاً، وننشئ مؤسسات حديثة، ونضع نصوصاً جميلة، لكننا نستمر في داخلنا في الاعتقاد بأن جماعة ما هي «أصل البلاد»، وأن جماعة أخرى ضيفة، وأن جهة ما هي المركز الطبيعي، وأن تاريخاً بعينه هو التاريخ الحقيقي، وأن بقية التواريخ مجرد هوامش.

عندها ستعيد المؤسسات إنتاج المشكلة القديمة، حتى لو كانت النصوص في غاية الجمال.

لذلك فدولة المواطنة ليست مجرد نظام قانوني.

إنها أيضاً مخيال جديد: مخيال يرى أن السودان ليس ملكاً لرواية واحدة. وأن الدولة ليست ملكاً لهوية واحدة. وأن التاريخ ليس سند ملكية. وأن التنوع ليس مشكلة ينبغي التخلص منها.

ثانياً: لا نقول الدولة الوطنية، بل دولة المواطنة

أنا لا أقصد هنا إلغاء كلمة «الوطنية» من القاموس، ولا رفض حب الوطن. والوطنية، بمعنى الانتماء إلى الوطن والشعور بالمسؤولية تجاهه، شيء مختلف تماماً.

المشكلة تظهر عندما تتحول «الدولة الوطنية» إلى رواية هوياتية مغلقة: أمة متخيلة لها أصل محدد، وتاريخ محدد، وثقافة محددة، ثم تصبح الدولة ممثلة لهذه الجماعة قبل أن تكون ممثلة لكل المواطنين.

عندها يظهر السؤال الخطير: من هو الوطني الحقيقي؟

وهذه بداية يصعب أن نعرف إلى أين يمكن أن تقود.

أما دولة المواطنة فلا تحتاج إلى شعب متجانس حتى تقوم. ولا تحتاج إلى أن يكون الناس نسخة من بعضهم بعضاً.

الذي يجمعهم هو العقد الإجتماعي والقانون.

الدولة هنا ليست دولة جماعة تقول: «نحن أصحاب الوطن وأنتم شركاء فيه».

بل دولة تقول: «الوطن لنا جميعاً، لأننا مواطنون متساوون».

وهذا ربما يعضدد الوطنية، لأنه يحررها من الاحتكار ويجعلها أوسع من الهويات الضيقة، بحيث يكون الدستور هو الهوية العليا.

Post: #3
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:21 AM
Parent: #1

ثالثاً: لا نقول الدولة العلمانية، بل دولة المواطنة

هنا أيضاً أريد أن أكون واضحاً.

العلمانية ليست شيئاً واحداً، وتجاربها الأوروبية نفسها ليست واحدة. وقد ظهرت وتطورت في سياقات تاريخية معينة، ارتبطت بصورة خاصة بصراعات أوروبا الدينية والسياسية وبالحروب الدينية، ومن بينها حرب الثلاثين عاماً بين 1618 و1648، ثم تطورت صيغ مختلفة منها في أوروبا، وتوطدت بعض أشكالها مع الثورة الفرنسية والتحولات التي جاءت بعدها.

لكن السودان ليس أوروبا في القرن السابع عشر أو الثامن عشر. السياق مختلف، والتاريخ مختلف، ولحظة التطور مختلفة.

لذلك لا أرى أن كلمة «العلمانية» وحدها كافية لتعريف الدولة التي نريدها.

لدينا مشكلة أوسع من مجرد فصل الدين عن الدولة:

نحتاج إلى أن نفصل العرق عن الدولة.

ونحتاج إلى أن نفصل القبيلة والعشيرة عن الدولة.

ونحتاج إلى أن نفصل السلالة عن الدولة.

ونحتاج إلى أن نفصل التاريخ عن الدولة عندما يتحول التاريخ إلى مصدر امتياز.

ونحتاج إلى أن نفصل الجهة الجغرافية عن الدولة.

ونحتاج إلى أن نفصل اللون والثقافة واللغة عن حق امتلاك الدولة.

يمكن لدولة أن تكون علمانية، ومع ذلك تكون شمولية أو ديكتاتورية أو عنصرية.

وهذا ليس افتراضاً نظرياً فقط.

فليبيا في عهد معمر القذافي كانت علمانية على الأقل لم تكن دولة دينية بالمعنى التقليدي، ومع ذلك كانت دولة سلطوية شمولية تركزت فيها السلطة السياسية حول نظام استبدادي وشخص واحد.

وكوريا الشمالية مثال أوضح على أن غياب الدولة الدينية لا يعني بالضرورة وجود دولة مواطنة؛ فالنظام الشمولي هناك لا يجعل الحقوق السياسية والإنسانية نابعة ببساطة من كون الإنسان مواطناً.

وفي الكاميرون يمكن أن نرى أيضاً أن كون الدولة جمهورية ومدنية وغير قائمة على دولة دينية لا يحسم وحده أسئلة المساواة والتمثيل والتداول السياسي وطبيعة ممارسة السلطة.

إذن، العلمانية وحدها لا تصنع دولة مواطنة. وكذلك المدنية وحدها لا تصنعها.

وحتى الديمقراطية الانتخابية وحدها لا تكفي، إذا لم تكن محكومة بحقوق أساسية وسيادة قانون ومؤسسات مستقلة.

المبدأ الذي نحتاج إليه أوسع: حياد الدولة تجاه الدين، وحيادها تجاه العرق والقبيلة والتاريخ والثقافة والجهة.

وهذا لا يعني أن الدولة تعادي الدين، ولا يعني أن المواطن عليه أن يتخلى عن دينه، ولا يعني أن الدين يجب أن يخرج من المجتمع أو من المجال العام.

المعنى أبسط من ذلك: أن الدولة لا تمنح مواطناً حقاً سياسياً أعلى لأنه يدين بدين معين، ولا تنتقص من حق مواطن لأنه يدين بدين آخر أو لأنه لا يدين.

العلمانية، بهذا المعنى، يمكن أن تكون أداة دستورية داخل دولة المواطنة، لكنها ليست اسم الدولة كلها، ولا تكفي وحدها لبناء الدولة التي نريد.

لذلك نقول: دولة المواطنة فحسب.

رابعاً: لا نقول الدولة المدنية إلا مجازاً

كثيراً ما نقول «الدولة المدنية»، ونفهم منها عادة الدولة التي لا يحكمها العسكر.

إذا كان هذا هو المقصود، فالأدق أن نقول: حكومة مدنية أو سلطة مدنية.

الدولة لا تستطيع أن تكون «مدنية» بالمعنى الحرفي.

فالجيش والشرطة وأجهزة الدفاع والأمن مؤسسات موجودة في الدولة الحديثة، وهي جزء من بنية الدولة.

المشكلة ليست في وجود الجيش، بل في أن يصبح الجيش حاكماً.

المطلوب مؤسسة عسكرية مهنية وطنية، تخضع للدستور والسلطة المدنية، ولا تتحول إلى حزب سياسي، ولا تكون لها مصالح اقتصادية مستقلة عن الدولة، ولا تصبح دولة داخل الدولة.

لكن حتى الحكومة التي لا يحكمها عسكريون لا تصبح تلقائياً دولة مواطنة.

يمكن أن تكون الحكومة مدنية، والدولة دينية أو شمولية أو قائمة على امتياز جماعة معينة.

ويمكن أن تكون حكومة منتخبة، لكنها تمارس التمييز ضد أقلية.

ويمكن أن تكون دولة علمانية، لكنها ديكتاتورية.

ويمكن أن تكون ملكية دستورية، لكنها لا تزال تحمل بعض آثار الامتياز التاريخي.

إذن القضية أوسع من عسكري ومدني.

القضية في جوهرها هي:

من يملك الدولة؟

الجيش أم الحزب المحدد المسيطر؟ الدين؟ القبيلة؟ هل يملكها العرق؟ الجهة، مركز متحكم أم هامش صاعد؟ أم أن الدولة ملك لجميع مواطنيها؟

إذا كانت الإجابة الأخيرة هي ما نريده، فنحن نتحدث عن دولة المواطنة.

Post: #4
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:22 AM
Parent: #1

خامساً: لا نقول دولة كوشية ولا مروية ولا علوية ولا سنارية "مثلاً"

لسنا هنا طبعاً ضد كوش أو
مروي أو علوة أو سنار. بالعكس، هذه كلها أجزاء مهمة من تاريخ السودان وذاكرته الحضارية، ومن حق السودانيين أن يعرفوها ويدرسوها

ويفخروا بها، وأن ينظروا إليها أيضاً بعين النقد والتأمل.

لكننا لا نريد أن نحولها إلى دول سياسية حاضرة.

كوش ومروي وعلوة وسنار تاريخ. والمهدية ايضاً تاريخ. وغيرها من المراحل والتجارب تاريخ.

لا يمكن أن نعيد دولة تاريخية إلى الحياة السياسية المعاصرة، ثم نقول إن هذه هي الدولة الحقيقية، أو إن جماعة اليوم هي صاحبة الحق لأنها تمثل امتداداً لتلك الدولة.

هنا يتحول التاريخ إلى أسطورة سياسية.

ولا أقصد بالأسطورة هنا إهانة التاريخ أو التقليل من شأنه، وإنما أقصد الرواية التي تنتقل من كونها ذاكرة أو رمزاً ثقافياً إلى أن تصبح مصدراً للشرعية السياسية والامتياز.

المشكلة ليست أن نحب كوش. المشكلة تبدأ عندما نقول: لأن كوش كانت هنا، إذن جماعة اليوم تملك الدولة أكثر من غيرها.

وهذا هو المنطق الذي يجب أن نخرج منه.. وفق هذا التصور.

دولة المواطنة لا تسأل: «من كان هنا أولاً؟» بل تسأل:

من يعيش هنا اليوم، وما حقوقه وواجباته؟

التاريخ كله لنا، لكن الدولة ليست ملك التاريخ.

سادساً: لا نقول الدولة الليبرالية ولا الاشتراكية ولا الإسلامية ولا الدينية

هذه، في الأصل، أفكار واتجاهات وأيديولوجيات وبرامج للحكم. قد يؤمن بها بعض المواطنين، وقد لا يؤمن بها آخرون.

لذلك لا ينبغي أن تصبح الدولة نفسها ليبرالية أو اشتراكية أو إسلامية أو دينية، إذا كان معنى ذلك أن الدولة تتبنى تصوراً أيديولوجياً واحداً وتجعل المواطنين جميعاً تابعين له.

يمكن لحزب ليبرالي أن يحكم، ويمكن لحزب اشتراكي أن يحكم، ويمكن لحزب ذي مرجعية دينية أن يحكم.

لكنهم جميعاً يحكمون دولة المواطنة، ويخضعون لدستورها، ويتنافسون داخلها، ويتركون السلطة إذا خسروا الانتخابات.

الدولة أوسع من الحزب، وأوسع من الأيديولوجيا، وأوسع من المذهب.

وإلا تحولت الدولة إلى ملكية فكرة واحدة.

وهذا هو جوهر المشكلة في دولة الهوية: أن الدولة تصبح شيئاً يجب أن يتطابق المواطن معه، بدلاً من أن تكون الدولة شيئاً يخدم المواطن ويحمي حقوقه.

سابعاً: لا نقول الدولة الطبقية

هذا لا يعني أن السودان لا توجد فيه طبقات أو تفاوتات طبقية.

التفاوت موجود، والفقر موجود، والثراء غير المتوازن موجود، واحتكار الموارد موجود، كما تتقاطع الطبقة مع الجهة والعرق والقبيلة والتعليم والنوع الاجتماعي وغير ذلك.

لكنني لا أريد أن أستبدل دولة هوية بدولة طبقة.

دولة المواطنة لا تنكر الصراع على الموارد ولا تفاوت المصالح، لكنها تعالج التفاوت من خلال العدالة الاجتماعية، لا من خلال تحويل الصراع الطبقي نفسه إلى هوية الدولة.

كيف؟

بضرائب عادلة وتصاعدية.

وبتعليم جيد متاح للجميع.

وبخدمات صحية حقيقية.

وبتنمية متوازنة بين الأقاليم.

وبحماية العمل وحقوق العاملين.

وبمكافحة الاحتكار والفساد والمحسوبية.

وبفتح فرص الاستثمار أمام الناس.

وبمعالجة قضية الأرض والموارد.

وبتمكين المناطق والفئات التي عانت تاريخياً من الحرمان.

وقد نحتاج إلى تمييز إيجابي مؤقت لصالح فئات أو مناطق عانت من الإقصاء، لكن هذا التمييز يجب أن يكون واضحاً ومعلناً ومحدوداً بهدف إزالة التفاوت، لا صناعة امتياز جديد دائم.

دولة المواطنة لا تعني أن الناس سيملكون الأشياء نفسها.

هذا غير ممكن، وربما ليس مطلوباً.

لكنها تعني أن الفقر لا يحول الإنسان إلى مواطن من الدرجة الثانية، وأن الغنى لا يحوله إلى مواطن فوق القانون.

المواطنة تعني مساواة الحقوق والفرص والكرامة أمام القانون.

ثامناً: لا نقول المركز والهامش

«المركز والهامش» مفهوم مهم في تحليل تاريخ السودان واختلال توزيع السلطة والثروة، ولا أريد أن أستخدم رفض المصطلح لإنكار ما يشير إليه من مظالم حقيقية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التحليل إلى هوية نهائية للدولة.

فكل مركز يمكن أن يكون له هامش داخله، وكل هامش يمكن أن ينتج مركزاً جديداً، ويمكن لجماعة أن تكون مهمشة في مكان ومهيمنة في مكان آخر.

لذلك علينا أن نذهب إلى ما وراء الثنائية نفسها، إلى أصل المشكلة:

اختلال السلطة.

اختلال الثروة.

ضعف التمثيل.

التمييز المؤسسي.

احتكار الموارد.

التفاوت التنموي.

الإقصاء الثقافي واللغوي.

وعندها يكون العلاج دولة مواطنة تقوم على اللامركزية العادلة، والحكم المحلي والإقليمي، والتمثيل المتوازن، والتنمية، والعدالة الانتقالية.

ليس المطلوب أن ننكر الهامش، بل أن نلغي إنتاج الهامش نفسه.

تاسعاً: لا نقول دولة 56 ولا ضد 56

لا أريد أن تصبح الدولة «دولة 56»، ولا دولة ضد 56.

ولا أريدها دولة 1821، ولا الدولة التركية، ولا الدولة المهدية، ولا دولة البحر، ولا دولة النهر، ولا الأبيض ولا الأزرق، ولا دولة أي جهة أخرى.

هذه كلها يمكن أن تكون موضوعات للتاريخ والتحليل والنقد.

1956 تاريخ. 1821 تاريخ. الحكم التركي المصري تاريخ. المهدية تاريخ. الاستعمار تاريخ. الاستقلال تاريخ. وما بعد الاستقلال تاريخ.. الحاضر تاريخ نعيشه والمستقبل تاريخ قادم إلينا.

لكن لا ينبغي أن تتحول أي مرحلة من هذه المراحل إلى اسم الدولة المعاصرة؛ لأننا إذا فعلنا ذلك سنظل نعيش في الماضي، وكل جماعة ستبحث عن لحظة تاريخية تقول إنها لحظة التأسيس الحقيقي، ثم تبحث جماعة أخرى عن لحظة مضادة.

وهكذا نعيد إنتاج الصراع نفسه.

لا أريد دولة تقول: «أنا دولة 56».

ولا أريد دولة تقول: «أنا دولة ضد 56».

أريد دولة تقول:

أنا دولة مواطنيها.

Post: #5
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:23 AM
Parent: #1

عاشراً: لا نقول دولة سودانوية ولا السودان الجديد ولا السودان القديم

السودانوية يمكن أن تكون فكرة ثقافية أو محاولة لتعريف المشترك السوداني.

والسودان الجديد يمكن أن يكون مشروعاً سياسياً مهماً في سياقه.

والسودان القديم يمكن أن يكون وصفاً نقدياً لنظام أو مرحلة.

لكنني لا أريد أن يصبح أي من هذه الأوصاف هوية الدولة النهائية.

فإذا أخذنا «السودان الجديد» وحولناه إلى هوية سياسية مغلقة، فقد نصنع سوداناً جديداً يعيد إنتاج مشكلة السودان القديم.

وإذا جعلنا السودانوية تعريفاً ثقافياً واحداً، فقد نجد سودانيين لا يرون أنفسهم فيها.

وهنا نعود مرة أخرى إلى المشكلة نفسها.

نحن لا نحتاج إلى هوية جديدة للدولة، بل نحتاج إلى دولة جديدة في علاقتها بالمواطن.

وهذا فرق جوهري.


الحادي عشر: دولة الهوية ليست بديلاً نريد أن نستبدله بهوية أخرى

هذه، ربما، هي الفكرة الأهم في المقال كله.

إذا كانت الدولة السودانية، في تاريخها الحديث، قد حملت أحياناً هوية دينية أو عرقية أو ثقافية أو مركزية أو تاريخية، وإذا كانت هذه الهوية قد أنتجت الإقصاء والتفاوت والصراع، فليس الحل أن نأتي بهوية أخرى ونقول: «هذه هي الهوية الصحيحة».

لا.

إذا فعلنا ذلك فنحن لم نخرج من دولة الهوية، بل غيرنا صاحب الهوية.

وهذا هو الفخ.

قد تكون هوية اليوم هي هوية المهيمن، فتأتي جماعة مظلومة وتقول: «سنصنع دولة هويتنا نحن».

وهذا مفهوم من الناحية النفسية والسياسية، لكنه لا يحل المشكلة في أصلها.

لذلك أقول:

لا نريد بديلاً من جنسها.

نريد شيئاً مختلفاً في النوع.

نريد دولة المواطنة.

ولهذا فإن كثيراً من النظريات والشعارات التي نستخدمها اليوم يجب أن نفهمها باعتبارها نتاجاً للأزمة، ومحاولات للإجابة عليها، لا باعتبارها بالضرورة نهاية الطريق.

نحن لا نحتاج إلى أن نحفظ هذه النظريات ونختار واحدة منها كعقيدة للدولة.

نحتاج إلى أن نفهم لماذا ظهرت، وما الذي كشفته من أزمة، ثم نذهب إلى ما هو أبعد منها:

دولة المواطنة.

الثاني عشر: الهوية للمجتمع، والمواطنة للدولة

هذه العبارة تختصر، في رأيي، جانباً كبيراً من المسألة.

لا أريد مجتمعاً بلا هوية، ولا أريد إنساناً بلا تاريخ، ولا أريد سودانياً يتخلى عن لغته أو قبيلته أو ثقافته أو دينه أو ذاكرته.

وهذا ليس ممكناً أصلاً.

الهوية جزء من الإنسان والمجتمع، لكن الدولة شيء آخر.

الدولة هي الإطار الذي يجمع هذه الاختلافات كلها، ولذلك يجب أن تكون أوسع من أي هوية مفردة.

يمكن أن يكون المجتمع متعدداً، لكن القانون واحد.

يمكن أن تكون الذاكرة متعددة، لكن الحقوق واحدة.

يمكن أن تكون الثقافات مختلفة، لكن الكرامة واحدة.

يمكن أن تختلف الأديان، لكن المواطنة واحدة.

وهنا يصبح التنوع قوة، لا مشروع حرب.

ملاحظة إضافية: حقوق الإنسان وحقوق المواطن

وهنا تبرز مسألة لا يمكن لدولة المواطنة أن تتجاهلها: الفرق بين حقوق الإنسان وحقوق المواطن.

ليست كل الحقوق من النوع نفسه، وإن كان كلاهما ضرورياً.

فحقوق الإنسان ترتبط بكون الإنسان إنساناً، وبكرامته وحياته وحريته وسلامته وحمايته من التعذيب والإهانة والتمييز الجسيم، ولا ينبغي أن تصبح الجنسية أو الوضع القانوني ذريعة لسلبها.

أما بعض الحقوق السياسية، مثل الانتخاب والترشح وتولي بعض الوظائف العامة وفقاً للدستور والقانون، فترتبط بعضوية الإنسان في الدولة بوصفه مواطناً.

المطلوب إذن ليس وضع حقوق الإنسان وحقوق المواطن في تعارض، وإنما ترتيب العلاقة بينهما: الإنسان أسبق في الكرامة، والمواطن أخص في العضوية السياسية.

ودولة المواطنة هي التي تحمي حقوق الإنسان لكل من يوجد في إقليمها، وتمنح مواطنيها الحقوق السياسية التي ينظمها القانون، من دون أن تحول المواطنة إلى مبرر لإهدار الكرامة الإنسانية، ومن دون أن تذيب مفهوم المواطنة حتى تفقد الدولة معنى عضويتها السياسية.

وهذا التمييز مهم في السودان بصفة خاصة، لأن الحركة السكانية والهجرة واللجوء والروابط الاجتماعية العابرة للحدود تجعل السؤال عن الإنسان والمواطن سؤالاً عملياً لا فلسفياً فقط.


الثالث عشر: الاصطحاب لا النفي

أنا هنا لا أدعو إلى محو التاريخ، ولا إلى إلغاء الهويات، ولا إلى التخلص من الدين، ولا إلى دفن الذاكرة.

أنا أدعو إلى الاصطحاب.

هذه كلمة أراها مهمة جداً.

نصطحب تاريخنا كله: كوش ومروي وكرمة ونبتة وعلوة والمقرة، والممالك والسلطنات، وسنار، والمهدية، والاستعمار، والاستقلال، وكل المراحل التي جاءت بعده.

نصطحب الثقافات كلها، واللغات كلها، والأديان والمعتقدات، والذاكرات التاريخية المختلفة مع مخيالات الحاضر كلها.

ونصطحب حتى المظالم، ولكن لا نصطحبها إلى الانتقام؛ نصطحبها إلى العدالة.

فالاصطحاب لا يعني أن نقول إن كل الروايات صحيحة بالقدر نفسه، ولا يعني أن نساوي بين الضحية والجلاد، أو بين الجريمة ومقاومتها، أو أن نطلب من الضحية أن تنسى.

بل يعني أن تكون الذاكرة حاضرة، وأن تكون الحقيقة حاضرة، وأن تكون العدالة حاضرة، من دون أن تتحول أي ذاكرة إلى ملكية حصرية للدولة.

التاريخ يُدرس ويصان، لكنه لا يمنح امتياز من المفترض. والهويات تُحترم، لكنها لا تمنح سلطة فوق الآخرين.

والمظالم تُعالج بحسم، لكنها لا تتحول إلى ثأر أعمى.. هنا يتكسر كل شيء.

الخلاصة: الاصطحاب لا النفي.


الرابع عشر: نحتاج إلى متحف لحضارات السودان

إذا كنا جادين في اصطحاب التاريخ، فعلينا أن نضع له مؤسسات.

أنا أتصور متحفاً وطنياً جامعاً لحضارات السودان؛ ليس متحفاً لحضارة واحدة، ولا متحفاً لسلالة واحدة، ولا متحفاً لمنطقة واحدة، بل متحفاً يرى فيه السوداني نفسه في تاريخ طويل ومتعدد.. ما أمكن.

فيه كرمة ونبتة ومروي وعلوة والمقرة، والممالك والسلطنات، وسنار، والمهدية، وتاريخ المجتمعات المحلية، واللغات، والثقافات، والأديان، والحرف، والفنون، والتجارة والهجرات والتفاعل بين الناس.

وظيفة هذا المتحف ليست أن يقول: «هذه الحضارة صاحبة السودان»، بل أن يقول:

هذا كله جزء من السودان.. وإرث بشري عظيم.

التاريخ هنا ملك عام، وليس شهادة ملكية سياسية.

Post: #6
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:24 AM
Parent: #1



الخامس عشر: ونحتاج أيضاً إلى متحف لضحايا حروب السودان

لكن السودان ليس حضارات فقط.

السودان أيضاً ذاكرة ألم: ذاكرة قتل، وتهجير، ونزوح، ولجوء، وتعذيب، واغتصاب، وفقدان ممتلكات، وفقدان أهل، وفقدان بيوت.

ولهذا أرى أننا نحتاج أيضاً إلى متحف وطني لضحايا حروب السودان، يحفظ أسماء الضحايا، وشهادات الناجين، وذاكرة النازحين واللاجئين، ويوثق الانتهاكات.

ولا يكون متحفاً للثأر، ولا متحفاً لإعادة إنتاج الكراهية، بل مكاناً للحقيقة والاعتراف والكرامة.

ولا ينبغي أن تكون ذاكرة الضحايا انتقائية.

كل ضحايا السودان يستحقون أن تكون لهم مكانة في الذاكرة الوطنية، بصرف النظر عن قبيلتهم أو منطقتهم أو دينهم أو الجهة التي ارتكبت الجريمة بحقهم.


الخصوصية الحدود السودانية والجماعات العابرة للحدود:

وتزداد هذه المسألة تعقيداً عندما ننظر إلى الجغرافيا السودانية.

فالسودان بلد ذو حدود طويلة ومفتوحة في أجزاء واسعة، وموقعه يضعه في تماس مباشر مع عدد كبير من الدول والمجتمعات.

كما أن هناك جماعات اجتماعية وثقافية واقتصادية امتدت تاريخياً عبر الحدود الحديثة، ولم تكن الحدود السياسية دائماً هي الحدود الفعلية لحركتها الاجتماعية.

لذلك لا بد من التمييز بين الانتماء الاجتماعي والثقافي من جهة، والانتماء القانوني والسياسي للدولة من جهة أخرى.

الروابط العابرة للحدود ليست جريمة، وليست في ذاتها دليلاً على نقص الولاء الوطني، لكنها لا تلغي المواطنة القانونية ولا سيادة الدولة.

والمطلوب هو تنظيم هذه الروابط بحيث تبقى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ممكنة، من دون أن تتحول إلى ذريعة لتقويض الدولة أو تجاوز القانون أو تحويل جماعات الحدود إلى أدوات صراع بين الدول.

ودولة المواطنة تحتاج هنا إلى سياسات واضحة للجنسية والإقامة والحقوق والواجبات، وإلى ترتيبات عادلة لحركة الرعاة والتجارة والأسر والمجتمعات الحدودية، وإلى تعاون إقليمي يحمي الإنسان ولا يحوّل الحدود إلى جدران في وجه المجتمعات المتداخلة.


المتحفان، في الحقيقة، متكاملان:

الأول يقول لنا: من أين جاء السودان؟

والثاني يسألنا: ماذا فعلنا بأنفسنا؟

وبين الاثنين يمكن أن ينشأ وعي جديد: ذاكرة حضارية لا تنتج امتيازاً، وذاكرة للضحايا لا تنتج ثأراً.

السادس عشر: لماذا نحتاج هذا الوعي في السودان؟

لأن السودان ليس بلداً بسيطاً أو متجانساً؛ فالتنوع فيه ليس تفصيلاً عابراً، بل حقيقة أساسية تتجلى في تعدد اللغات والثقافات والأديان والأعراق والقبائل والمناطق والتواريخ وأنماط الحياة.

ولم تكن المشكلة في هذا التنوع نفسه، وإنما في الطريقة التي أُدير بها، وفي فشل الدولة المتكرر في تحويله إلى مصدر للثراء والتكامل، بدلاً من أن يصبح وقوداً للصراع.

عندما تفشل الدولة في تحقيق المساواة، يبحث الناس عن الحماية في القبيلة أو الجهة أو الدين أو الجماعة.

وعندما تستخدم الدولة هوية معينة لتبرير الامتياز، تظهر هوية مضادة تطالب بالحماية أو بالاعتراف، ثم قد تتحول، في لحظة أخرى، إلى مشروع إقصاء جديد.

وهكذا ندور في الحلقة نفسها: هوية مهيمنة تنتج هوية مقاومة، وقد تنتج الهوية المقاومة هيمنة جديدة إذا لم نغيّر القاعدة التي تجعل الهوية طريقاً إلى امتلاك الدولة.

لذلك نحتاج إلى كسر هذه الحلقة، لا بكسر الهويات أو محوها، بل بإخراجها من موقع امتلاك الدولة وتحويلها إلى مكونات اجتماعية وثقافية تعيش جميعاً داخل إطار

المواطنة.

وهنا يحتاج السودان إلى وعي جديد؛ وعي لا ينشغل دائماً بسؤال «من نحن؟» حين يتحول إلى بحث عن الأصل والأحقية، بل ينتقل إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالمستقبل:

كيف نعيش معاً؟

فهذا السؤال ينقلنا من السردية إلى المؤسسة، ومن الماضي إلى المستقبل، ومن منطق الملكية إلى منطق المواطنة.


Post: #7
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:24 AM
Parent: #1

السابع عشر: كيف تطورت أوروبا؟ ولماذا يفيدنا تاريخها؟

قد يقول قائل: أليس ما نقوله هنا قريباً من تجربة أوروبا الحديثة؟

نعم، يمكن أن نتعلم من التجربة الأوروبية دروساً مهمة، لكن لا بد من التمييز بين الاستفادة من الدرس وبين استنساخ النموذج.

فالتاريخ الأوروبي ليس تاريخنا، والظروف التي أنتجت مؤسساته ليست هي الظروف التي تشكلت فيها الدولة السودانية.

لم تصل أوروبا إلى دولة المواطنة الحديثة دفعة واحدة، ولم تبدأ من مفهوم المساواة الذي نعرفه اليوم.

فقد كانت الدولة الأوروبية، في مراحل طويلة من تاريخها، مرتبطة بالامتياز والسلالة والدين والطبقة، وكانت الأسرة الحاكمة والحق الإلهي والتاريخ الرسمي عناصر متداخلة في تأسيس الشرعية السياسية.

ومع مرور الوقت بدأت هذه البنية تتغير، لا عبر طريق واحد أو خطة موحدة، بل من خلال مسارات طويلة ومعقدة شملت الحروب والصراعات الدينية والثورات والإصلاحات الدستورية والاجتماعية.

تراجعت الامتيازات المرتبطة بالأصل والسلالة، وأعيد تنظيم العلاقة بين الدين والدولة، ثم قُيدت السلطة الملكية تدريجياً بالدساتير والبرلمانات والحقوق والحريات وسيادة القانون.

وفي بعض البلدان استمرت الملكية، لكنها فقدت معناها القديم بوصفها مصدراً للسلطة المطلقة، وتحولت إلى مؤسسة دستورية ورمزية داخل نظام تحكمه القوانين والمؤسسات.

وبذلك لم تختفِ كل الرموز القديمة، بل تغيرت وظيفتها السياسية.

فقد بقيت اللغة والتقاليد والدين في المجتمع والتاريخ والأعياد والرموز، واستمرت الأسر المالكة في بعض الدول، لكن أياً من هذه العناصر لم يعد وحده معياراً لتحديد من يملك الحق السياسي ومن يُستبعد منه.

لم يكن الانتقال الأوروبي قائماً على محو الماضي، بل على تغيير موقعه ووظيفته.

بقي الدين ديناً للمؤمنين، لا معياراً للحقوق السياسية؛ وبقي التاريخ ذاكرة ومعرفة، لا شهادة ملكية للدولة؛ وبقيت اللغة ثقافة وتواصلاً، لا معياراً لسودانية الإنسان؛ ولم تعد السلالة أو الأسرة أو المكانة الاجتماعية تمنح حقاً سياسياً فوق القانون.

وهذا هو الدرس الذي قد يفيد السودان: لا نحتاج إلى محو تاريخنا أو دفن رموزنا حتى نبني دولة المواطنة، بل نحتاج إلى تغيير وظيفة هذه العناصر داخل الدولة.

لقد هدّمت أوروبا، عبر عملية تاريخية طويلة، أركاناً أساسية من دولة الهوية والامتياز، ثم بنت مكانها مؤسسات المواطنة والدستور والديمقراطية وسيادة القانون.

لكن هذا لا يعني أن أوروبا تخلت عن كل هوياتها أو ذاكرتها، ولا أنها أصبحت نموذجاً كاملاً خالياً من التمييز أو النزعة القومية.

لا نأخذ القالب الأوروبي، بل نستخلص الدرس التاريخي: الدولة الحديثة لا تُبنى بإلغاء التاريخ، وإنما بتجريد التاريخ والدين والسلالة والجماعة من حق احتكار الدولة.

يستطيع السودان أن يتعلم من أوروبا دون أن يصبح نسخة منها، وأن يستفيد من تجربتها دون أن يكرر حروبها ومآسيها.

وما دفعت أوروبا ثمنه عبر قرون من الحروب والثورات والصراعات الدينية والاجتماعية يمكن للسودانيين أن يتعلموا منه اليوم، من دون أن يضطروا إلى تكرار المآسي نفسها.

وهذا يقودنا مرة أخرى إلى دولة المواطنة.


خصوصية السودان وحدود صلاحية النظريات

وهنا ينبغي أن نضيف مبدأ منهجياً مهماً: الأفكار وحدها ليست كافية، كما أن النظريات الاجتماعية والسياسية ليست في كل مرة صالحة لجميع الشعوب بالصيغة نفسها.

هناك خصوصية لكل مجتمع، والسودان له خصوصيته التاريخية والاجتماعية والثقافية والجغرافية.

لا يعني ذلك رفض النظريات أو الانغلاق على الذات، وإنما يعني الاستفادة منها بوصفها أدوات للفهم لا وصفات جاهزة للبناء.

نستفيد من التجارب التي حولنا، ونأخذ منها ما يصلح، ونختبره في واقعنا، ونعدل ما يحتاج إلى تعديل.

فالمطلوب ليس أن يصبح السودان نسخة من أوروبا، ولا نسخة من دولة أفريقية أو عربية أخرى، بل أن يستخلص من تجارب الآخرين ما يساعده على بناء دولة سودانية حديثة تستجيب لواقعه.

ولهذا فإن معيار الفكرة في السودان ليس فقط أنها نجحت في مكان آخر، وإنما أيضاً: هل تفهم تركيب المجتمع السوداني؟ هل تحترم تعدده؟ هل تنسجم مع تاريخه؟ هل تساعد على معالجة اختلالات السلطة والثروة؟ وهل تستطيع أن تتحول إلى مؤسسات تعمل في واقع مفتوح ومعقد؟

السودان ليس استثناءً من العالم، لكنه ليس نسخة من أحد.

Post: #8
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:25 AM
Parent: #1

الثامن عشر: كيف تتحقق دولة المواطنة؟ ومن يفعل ذلك؟

دولة المواطنة لن تنزل علينا من السماء، ولن يصنعها حزب واحد أو الجيش وحده أو الحركات المسلحة أو المثقفون أو النخب منفردين.

إنها تحتاج إلى عمل اجتماعي واسع تشارك فيه قوى متعددة، لأن الدولة التي نريدها لا يمكن أن تكون صفقة بين مجموعة محدودة من الفاعلين.

ويشمل هذا العمل:

المواطنين والمجتمعات المحلية.

النساء والشباب والطلاب.

النقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني.. الأكاديميين والإعلاميين والمبدعين.. الأحزاب السياسية.. الحركات المسلحة بعد تحولها إلى قوى سياسية مدنية.. الإدارات الأهلية، مع خضوعها للقانون وعدم استخدامها أداة للإقصاء..المؤسسات الانتقالية ثم المؤسسات المنتخبة.

الجيش، بوصفه مؤسسة وطنية مهنية محترمة لا سلطة حاكمة.. وذات أهمية كبيرة في حماية دولة المواطنة وإنسانها.. ولا يمكن أن نبني دولة المواطنة بصفقة بين النخب.


المطلوب أن تتحول الفكرة إلى ثقافة عامة، وأن تظهر في سلوك المؤسسات وفي الحياة اليومية.

فالدستور الذي لا يجد طريقه إلى المدرسة والمحكمة ومركز الشرطة والمستشفى ومكان العمل سيظل مجرد ورقة.. كما علمتنا التجارب الفاشلة.

ولهذا يجب أن يبدأ بناء دولة المواطنة في وقت واحد من المخيال والمجتمع والقانون والمؤسسات والاقتصاد والتعليم والممارسة اليومية.. كيف؟. علينا الإجتهاد طبعا!.


التاسع عشر: من أين يأتي الدستور والقواعد فوق الدستورية والفخر الوطني؟

قد يسأل أحدهم: إذا كانت الدولة لا ينبغي أن تُعرَّف بأنها عربية أو أفريقية أو إسلامية أو كوشية أو سودانوية، فمن أين يأتي دستورها؟ وما الأساس الذي تقوم عليه القواعد فوق الدستورية؟ وكيف يتشكل الفخر الوطني؟ وما اللغة التي نستخدمها، وما الموسيقى التي نغنيها، وما الأعياد والرموز التي تجمعنا؟

هذه أسئلة مهمة، لأن دولة المواطنة ليست دولة بلا شخصية أو ذاكرة أو لون.

والجواب يبدأ بالتمييز بين هوية المجتمع والدولة بوصفها مؤسسة سياسية.

المجتمع أقدم وأوسع من الدستور. وفيه توجد الأديان والثقافات واللغات والقبائل والذاكرات والفنون والتقاليد.

ثم يأتي العقد الاجتماعي ليحدد المبادئ التي نتفق عليها للعيش معاً، ويأتي الدستور ليترجم هذه المبادئ إلى مؤسسات وقواعد وآليات للحكم.

أما القواعد فوق الدستورية، فهي ليست هوية جديدة ولا دولة فوق الدولة، بل مبادئ أساسية يتفق المجتمع على حمايتها من تقلبات السياسة ومزاج الحكومات والأغلبيات العابرة.

إنها لا تلغي التعدد، وإنما تمنع استخدامه لإلغاء حقوق المواطنين.

ومن أمثلتها:

لا مواطن فوق القانون.. لا جماعة فوق الدستور.. لا أغلبية تملك حق إلغاء حقوق الأقلية.. لا حكومة تملك حق إلغاء كرامة الإنسان.. لا جيش يملك حق الاستيلاء على الدولة.. لا دين يمنح مواطناً امتيازاً سياسياً على مواطن آخر.. لا قبيلة تمنح فرداً حقاً في الدولة أكثر من غيره.. لا تاريخ يمنح جماعة ملكية سياسية للحاضر.

هذه هي القواعد التي يمكن أن تشكل جوهر العقد الاجتماعي السوداني الجديد.


أما الفخر الوطني، فلا يحتاج إلى أن يقوم على انتصار جماعة على جماعة.

يستطيع السوداني أن يفخر بكرمة ومروي ونبتة وعلوة وسنار والمهدية والاستقلال، وبالفنون السودانية، وبالتنوع اللغوي والثقافي، وبالشعر والموسيقى والحرف والعمارة، وبالنيل والصحراء والسافنا والغابات والجبال، وبالمقاومة الشعبية، وبإنجازات السودانيين في العلم والأدب والفن والرياضة.

هذا فخر وطني جامع، لا امتياز وطني لجماعة بعينها.

والأمر نفسه ينطبق على اللغة.

يمكن للدولة أن تختار لغة أو أكثر للمعاملات الرسمية والتعليم والإدارة، وفق توافق دستوري وسياسي، من دون أن يعني ذلك أن اللغات الأخرى أقل سودانية أو أقل قيمة.

بل إن دولة المواطنة مطالبة بحماية اللغات السودانية المتعددة بوصفها جزءاً من التراث الوطني وحقاً من حقوق الجماعات الثقافية.

وليس مطلوباً أن تكون لنا موسيقى واحدة حتى نكون شعباً واحداً.. طبعا لا. مجرد مثال لا حصري.

فالحقيبة وما بعدها وما قبلها من الدوبيت والمسدار وكل أشكال النظم كما الدلوكة والطمبور والوازا وأم كيكي والنقارة والنحاس والآلات النوبية والموسيقى البجاوية وموسيقى دارفور وكردفان والوسط والشرق، وسائر التعبيرات الموسيقية السودانية، يمكن أن تدخل جميعاً في مخيال وطني متعدد.

وينطبق الأمر نفسه على الزي.

قد توجد ملابس وأشكال فنية ارتبطت بالسودان في المخيال العام، لكن لا ينبغي أن يتحول الزي الوطني إلى معيار للمواطنة أو علامة على سودانية أكثر من سودانية الآخرين.

وهكذا يمكن أن تكون لنا ثقافة وطنية بلا احتكار للثقافة، وذاكرة وطنية بلا احتكار للتاريخ، وفخر وطني بلا احتكار للوطن، ورموز وطنية بلا احتكار
للهوية.

نحن لا نريد دولة بلا لون، بل دولة تتسع لكل الألوان.. ودون أن يعطي اللون الطاغي بحكم الواقع أي أمتياز لمواطن على الآخر.


العشرون: الميثاق والدستور والقواعد فوق الدستورية

من هنا تأتي أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات: المجتمع، والعقد الاجتماعي، والدستور.

فالمجتمع أقدم وأوسع من الدستور، وفيه توجد الأديان والثقافات واللغات والقبائل والذاكرات والفنون والتقاليد.

ثم يأتي العقد الاجتماعي ليحدد المبادئ التي نتفق عليها للعيش معاً، ويأتي الدستور ليترجم هذه المبادئ إلى مؤسسات وقواعد وآليات للحكم.

وقد توجد فوق الدستور مجموعة محدودة من المبادئ الأساسية التي لا يجوز لأي أغلبية سياسية عابرة أن تهدمها.

هذه القواعد ليست دولة جديدة فوق الدولة، ولا أيديولوجيا جديدة، بل حاجز يحمي المواطن من الدولة نفسها عندما تنحرف.

ومن أهم هذه المبادئ أن المواطنة متساوية، وأن الكرامة الإنسانية غير قابلة للانتقاص، وأن الحقوق الأساسية لا تخضع لمزاج الأغلبية، وأن تداول السلطة سلمي، وأن الجيش يخضع للسلطة المدنية الدستورية، وأن استقلال القضاء لا يجوز إلغاؤه، وأن التمييز على أساس الدين أو العرق أو القبيلة أو اللون أو الجهة لا يمكن أن يصبح سياسة للدولة.

بهذا المعنى، لا تكون القواعد فوق الدستورية منافسة لهوية المجتمع، وإنما حارسة للمواطنة.


الحادي والعشرون: إصلاح المؤسسات

لا يمكن أن تكون هناك مواطنة حقيقية إذا كانت مؤسسات الدولة تقوم على المحسوبية والولاء الجهوي أو العرقي أو الحزبي.

لذلك لا بد من إصلاح الخدمة المدنية والقضاء والشرطة والجيش والتعليم والإدارة المالية، بحيث تصبح جميعها مؤسسات مهنية وطنية.

والجيش تحديداً يجب أن يكون جيش الدولة، لا جيش الحزب ولا القبيلة ولا الجماعة.

ولا بد من إنهاء الجيوش الموازية والتشكيلات المسلحة الخارجة عن القانون، وجمع السلاح في يد الدولة، مع إخضاع استخدام القوة للدستور والقانون.

لكن بناء المؤسسة الوطنية لا يعني تجاهل المظالم التاريخية في التمثيل.

فالاحتراف لا يعني إعادة إنتاج الهيمنة القديمة باسم الكفاءة.

المطلوب أن تجتمع في هذه المؤسسات المهنية والعدالة والتمثيل والمساواة، لا أن تُستخدم المهنية ذريعة لإعادة إنتاج الهيمنة القديمة.


الثاني والعشرون: العدالة الانتقالية ليست انتقاماً

لا يمكن أن نبني عقداً اجتماعياً جديداً فوق ذاكرة القتل والتهجير والنهب والإقصاء وكأن شيئاً لم يحدث.

لكن العدالة أيضاً لا ينبغي أن تتحول إلى انتقام بشكل من الأشكال.

نحتاج إلى عدالة انتقالية تعترف بالضحايا، وتحاسب المسؤولين، وترد الحقوق، وتصلح المؤسسات، وتضمن عدم التكرار.

ويشمل ذلك:

رد الأراضي أو التعويض عنها.. إعادة النازحين واللاجئين والمهجرين.. توثيق الانتهاكات وجبر الضرر.


المصالحات المحلية العادلة.

إصلاح المؤسسات التي شاركت في الانتهاكات.

كل ذلك جزء من بناء دولة المواطنة.

فالمصالحة التي تطلب من الضحية أن تنسى ليست مصالحة، والعدالة التي تتحول إلى ثأر ليست عدالة.


الثالث والعشرون: العدالة الاجتماعية

المواطنة ليست ورقة هوية إلا بمعناها الدستوري.

فإذا كان المواطن لا يجد مدرسة، ولا مستشفى، ولا ماء، ولا طريق معبد، ولا عملاً، فلا يكفي أن نقول له إن القانون يعامله مثل الآخرين.

المساواة القانونية مهمة، لكنها لا تكفي.. لذلك تحتاج دولة المواطنة إلى عدالة اجتماعية حقيقية تشمل:

تنمية متوازنة.. ضرائب عادلة.. خدمات عامة شاملة.. مكافحة الفساد.. مكافحة الاحتكار.. فرص استثمار عادلة..
حماية مبدأ العمل.

كما معالجة قضايا الأرض والموارد.

توجيه موارد أكبر إلى المناطق والفئات التي عانت تاريخياً من الحرمان.

العدالة الاجتماعية ليست صدقة يقدمها المركز للأطراف، بل حق.


Post: #9
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:26 AM
Parent: #1

الرابع والعشرون: التعليم والإعلام

ربما يكون هذا من أهم أجزاء المشروع كله، لأننا لن نبني دولة مواطنة بعقلية دولة الهوية.

إذا كان الطفل السوداني يتعلم أن تاريخ بلده تاريخ جماعة واحدة، وأن بقية الناس جاءوا لاحقاً، فقد كتبنا دولة الهوية داخل رأسه قبل أن يقرأ الدستور.

نحتاج إلى تعليم يرى السودان كما هو: مجتمعاً متعدداً ومركباً، تشكل عبر التفاعلات والهجرات والتبادلات والصراعات والتعايشات.

ويجب أن يعرف الطفل تاريخ المناطق والثقافات واللغات والممالك والسلطنات والحركات الاجتماعية والتجارب

السياسية المختلفة، لا تاريخ جماعة واحدة فقط.

والإعلام كذلك.

يجب أن يتوقف عن إنتاج الصور النمطية عن العرب والأفارقة والقبائل والمركز والهامش، وأن يفتح المجال أمام أصوات النساء والشباب والأقاليم والمجموعات الثقافية المختلفة.

والمواطن الجديد يجب أن يتعلم أن اختلاف السودانيين ليس دليلاً على أن أحدهم سوداني أكثر من الآخر.


الخامس والعشرون: الرموز الوطنية

حتى الرموز تحتاج إلى إعادة التفكير: العلم، والنشيد، والأعياد، والمناسبات الوطنية، والمتاحف، والأسماء.

كلها يجب أن تكون قادرة على أن تجمع السودانيين، لا أن تذكر طرفاً بانتصار طرف آخر.

لا يعني ذلك أن نمحو كل الرموز القديمة، لكن يمكن أن نعيد النظر فيها بمشاركة واسعة.

فالرمز الوطني الناجح هو الذي يرى الناس أنفسهم فيه، لا الرمز الذي يقول لجماعة: «هذه دولتكم»، ويقول لأخرى: «أنتم ضيوف فيها».

ويمكن أن تكون هذه الرموز ناتجة من الاصطحاب لا من النفي؛ فالعلم يمكن أن يحمل تاريخاً جديداً دون أن يهين التاريخ القديم، والنشيد يمكن أن يعبر عن وطن جامع لا عن أيديولوجيا، والأعياد يمكن أن تحفظ اللحظات التاريخية المختلفة بوصفها جزءاً من الذاكرة، لا بوصفها لحظات تمنح جماعة حقاً دائماً في الدولة.


السادس والعشرون: متى يبدأ هذا كله، أي متى نبدأ العمل من أجل ذلك؟

الجواب عندي بسيط:

الآن.

لا ننتظر نهاية الحروب حتى نبدأ التفكير في الدولة التي نريدها.

الحروب نفسها دليل على أن قواعد العيش المشترك فشلت، والتأجيل يعني أن دولة الهوية ستستمر في إنتاج نفسها، وأن اقتصاد الحرب والولاءات المسلحة سيزداد رسوخاً.

لكن البناء نفسه يحتاج إلى مراحل:

يبدأ بالوعي والنقاش العام.. ثم حماية المدنيين ووقف الحروب.. ثم ترتيبات انتقالية تضع أساس المؤسسات المحايدة.. ثم عملية دستورية تشاركية.. ثم انتخابات حرة عندما تتهيأ شروط المنافسة.. ثم عمل طويل في العدالة والتنمية والتعليم وإصلاح المؤسسات.


فدولة المواطنة ليست لحظة توقيع على وثيقة، بل ممارسة يومية.. وجب أن تكون مخيال شعبي.

تبدأ عندما يدخل المواطن مركز الشرطة ولا يُسأل عن قبيلته، وعندما يدخل المحكمة يجد القانون، وعندما يمشي إلى المستشفى فلا يُسأل من أي جهة جاء، وعندما يدخل المدرسة ويتعلم أن تاريخ السودان ليس تاريخ جماعة واحدة، وعندما يصل إلى صندوق الانتخابات فلا يكون هناك مواطن أفضل من مواطن.


السابع والعشرون: ماذا عن الوحدة والانقسام والاندماج؟

دولة المواطنة ليست مرتبطة بشكل جغرافي واحد للدولة.

وهي تصلح في حالة استمرار السودان موحداً، وهذا هو الخيار المحبب والمأمول عندي، متى قامت الوحدة على العدل والمساواة والمواطنة واحترام التنوع.

لكنها لا تتوقف على ذلك.

إذا أصبح الانقسام لازماً أو فرضته الوقائع السياسية والتاريخية، فلا يجب أن يكون الانقسام مبرراً للحرب أو الإقصاء أو الانتقامات والثأرات الأحادية أو المتبادلة.

وإذا تهيأت شروط الاندماج وأصبح ممكناً، فلا يكون إلا بإرادة حرة وموافقة حقيقية ومساواة كاملة وضمان للحقوق.

الوحدة لا ينبغي أن تكون قيداً، والانقسام لا ينبغي أن يكون ثأراً، والاندماج لا ينبغي أن يكون ابتلاعاً.

في كل الأحوال يبقى المبدأ نفسه:

لا امتياز بالعرق أو الدين أو التاريخ أو الجهة.. حقوق الإنسان والمواطنة لا تتغير بتغير الخريطة.. فقد تتغير الحدود، لكن لا ينبغي أن تتغير كرامة الإنسان.

وقد تتغير الدولة، لكن لا ينبغي أن تتحول المواطنة إلى امتياز عرقي.

وقد ينقسم السودان، إذا فرضت الوقائع ذلك، لكن لا ينبغي أن ينتقل من دولة هوية إلى دول هويات متصارعة.

وقد يعاد توحيده يوماً ما، لكن الوحدة لا ينبغي أن تكون عودة إلى الهيمنة القديمة.

السودان في محيطه: الاستفادة من التجارب القريبة

ولا يمكن بناء تصور سوداني لدولة المواطنة بمعزل عن محيط السودان.

فالعلاقة مع مصر وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان، ومع دول غرب أفريقيا وشرقها، ليست مسألة خارجية منفصلة عن بناء الدولة، لأن الحدود والحركة السكانية والمياه والتجارة والأمن والثقافة والتاريخ المشترك كلها تدخل في تكوين الدولة نفسها.

مصر تمثل حالة خاصة بحكم الجوار والتاريخ والنيل والتداخل البشري والمصالح الاقتصادية.

وإثيوبيا تمثل أيضاً مجالاً أساسياً للتفاعل بسبب النيل والحدود والتجارة والحركة السكانية والأمن الإقليمي.

وإريتريا، بحكم موقعها على البحر الأحمر والحدود والتداخل الاجتماعي، جزء من البيئة الاستراتيجية للسودان.

أما جنوب السودان، فالعلاقة معه لا يمكن اختزالها في حدود دولية بين دولتين منفصلتين؛ هناك تاريخ اجتماعي واقتصادي وبشري طويل، ومصالح مشتركة، وحاجة إلى أن تدار الاختلافات بمنطق الدولة والمواطنة والدبلوماسية كلما امكن والمصالح ال.

أما تجارب غرب أفريقيا وشرقها، فيمكن أن تقدم للسودان دروساً في إدارة التنوع، واللامركزية، والعلاقات بين الدولة والمجتمعات المحلية، والتعامل مع الحدود والجماعات العابرة لها، مع الانتباه دائماً إلى اختلاف السياقات.

المطلوب من هذه العلاقات ليس البحث عن نموذج نتبعه، بل عن دروس نتعلم منها، ونجاحات نقتبسها، وأخطاء نتجنبها.

السودان يستفيد من محيطه، لكنه لا يتخلى عن خصوصيته.

السودان والخليج والعالم: الشراكة دون ارتهان

والأمر نفسه ينطبق على علاقات السودان بدول الخليج وبقية العالم.

فهذه العلاقات يمكن أن تكون مجالاً واسعاً للاستثمار والتجارة والتعليم والتكنولوجيا وإعادة الإعمار وتبادل المعرفة، ويمكن أن تسهم في بناء قدرات الدولة والمجتمع.

لكن الشراكة ينبغي ألا تتحول إلى ارتهان، ولا إلى اعتماد دائم على الخارج، ولا إلى نقل الصراعات الدولية والإقليمية إلى الداخل السوداني.

نريد علاقات سودانية واسعة مع العالم العربي والأفريقي وأوروبا وآسيا والأمريكتين، تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام والاستقلال.

لا نريد عزلة عن العالم، كما لا نريد أن تصبح حاجة السودان إلى الدعم سبباً في التنازل عن قراره الوطني أو استخدام موارده ومؤسساته لخدمة أجندة خارجية.

دولة المواطنة تحتاج إلى سياسة خارجية ترى السودان شريكاً لا ساحة، ودولةً ذات مصلحة لا مجرد مجال للتنافس بين الآخرين.

الثامن والعشرون: ماذا نقترح عملياً؟

يمكن أن يبدأ الأمر بخطوات واضحة:

إطلاق حوار وطني واسع حول دولة المواطنة، تشارك فيه الأقاليم والمجتمعات المحلية والنساء والشباب والمهنيون والنازحون واللاجئون والسودانيون في الخارج.

صياغة ميثاق لدولة المواطنة بواسطة هيئة مستقلة ومتنوعة.. إعداد سجل وطني متعدد الذاكرات لتاريخ السودان.. إنشاء متحف وطني جامع لحضارات السودان.. إنشاء متحف وطني لضحايا الحروب.. مراجعة المناهج التعليمية.. مراجعة الخطاب الإعلامي.

سن قانون شامل لمكافحة التمييز والتحريض العنصري.. إنشاء مفوضية مستقلة للعدالة الانتقالية.. إصلاح الخدمة المدنية والقضاء والشرطة والمؤسسات المالية.

توحيد القوات المسلحة وإنهاء الجيوش الموازية وإخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية الدستورية.. اعتماد برنامج للعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.. مراجعة الرموز الوطنية بمشاركة السودانيين.. حماية اللغات والثقافات السودانية.. إنشاء آلية دائمة تقيس مستوى المساواة والتمثيل والعدالة داخل مؤسسات الدولة.


لكن ربما الأهم من كل تلك الخطوات ألا تتحول دولة المواطنة إلى مشروع مفروض من أعلى.

فالعقد الاجتماعي لا يكتبه شخص واحد، ولا حزب واحد، ولا مجموعة من المثقفين، ولا سلطة انتقالية منفردة؛ بل يصوغه السودانيون أنفسهم عبر حوار واسع ومسؤول.. كيف؟ علينا أن نفكر في الأدوات العملية!


ترتيب الأولويات: لا يمكن حل كل شيء في الوقت نفسه!


ومن الضروري هنا ألا نقدم دولة المواطنة وكأنها مشروع يمكن إنجاز جميع عناصره دفعة واحدة.

السودان يحمل قضايا كثيرة ومتراكمة، ولن نستطيع معالجة كل مشكلاته في الوقت نفسه أو بالسرعة نفسها.

لذلك لا بد من تحديد الأولويات، وترتيبها زمنياً، والتمييز بين ما هو عاجل وما هو تأسيسي وما هو طويل المدى.

في لحظة ما قد تكون حماية الإنسان ووقف العنف وبناء مؤسسات الأمن والقانون هي الأولوية.

وفي مرحلة أخرى قد تتقدم العدالة الانتقالية، أو إصلاح الاقتصاد، أو التعليم، أو التنمية المتوازنة.

وهناك قضايا تحتاج إلى عقود من العمل ولا يجوز قياس نجاحها بمنطق الأشهر والسنوات القصيرة.

المهم ألا يتحول ترتيب الأولويات إلى ذريعة لتأجيل كل شيء، ولا أن يتحول تعدد المشكلات إلى محاولة لمعالجتها كلها مرة واحدة.

الدولة الرشيدة تعرف ماذا تفعل أولاً، وماذا تفعل لاحقاً، وما الذي يحتاج إلى مؤسسات متخصصة وخبرات مستقلة.

من يفعل ماذا؟

ولا بد، في الوقت نفسه، من توزيع واضح للأدوار.

الدولة مسؤولة عن القانون والدستور والخدمات العامة وحماية الحقوق والسيادة والمؤسسات.

والمجتمع المدني الحديث مسؤول عن المجال العام والمبادرات المجتمعية والرقابة والمساءلة والمساندة.

والمجتمع المدني التقليدي، بما فيه الإدارات الأهلية والطرق الصوفية والقيادات المحلية وسائر أشكال التنظيم الاجتماعي، يمكن أن يؤدي أدواراً مهمة في الوساطة والتماسك الاجتماعي، بشرط خضوعه للقانون وعدم تحوله إلى أداة للإقصاء.

والأكاديميا مسؤولة عن إنتاج المعرفة والبيانات والتقييم المستقل للسياسات.

والأحزاب مسؤولة عن التنافس السياسي وتمثيل المصالح وتقديم البرامج وتداول السلطة سلمياً.

والمؤسسات العسكرية والأمنية مسؤولة عن الدفاع والأمن في إطار الدستور والقانون، وليست طرفاً سياسياً فوق المجتمع.

ليس المطلوب أن يفعل الجميع الشيء نفسه، بل أن يعرف كل طرف مسؤوليته وحدوده وأن يتعاون مع الآخرين من دون أن يحتل دورهم.


Post: #10
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:27 AM
Parent: #1

التاسع والعشرون: من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال «كيف نعيش معاً؟»

ربما يكون هذا هو التحول الأكبر الذي نحتاجه.

ظل السودان طويلاً يسأل:

من نحن؟.. عرب أم أفارقة! من الأصل؟ من الأقدم؟ من يملك الأرض؟ من يملك التاريخ؟

من يملك السلطة؟

هذه الأسئلة ليست بلا قيمة، لكنها تصبح خطيرة عندما نستخدمها لتحديد من يستحق الدولة أكثر من غيره.

وجب أن يتغير السؤال.

ليس: من نحن؟ بل:

كيف نعيش معاً؟

وعندما نضع هذا السؤال في مركز النقاش، تتغير طبيعة البحث نفسه: ننتقل من البحث عن أصل سياسي متفوق إلى البحث عن قانون عادل، ومن الدفاع عن هوية واحدة إلى بناء عقد مشترك، ومن البحث عن جماعة مالكة للدولة إلى البحث عن مواطنين متساوين.

وبدلاً من أن نسأل أي تاريخ ننتصر له، نسأل كيف نحفظ التاريخ كله من دون أن نجعله سلاحاً.

وبدلاً من أن نقول: «هذه الدولة لنا لأننا كذا»، نقول:

هذه الدولة لنا لأننا مواطنون فيها.


الثلاثون: لا نريد دولة من لون جديد

أنا لا أريد دولة تُعرّف نفسها بأنها عربية أو أفريقية أو كوشية أو سودانوية، ولا دولة تجعل «السودان الجديد» هوية مغلقة، أو تعود إلى «السودان القديم»، أو تختزل نفسها في 56 أو ضد 56، أو في مركز أو هامش أو نهر أو بحر، أو في دين أو أيديولوجيا واحدة.

يمكن لهذه الكلمات أن تكون موضوعاً للنقاش السياسي والفكري، أو برامج لأحزاب، أو رؤى ثقافية، أو أدوات لفهم الماضي، أو مشاريع سياسية يتنافس أصحابها على إقناع المواطنين بها.

لكن الدولة نفسها يجب أن تكون أوسع منها جميعاً.

فقط دولة المواطنة.


الحادي والثلاثون: ما الذي يعنيه ذلك للهوية؟

لا يعني هذا أن يتخلى السوداني عن هويته أو ذاكرته.

يمكن أن يكون عربياً وأفريقياً في الوقت نفسه، أو نوبياً أو بجاوياً أو فورياً أو زغاوياً أو مساليتياً أو جعلياً أو شايقياً، أو من أي جماعة أخرى.

ويمكن أن يكون مسلماً أو مسيحياً أو صاحب معتقد آخر أو غير متدين، وأن يتحدث العربية أو النوبية أو البجاوية أو الفور أو الزغاوة أو غيرها.

ويمكن أن يحمل ذاكرة أسرته وقريته ومدينته وإقليمه، وأن يحب كوش أو سنار أو المهدية أو الاستقلال أو أي مرحلة من التاريخ.

لا مشكلة في ذلك.

المشكلة تبدأ فقط عندما تتحول الهوية إلى مطالبة بحق سياسي أعلى:

بسبب ذلك أنا أملك الدولة أكثر منك.

هنا يجب أن تتدخل المواطنة.


الثاني والثلاثون: دولة المواطنة ليست دولة بلا هوية

وهذه نقطة يجب ألا يساء فهمها.

دولة المواطنة ليست دولة بلا مجتمع أو ثقافة أو تاريخ أو ذاكرة أو رموز.

إنها فقط دولة لا تجعل هوية واحدة شرطاً للحقوق.

وهذا فرق كبير.. طبعا.


يمكن للدولة أن يكون لها ثقافة عامة ورموز وذاكرة وطنية، لكن وجب أن تكون هذه الثقافة نتيجة للتعدد، لا أداة لإلغائه.


ولهذا أعود إلى كلمة «الاصطحاب».

نحن لا نريد أن نمحو شيئاً من السودان، تاريخاً أو ثقافة أو ديناً أو جماعة أو منطقة.

نريد أن نصطحب الجميع، لكن داخل عقد واحد: عقد المواطنة.


الثالث والثلاثون: من الفكرة إلى الواقع

دولة المواطنة لا تتحقق بقرار واحد.

إنها مسار طويل يبدأ من تغيير المخيال، ويمر بالحوار، ثم بالميثاق والدستور، ثم بإصلاح المؤسسات والعدالة الانتقالية والاجتماعية والتعليم والإعلام، وينتهي إلى شيء أهم من كل ذلك: أن تصبح المواطنة ممارسة يومية.

قد نكتب أفضل دستور في العالم، لكن إذا ظل المواطن يعتقد أن قبيلته أو دينه أو جهته تمنحه حقاً أكبر من الآخرين، فسوف تعيد الثقافة القديمة إنتاج دولة الهوية.

وقد ننشر ثقافة التسامح والمواطنة، لكن إذا بقيت المؤسسات قائمة على المحسوبية والتمييز والولاء الحزبي أو الجهوي، فسوف تصطدم الثقافة الجديدة بجدار المؤسسة القديمة.

وحتى إصلاح المؤسسات لن يكون كافياً إذا لم يشعر المواطن في حياته اليومية بأن القانون يحميه وأن الدولة ملك له.

لذلك لا بد من قياس نجاح المشروع بأسئلة عملية:

هل أصبح المواطن أكثر أمناً؟ أصبح أكثر مساواة؟ أصبح أكثر قدرة على الوصول إلى الخدمات العامة؟ أصبح القانون أكثر استقلالاً؟ تراجعت المحسوبية؟ تراجعت سلطة القبيلة والجهة على الدولة؟

أصبح الجيش أكثر مهنية وأبعد عن السياسة؟ أصبح الطفل يرى نفسه في تاريخ السودان كله؟ أصبح المختلف دينياً وثقافياً ولغوياً يشعر أن الدولة دولته؟.


إذا كانت الإجابة نعم، فنحن نتقدم نحو دولة المواطنة.

أما إذا غيرنا العلم والدستور والحكومة، بينما بقيت عقلية «نحن أصحاب الدولة وأنتم شركاؤنا»، فنحن لم نغير شيئاً جوهرياً.

لقد غيرنا صاحب الهوية فقط.. وهذا هو الفخ الذي يجب أن نخرج منه.. العقبات والتحديات وكيفية تجاوزها

وحتى لا يتحول هذا المانيفستو " المأمول" إلى تصور مثالي منفصل عن الواقع، يجب أن نعترف بالعقبات التي تقف أمام دولة المواطنة.

هناك عقبات فكرية تتمثل في الاستقطاب والتعصب والبحث عن هوية مالكة للدولة، وعقبات اجتماعية تتصل بالثقة المفقودة والظلم التاريخي والانقسامات المحلية، وعقبات مؤسسية تتمثل في ضعف الدولة والمحسوبية وتداخل الاختصاصات، وعقبات اقتصادية ترتبط بالفقر والبطالة وعدم عدالة توزيع الموارد، وعقبات إقليمية ودولية ناتجة عن موقع السودان ومصالح القوى المحيطة به.

ولا يكفي تعداد العقبات.

المطلوب بناء طرق عملية لتجاوزها: بالحوار المستمر، وإنتاج المعرفة، وترتيب الأولويات، وبناء المؤسسات، وإصلاح التعليم والإعلام، وإرساء القانون، وتوسيع المشاركة، والقدرة على مراجعة السياسات عندما تثبت التجربة أنها لا تعمل.

دولة المواطنة ليست نظاماً مثالياً لا يخطئ، بل دولة تستطيع أن تكتشف أخطاءها وتصححها سلمياً.

قوتها ليست في أنها لا تواجه الأزمات، وإنما في أن مؤسساتها تمنع الأزمة من التحول إلى حرب على الدولة نفسها.


ومن هنا ينبغي أن نضيف مبدأ آخر: الدولة تتعلم من التجربة!

لا توجد نظرية اجتماعية واحدة تستطيع أن تتنبأ بكل ما سيحدث في السودان، ولا توجد وثيقة يمكن أن تحل مسبقاً جميع مشكلات المستقبل.

لذلك يجب أن يكون بناء الدولة عملية تعلم ومراجعة وتجربة وتصحيح، لا عملية تطبيق جامد لوصفة جاهزة.


الرابع والثلاثون: لماذا لا نبدأ من النهاية؟

قد يكون السودان أمام لحظة تاريخية تسمح له بأن يتعلم من تجارب كثيرة دون أن يكررها كلها.

لقد عرفت البشرية دولاً قامت على الدين أو العرق أو السلالة أو الطبقة أو الحزب الواحد أو الجيش، كما عرفت دولاً جمعت أكثر من عنصر من هذه العناصر.

وفي كل مرة تقريباً كان السؤال يعود: ماذا يحدث عندما تصبح الدولة ملكاً لفكرة أو جماعة؟

غالباً ما يبدأ من هم خارج الجماعة في البحث عن حماية بديلة، فتظهر هوية مضادة، ثم دولة مضادة، ويتحول الصراع إلى صراع على الدولة نفسها.

لذلك ربما يكون من الأجدى أن يبدأ السودان من الدرس الذي وصلت إليه تجارب كثيرة بعد صراعات طويلة:

الدولة ليست ملكاً لجماعة، والسلطة مؤقتة، والحكومة قابلة للتغيير، والجيش مؤسسة، والدين للمؤمنين، والثقافة للمجتمع، والتاريخ للذاكرة، والقانون للجميع، والمواطنة هي الرابط السياسي.


Post: #11
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:48 AM
Parent: #10


خاتمة: مانيفستو سودان المستقبل

في النهاية، لا أعتقد أن السودان يحتاج إلى مزيد من الإجابات عن سؤال:

من هو السوداني الحقيقي الأصيل؟

أعتقد أننا نحتاج إلى إجابة عن سؤال أصعب وأهم:

كيف يمكن للسودانيين، بكل تنويعاتهم واختلافاتهم، أن يعيشوا معاً في دولة واحدة أو في أكثر من دولة عادلة، من دون أن يكون اختلافهم سبباً في انتقاص حق أحد؟

هنا يبدأ الطريق.


لا نقول الدولة الوطنية إذا كانت الوطنية ستتحول إلى هوية مغلقة. نقول دولة المواطنة.

لا نقول الدولة العلمانية باعتبار العلمانية وحدها حلاً نهائياً. نقول دولة المواطنة.

لا نقول الدولة المدنية إلا مجازاً حين نعني حكومة غير عسكرية. نقول دولة المواطنة، التي يكون فيها الجيش مؤسسة وطنية مهنية تحت السلطة المدنية والدستور.

لا نقول الدولة الكوشية أو المروية أو السنارية. نحفظ كوش ومروي وسنار في الذاكرة والتاريخ، لكن لا نجعل أياً منها مالكاً سياسياً للحاضر.


لا نقول الدولة الإسلامية أو المسيحية أو الدينية، ولا الدولة الليبرالية أو الاشتراكية. كل هذه أفكار يمكن أن يتنافس أصحابها داخل الدولة، لكن الدولة نفسها ملك للمواطنين جميعاً.


لا نقول الدولة الطبقية. نعالج التفاوت بالعدالة الاجتماعية.


لا نقول المركز والهامش كتعريف نهائي للدولة. نعالج اختلال المركز والهامش حتى لا يبقى هامش.


لا نقول دولة 56 ولا دولة ضد 56، ولا دولة 1821، ولا دولة البحر ولا النهر، ولا دولة السودان القديم ولا السودان الجديد، ولا السودانوية بوصفها هوية سياسية مغلقة.


هذه كلها يمكن أن تكون تاريخاً أو تحليلاً أو فكرة أو مشروعاً سياسياً، لكنها ليست الدولة التي نريد.


نحن لا نريد أن نستبدل دولة هوية بدولة هوية أخرى.

هذه هي النقطة.


إذا كانت المشكلة في دولة الهوية، فلا ينبغي أن يكون الحل هو هوية جديدة للدولة.

نحن نريد شيئاً مختلفاً:


دولة المواطنة.

دولة لا تسأل المواطن من أين جاء قبل أن تعطيه حقه، ولا تسأل عن قبيلته قبل أن تطبق عليه القانون، ولا تسأل عن دينه قبل أن تحميه، ولا تسأل عن لونه قبل أن تفتح له بابها، ولا تسأل عن التاريخ الذي ينتمي إليه قبل أن تعترف به مواطناً.

دولة يكون فيها الجيش جيش الدولة، لا الدولة جيشاً.

دولة يكون فيها القانون أعلى من الحاكم، والهوية أوسع من القبيلة، والوطن أوسع من الجماعة، والذاكرة أوسع من الرواية الواحدة.


نريد أن نصطحب تاريخ السودان كله، لا أن نختار منه تاريخاً واحداً.

ونريد أن نحفظ حضاراته كلها، ولذلك نحتاج إلى متحف وطني جامع لحضارات السودان.

ونريد أن نحفظ ضحاياه كلهم، ولذلك نحتاج إلى متحف وطني لضحايا حروبه.

يحفظ المتحف الأول حقيقة أن السودان كان دائماً أوسع من رواية واحدة، بينما يذكرنا المتحف الثاني بأن الإنسان وكرامته يجب أن يبقيا فوق الحرب والهوية والسلطة.

والوحدة تظل خيارنا المحبب والمأمول إذا كانت وحدة عادلة، طوعية، قائمة على المساواة والمواطنة.

وإذا تعذر استمرارها، فلا ينبغي أن يتحول الانقسام إلى حرب جديدة أو إلى انتقام.

وإذا أصبح الاندماج ممكناً، فلا يكون إلا بإرادة حرة ومساواة كاملة.

لأن الشكل الجغرافي للدولة يمكن أن يتغير، أما المبدأ فلا ينبغي أن يتغير:

لا امتياز بالعرق.. لا امتياز بالدين.. لا امتياز بالقبيلة.. لا امتياز بالتاريخ.. لا امتياز بالجهة.. لا امتياز باللون أو الجنس، إلخ.


والذي يجمعنا ليس أننا متشابهون، بل أننا، رغم اختلافنا، نستطيع أن نعيش معاً في إطار قانوني وثقافي عادل.


وهنا أعود إلى الفكرة التي أريد أن تبقى بعد كل هذا الكلام:

الهوية للمجتمع، والمواطنة للدولة.

نصطحب الجميع، ولا ننفي أحداً، ولا نعطي أحداً حقاً أصلياً في الدولة.

نترك لكل إنسان ذاكرته ودينه وثقافته ولغته وقبيلته وتاريخه وموقفه من الماضي.

لكن عندما يدخل الجميع إلى الدولة، يدخلون من الباب نفسه:

باب المواطنة.

ولذلك، بعد كل هذا النقاش، يمكن اختصار الطريق في عبارة واحدة:

دولة المواطنة.

دولة الاصطحاب لا النفي.


الهوية للمجتمع، والمواطنة للدولة.


وختامه وللأهمية تجدر الإشارة إلى أن مصطلح «دولة المواطنة» وإن كان قديماً في ألفاظه، فإن الكاتب قد أعاد تعبئته بمضمون جديد كلياً ليقابل مصطلح «دولة الهوية»، وهو في هذا السياق والصياغة المحددة مصطلح غير معهود أكاديمياً، بل هو من اختراع الكاتب بالكامل بحكم الضرورة.


محمد جمال الدين حامد، عضو اللجنة التنسيقية للمسار التالت.

المسار التالت، لا سياسي لا عسكري، مدني وطني، إنساني، مستقل.

أغسطس 2026

واتساب:
+31684688891
E:
Sudanin200@gmail.com


Post: #12
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 03:49 AM
Parent: #10


شكراً.. انتهى المينافستو المأمول!

Post: #13
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 04:02 AM
Parent: #1


في سبيل: مانيفستو لسودان المستقبل تحت عنوان: نقول ولا نقول — مخيال وثقافة دولة المواطنة

متاح دوماً ك PDF لكن هذه المرة من منبر سودانيزأونلاين المحبب، مرفق المينافستو المزعوم في شكل مقتطفات.. تأتي تباعاً.. وأظنها تحتاج الصبر الجميل!


https://sudaneseonline.com/board/515/msg/1787105971.html

هذا معد للنسخ والإرسال لمن شاء في سبيل: مانيفستو لسودان المستقبل 👆✌️🌹👆👆

Post: #14
Title: Re: مانيفستو لسودان المستقبل!
Author: محمد جمال الدين
Date: 08-19-2026, 07:41 AM
Parent: #13

مانيفستو لسودان المستقبل.. ذلك هو الأمل✌️🌹✨💝💔🔥