ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وطنا

ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وطنا


08-17-2026, 07:37 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1786948632&rn=0


Post: #1
Title: ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وطنا
Author: Abdalla Gaafar
Date: 08-17-2026, 07:37 AM

07:37 AM August, 17 2026

سودانيز اون لاين
Abdalla Gaafar-Somaliland
مكتبتى
رابط مختصر




بسم الله الرحمن الرحيم

ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وطنا

كما لو أنني أفتح درجاً قديماً في قلبي درجاً امتلأ بالأغنيات التي لم تكن موسيقى فقط بقدر ما هي ذاكرة كاملة تمشي على قدمين. الحزن القديم، أقابلك، شجن، الحب والظروف، ذات الشجون، خداري، أغاني الحقيبة، ليه بنهرب من مصيرنا، غاية الآمال، الى مسافرة، كسلا، بخاف، الطيف، الود، خاف من الله، يا أعز الناس، الذكريات، قصتنا، ضنين الوعد، حبيبة عمري، حسنك أمر، ليلة السبت، الذكريات، والله مشتاقين، كلمة، الزول الوسيم، وكت الليل يفلل، في سكون الليل، عذارى الحي، من زمن، سيد الاسم، في الليلة ديك، قف تأمل، شن طعم الدروس، الطير الخداري، كسلا، هل تدري يا نعسان، خداري، هوج الرياح، أغنيات من ذكريات ارتبطت بمكان ما وزمان ما وحبيب ما وأخرى بفرح ما وأخرى بأحزان وجراح
هذه ليست قائمة أغنيات لكنها خريطة حياة فكل أغنية منها تحمل مكانا، زمنا، وجها، لحظة، جرحا، فرحا، طريقا مشيته، ونافذة وقفت عندها ذات مساء
هذه الأغاني ليست صوتاً وليست ذكريات فقط هي جسر معلّق بين ضفتين داخل الروح ضفة يسكنها الذي كنتَه. ذلك الذي كان يمشي بخفة ويحلم دون خوف ويحب دون حساب ويغضب بسرعة ويسامح بسرعة أكبر ويظن أن العالم قابل للترميم مهما انكسر وضفة أخرى يسكنها الذي أنتَه الآن. هذا الذي يعرف معنى الفقد ويحمل في صدره طبقات من الصمت ويخاف على قلبه أكثر مما يخاف منه
في الغربة يصيبك الضعف في لحظات استماعك لتلك الأغاني التي ارتبطت بأفراحك واحزانك وارتبطت أيضا بأزمان العمر المختلفة. يصيبك الضعف ويأخذك الخيال بعيدا حد ان تحس بصعود الغصة اعلى الروح وتحس بانقباضات الخلايا داخل الجسد المرهق والمثقل بحمل ذكريات تداهمك كالحمى
ليست مجرد أغنيات إنها أرشيف الروح وهي الصندوق السري الذي يفتح نفسه عليك كلما ظننت أنك تجاوزت ما كان وهي الشيء الوحيد الذي يذكرك بأنك لم تفقد كل شيء وأن جزءاً منك ما زال سليما وما زال قادرا على أن يحب وأن يتذكر وأن يعود والأغاني التي ترتبط بأفراحك وأحزانك لا تعود كصوت فقط لكنها تعود كـزمن كامل ينهض من بين خلايا الذكرة وكأن العمر نفسه يضغط على صدرك ليذكرك بأنك كنت هناك وأنك ما زلت تحمل ذلك المكان وذلك الزمان وتلك اللحظة في قلبك مهما ابتعدت.
هي شكل آخر من أشكال العودة حين تستمع لـشجن، الحب والظروف، خداري، أغاني الحقيبة، ليه بنهرب من مصيرنا، غاية الآمال، إلى مسافرة، كسلا، بخاف، الطيف، الود، خاف من الله، ذات الشجون، قصتنا فأنت تسمع روعة ضحكة كانت على مقعد ما وارتباك خطوة في شارع تعرفه جيداً ووجه حبيب لم يعد في الصورة لكنه ما زال في الذاكرة وعشرة ونسة كنت فيها أقرب إلى نفسك مما أنت عليه الآن ونزف جرح لم يلتئم لكنه صار جزءاً من حكمتك
هذه الأغنيات ليست موسيقى إنها أطراف الروح التي تركتها في أماكن بعيدة والتي ما فتئت تعود إليك كلما حاولت أن تكون قوياً أكثر مما ينبغي. والغربة لا تربكنا بالأغاني فقط ولكنها تعيد ترتيبنا بها حد ان نحس بأن الغربة ليست المكان فقط بل هي أن تسمع أغنية كانت تشبهك فتكتشف أنك لم تعد الشخص الذي كان يغني معها ولا الشخص الذي كان يبكي بسببها ولكنها ما زالت قادرة على أن تهزك من الداخل كأنك تعود للحظة لم تعشها كاملة. فالأغاني التي ترتبط بـمكان ما وزمان ما وحبيب ما أو جرح ما هي في الحقيقة تفاصيل فصل صغير من حلم العودة. ليس لأن هذه الأغنيات جميلة فحسب بل لأنها تحمل الطريق الذي خرجت منه والطريق الذي تحاول أن تعود إليه ولو في الخيال. هي فصل من حلم العودة الى تفاصيل ازمان العمر المختلفة فصل ينهض كلما سمعت صوتاً يشبه شبابك أو نبرة تشبه نساء الوطن أو حزناً يشبه رجال الطرقات القديمة في اقصى شمال القلب.
هي ليست مجرد أصوات تعبر الأذن ثم تمضي إنها أرشيف حي ومستودع للزمن ومخزن للوجوه التي عبرت حياتك ثم تركت ظلالها معلّقة على مراجيح الذاكرة. فكل أغنية هي باب صغير تفتحه فينهض أمامك المكان الذي ظننت أنك نسيته شارع عبرته في ظهيرة بعيدة أو ركن بيت كان يضج بالضحك أو حبيبة كانت ترفع شعرها بطريقةٍ عفوية تشبه بداية ترنيمة طار أو أصدقاء تفرقوا لكن أصواتهم ما زالت داخلك
حين تسمع أغنية ارتبطت بفرحٍ قديم تشعر أن قلبك ينهض من سبات طويل وحين تسمع أغنية ارتبطت بحزنٍ ما تتسلل إليك تلك الانقباضات التي تشبه الحمى وكأن الروح تتذكر فجأة أنها كانت مكسورة في يوم ما وأن الكسر ما زال هناك متمسك بخلايا جسدك حد ان صار جزءاً من جمال مدارك الذي تتحرك فيه كل تفاصيلك القديمة طفولتك وارتباكك الأول وخوفك الأول وحبك الأول وجرحك الأول وحزنك الأول
الأغنية هي رحلة العودة الوحيدة التي لا تحتاج فيها إلى جواز سفر فالأغاني التي ترتبط بمكان ما تعيدك إلى ذلك المكان دون أن تتحرك خطوة. تسمع كسلا فتشمّ رائحة التراب بعد المطر وتسمع إلى مسافرة فتشعر بارتباك الوداع تسمع الطيف فتتذكّر وجه من رحل وتسمع خاف من الله فتتذكّر حبيبا سقط اسمك من ذاكرته دون أن يقصد.
هناك أغنيات لا نسمعها فقط ولكن نعيشها من جديد. أغنيات تنهض فينا حياة كاملة وضحكة كنت قد نسيتها أو دمعة لم تكن تعرف أنها ما زالت موجودة أو حلما صغيرا كنت قد خبأته في جيبك ثم نسيته هناك. أغنيات تمنحك حياةً ثانية حياة تعاش في القلب حيث لا أحد يراك ولا أحد يحاسبك ولا أحد يعرف كم أنت هش حين يبدأ اللحن.
الأغنية ذاكرة لا تشفى والأغاني هي الطريقة التي نتذكر بها دون أن ننهار ونبكي دون أن نهزم ونعود دون أن نغادر والأغنية التي أحببتها في لحظة عشق ما تعود إليك كـامرأةٍ كاملة بضحكتها وبمزاجها وبغضبها الجميل وبتلك العيون التي لا تشبه عيون الآخرين. الأغنية التي ترتبط بحبيبٍ ما لا تموت ولكن تتحول إلى حضور خفيف يمرّ في صدرك كلما مرّ اللحن وتربّت على روحك حين تتعب فحين تسمع ضنين الوعد تنهض ابتسامتها القديمة وتسمع الحب والظروف فتعود إلى تلك اللحظة التي وقفت فيها على حافة الوداع وتسمع الذكريات فتشعر بأن قلبك يعود إلى مكان لم يعد موجوداً إلا فيك وتسمع قصتنا فتتذكر أن الحكاية لم تنته بل توقفت في منتصف جملة لم تكتب فالأغنية التي ترتبط بحبيب تصبح مرآة للروح ترى فيها ما فقدته وما احتفظت به وما تمنيت لو بقي.
فجأة تكتشف بان أغنيات مثل ذات الشجون والحزن القديم والود ونظرة يا لسمحة ام عجن وبرضي ليك المولى الموالي ويا النازلة وحنيني اليك والحزن القديم وقلت أرحل أصبحت جزءاً من تكوينك ومن طريقة مشيك ومن طريقة صمتك ومن طريقة حزنك ومن طريقة انتظارك.
في الغربة لا أحد ولا شيء يعرفك كما تعرفك الأغنية ولا أحد يفهم لماذا ترتجف عند نغمة معينة ولا أحد يدرك أن هذا اللحن ليس لحن فقط هو ماضيك الذي يمشي معك في الطرقات البعيدة وهو فرحك وحزنك الذي يعاودك من حين لآخر
الأغنية في الغربة تصبح وطناً صغيراً وحبيباً كبيراً ومسافة تختصر كل المسافات والأغاني التي تحمل رائحة البلاد لا تسمع فقط ولكن تعاش فحين تبدأ الأغنية تنهض في صدرك أرض كاملة وتراب تعرفه وسماء كنت ترفع رأسك إليها في لحظات الحاجة والحمد وأشجار وبيوت كانت تلوح لك في طريق المدرسة ونساء مثل قمر 14 كن يملأن الشوارع بضحكات تشبه بدايات القصائد وشباك يفتح فجأة على بيت كنت تظن أنك نسيته أو على شارع كنت تمشي فيه بلا خوف وعلى طفولة لم تكن تعرف أنها ستصبح أغلى ما تملك.
تسمع طال علينا فراقكم فتشم رائحة الدعاش في المغارب وتسمع غاية الآمال فتشعر بأن يد الوطن يربّت على كتفك. تسمع سفري السبب لي ازاي فتتذكر أن السفر لم يكن خياراً وأن العودة كانت دائماً حلمك الأول تسمع الرحيل فتنهض وجوه الذين رحلوا عنك وكأنهم يقفون عند باب البيت ينتظرونك.
فالوطن ليس المكان فقط هو الطريقة التي يخفق بها قلبك حين تسمع أغنية تشبهه فالأغنية تحفظ تفاصيله الصغيرة في رائحة شاي الصباح وفي صوت المؤذن وفي رنة الطمبور وفي ضحك الجيران وفي ذلك الضوء الذي كان يدخل من نافذة البيت ويجعل كل شيء يبدو ممكناً.
تسمع أنا سوداني فتشعر بأن الوطن يقترب ويدنو حتى يصبح في صدرك وحتى يصبح في دمك ثم يمضي الى تلك المنطقة الصغيرة التي لا يراها أحد. الأغنية تعيدك إلى الوطن حتى لو كنت في أبعد نقطة من العالم تعيدك إلى أمّك وإلى اهلك وإلى أصدقائك وإلى طفولتك وإلى نفسك التي تركتها هناك.
هناك نسخ منا لا تموت لكنها تختبئ خلف ارهاق العمل وخلف التزام المسؤوليات وخلف خيبات الحياة وخلف المدن التي عبرناها دون أن نحبها. والأغنية هي المرآة التي تعيد تلك النسخ إلى الضوء فتريك نفسك كما كنت لا كما أصبح وتريك قلبك قبل أن يتعلم قراءة الخسارات وخطواتك قبل أن تثقلها الطرق الطويلة. وفي الغربة لا شيء يرافقك كما ترافقك الأغنية ولا شيء يعرفك كما تعرفك الأغنية ولا شيء يفتح باب الوطن لك كما تفعل الأغنية فالأغنية تصبح وطناً صغيراً تحمله في جيبك وتفتحه حين يضيق صدرك وتغلقه حين تستطيع التنفس

الرياض أغسطس 2026

Post: #2
Title: Re: ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وط�
Author: Abdalla Gaafar
Date: 08-21-2026, 12:15 PM
Parent: #1


ذات الشجون
ليست مجرد ذكرى ولكن هي ارتجافه كاملة للروح حين تلامسها أغنية حملت في داخلها وجهاً وامرأة وخميساً من زمن بقي بذاكرتك كبروق تومض حين يشتد الليل ويحتلك الحنين
في الغربة حين يهبط صوت محمد الأمين بذات الشجون على صدرك لا يعود صوتاً فقط يعود خميساً كاملاً في كلية الطب بجامعة الخرطوم يعود المسرح ويعود محمد الأمين واقفاً كأنه يرفع الليل بيده ويعود الليل منصتاً ويعود ذلك الضوء الذي كان يلمع في عيون البت البن يعود كل شيء كأن الزمن لم يمضِ.
تسمع الأغنية فتتحرك الخلايا كأنها تتذكر فجأة أنها كانت حية أكثر مما هي الآن وتتذكر ذلك الإرهاق الجميل إرهاق الشباب حين يكون القلب ممتلئاً حدّ الوجع وحين تكون الأحلام بلون الحليب دافئة وخجولة ومشتعلة في الوقت نفسه.
كان ذلك اللقاء بعد أسبوعين من الفراق وكانت الصدفة أنيقة وكان عتابها أكثر اناقة ورقة من أن يحتمل. كانت تنظر إليك بعينين عاشقتين وأنت لا تملك سوى الاستماع تستمع لها وتستمع لأبو الأمين وتستمع لنبضك الذي كان يركض نحوها دون إذن منك.
ذلك اليوم لم يكن يوماً عاديا كان امتدادا لعشقك لأمدرمان ولضحكاتها ولصوتها الذي ينساب إلى الأعماق فيوقظ فيك الحاجة إلى الغرق ولضفيرتين يلتقيان في حدائق البرتقال ولذلك المزج الغريب بين قرية ومدينة وبين اختلاف الطبع واتساع الود وبين قلبين لا يعرفان الفوارق.
جامعة الخرطوم يومها كانت عروسا وكان وردي قد ترك في الهواء شيئاً من الحزن القديم ثم جاء محمد الأمين ليكمل ما بدأه الليل. وكانت هي كالقمر حين يكتمل بدراً جميلة ومضيئة تجلس قربك كأنها وعد لا يقال بصوت عال
كانت البت البن وكانت ذات الشجون ومن يومها ومنذ تلك اللحظة ارتبطت ذات الشجون بكل ما لا ينسى بذلك اللقاء وبتلك النظرة وبذلك المسرح بكلية الطب وبتلك المدينة وبذلك العشق الذي ضاع دون أن ينتبه أحد.
بقيت الأغنية وبقيت البت البن وبقيت أنت وبقيت الغربة تفتح عليك ذلك الدرج كلما سمعت ذات الشجون.
ذات الشجون عندك هي استدعاء لامرأة كانت جزءاً من تكوينك ومن شبابك ومن تلك اللحظة التي صار فيها الصوت طريقاً إلى القلب وصارت أيضا مرآة لوجه لا ينسى
امرأة تشبه الأشياء التي لا تقال بسهولة وتشبه أول رشفة قهوة في صباح بارد وتشبه ضحكة تأتيك من بعيد فتغير مزاج يومك كله وتشبه تلك النظرة التي لا تنسى
كانت البت البن تعرف كيف تحب دون أن تقول وكيف تعاتب دون أن تجرح وكيف تقترب دون أن تطلب وكيف تبتعد دون أن تغلق الباب. وكانت ضفيرتاها حكاية أخرى تلتقيان كأنهما طريقان يعودان لبعضهما بعد سفر طويل. ضحكتها كانت ضحكة امدرمانية كاملة ضحكة تجعل قلبك يركض دون أن يستأذنك.
تلك هي ذات الشجون وتلك هي البت البن لحظة من العمر لو استطاع الزمن أن يحتفظ بها لفعل ولو استطاعت الأغنية أن تحميها لفعلت ولو استطعت أنت أن تبقيها لربما بقيت.
لكنها رحلت كما ترحل الأشياء التي تأتي من الصدفة وتغادر من الصدفة وبقيت ذات الشجون شاهدة وبقيت الذكرى حية وبقيت أنت تحملها في قلبك كلما سمعت ذات الشجون.




Post: #3
Title: Re: ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وط�
Author: حيدر حسن ميرغني
Date: 08-21-2026, 03:28 PM
Parent: #2

اندياح جميل يا دكتور.
Quote: او حين تصبح الأغنية وطنا

بالفعل، عندما تتحول الأغنية إلى وطن، فإنها تكف عن كونها مجرد موسيقى ، خاصة لمن يغالبهم الحنين إلى الوطن.
الأغنية ذات الكلمات العذبة والألحان العبقرية لا تحتاج إلى جواز سفر، ولا تأشيرة دخول، تتحكر في الوجدان مباشرة دون استئذان، وتلامس المشاعر بلا تكلف أو تعقيد.

Post: #4
Title: Re: ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وط�
Author: osama elkhawad
Date: 08-21-2026, 06:19 PM
Parent: #3

كتابة مبدعة كالعادة،
وفريدة في نوعها.

الشعور بالغربة "خشم بيوت".
ومع التطور التكنلوجي الفائق يمكن ان يتلاشى ذلك الشعور
.
الغربة تختلف حسب خبرة الاشخاص.
قرأت مرة ردّاً لميلان كونديرا عن الغربة في فرنسا.
قال صادماً لتوقّعي:
"أنا في غاية السعادة هنا".

لو ُسئلت انا عن غربتي في امريكا،
ربما اتبنّى إجابة كونديرا،
حين اقارن غربتي هنا بغربتي في ليبيا واليمن.
فالاثنان:
"ضياع زمن".

نحن في اشد الاختلاف في ما يتعلق بالترقيم.
فبينما انا مهووس به مثلما كان بولا كذلك،
فانت يا دكتور لا تعبأ به في كثير من الاحيان.

القارئ الحريف يمكنه ان يعالج ذلك .
لكن القارئ العادي، ليست له القدرة على معافرة اللغة بترقيم قليل او بدونه.

Post: #5
Title: Re: ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وط�
Author: Abdalla Gaafar
Date: 08-21-2026, 09:13 PM
Parent: #4


عزيزي المشاء
تحيات وشكر على الحضور الأنيق والمفيد ايضا
طبعا هو اختلاف مشروع فانت وبولا وأيضا الطيب صالح كتاب محترفون تكتبون النص السوداني الطويل المتوتر والمليء بالطبقات وهذه المدرسة تعتمد على الإيقاع الداخلي وعلى اللغة متحركة الإيقاع وهذه كلها تحتاج إلى ترقيم دقيق حتى لا يضيع القارئ في المتاهة
وأنت محق في اهتمامك بالترقيم لأنه يخدم مشروعك الأدبي ويجعل نصوصك أكثر وضوحاً وموسيقية وربما انا من مدرسة كاملة ترى أن الترقيم تدخّل زائد رغم علمي أن الكتابة التي تحمل طبقات فكرية وشعورية يكون الترقيم ضرورة لا رفاهية.
انا من مدرسة ترى أن اللغة العربية بطبيعتها لغة معربة وأن القارئ يستطيع أن يستنتج الوقف والابتداء من السياق خاصة في المنابر التي يرتادها الأدباء الا أنني أيضا اعترف لدي مشكلة مزمنة مع الترقيم وهي واحدة من أعمق العقد التي اواجهها خاصة وانا أحيانا أكتب نصوصاً طويلة الا أنني أحاول ما استطعت معالجة مشكلة الترقيم والتشكيل حتى لا يفقد النص جزء من موسيقاه خاصة في النصوص التي تعتمد على التراكيب الطويلة والاستطراد الا أنني لا أعبا به كثيرا كما قلت
أما عن الشعور بالغربة فسأعود لذلك بي مزاج لاحقا ان شاء الله
تحيات وتقدير


Post: #6
Title: Re: ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وط�
Author: Ahmed Khalil
Date: 08-21-2026, 10:06 PM
Parent: #5

اظن انها زاد الشجون

Post: #7
Title: Re: ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وط�
Author: Abdalla Gaafar
Date: 08-22-2026, 08:20 AM
Parent: #6


العزيز أحمد خليل
هي فعلاً أغنية زاد الشجون كما أوضحت انت وليست ذات الشجون وهي الأغنية التي ارتبطت بذكرتي بذات الشجون التي تعود فراق
شكرا على التصحيح ولك شكري وتقديري



Post: #8
Title: Re: ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وط�
Author: Abdalla Gaafar
Date: 08-22-2026, 10:12 AM
Parent: #7

عزيزي المشاء
عجبتني جدا (الغربة خشم بيوت) لأنها جملة تفتح لنا أكثر من نافذة للكتابة ودعوة لفهم عميق جدا عن الغربة وكأنك تقول: الغربة ليست مكاناً بقدر ماهي طبقات من التجربة وكل طبقة لها معنى مختلف وما قلته عن ليبيا واليمن وأمريكا ليس مقارنة بين بلدان بقدر ما هو مقارنة بين أنواع الفقد.
هناك غربة تشبه التيه وغربة تشبه النجاة وغربة أخرى تشبه الاستراحة وغربة تشبه الهروب وغربة ليبيا واليمن عندك لم تكن غربة مكان ولكنها كان غربة زمن ضاع زمن لم تستطع أن تعيشه كما ينبغي ولم تستطع أن تهرب منه كما تريد ولم تستطع أن تحفظه كما يستحق. ولهذا حين تقول إن غربتك في أمريكا ربما تشبه إجابة كونديرا (نا في غاية السعادة هنا) فأنت لا تمدح المكان بل تقارن نوع الألم (طبعا هذا تفسيري أنا) وأمريكا ليست وطناً لكنها غربة يمكن أن تُعاش وغربة يمكن أن تُظَّم ويمكن أن تفهم ويمكن أن تخفّفها التكنولوجيا والخيارات والقدرة على الحركة (دا برضو تفسيري أنا)
حين تقول إنك سعيد هنا فأنت تقول إنك أخيراً في مكان لا يسرق زمنك وكأنك تقول ان الغربة التي تؤلم ليست الغربة التي تبعدك عن الوطن بل الغربة التي تبعدك عن نفسك ولهذا ليبيا واليمن كانتا غربة قاسية لأنهما أخذتا منك وقتا لا يعود أما أمريكا فهي غربة يمكن أن تعاش دون أن تعاقبك.
فهل تحولت الغربة عندنا من مكان إلى زمن فالغربة التي تتحدث عنها ليست جغرافيا بقدر ماهي سيرة حياة أنت لا تتحدث عن البلدان بل عن الزمن الذي خذلك في بعضها وأنصفك في بعضها. والتكنولوجيا يا مشاء لا تُلغي الغربة بل تغيّر شكلها فالغربة قديما كانت عزلة كاملة رسالة تصل بعد شهر وصوت لا يُسمع وصورة لا تُرى وذاكرةٌ تتآكل لأن لا شيء يربطها بالعالم.
الغربة الحديثة ليست عزلة بقدر ماهي تشتّ فانت ترى كل شيء وتسمع كل شيء وتتواصل مع الجميع لكنّك لا تنتمي إلى أي شيء. التكنولوجيا تخفف الغربة نعم لكنها أيضاً تعريها فتريك كم أنت بعيد وكم تغير العالم من دونك وكم تغيّرت أنت من دون العالم.
كتب صديقي أيوذر يوم ما: لم تعد الغربة سؤالاً عن الخرائط ولا عن خطوط الطيران ولا عن المدن التي تشبهك أو لا تشبهك. الغربة حين تنضج في الوعي تتحوّل إلى شيءٍ آخر تمام (تصبح طريقةً لقياس الزمن لا لقياس المسافة)
في بدايات العمر يا مشاء كنا نظن أن الغربة هي أن تبتعد عن الوطن لكننا اكتشفنا لاحقاً أن الوطن قد يكون أقرب من يدك ومع ذلك تشعر بأنك بعيد عنه آلاف السنين واكتشفنا أيضاً أن مدينة بعيدة جداً قد تمنحك زمناً صافيا فتشعر أنك أقرب إلى نفسك من أي وقت مضى.
يا مشاء الغربة التي تُؤلم ليست تلك التي تبعدك عن أهلك بل تلك التي تبعدك عن نسختك التي كنت تريد أن تكونها. الغربة التي تعاقب ليست غربة المكان بقدر ما هي غربة الزمن الذي لا يعمل لصالحك. الغربة التي تعاقب هي الزمن الذي تحس فيه أنك تستهلك عمرك مقابل توفير الخبز
ولهذا كانت ليبيا واليمن بالنسبة لك والصومال بالنسبة لي ليست بلداناً، بل حقبتين من العمر ضاعتا دون أن تكتمل فيهما الحياة. لم تكن المشكلة في الشوارع ولا في الناس ولا في اللغة بل في الزمن الذي كان يمشي ضدنا والزمن الذي لم يسمح لك ولي أن تتنفس وأن نختبر أنفسنا كما يجب.
الغربة هناك كانت سجناً زمنيا نستيقظ في اليوم نفسه ونعيش الوجع نفسه ونحمل الأسئلة نفسها وننتظر شيئاً لا يأتي ذلك الانتظار الطويل هو الغربة الحقيقية لا المسافة.
الغربة ليست أن تكون بعيداً، الغربة أن تكون خارج زمنك والغربة حين تتحوّل من مكان إلى زمن تصبح رحلة داخل العمر لا داخل الجغرافيا وتصبح أنت لا المكان، من يقرر أين يبدأ الوطن وأين ينتهي المنفى.
نحن يا مشاء جربنا وخبرنا كيف يمكن ان يعيش الإنسان خارج عمره وهو داخل بلده فعرفنا أن ليس كل منفى يحتاج إلى حدود أو مطارا ت وعرفنا أن هناك منفى أشد قسوة و أعمق وأكثر خفاءً: هو المنفى الذي يحدث داخل الوطن نفسه.
ذلك النوع من الغربة لا يرى ولا يُكتب في الأوراق ولا يعلن في نشرات الأخبار أنها غربة يعيشها الإنسان وهو يمشي في شوارع يعرفها ويصافح وجوهاً يعرفها ويتنفس هواءً يعرفه لكنّه يشعر في داخله أنه خارج زمنه.
الغربة داخل الوطن تبدأ حين يتوقف الزمن حولك وحين يصبح يومك نسخة من اليوم الذي قبله وحين تتحوّل الحياة إلى تكرار بلا معنى وحين تشعر أن عمرك يمضي في مكان لا يمنحك فرصة واحدة لتكون نفسك.
الوطن يا مشاء حين يصادر زمنك يتحول إلى منفى فانت لا تحتاج أن تغادره كي تشعر بالغربة يكفي أن تستيقظ كل صباحٍ وأنت تقول في داخلك: هذا اليوم ليس لي. وتحس أن المنفى الحقيقي هو أن تعيش في بلدك لكنّك تعيش حياةً لم تخترها وتحمل هموماً لم تصنعها وتنتظر خلاصاً لا يأتي وتشعر أن الزمن يمر عليك لا معك. هو أن ترى الآخرين يعيشون أعمارهم بينما أنت تعيش انتظاراً طويلاً. انتظار أن يتغيّر شيء وأن تُفتح نافذة وأن يعاد ترتيب القدر وأن يعود الزمن إلى صفّك.
في المنفى الداخلي يا مشاء لا يطردك الوطن لكنه يتركك معلّقاً لا يمنعك من البقاء لكنّه يمنعك من الحياة. ولا يغلق الباب في وجهك، لكنّه لا يفتح أي بابٍ آخر لك لتتنفس.
ولهذا يكون المنفى الداخلي أقسى من الغربة الجغرافية لأن الغربة في الخارج تعاش وتفهم وتُخفّفها الحركة والخيارات واللغة والتكنولوجيا. المنفى الداخلي هو أن تكون قريباً من كل شيء وبعيداً عن نفسك وأن تكون في قلب الوطن لكنّك تشعر أنك خارج العمر وأن تكون بين أهلك لكنّك تشعر أنك ضيف في حياتك.
وحين يهاجر الإنسان بعد هذا النوع من المنفى يكتشف شيئاً صادماً: هو أن الغربة في الخارج أقل ألماً من الغربة في الداخل. لأن الغربة في الخارج ربما تعطيك زمناً جديداً أما المنفى الداخلي فيأخذ منك الزمن القديم دون أن يمنحك شيئاً.
وحين يعيش الانسان هذا النوع من الغربة يكتشف أن الوطن الحقيقي ليس الأرض بل الزمن الذي يستطيع أن يعيش فيه دون أن يُعاقَب.

تحيات وود وتقدير

Post: #9
Title: Re: ليست مجرد أغنيات ... أو حين تصبح الأغنية وط�
Author: osama elkhawad
Date: 08-22-2026, 04:52 PM
Parent: #8

اهلا رفيق الحزن والشعر والغربة

كالعادة شوفك ما اعتيادي.
بدا لي جليًا الآن بعد تحليلك المفاجئ لي ،
ان ما كنت اعتبره سعادة ، هو ضرب من المعانة الهّنة:،
التي لا تُرى بعين القلب المجرّدة:
حمّى خفيفة!!

لم تكن غربة ليبيا واليمن "ضياع زمن"،
كما تقول اغنية البنات.
كانت درسا من دروس العمر التي لا تحصل عليها بالقراءة المثابرة:
ان وعود السلفيين والمتدينيين بالخير الكامن وراء حجب المراة والفصل بين الجندرين،
وعود كاذبة.

هذه مجتمعات تعيسة:
مع كامل التضامن مع شعوبها المكلومة !!