السودان… الهوية المعلّقة بين العِرق والجغرافيا

السودان… الهوية المعلّقة بين العِرق والجغرافيا


08-13-2026, 10:15 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1786612540&rn=0


Post: #1
Title: السودان… الهوية المعلّقة بين العِرق والجغرافيا
Author: اسماعيل عبد الله محمد
Date: 08-13-2026, 10:15 AM

10:15 AM August, 13 2026

سودانيز اون لاين
اسماعيل عبد الله محمد-
مكتبتى
رابط مختصر



زكريا آدم علي
ربما لا توجد قضية في السودان أُسيء التعامل معها بقدر قضية الهوية. ليس لأن السودانيين يفتقرون إلى هوية واضحة، وإنما لأنهم ظلوا يتعاملون مع هويتهم من خلال تصنيفات اختلطت فيها الجغرافيا بالعرق والثقافة بالتاريخ، حتى أصبحت بعض المفاهيم تبدو وكأنها متناقضة وهي في حقيقتها قابلة للاجتماع في الإنسان والمجتمع الواحد.
من أكثر هذه الالتباسات شيوعاً تلك الثنائية التي تقول: العرب والأفارقة، وكأن السودان يقف بين جماعتين منفصلتين، إحداهما عربية والأخرى أفريقية. لكن عند إخضاع هذه الثنائية للتفكير المنطقي، يظهر خللها منذ البداية: العربي وصف إثني أو ثقافي، بينما الأفريقي وصف جغرافي في الأساس.
فإذا كان المقصود بالعربي الانتماء الإثني أو الثقافي، فإن «الأفريقي» ليس نقيضاً له. فالعربي السوداني أفريقي بحكم الجغرافيا، تماماً كما أن السوداني المنتمي إلى أي مكوّن إثني آخر هو أفريقي بحكم انتمائه إلى القارة.
المفارقة أن هذا الخلط لم يكتفِ بتحويل «الأفريقي» من وصف جغرافي إلى وصف إثني، وإنما جعل العروبة تبدو أحياناً وكأنها خروج من أفريقيا. وكأن الاعتراف بأن السوداني عربي يعني بالضرورة أنه ليس أفريقياً.
وهنا تكمن واحدة من أعقد مشكلات الوعي السوداني.
كيف أصبحت أفريقيا نقيضاً للعروبة؟
السؤال يكشف أن المشكلة ليست في الجغرافيا، وإنما في الطريقة التي جرى بها بناء مفهوم الهوية. فقد جرى في بعض التصورات اختزال الأفريقية في الزنوجة، ثم وضع العروبة في الجهة المقابلة لها. وبذلك تحولت الثنائية من تصنيفات إثنية إلى ثنائية «عربي وأفريقي»، فأصبح وصف جغرافي في مواجهة وصف إثني.
وهكذا نشأت ثنائية غير متكافئة من حيث المفهوم، لكنها اكتسبت مع الزمن قوة سياسية واجتماعية كبيرة.
والنتيجة أن بعض السودانيين الذين يعتزون بعروبتهم أصبحوا يتعاملون مع كلمة «أفريقي» بشيء من التحفظ، وكأنها تنتقص من عروبتهم، بينما يتعامل بعض الذين يركزون على الانتماء الأفريقي مع العروبة باعتبارها خروجاً من أفريقيا أو رفضاً لها.
وفي الحالتين هناك خطأ مشترك: تحويل الهويات المتداخلة إلى هويات متصارعة.
ولعل الطريق إلى تجاوز هذا الالتباس يبدأ بإعادة ترتيب دوائر الهوية السودانية على نحو أكثر منطقية. فهناك ثلاث دوائر مختلفة لكنها متداخلة:
الدائرة الأولى: السوداني، وهي دائرة الهوية الوطنية التي تجمع الجميع داخل وطن واحد.
الدائرة الثانية: الأفريقي، وهي دائرة الانتماء الجغرافي والحضاري إلى القارة الأفريقية.
الدائرة الثالثة: الانتماء الإثني والثقافي، وهي دائرة التعدد التي تضم مختلف المكونات السودانية بما تحمله من أصول وثقافات ولغات وتاريخ اجتماعي متنوع.
وبهذا الترتيب لا يعود هناك أي تعارض بين الدوائر الثلاث. فقد يكون الإنسان سودانياً وأفريقياً وعربياً في الوقت نفسه، كما يمكن أن يكون سودانياً وأفريقياً ومنتمياً إلى أي مكوّن إثني وثقافي آخر، دون أن ينتقص ذلك من انتماء الآخرين أو يلغيه.
المشكلة تبدأ فقط عندما نحاول وضع هذه الدوائر في مواجهة بعضها، فنحوّل العربي إلى نقيض للأفريقي، أو نجعل الانتماء الإثني بديلاً عن الانتماء الجغرافي، أو نجعل الانتماء الجغرافي إلغاءً للتنوع الإثني.
والواقع أن السودان نفسه يقدم نموذجاً واضحاً لاستحالة الفصل الصارم بين هذه الدوائر. فالعربية في السودان لم تعش خارج أفريقيا، وإنما ترسخت داخل بيئة أفريقية وتفاعلت مع شعوبها وثقافاتها وتاريخها. ولذلك فإن العروبة السودانية، حتى في أكثر صورها وضوحاً، هي عروبة تشكلت داخل المجال الأفريقي.
ومن هنا ينبغي أن نتوقف عن السؤال القديم: هل السودان عربي أم أفريقي؟
فالسؤال نفسه يفترض أن العربية والأفريقية تقعان على المستوى ذاته، وأن الاعتراف بإحداهما يستوجب نفي الأخرى.
والأدق أن نسأل: ما الذي نعنيه بالعربي؟ وما الذي نعنيه بالأفريقي؟
إذا كان الحديث عن الإثنية، فلنتحدث عن الإثنية. وإذا كان الحديث عن الجغرافيا، فلنتحدث عن الجغرافيا. وإذا كان الحديث عن الثقافة، فليكن النقاش ثقافياً. أما أن نضع العرق والجغرافيا في ميزان واحد ثم نطلب من السوداني أن يختار بينهما، فذلك لا يحل أزمة الهوية وإنما يعمقها.
السودان ليس بلداً يقف خارج أفريقيا ثم يتساءل إن كان يريد الانتماء إليها. السودان جزء من أفريقيا بحكم الجغرافيا والتاريخ، ولا يحتاج هذا الانتماء إلى شهادة إثنية من أحد.
وفي الوقت نفسه فإن وجود مكون عربي واسع في السودان حقيقة تاريخية وثقافية واجتماعية لا تحتاج إلى إنكار أو اعتذار، تماماً كما أن بقية المكونات السودانية لا تحتاج إلى تبرير وجودها أو إثبات أصالتها.
المطلوب إذن ليس أن ينتصر العربي على الأفريقي، ولا أن ينتصر الأفريقي على العربي، وإنما أن نتجاوز الثنائية نفسها لأنها بنيت على خلط بين مفاهيم مختلفة.
السوداني هو الدائرة الوطنية الجامعة، والأفريقي هو دائرة الانتماء الجغرافي، والانتماء الإثني والثقافي هو دائرة التعدد التي يتساوى داخلها جميع مكونات المجتمع السوداني.
وحين توضع هذه الدوائر في مواقعها الطبيعية، تتوقف عن التنافس وتبدأ في التكامل.
وقد يكون الخروج من أزمة الهوية السودانية مشروطاً أولاً بالخروج من السؤال الذي حشرنا طويلاً في زاوية الاختيار: عربي أم أفريقي؟
فالسؤال الصحيح ليس أيهما نختار، وإنما: لماذا افترضنا أصلاً أنهما متناقضان؟
ربما يكون السودان في حاجة اليوم إلى هوية أكثر اتساعاً من التصنيفات الضيقة؛ هوية لا تطلب من العربي أن ينكر أفريقيا، ولا من أي مكوّن سوداني أن يتخلى عن خصوصيته الثقافية والإثنية حتى يثبت سودانيته.
فالهوية ليست صندوقاً مغلقاً، والجغرافيا ليست عِرقاً، والعِرق ليس وطناً، والثقافة ليست حدوداً.
ومن هنا ربما تبدأ إعادة اكتشاف السودان: حين ندرك أن المشكلة لم تكن في تعدد هوياتنا، وإنما في الطريقة التي جعلنا بها هذا التعدد يبدو كأنه تناقض.

Post: #2
Title: Re: السودان… الهوية المعلّقة بين العِرق والج
Author: حيدر حسن ميرغني
Date: 08-13-2026, 10:43 AM
Parent: #1

CPXMpSI.md.jpg