عادل سهل يكتب: ستنتهي الحرب في السودان قريباً جداً

عادل سهل يكتب: ستنتهي الحرب في السودان قريباً جداً


08-04-2026, 03:46 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1785854778&rn=0


Post: #1
Title: عادل سهل يكتب: ستنتهي الحرب في السودان قريباً جداً
Author: اسماعيل عبد الله محمد
Date: 08-04-2026, 03:46 PM

03:46 PM August, 04 2026

سودانيز اون لاين
اسماعيل عبد الله محمد-
مكتبتى
رابط مختصر



‏ستنتهي الحـ رب في السودان... قريباً جداً‏

✍️ عادل ود سهل

لا أعرف متى سيحدث ذلك باليوم والساعة، ولا أملك جدولاً زمنياً مخفياً في درج أحد ‏المفاوضين، ولا أتحدث باسم غرفة عمليات عسكـ رية، ولا أنقل معلومة من أجهزة ‏استخبارات، ولا أروي رؤيا منام، ولا أقرأ فنجاناً، ولا أمارس التنجيم السياسي الذي ‏امتلأت به منصات التواصل الاجتماعي‎.‎

‏ومع ذلك‎...‎‏‏

‏ولأول مرة منذ اندلاع هذه الحـ رب في صباح الخامس عشر من أبريل 2023، ‏أكتب هذه الجملة بيقين كامل لا يتردد‎:‎‏‏

‏ستنتهي حـ رب السودان قريباً جداً‎.‎‏‏

سيبتسم بعضهم ساخراً، وسيقول آخرون: "كم مرة سمعنا مثل هذا الكلام؟"، ‏وسيطالبني آخرون بالدليل قبل أن يكملوا السطر الأول‎.

وهذا بالضبط ما أريده‎.‎
أريد للقارئ ألا يصدقني لمجرد أنني قلت ذلك، بل أن يرافقني حتى آخر المقال، ثم يسأل ‏نفسه‎: ‎هل كان الرجل يبالغ... أم أنه يقرأ التاريخ جيداً؟

أنا لا أطلب من أحد أن يصدقني‎.‎

أطلب فقط أن يمنح التاريخ فرصةً ليتحدث‎.‎

‏التاريخ... ذلك القاضي الذي لا يكذب:‏

منذ أن بدأ الإنسان أول معركة على وجه الأرض، وحتى هذه اللحظة التي تقرأ فيها هذا ‏المقال، لم يعرف التاريخ حرباً واحدة استمرت إلى الأبد‎.‎
قد تطول الحرب‎...‎
وقد تزداد شراسة‎...

‏وقد تخلف وراءها مدناً من الرماد، ومقابر تمتد حتى الأفق، وأطفالاً لا يعرفون سوى ‏صوت المدافع‎...‎‏ لكنها، في النهاية، تنتهي‎.‎‏‏

هذه ليست أمنية شاعر، ولا دعاء أمٍ تنتظر ابنها على باب الدار، وإنما هي القانون الأكثر ‏ثباتاً في تاريخ البشرية‎.

فحرب داحس والغبراء التي استنزفت العرب أربعين عاماً... انتهت‎.‎

وحـ رب البسوس التي أحرقت القبائل عقوداً طويلة... انتهت‎.‎

الحـ روب الصليبية، بكل ما حملته من دمــ ــاء وشعارات وعقائد... انتهت‎.

وحـ رب الثلاثين عاماً التي مزقت أوروبا... انتهت‎.‎

والحـ رب الأهلية الأمريكية... انتهت‎.‎

والحـ ربان العالميتان اللتان قتلتا عشرات الملايين... انتهتا‎.‎

وحـ رب فيتنام... انتهت‎.‎

وحـ رب البوسنة والهرسك... انتهت‎.‎

وحـ رب رواندا... انتهت‎.‎

وحـ رب لبنان الطويلة ‏‎(1990–1975)‎‏ ... انتهت‎

‏ثم حـ رب السودان (2023 – 2026) ... ستنتهي.‏

‏ولم يكن انتهاء تلك الحـ روب لأنها أصبحت فجأة عادلة، أو لأن أحد الأطراف اكتشف ‏فجأة فضيلة التسامح، وإنما لأنها وصلت إلى تلك اللحظة التي اكتشف فيها الجميع أن ‏استمرارها صار أكثر كلفة من إنهائها‎.‎‏‏

‏وهذا هو القانون الذي لم يخالفه التاريخ مرةً واحدة، النار لا تظل مشتعلة إلى ‏الأبد.‏

الحروب تشبه النار‎.‎
في بدايتها تكون شرسة، متـ وحشة، تلتهم كل ما تجده أمامها‎.‎
ثم تبدأ شيئاً فشيئاً في استهلاك الوقود الذي أشعلها‎.‎
تلتهم الرجال‎...‎
والمال‎...‎
والمدن‎...‎
والاقتصاد‎...‎
والثقة‎...‎
والأمل‎...‎
حتى تصل إلى لحظة يصبح فيها ما تبقى من الوطن أغلى من أن يُحـ رق، وما تبقى من ‏الناس أثمن من أن يُدفع إلى محـ رقة جديدة‎.‎

عندها فقط تبدأ الحروب في الشيخوخة‎.‎

وللحروب أعمار، كما للبشر أعمار‎.‎
تولد‎...‎
ثم تكبر‎...‎
ثم تتـ وحش‎...‎
ثم تتعب‎...‎
ثم تموت‎.‎
أما الأوطان، فإنها - إذا أحسن أهلها إليها - تستطيع أن تولد من جديد‎.‎

‏لماذا يبدو هذا العنوان صادماً؟‏

لأننا، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحـ رب، اعتدنا الأخبار السيئة حتى أصبح التفاؤل ‏نفسه يبدو خبراً غريباً‎.‎

اعتدنا أن نستيقظ كل صباح على بيانات عسكـ رية، وعلى صور الدمار، وعلى قوائم ‏الشهداء، وعلى أخبار النزوح، حتى أصبح كثير من السودانيين يظنون - من فرط ما رأوه ‏‏- أن هذه الحـ رب خُلقت لتبقى‎.‎

لكن التاريخ يقول غير ذلك‎.‎

والسياسة تقول غير ذلك‎.‎

والاقتصاد يقول غير ذلك‎.‎

والمجتمع يقول غير ذلك‎.‎

بل حتى الحـ رب نفسها بدأت تقول غير ذلك‎.‎

فالذين كانوا قبل سنوات يتحدثون بثقة عن الحسم الكامل، أصبحوا اليوم يتحدثون عن ‏المخرج‎.‎

والذين كانوا يرفعون سقف التوقعات إلى أقصى مدى، باتوا يبحثون عن أقل الخسائر‎.‎

وهذا التحول ليس صدفة‎.‎

‏إنه أحد أهم العلامات التي تسبق نهاية كل حرب‎.‎‏‏

‏على ماذا بنيتُ هذا اليقين؟‏
سألني كثيرون خلال الأشهر الماضية‎:‎‏ هل تتوقع أن تنتهي الحـ رب قريباً؟

وكنت دائماً أتجنب الإجابة القاطعة‎.

أما اليوم، فأقولها بثقة؛ لا لأنني أعلم الغيب، فالغيب لله وحده، وإنما لأنني أقرأ ما أمامي ‏بعين التاريخ، لا بعين الانفعال‎.‎

لقد علمتنا الحـ روب أن لها لحظةً خفية، لا تُعلن في مؤتمر صحفي، ولا تُبث في نشرة ‏أخبار‎.‎

لحظة يبدأ فيها الجميع، بصمت، بإعادة حساباتهم‎.‎

لحظة يدرك فيها المنتصر أنه دفع أكثر مما توقع‎.‎

ويدرك فيها الخاسر أن ما بقي لديه يستحق أن يُنقذ‎.‎

ويدرك فيها المدني البسيط أن أي سلام ناقص، يظل أرحم من حـ رب كاملة‎.‎

تلك اللحظة لا يلاحظها كثيرون وهي تولد‎.‎

لكن المؤرخين، بعد سنوات، يشيرون إليها ويقولون‎:‎‏ هنا... بدأت نهاية الحرب...‏

‏وأنا أعتقد - بكل تواضع - أن السودان يقف الآن قريباً من تلك اللحظة ‏التاريخية‎.‎‏‏

ليس لأن المعارك توقفت، فهي لم تتوقف‎.‎

وليس لأن الخلافات انتهت، فهي لم تنته‎.‎

بل لأن العوامل التي تُبقي الحروب مشتعلـــ ـة بدأت تضعف، بينما العوامل التي تدفع ‏نحو نهايتها أصبحت أقوى من أي وقت مضى‎.‎

ولهذا، فإنني لا أبني هذا اليقين على أمنية، ولا على انحياز، ولا على عاطفة‎.‎

بل أبنيه على قراءة هادئة لمسار الحـ روب عبر التاريخ، وعلى ما أراه من مؤشرات ‏عسكرية، وسياسية، واقتصادية، وإنسانية، وإقليمية، وشعبية، سأضعها أمام القارئ ‏واحدةً بعد الأخرى، ليحكم بنفسه في نهاية هذا المقال، لا في بدايته‎.

‏أولاً: المؤشر العسكـ ري - حين تتعب البنادق قبل أن تتعب الأوطان:‏

في كل حربٍ يظن المتحاربون، في أيامها الأولى، أن النصر يقف خلف التلة التالية، وأن ‏معركةً أخرى، أو هجوماً آخر*أو سلاحاً جديداً، كفيلٌ بأن يحسم كل شيء‎.‎

هكذا تبدأ الحـ روب دائماً‎...‎

كل طرفٍ يعتقد أن الزمن يقاتل معه، وأن الأيام المقبلة ستمنحه ما لم تمنحه الأيام ‏الماضية، وأن خصمه هو الذي سينهار أولاً‎.‎

لكن الزمن، ذلك القائد الذي لا ينتمي إلى أي جيش، يبدأ ببطء في إعادة ترتيب المشهد‎.‎
تمر الشهور‎...‎
ثم الأعوام‎...‎
فتكتشف البنادق أنها تستطيع أن تحسم معركة، لكنها لا تستطيع أن تبني وطناً‎.‎

ويكتشف القادة أن الخرائط العسكـ رية يمكن أن تتغير عشرات المرات، بينما يبقى النزيف ‏الإنساني في مكانه‎.‎

وتكتشف الشعوب أن الحروب لا تستهلك الذخيـ رة وحدها، وإنما تستهلك معها ‏الأعصاب، والاقتصاد، والثقة، والأمل، وحتى القدرة على الفرح‎.‎

لقد علمنا التاريخ أن أخطـ ر مرحلة في أي حـ رب ليست بدايتها‎...‎

‏بل لحظة الإرهاق‎.‎

لأن الحرب في بدايتها تشبه العدّاء الذي ينطلق بكل قوته، أما في نهايتها فتشبه الرجل ‏الذي يحمل جبلاً على كتفيه، ويواصل السير فقط لأنه لا يعرف كيف يتوقف‎.

وحين تصل الحـ روب إلى هذه المرحلة، ينكشف ميزان القوة الحقيقي‎.‎

ليس ميزان الدبابات والطائرات‎...‎
بل ميزان القدرة على الاستمرار‎.‎
والاستمرار، في كل الحـ روب، هو السلاح الأغلى ثمناً‎.‎

إن الحرب السودانية، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، لم تعد كما كانت في أيامها ‏الأولى‎.‎
لقد دفعت كل الأطراف أثماناً باهظة‎.‎
أثماناً في الرجال‎...‎
وفي الموارد‎...‎
وفي الزمن‎...‎
وفي المدن‎...‎
وفي الاقتصاد‎...‎
وفي صورة السودان أمام العالم‎.

وليس مهماً هنا أن يختلف الناس حول تقييم المكاسب والخسائر العسكـ رية لكل طرف؛ ‏فذلك شأن يكتبه المؤرخون لاحقاً‎.‎

أما الحقيقة التي يصعب إنكارها، فهي أن الحـ رب نفسها أصبحت أكثر كلفة من أي ‏مكسب يمكن أن تحققه‎.‎

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية عن ميادين القتال نفسها‎.‎

فالحروب الحديثة لا تعيش على ما يملكه المتحاربون وحدهم، بل كثيراً ما تعتمد، ‏بدرجات متفاوتة، على ما يصلها من خارج حدودها‎.‎

وقد تابع العالم كله كيف ارتبط استمرار الحـ رب السودانية، خلال سنواتها الماضية، ‏بأشكال مختلفة من الدعم الخارجي الذي تلقته أطراف الصراع‎.‎

غير أن التاريخ يعلمنا أيضاً أن هذا النوع من الدعم لا يكون أبدياً‎.‎

فالدول، مهما كانت دوافعها السياسية أو الاستراتيجية، تحكمها في نهاية المطاف ‏حسابات الكلفة والعائد‎.‎

ومع امتداد أمد الحـ روب، تبدأ الأسئلة الصعبة في الظهور داخل تلك الدول نفسها‎:‎

إلى متى يستمر هذا الدعم؟
وما الذي تحقق منه؟
وهل أصبحت كلفته أكبر من جدواه؟

وليس هناك دولة تستطيع أن تجعل من تمويل حرب خارج حدودها التزاماً مفتوحاً ‏إلى ما لا نهاية‎.‎
فالخزائن ليست بلا قاع‎...‎
والرأي العام لا يصبر إلى الأبد‎...‎
والأولويات تتغير‎...‎
والتحالفات يعاد ترتيبها‎.‎

وحين يبدأ هذا الوقود الخارجي في التراجع، ولو تدريجياً، تدخل الحـ رب مرحلة جديدة ‏يصبح فيها الاستمرار أصعب مما كان في سنواتها الأولى‎.‎

وهذه، في علم الحـ روب، ليست علامة ضعف لطرف بعينه‎...‎

بل علامة تعب للحـ رب نفسها‎.‎
وعندما تتعب الحـ روب‎...‎‏ تبدأ نهاياتها‎.‎

‏ثانياً: المؤشر السياسي - عندما يبدأ الجميع في البحث عن المخرج بدلاً من البحث عن ‏النصر:‏

هناك فرقٌ كبير بين الحـ رب والسياسة‎.‎
الحـ رب تسأل دائماً‎:‎‏ من انتصر؟
أما السياسة، ففي النهاية، تسأل‎:‎‏ كيف نخرج من هذا كله؟

ولهذا، فإن أكثر اللحظات أهمية في تاريخ الحروب ليست تلك التي ترتفع فيها أصوات ‏المدافع، وإنما تلك التي يبدأ فيها السياسيون، بصوتٍ منخفض، في البحث عن أبواب ‏الخروج‎.‎

ففي بداية أي حـ رب، تكون اللغة مختلفة‎.‎
لغةٌ مليئة بالوعود‎.‎
وبالحسم‎.‎
وبالانتصار الكامل‎.‎
وبالخطوط الحمراء‎.‎
لكن كلما طال أمد الصراع، تغيّرت المفردات نفسها‎.‎
فتظهر كلمات مثل‎:‎
الحل‎...‎
التسوية‎...‎
المرحلة الانتقالية‎...‎
وقف إطلاق النار‎...‎
الضمانات‎...‎
إعادة الإعمار‎...‎
المصالحة‎.‎
وليس لأن أحداً أصبح أكثر رومانسية‎.‎
بل لأن الواقع فرض لغته الجديدة‎.‎

إن السياسة، في نهاية المطاف، أكثر براغماتيةً من الحـ رب‎.‎

فهي تعرف أن الأوطان لا تُدار بالبندقية وحدها، ولا يمكن أن تُبنى الدولة إلى الأبد ‏فوق أصوات المدافع‎.‎

ولذلك، كلما طال أمد الحرب، ازدادت قيمة السياسة، وتراجعت قدرة السلاح على ‏تقديم حلولٍ دائمة‎.‎

وهذه ليست خصوصية سودانية‎...‎

بل قانونٌ تكرر في كل الحـ روب التي عرفها العالم‎.‎

‏ثالثاً: المؤشر الاقتصادي - حين تصبح الحرب أفقر من أن تستمر:‏

قد تستطيع الدول أن تتحمل حرباً قصيرة‎.‎

وقد تتحمل حرباً متوسطة‎.‎

لكن لا توجد دولة، مهما بلغت ثروتها، تستطيع أن تجعل الحـ رب أسلوبَ حياةٍ دائماً‎.‎

لأن الاقتصاد، بخلاف الخطابات، لا يعرف العواطف‎.‎
إنه يعرف لغة الأرقام فقط‎.‎
وحين تبدأ الأرقام بالصراخ‎...‎

يعرف الجميع أن الوقت لم يعد يعمل لصالح الحرب‎.‎
في الحـ روب الطويلة لا ينهار الجنيه وحده‎...‎
ينهار الاستثمار‎.‎
وتهاجر العقول‎.‎
وتغلق المصانع‎.‎
ويتراجع الإنتاج‎.‎
وتضعف الزراعة‎.‎
وتتوقف الجامعات‎.‎
ويغادر الأطباء والمهندسون.‏
وتتسع دائرة الفقر عاماً بعد عام‎.‎

ثم يصل المجتمع كله إلى لحظة يكتشف فيها أن الحـ رب لم تعد تلتهم الجنود فقط‎...‎

بل تلتهم المستقبل أيضاً‎.‎

ولذلك فإن الاقتصاد، عبر التاريخ، كان من أكثر القوى التي أجبرت الحـ روب على ‏التوقف‎.‎
لأن الرصاصــ ــة تُصنع في المصنع‎.‎
والمصنع يحتاج إلى كهرباء‎.‎
والكهرباء تحتاج إلى مال‎.‎
والمال يحتاج إلى اقتصاد‎.‎
والاقتصاد لا يعيش طويلاً تحت القصف‎.‎

ولهذا، فإن الحـ روب قد تبدأ بالبندقية‎...‎

لكنها كثيراً ما تنتهي عند خزينة الدولة‎.‎

وليس السودان استثناءً من هذه القاعدة‎.‎

بل ربما ازدادت وطأة هذا المؤشر فيه، أن السودان لم يدخل هذه الحـ رب وهو يقف ‏على أرض اقتصادية صلبة‎.‎

فقد كان يعاني، قبل اندلاعها، أزمات مالية متراكمة، وديوناً خارجية ثقيلة، وضغوطاً ‏متزايدة على العملة الوطنية، وتراجعاً في الإنتاج والاستثمار‎.‎

ثم جاءت الحـ رب، لا لتبدأ الأزمة‎ وإنما لتضاعفها‎...‎

فأصبح الاقتصاد الذي كان يترنح قبل الحـ رب، يقاتـ ـــل اليوم من أجل البقاء‎.‎

وأصبحت كلفة استمرار الصراع لا تُقاس بما يُنفق على ميادين القتال وحدها، بل بما ‏يخسره السودان، يوماً بعد يوم، من فرص التنمية، والاستثمار، وإعادة الإعمار، ‏واستعادة ثقة الداخل والخارج‎.‎

وكل يوم يطول فيه أمد الحـ رب‎...‎
يزداد الثمن الذي سيدفعه السودان عندما يحين وقت النهوض من جديد‎.‎

ولهذا، فإن الاقتصاد لا يرسل إنذاراً واحداً‎...‎

بل يرسل إنذاراً كل صباح‎.‎

وحين تتوالى هذه الإنذارات، وتصبح كلفة استمرار الحـ رب أكبر من قدرة الدولة والمجتمع ‏على احتمالها‎...‎

حينها يعرف الجميع أن ساعة البحث عن السلام أصبحت أقرب من أي وقت مضى‎.‎

‏رابعاً: المؤشر الإنساني - حين يصبح الألم هو الحـ زب الأكبر في السودان:‏

لعل أخطر ما فعلته هذه الحـ رب أنها لم تفرّق بين المنتصر والمنهزم في صناعة الألم‎.‎
فالدموع لا تسأل أصحابها عن مواقفهم السياسية‎.‎
والقذائف لا تفتش عن الانتماءات قبل أن تسقط‎.‎

والنزوح لا يختار ضحاياه على أساس الآراء‎.‎

لقد صنعت هذه الحرب شيئاً واحداً يتفق عليه الجميع‎...‎

وهو الوجع‎.‎

لم يعد السوداني اليوم يسأل‎ من ربح المعركة؟ :‎
بل يسأل‎ متى أعود إلى بيتي؟:‎
متى يذهب أطفالي إلى مدارسهم؟
متى أفتح متجري؟
متى أزور أهلي دون أن أخاف من الطريق؟
هذه الأسئلة البسيطة هي التي تصنع نهايات الحروب‎.‎
لأن الشعوب قد تصبر على الألم‎...‎
لكنها لا تستطيع أن تعيش فيه إلى الأبد‎.‎

ولهذا أقول، وأنا أقرأ وجوه السودانيين قبل أن أقرأ نشرات الأخبار‎:‎

إن الرغبة الشعبية في السلام أصبحت، في تقديري، أكبر من الرغبة في انتصار أي ‏طرف‎.‎

غير أن المأساة الإنسانية لم تعد تقف عند حدود السودان وحده‎.‎

فملايين السودانيين حملوا ما استطاعوا حمله من ذكرياتهم، وغادروا بيوتهم إلى مدن ‏أخرى داخل الوطن، أو إلى دول الجوار، أو إلى بلدان بعيدة، بحثاً عن مكان أكثر أمناً‎.‎

وقد فتحت تلك الدول أبوابها في بداية الأزمة، وتحملت أعباءً إنسانية كبيرة تستحق ‏التقدير‎.‎

لكن اللجوء، بطبيعته، ليس وضعاً يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية‎.‎

فكلما امتدت سنوات الحرب، ازدادت الضغوط على الدول المستضيفة، وعلى ‏مواردها، وخدماتها، وأسواق العمل فيها‎.‎

ومع مرور الوقت، بدأت ترتفع أصوات داخل كثير من تلك المجتمعات تنادي بأن الحل ‏الحقيقي لا يكمن في إدارة اللجوء إلى ما لا نهاية، وإنما في إنهاء الحرب نفسها، حتى يعود ‏الناس إلى وطنهم آمنين‎.‎

وهكذا لم تعد الحاجة إلى إنهاء الحرب مطلباً للسودانيين وحدهم‎...‎

بل أصبحت مصلحةً مشتركةً لكل من تحمل آثارها المباشرة أو غير المباشرة‎.‎

فعندما يصبح الجميع‎...‎

من بقي داخل الوطن‎...‎

ومن اضطر إلى مغادرته‎...‎

ومن استضافه خارج حدوده‎...‎

ينتظرون نهاية الحـ رب أكثر من انتظارهم نتائجها‎...‎

ويتطلعون إلى اليوم الذي يعود فيه الإنسان إلى بيته‎...‎

فإن التاريخ يكون قد بدأ بالفعل في إدارة صفحته التالية‎.‎

وهذه، في تقديري، واحدة من العلامات التي تسبق نهاية الحروب الطويلة‎.‎

وعندها يبدأ صوت السلام، رويداً رويداً، في أن يصبح أعلى من صوت البنادق‎.‎

‏خامساً: المؤشر الإقليمي والدولي - عندما يكتشف العالم أن استمرار الحرب لم يعد ‏خياراً:‏

في السنوات الأولى لأي حـ رب، ينشغل العالم غالباً بمتابعة تطوراتها، ومراقبة موازين ‏القوى، وانتظار ما ستؤول إليه المعارك‎.‎

لكن كلما طال أمد الصراع، يتغير السؤال‎.‎
فلا يعود النقاش يدور حول من يكسب جولة هنا أو يخسر معركةً هناك‎.‎

بل يصبح السؤال‎:‎‏ إلى متى يستطيع هذا البلد أن يتحمل؟

ذلك لأن الحروب الطويلة لا تبقى شأناً داخلياً‎.‎

فهي تفتح أبواب النزوح، وتربك الاقتصاد الإقليمي، وتهدد طرق التجارة، وتخلق ‏فراغات أمنية تتجاوز حدود الدولة نفسها‎.‎

ولهذا، فإن المجتمعين الإقليمي والدولي قد يختلفان في قراءة أسباب الحرب، وقد ‏يتباينان في مواقفهما من أطرافها، لكنهما يصلان في مرحلة معينة إلى نقطة مشتركة‎:‎

أن استمرار الحـ رب أصبح، في حد ذاته، خطراً أكبر من البحث عن تسوية لها‎.‎

وهذه ليست خصوصية سودانية‎.‎

بل هي إحدى القواعد التي كررها التاريخ مراراً‎.‎

ففي يوغوسلافيا السابقة لم تتوقف الحـ رب لأن أحد الأطراف استطاع أن يمحو الآخر ‏من الوجود، وإنما لأن سنوات الدم والاستنزاف دفعت الجميع، في الداخل والخارج، إلى ‏قناعة بأن استمرار الصراع سيقود إلى انهيار أوسع من حدود ميادين القتــ ــال، فبدأت ‏مرحلة الاتفاقات التي أنهت واحدة من أعقد الحـ روب الأوروبية في العصر الحديث‎.‎

وفي إيرلندا الشمالية لم يكن اتفاق الجمعة العظيمة ثمرة نصر عسكري حاسم، بل ‏نتيجة إدراك متبادل، بعد عقود من العنــ ــف، بأن السياسة تستطيع أن تحقق ما عجزت ‏عنه البنــ ــادق، وأن السلام، مهما كان ناقصاً، أقل كلفة من حـ رب بلا نهاية‎.‎

وفي كولومبيا، فقد عاشت لعقود واحدة من أطول الحـ روب الداخلية في العالم، حتى ‏اكتشفت الأطراف المتحاربة أن الزمن لم يعد يعمل لصالح أحد، وأن كل عام جديد ‏يضيف خسائر للوطن أكثر مما يضيف مكاسب لأي طرف، فكان طريق المفاوضات، ‏رغم تعقيداته، أقل مرارة من استمرار النـ زيف‎.‎

أما موزمبيق، لم يولد السلام لأن أحد المتحاربين اختفى، وإنما لأن الجميع أدرك أن ‏الدولة نفسها قد لا تبقى إذا بقيت الحرب‎.‎

هذه التجارب لا تعني أن السودان سيسير على خطاها حرفياً‎.‎

فلكل أمة تاريخها، ولكل حـ رب ظروفها، ولكل شعب طريقه الخاص‎.‎

لكنها تؤكد حقيقة يصعب تجاهلها‎:‎

أن الحـ روب الطويلة تخضع لقوانين متشابهة، مهما اختلفت خرائطها‎.‎

فعندما يصل الإرهاق إلى الميدان‎...

ويضغط الاقتصاد‎...‎

ويتعب المجتمع‎...‎

وتتحرك الدبلوماسية‎...‎

‏فإن التاريخ يبدأ في كتابة فصل جديد‎.‎‏‏

‏عندما يغيّر التاريخ اتجاهه... ولماذا قلت: قريباً جداً؟‏

التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه كثيراً ما يعيد قوانينه‎.‎

وهذه واحدة من أكثر قوانينه ثباتاً‎
فالحروب الطويلة، مهما اختلفت شعاراتها، ومهما تنوعت أطرافها، لا تنتهي عادةً في ‏اللحظة التي ينتصر فيها طرف انتصاراً ساحقاً، بل تبدأ نهاياتها عندما يكتشف الجميع ‏أن كلفة استمرارها أصبحت أكبر من أي مكسب يمكن تحقيقه منها‎.‎

عندها لا يتغير الميدان وحده‎...‎

بل تتغير السياسة‎.‎

ويتغير الاقتصاد‎.‎
وتتغير حسابات الدول‎.‎

ويتغير المزاج الشعبي‎.‎

ويبدأ التاريخ، بصمت، في تغيير اتجاهه‎.‎

ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس‎:‎‏ من يتقدم اليوم؟

بل‎:‎‏ إلى أين تتجه الحرب نفسها؟

‏لماذا قلت‎" :‎قريباً جداً"؟‏

توقف كثيرون عند هذه العبارة‎.‎

وربما ظن بعضهم أنها مجرد أمنية كتبها رجل سئم الحرب، كما سئمها ملايين ‏السودانيين‎

وربما اعتبرها آخرون تفاؤلاً لا يستند إلى الواقع‎.‎

لكنني لم أكتبها باعتبارها أمنية‎.‎

ولو كانت أمنية، لقلت‎:‎‏ ‏‎"‎أتمنى أن تنتهي الحرب قريباً‎."‎

لكنني كتبت‎:‎‏ ‏‎"‎ستنتهي الحـ رب قريباً جداً‎."‎

لكني لم أحدد موعداً‎...‎

بل كنت أقرأ اتجاهاً‎.‎

فالسياسة لا تمنح تواريخ دقيقة‎.‎

والحروب لا تعلن مسبقاً يوم نهايتها‎.‎

لكنها، قبل أن تنتهي، تترك إشارات واضحة لمن يقرأ حركة التاريخ، لا ضجيج ‏اللحظة‎.

لقد حاولت، منذ بداية هذا المقال، أن أجمع هذه الإشارات أمام القارئ‎.‎

المؤشر العسكري يقول إن الحـ رب دخلت مرحلة الاستنزاف، حيث أصبحت القدرة ‏على الاستمرار أكثر أهمية من القدرة على التقدم‎.‎

والمؤشر السياسي يقول إن لغة الحسم المطلق لم تعد وحدها تسيطر على المشهد، ‏وأن مساحة البحث عن المخارج تتسع، ولو ببطء‎.‎

والمؤشر الاقتصادي يقول إن فاتورة الحـ رب أصبحت أثقل من أن يحملها وطن أنهكته ‏ثلاثة أعوام من الدمار‎.‎

والمؤشر الإنساني يقول إن السودانيين، على اختلاف مواقعهم، بدأوا يبحثون عن ‏الحياة أكثر مما يبحثون عن الانتصار‎.‎

أما المؤشر الإقليمي والدولي، فيقول إن استمرار الحـ رب لم يعد يُنظر إليه باعتباره أزمة ‏سودانية فحسب، بل باعتباره ملفاً يمس استقرار منطقة كاملة‎.‎

قد لا يكون أي واحد من هذه المؤشرات كافياً وحده‎.‎

لكن التاريخ لا يصنع تحولاته بمؤشر واحد‎.‎

إنه ينتظر دائماً اللحظة التي تلتقي فيها المؤشرات كلها في اتجاه واحد‎.‎

وأحسب أن السودان يقترب جداً من هذه اللحظة‎.‎

ولهذا قلت‎:‎‏ قريباً جداً‎.‎

ليس لأن الطريق أصبح قصيراً‎.‎

ولا لأن العقبات اختفت‎.‎

ولا لأن السلام سيولد غداً‎.‎

بل لأن اتجاه البوصلة بدأ يتغير‎.‎

ومن يقرأ التاريخ جيداً، يعرف أن تغيير الاتجاه هو أصعب خطوة في رحلة الأوطان‎.‎

فإذا تغيّر الاتجاه‎...‎

أصبحت بقية المسافة، مهما طالت، مسافة وقت، لا مسافة استحالة‎.‎

ولذلك، فإن عبارة ‏‎"‎قريباً جداً‎" ‎ليست وعداً أقدمه للقارئ‎.‎

وليست نبوءة أدعي امتلاكها‎.

بل هي خلاصة قراءة لمجموعة من المؤشرات التي، إذا استمرت في التلاقي بالاتجاه ‏نفسه، فإن السودان سيكون أقرب إلى بداية نهاية هذه الحرب، لا إلى بدايتها من ‏جديد‎.‎

ولعل أجمل ما في التاريخ أنه لا يكافئ الأقوى دائماً‎...‎

‏بل يكافئ، في النهاية، من يعرف متى يطوي صفحة الحـ رب، قبل أن تطوي الحرب ‏صفحة الوطن‎.‎‏‏

‏لا تخسر أهلك، اصدقائك وزملائك من أجل الحـ رب:‏
هناك خسائر تستطيع الأوطان أن تعوضها‎.‎
فالمدن، مهما تهدمت، يمكن أن تُبنى من جديد‎.‎
والجسور يمكن أن تعود أقوى مما كانت‎.‎
والمدارس يمكن أن تستقبل تلاميذها من جديد‎.‎
والأسواق، مهما أُغلقت، لا بد أن يأتي عليها صباح تُرفع فيه الأبواب، ويعود إليها الباعة، ‏وتمتلئ بأصوات الناس‎.‎

لكن هناك خسائر لا يعرف التاريخ كيف يعوضها‎.‎

حين ينكسر قلب أم‎.‎
وحين يكبر طفل وهو لا يعرف معنى الأمان‎.‎
وحين يتحول الجار إلى غريب، والقريب إلى خصم، والصديق إلى ذكرى‎.‎

هذه هي الخسائر التي لا تُرمَّم بالإسمنت، ولا تُقاس بالأرقام، ولا تعيدها مؤتمرات ‏السلام وحدها‎.‎

‏قد تنتهي الحـ رب يوماً:‏
بل حتماً إنها ستنتهي‎.

فهذه سنة الحياة، ولم يكتب الله الخلود لحـ رب‎.‎

لكن السؤال الذي سيقف أمامنا جميعاً، يوم تصمت البنادق، لن يكون‎:‎‏ من الذي ‏انتصر؟

بل سيكون‎:‎‏ أيُّ سودانٍ بقي لنا؟

هل بقي السودان الذي كنا نعرفه؟

السودان الذي كانت فيه رائحة القهوة، مع أول خيط للفجر، تعلن أن البيت عامر ‏بأهله.

والذي كانت فيه صينية الشاي، عند العصر، تجمع الجيران قبل أن تجمعهم ‏المناسبات.‎

والذي كانت فيه ظلال شجرة النيم مجلساً سودانياً مفتوحاً؛ يختلف الناس تحتها في ‏السياسة، ثم ينهضون منها متصافحين، لأن الخلاف كان يخرج من المجلس، ولا ‏يدخل إلى القلوب‎.‎

هل بقي السودان الذي كان الأطفال فيه يركضون حفاة في الحلة، يطاردون كرة الشُرّاب، ‏ثم يعودون عند أذان المغرب على صوت أمهاتهم،

دون أن تعرف الأمهات معنى كلمة ‏‏"نزوح"؟‏

هل بقي السودان الذي كانت فيه النسوة يتبادلن أطباق الكسرة والعصيدة والملاح، ‏دون أن يسأل أحد: من أي قبيلة أنت؟ ومن أي جهة جئت؟

هل بقي السودان الذي كان المسافر إذا مر بقرية لا يعرف فيها أحداً، وجد من يدعوه ‏إلى الطعام قبل أن يسأله عن اسمه؟

ذلك هو السودان الحقيقي، الذي كنا نعرفه منذ ان خلق الله الأرض ...‏

هو الذي أخاف عليه أكثر مما أخاف على الحجر‎.‎

‏أيها السوداني‎...‎‏‏

قبل أن تكون مع هذا الطرف أو ذاك‎...‎

تذكر أنك ابن هذا التراب‎.‎

ابن النيل الذي لا يفرّق بين من يشرب من ضفته اليمنى أو اليسرى

وابن المطر الذي إذا هطل على كردفان، سعدت به دارفور، وابتهجت له الجزيرة، ‏وانتظرته القضارف، واستبشر به الشمال وابتسم له الشرق وفرحت به الخرطوم‎،

وقبل أن تنتمي إلى حزب، أو جيش، أو حركة، أو فكرة‎...‎

أنت تنتمي إلى أم تنتظر صوتك كل مساء‎.‎

وإلى أب يحلم أن يجمع أبناءه حول مائدة واحدة‎.‎

وإلى إخوة لا يريدون أن يزوروا قبرك‎...‎

بل يريدون أن يفتحوا لك الباب وأنت عائد إلى البيت‎.‎

لقد سرقت الحرب منا أشياء كثيرة‎.‎
سرقت البيوت‎...‎
وسرقت المدارس‎...‎
وسرقت أعواماً من أعمار الشباب‎.‎

لكن أخطـ ر ما سرقته منا، أنها حاولت أن تسرق ثقتنا ببعضنا‎.‎

أن تجعل السوداني يخاف من السوداني.‎

وأن تجعل الكلمة أشد وقعاً من