في حضرة الجذور- مرايا "روزفين ماكهورت#

في حضرة الجذور- مرايا "روزفين ماكهورت#


07-20-2026, 08:53 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1784577205&rn=0


Post: #1
Title: في حضرة الجذور- مرايا "روزفين ماكهورت#
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 07-20-2026, 08:53 PM

08:53 PM July, 20 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر





أنا لستُ لغزاً ينتظر حلاً، بل سؤالٌ وجودي مفتوح، يستمدُّ قوته ليس من الإجابات، بل من قدرته على إعادة إنتاج ذاته كلما حاولت الألسن أن تغلقه في قالب.

أنا ابنُ "روزفين ماكهورت". ليس بوصفها اسماً جامداً في شجرة نسب، بل بوصفها حدثاً فلسفياً غيّر مسار كينونتي. إن حملَ اسمٍ لا يشبه جغرافية الجسد ليس عيباً يحتاجُ إلى تبرير، بل هو المعجزة التي تجعل من الإنسان مختبراً حياً لتجربة التعدد
لقد علمتني فلسفة الاختلاف أن "الأصول النقية" ليست سوى وهماً جماعياً نخترعه لتدليل خوفنا من المجهول؛ فحتى أغصان الشجرة التي نستند إليها كانت بذوراً طائشةً يوماً ما، وما الجذور إلا سردية نؤلفها عن أنفسنا لكي لا نسقطَ في هاوية العدم

أما عن وصمة "ود الخواجية" التي يرميها البعض كعلامة للمغايرة، فأنا اليوم أقرأها قراءةً معكوسة: إنها ليست نقيصةً تلحق بي، بل هي مرآة تعكس هلعَ الآخر من فكرة التعدد
حين يصر المجتمع على تصنيفي في زاوية قصيّة، فهو يعترف ضمناً بعجزه عن احتواء التناقضات الإنسانية، بينما أنا أرى في هذا "التناقض" جوهر العقل ذاته. أليست الفلسفة ذاتها قائمةً على التمزق بين المتناقضات؟ فكيف لي أن أخاف من عيش ما تبنى عليه أعظم النظريات؟
لقد علّمتني تجارب النفي، وأسئلة الصحافة التي لا ترحم، أن الحقيقة العارية ليست ملجأً آمناً، بل هي القلعة الوحيدة التي تُبنى على الزلزال. إن القفز إلى خيالٍ يمحو الأصول هو نوع من الانتحار الرمزي؛ لأنه ينكر حقيقة وجودية عميقة: الإنسان ليس كائناً جوهرياً جامداً، بل هو عمليةُ صيرورةٍ دائمة
حين أختبئ وراء قناعٍ أحادي، إنما أخون قدرتي الأكثر إنسانية، وهي قدرتي على تحمُّلِ تعقيداتي
اخترتُ الحقيقة، ليس لأنها الطريق السهل، بل لأنها الطريق الوحيد الذي يمنحني حق المواجهة
أنا الجسر الذي يربط بين ضفتين؛ والجسر لا يخجل من الهوة التي تحته، بل يستمد شرعيته الوجودية منها
هل هناك أروع من أن تكون جسراً تمتد به الفجوة، بدلاً من أن تكون ضفةً جامدة تغتر بثباتها الوهمي؟ بين قسوة الواقع وجمال التنوع، بين أيرلندا في دمي والسودان في وعيي، أجد أن هويتي ليست حاصل جمع، بل هي حاصل ضربٍ معقّد للأزمات والتحولات
ليقل من شاء ما يشاء. أنا ابن "روزفين ماكهورت"، ولست منتقصاً ولا مغايراً، بل أنا الإنسان الذي تصالح مع كونه مخلوقاً اضطرارياً، أي كائناً يضطر إلى أن يخترع نفسه بنفسه في كل لحظة
وهذا الاعتراف، في جوهره الفلسفي، هو أرقى درجات الحرية؛ لأن الحرية الحقيقية ليست غياب القيود، بل هي الشجاعة على احتضان ضرورة كونك مختلفاً عن نفسك، وقدرتك على أن تحمل كل هذا التناقض دون أن تنكسر.

Post: #2
Title: Re: في حضرة الجذور- مرايا andquot;روزفين ماكهورت#
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 07-20-2026, 10:10 PM
Parent: #1

قصة قصيرة: جسور روزفينكان
اسمه يأتي أولاً، ثم يتبعه الجسد متأخراً، كأن الاسم هو الذي يخلق صاحبه.في غرفةٍ ضيقةٍ فوق سطحٍ في بورتسودان، حيث يختلط رائحة البحر بالغبار، جلس "أحمد روزفين" – أو ما تبقى منه – ينظر إلى صورةٍ قديمةٍ مهترئة. امرأةٌ أيرلندية ذات شعرٍ أحمرَ شاحب، تضحك في حديقةٍ خضراء بعيدة، وطفلٌ صغيرٌ يمسكُ يدها. الطفلُ هو هو. لكن الاسم الذي كُتب خلف الصورة بخطٍ أنثويٍّ رفيع: Roseveen McHort."أنا لستُ لغزاً ينتظر حلاً"، همس لنفسه، وصوته يتفتتُ كالزجاج تحت قدمٍ ثقيلة.في الخارج، كانت الحرب تُمضغُ المدينة ببطء. أصواتُ انفجاراتٍ بعيدة تترددُ كأسئلةٍ لم تُجب. داخل الغرفة، كان يعيشُ سؤالاً أكبر: من أنا حين لا أكونُ واحداً؟تذكر ليلةَ المقابلة الصحفية. جلس الصحفي أمامه، عيناهُ تُفتشان عن الشقّ الذي يمكن أن يدخلَ منه "الغريب"."أنتَ ود الخواجية، أليس كذلك؟"ابتسم أحمد. ابتسامةً معكوسة، كأنها تنظرُ إلى الوراء."نعم. أنا ابن روزفين ماكهورت. ليست مجرد أمّ، بل حدثٌ فلسفي. حملُ اسمٍ لا يشبه جغرافية الجسد ليس عيباً... إنه المعجزة."الصحفيُّ ضحك ضحكةً متوترة. "لكن الناسُ يقولون...""الناسُ يخترعون أصولاً نقيةً ليخفوا خوفهم من المجهول"، قاطعه أحمد. "حتى الشجرة التي نستندُ إليها كانت بذرةً طائشةً يوماً. ما الجذورُ إلا قصةٌ نرويها لأنفسنا كي لا نسقط."في تلك اللحظة، انشقَّ الزمنُ داخل رأسه. رأى نفسه طفلاً في أيرلندا، يركضُ في حقولٍ خضراء، ثم فجأةً في أزقة الخرطوم، يسمعُ أطفالاً يهمسون "ود الخواجية". الاسمُ نفسه، لكنه يحملُ في كل مكانٍ وجعاً مختلفاً.نهض من كرسيه، فتح النافذة. البحرُ الأحمرُ يتلألأُ تحت القمر، لكنه لم يكن أحمرَ دائماً. كان في يومٍ ما أزرقَ هادئاً، قبل أن يصبحَ مرآةً لكل التناقضات. مثلي، فكر."أنا الجسر"، قال للبحر. "لا أخجلُ من الهوةِ تحتي. أنا أربطُ بين ضفتين: أيرلندا في دمي، والسودان في وعيي. حاصلُ ضربٍ معقد، ليس جمعاً بسيطاً."تذكر كيف كان يختبئُ وراء قناعٍ أحادي في طفولته. يحاولُ أن يكونَ "سودانياً كاملاً" أو "أيرلندياً بعيداً". لكنه كان يخونُ نفسه في كل مرة. التناقضُ ليس عيباً؛ هو جوهرُ العقل. الفلسفةُ ذاتها مبنيةٌ على التمزق.في الصباح التالي، خرج إلى الشارع. المدينةُ ممزقةٌ مثل هويته: مبانٍ محترقة، وأخرى لا تزالُ تقاوم. مرَّ بجانب مجموعةٍ من الشباب يتحدثون عن "الأصول" و"النقاء". ابتسم ابتسامةً حزينة."الأصولُ النقيةُ وهمٌ"، قال في سره. "ونحنُ جميعاً بذورٌ طائشة."عاد إلى غرفته، أمسك القلم. كتب:أنا لستُ منتقصاً. أنا عمليةُ صيرورةٍ دائمة. الحريةُ ليست غيابَ القيود، بل الشجاعةُ على احتضان ضرورة كونك مختلفاً عن نفسك في كل لحظة.ثم أغلق الدفتر. خارج النافذة، كان البحرُ لا يزالُ يربطُ بين قاراتٍ، وكأنه يقول له: استمرْ يا جسر.في تلك الليلة، نام أحمد روزفين ماكهورت – أو ما تبقى منه – مرتاح البال. لأنه أخيراً تصالح مع كونه مخلوقاً اضطرارياً: كائناً يضطرُّ إلى أن يخترع نفسه بنفسه، كل يوم، من جديد.