الريد... حين يصبح الغياب وطنًا

الريد... حين يصبح الغياب وطنًا


07-15-2026, 02:08 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1784077734&rn=0


Post: #1
Title: الريد... حين يصبح الغياب وطنًا
Author: عمران بابكر بدري
Date: 07-15-2026, 02:08 AM

02:08 AM July, 14 2026

سودانيز اون لاين
عمران بابكر بدري-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



الريد... حين يصبح الغياب وطنًا
عمران بدري
كان للمساء عادته القديمة؛ كلما أرخى الليل سدوله، نهضت الحكاية من صمتها كأنها لم تغب يومًا. لم تكن المسافة بيننا تُقاس بما تفصل بين الأرض والأرض، وإنما بما يتركه الغياب من فراغٍ في القلب، ذلك الفراغ الذي لا تملؤه الرسائل، ولا يسكته انشغال الأيام. وكأن القدر، منذ البدء، أراد للحب أن يتعلم الصبر قبل أن يتعلم اللقاء.
في مواسم المطر الأولى، حين تتصاعد رائحة التراب كأنها ذاكرة الأرض، كنت أشعر أن الريد يشبه تلك الرائحة؛ لا يُرى، ولكنه يملأ الروح حتى آخرها. ليس كلامًا يقال، ولا عهدًا يُكتب على الورق، بل هو سكينةٌ تهبط على القلب، ووطنٌ صغيرٌ يرافق المرء حيثما مضى، حتى ليظن أن الطرق كلها تؤدي إلى من يحب.
كنت أراك في الأشياء التي تمر على الناس عابرة، ولا ينتبهون إليها. في نجمةٍ سهرت أكثر مما ينبغي، وفي قمرٍ يمشي الهوينى فوق السماء كأنه يخشى أن يوقظ الحالمين، وفي زهرةٍ تفتحت على استحياء، كأنها سمعت اسمك يتردد مع النسيم. وكان القلب، كلما ضاق به الشوق، يطلق أمنياته مع الريح، مؤمنًا أن للهواء دروبًا لا تعرفها الخرائط، وأن ما يعجز عنه الناس تهتدي إليه الأرواح.
ويقول الناس إن البعد يبدل الوجوه ويطفئ المودة، ولكنهم لا يعرفون أن القلوب إذا صدقت، حفظت أصحابها من النسيان. فالغائب لا يغيب حقًا، ما دام يسكن في الدعاء، ويطل من الذكرى، ويجلس في أهدأ زوايا الروح. عندها يصبح الزمن مجرد نهرٍ يمضي، ويغدو الشوق قنطرةً خفية نعبرها كل ليلة، لنلتقي في الأحلام حيث لا فراق، ولا مواعيد مؤجلة، وإنما سلامٌ يشبه سلام الأرض بعد المطر.
وأراك، كلما أغمضت عيني، مقبلًا من آخر الأفق، كأنك تحمل في يديك كل السنوات التي أثقلها الانتظار. تبتسم، فتخف وطأة الدنيا، ويصير للحياة وجهٌ أكثر رحمة. عندها أفهم أن الدموع لم تكن هزيمة، وأن الصبر لم يكن عبثًا، وأن كل خطوةٍ أثقلها الغياب كانت، في حقيقتها، تقربني منك.
فإن كان الشوق رسول القلوب، فإن الريد هو الرسالة التي لا تمحوها الأيام، ولا يبهت أثرها مهما تعاقبت الفصول. واللقاء ليس إلا الثمرة التي تنضج على مهل، بعد أن يصبر القلب طويلًا على مواسم الانتظار. وسيأتي يومٌ، لا ريب فيه، تختصر فيه نظرةٌ واحدة كل أعوام الغياب، ويصبح العناق وطنًا، ويغدو الانتظار حكايةً قديمة يرويها القلب مبتسمًا.
بمزاجٍ يشبه الورد... كن بخير دائمًا.
ولعل الأقدار، مهما أطالت الطرق، لا تنسى القلوب التي صدقت في الريد؛ فالحب الصادق يعرف سبيله دائمًا، وإن طال السفر، وإن تعبت الخطى.