Post: #1
Title: برطمتن فسيخ من غبيرة ---- قصة قصيرة #
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 07-04-2026, 04:49 AM
04:49 AM July, 03 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
في قلب العاصمة، وفي ليلةٍ صيفيةٍ خانقة، اتخذ "عثمان" قراراً كان يعتقد أنه سيغير مجرى حياته الرتيبة: شراء "برطمان فسيخ" معتق من قلب حي "غبيرة". كان البرطمان ليس مجرد وعاء، بل كان قنبلة موقوتة من الروائح النفاذة التي تضرب الأنف بمجرد الاقتراب منه وضع عثمان البرطمان في المقعد الأمامي للسيارة بحذر شديد، وكأنه ينقل قطعة أثرية لا تقدر بثمن. انطلق في رحلته التي استغرقت أربعين دقيقة، وسط زحام مروري خانق، وكان طوال الطريق يتبادل النظرات مع البرطمان، يبتسم له، ويتخيل "الفته" التي سيصنعها فور وصوله ولكن، شاءت الأقدار أن تكون هناك "مطبة" لم يرها عثمان في زحمة الطرقات. وبحركة بهلوانية غير مقصودة، ارتجت السيارة، وتدحرج البرطمان عن المقعد ليصطدم بأرضية السيارة بقوة، محدثاً صوتاً مأساوياً: كراااااك!
توقف عثمان فجأة. ساد صمت رهيب داخل السيارة، لم يقطعه إلا صوت تسرب السائل المملح من تحت المقاعد. نظر عثمان للأسفل، فوجد البرطمان قد تحطم، وقد "هجر" الفسيخ وعاءه المكسور ليتسرب في زوايا السيارة الخفية، وكأنه قرر أن ينال حريته الأبدية بين السجاد والمقاعد.
حاول عثمان إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنه لم يجد سوى قطع زجاج مكسورة. لقد ضاع الفسيخ في جوف السيارة، ورحل إلى غير رجعة
عاد عثمان إلى منزله خالي الوفاض، لكن... "الرائحة" كانت تسبقه!
ما إن فتح باب الشقة، حتى استقبلته "نسمة" هوائية لم تكن تحمل رائحة الياسمين، بل كانت تحمل "ذكريات غبيرة" بكل تجلياتها. الرائحة كانت قوية، غازية، ومستبدة. دخل عثمان غرفته، فاستقبلته الرائحة. دخل المطبخ، فوجدها تنتظره هناك. حاول فتح النوافذ، فظن الجيران أن هناك كارثة بيئية قد وقعت في منزله
جلس عثمان في الصالة يراقب جدران منزله التي أصبحت "تفوح" بعبق الفسيخ المفقود. لقد ضاع الفسيخ من البرطمان، لكنه قرر أن يسكن في كل ركن من أركان البيت، ليذكر عثمان دائماً بتلك الأربعين دقيقة المشؤومة، وبأن هناك أشياء في الحياة، بمجرد أن تفقدها، تظل تلاحقك "بآثارها" إلى الأبد
ومنذ ذلك اليوم، أصبح عثمان يكتفي بالنظر إلى صور الفسيخ عبر الإنترنت، وهو يعلم في قرارة نفسه أن منزله لا يزال يحتفظ بـ "البصمة العطرية" لتلك المغامرة الفاشلة.
|
|