Post: #1
Title: جنيف والأبيض- صرخات المدنيين خلف جدران "الصمت الدبلوماسي"
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 07-03-2026, 11:03 PM
11:03 PM July, 03 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
:
بينما كانت أروقة الأمم المتحدة في جنيف تشهد يوم أمس 3 يوليو 2026 صخباً دبلوماسياً وجدلاً حاداً حول أزمة مدينة "الأبيض"، كانت سماء المدينة السودانية تمطر نيراناً من طائرات مسيرة لا تفرق بين مدني ومقاتل لقد تكررت المأساة؛ مسافات شاسعة تفصل بين قاعات التكييف الباردة في جنيف، وشوارع الأبيض المحاصرة التي تذوي ببطء تحت وطأة الحصار وانقطاع شريان الحياة من غذاء وماء.
مشهد الانسحاب.. والضحية الغائبة لم يكن انسحاب وفد سلطة بورتسودان من الجلسة الطارئة سوى حلقة جديدة في مسلسل "هروب الأطراف" من استحقاقات المواجهة الحقوقية. وبينما انشغل الوفد بتوصيف التقارير بأنها "متحيزة"، كان مئات الآلاف من سكان الأبيض يكتبون بدمائهم تقريراً مختلفاً تماماً؛ تقريرٌ لا يحتاج إلى دبلوماسية، بل يحتاج إلى "إرادة إنقاذ". إن التمترس خلف الموقف السياسي لا يعفي أطراف النزاع من حقيقة كونهم المحرك الأول لهذه الكارثة الإنسانية.
الأبيض.. "فاشر" أخرى في الانتظار تتحول الأبيض اليوم إلى "ساحة اختبار" للضمير العالمي؛ مدينة استراتيجية تُخنق بحصار خانق من قوات الدعم السريع. شهر يونيو وحده حمل في طياته عشرات الغارات الجوية التي لم تكتفِ بقتل المدنيين، بل استهدفت تعمدياً مرافق حيوية من محطات المياه إلى شبكات الكهرباء. ومع تقارير أممية تحذر من "مؤشرات لا تقبل الخطأ" على وقوع فظائع جماعية، يظل التساؤل: هل يتعلم العالم من سيناريوهات القتل التي شهدتها الفاشر، أم ننتظر وقوع الفاجعة لنصدر بيانات الإدانة المكررة؟
أرقامٌ لا تنطق.. لكنها تصرخ بعد أكثر من ثلاث سنوات من حربٍ أكلت الأخضر واليابس، لم تعد الأرقام مجرد إحصائيات، بل أصبحت شواهد على انهيار دولة:
12 مليون إنسان: اقتلعوا من جذورهم ليصبحوا نازحين في وطنهم أو لاجئين في المنافي.
34 مليون نسمة: ينتظرون "لقمة العيش" عبر ممرات إغاثية تفتح وتغلق وفقاً للأهواء العسكرية.
825 ألف طفل: يواجهون شبح الموت بسوء التغذية، في حربٍ جعلت من "الجوع" سلاحاً فتاكاً لا يقل ضراوة عن الرصاص.
خيانة "الأضرار الجانبية" أخطر ما يواجهه السوداني اليوم هو تحوله إلى مجرد "رقم" أو "ضرر جانبي" في معادلات الصراع. إن حماية المدنيين ليست ورقة تفاوض، بل هي التزام أخلاقي وقانوني دولي. لقد سقطت الأقنعة عن جميع أطراف الحرب؛ فالقصف العشوائي، وتجنيد الأطفال، والانتهاكات المنهجية، ليست مجرد "أخطاء ميدانية"، بل هي سياسات تهدف لكسر إرادة المجتمع.
إلى متى الانتظار؟ السودانيون في الأبيض ونيالا والخرطوم لم يعودوا يعلقون آمالهم على "جنيف". هم اليوم يطالبون بـ:
ممرات آمنة فورية: لا تخضع للمساومة العسكرية.
حظر "المسيّرات": كأداة رئيسية تستهدف الأحياء الآهلة.
صوت المدنيين: تمكين لجان المقاومة والمبادرات المحلية التي لا تزال تنبض بالسلام في قلب الدمار.
إن السيطرة على مدينة لا تعني حكم دولة، والانتصار في جنيف لن يحيي طفلاً قتله جوعاً أو رصاصة غادرة. إن شرعية أي طرف في السودان اليوم لا تُستمد من منصات الأمم المتحدة، بل من قدرته على التوقف عن قتل المدنيين.
يا سادة الحرب؛ إن التاريخ لا يرحم، وشعوبكم التي تقتلونها اليوم، هي الوحيدة التي ستحاكمكم غداً.
|
|