Post: #1
Title: قصة قصيرة - ظِلٌّ في الغرفة المجاورة #
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 06-26-2026, 11:24 AM
11:24 AM June, 26 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
ظِلٌّ في الغرفة المجاورة
على حافة الانهيار، حيث تتشابه الجدران في برودتها، أجلسُ وحدي و لم يعد صدري يحمل قلباً، بل صار أشبه بخزانة قديمة ومغبرة لذكرى رجلٍ، رجلٌ لم يتبقَّ منه سوى وعودٍ كاذبة، ترتطم بأسوار غرفتي كفراشات محترقة كلما أرخى الليل سدوله في بيت عائلتي، حيث النوافذ تطل على حياةٍ لا أعيشها، أصبحتُ مسجونةً في "اللحظة الأولى" و كانت حياتي قبل "سالم" تشبه لوحة بالأبيض والأسود؛ فتاة وحيدة بين إخوة ذكور، أجد في ظلالهم أماني، وفي صمتي انطوائيتي التي تغنيني عن العالم. ثم جاء هو حين التقينا في تلك المهمة العملية، كان يحيط نفسه بجدارٍ من العزلة، لكنه لمسني برفقٍ مدروس , لقد حذرني الجميع؛ قالوا إنه "متعالٍ"، "قاسٍ"، "لا يُطاق" , و لكنني، في غباء الحالمين، اعتبرتُ تحذيراتهم ضجيجاً خلف الزجاج. لقد أرادوا مني أن أرى عيوبه، فكنت لا أرى سوى طريقتي في حبه عامان من الخطوبة، كان فيها فارساً يتقن دور الحبيب، حتى أمنتُ له , وحين تزوجنا، خلعتُ درعي. طلبتُ إجازة من عملي، تركتُ استقلاليتي، وأفرغتُ طموحي في وعاء حياتنا، ظناً مني أن هذا هو "البيت" , لكن، بمجرد أن أغلقتْ أبواب الزوجية علينا، سقط القناع تحول الزواج إلى صمتٍ مفخخ , و كانت أنانيته في الغرفة، في فنجان القهوة، في بروده المتعمد حين كنتُ أحتاجه و كنتُ أغفر، لا لأنه يستحق، بل لأنني كنتُ أخشى مواجهة حقيقة أنني بنيتُ قصري على رمالٍ متحركة و كنتُ ألملم شتات نفسي بابتسامة، وهو يغرس خذلانه في صدري، يخرج لأصدقائه في ليالي انكساري، ويتركني أحدث الجدران ذات يوم، وببساطةٍ جارحة، أعلن النهاية. لم يكن هناك طفل ليحمي بقايا الحكاية، فقط بابٌ أغلقه خلفه، تاركاً خلفه امرأةً مشطورة مضى هو , تزوج، انفصل، تشتت، كأنما يد القدر تُعيد ترتيب حياته في دوامةٍ لا تهدأ، بينما بقيتُ أنا في "غرفة الانتظار"و عائلتي تحاول تجميل أيامي، يغدقون عليّ بالاهتمام، لكنني ما زلتُ أسكن تلك اللحظة التي سبقت الانفصال أحياناً، أستجمع شتاتي وأتصل به , يمنحني طرف خيطٍ من أمل، كأنما يرمي قطعة خبزٍ لكلبٍ جائع، ثم يسحبها في اللحظة الأخيرة، متلذذاً بانهياري الآن، وأنا أجلس في غرفتي، أدرك أنني لستُ مطلقة فحسب، بل أنا امرأةٌ ترفض أن تموت الذكرى بداخلها و الجميع يقولون لي عليك ببداية جديدة"، لكن كيف؟ وكيف أطرد طيفه من طعامي، من نومي، من مرآتي؟ لقد أصبحتُ أنا الحارسة الوحيدة لقبرِ حُبٍّ لم يمت قط، بل تحوّل إلى شبحٍ يجلس معي على المائدة كل يوم، يراقبني وأنا أذبل، بينما يرفض هو أن يغادر، وأرفض أنا أن أفتح الباب للريح.
|
|