البداية بالرتب العليا

البداية بالرتب العليا


06-19-2026, 08:26 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1781853967&rn=0


Post: #1
Title: البداية بالرتب العليا
Author: عبداللطيف حسن علي
Date: 06-19-2026, 08:26 AM

08:26 AM June, 19 2026

سودانيز اون لاين
عبداللطيف حسن علي-
مكتبتى
رابط مختصر



👆قبل فصل مستضعفى الخدمة المدنية..
أفتحوا ملف الرتب والامتيازات..؟

(هل نظر السيد رئيس الوزراء إلى مكامن الهدر الحقيقية..؟؟)

أثارت التقارير المتداولة بشأن توصية لجنة تصفية العاملين بالدولة بإنهاء خدمة نحو 70 ألف موظف وعامل، أي ما يقارب 60% من العاملين بالمؤسسات الاتحادية والهيئات والشركات العامة، أثارت تساؤلات جوهرية حول فلسفة الإصلاح التي تتبناها الحكومة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان.

فلا خلاف حول أن الدولة السودانية تواجه أزمة مالية خانقة، وأن الإنفاق العام يحتاج إلى مراجعة جذرية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل استنفدت الحكومة جميع الخيارات الأخرى قبل أن تتجه إلى التضحية بعشرات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية؟

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ عادة من الحلقة الأضعف، بل من مواقع الخلل الأكبر والأكثر تكلفة على الخزانة العامة.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن هناك ملفاً ضخماً ظل بعيداً عن النقاش الجاد لعقود طويلة، وهو ملف التضخم غير المبرر في الرتب العليا والامتيازات داخل المؤسسات النظامية، سواء في القوات المسلحة أو الشرطة أو الأجهزة الأمنية.

لقد شهد السودان خلال العقود الماضية توسعاً كبيراً في منح الرتب الرفيعة، حتى أصبحت بعض الرتب التي يفترض أن تكون استثنائية أمراً مألوفاً في عدد من المؤسسات.
ولم يكن هذا التوسع في الرتب مرتبطاً دائماً باحتياجات مهنية أو تنظيمية حقيقية، بل جاء في كثير من الأحيان نتيجة اعتبارات سياسية وإدارية تراكمت بمرور الزمن.

والنتيجة هي هياكل قيادية متضخمة تستهلك موارد ضخمة في شكل رواتب وبدلات وامتيازات وسيارات ومكاتب ومخصصات ومعاشات، بينما تعاني قطاعات التعليم والصحة والزراعة والخدمات الأساسية من نقص مزمن في التمويل.

ولإدراك حجم المفارقة، يكفي النظر إلى بعض التجارب الإقليمية.

ففي مصر، التي يزيد عدد سكانها على مئة مليون نسمة وتملك واحدة من أكبر المؤسسات الأمنية والعسكرية في المنطقة، تظل الرتب العليا محدودة نسبياً من حيث الانتشار داخل الهيكل الإداري.
كما أن قيادة جهاز المخابرات العامة المصري يتولاها ضابط برتبة لواء، وهي رتبة لا تُمنح إلا في نطاق ضيق ومحدد.

أما في السودان، فقد أصبح من المألوف وجود عدد كبير من أصحاب الرتب العليا في مستويات إدارية مختلفة، بل إن بعض الولايات والمحليات شهدت وجود رتب كانت في السابق حكراً على المواقع القيادية العليا. وهذا التضخم لا يضيف بالضرورة كفاءة للمؤسسة، بل يضيف أعباء مالية وإدارية متزايدة.

الأمر نفسه ينطبق على الشرطة، ففي العديد من الدول تكون رتبة اللواء في قمة الهرم القيادي أو بالقرب منها، بينما شهد السودان خلال العقود الماضية توسعاً كبيراً في توزيع الرتب العليا، الأمر الذي خلق فجوة بين حجم الاقتصاد الوطني وقدرته على تمويل هذه الهياكل وبين حجم الامتيازات المترتبة عليها.

ولا يتعلق الأمر هنا بالانتقاص من دور القوات النظامية أو التقليل من أهمية الأجهزة الأمنية، فهي مؤسسات ضرورية لحماية الدولة وحفظ الأمن القومي، لكن المهنية المؤسسية تقتضي بأن تخضع هذه الأجهزة، مثلها مثل بقية مؤسسات الدولة، لمراجعات دورية تضمن التوازن بين الاحتياجات الأمنية والقدرة الاقتصادية للبلاد.؟؟؟

إن خفض الإنفاق العام لا يعني بالضرورة فصل عشرات الآلاف من الموظفين المدنيين الذين تعتمد عليهم الدولة في تقديم الخدمات للمواطنين، فهناك بدائل أخرى تستحق الدراسة، من بينها مراجعة هياكل الرتب العليا، وتقليص الامتيازات غير الضرورية، وإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية المتشابهة، وإغلاق منافذ الهدر المالي، ومعالجة تضارب المصالح الناتج عن النشاط التجاري لبعض المؤسسات الرسمية.؟

كما أن السودان الخارج من حرب مدمرة يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى خدمة مدنية قوية وفعالة. فإعادة الإعمار لن ينفذها الجنرالات، بل سيقوم بها المهندسون والمعلمون والأطباء والمحاسبون وخبراء الزراعة والإدارة العامة.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم هو ليس كم موظفاً يمكن فصلهم؟
بل السؤال هو أين توجد أكبر بؤر الهدر في الدولة السودانية؟؟؟

فإذا كان الهدف هو إنقاذ المالية العامة، فإن العدالة والكفاءة تقتضيان أن تبدأ عملية الإصلاح من الأعلى قبل الأسفل، ومن الامتيازات قبل الرواتب المتواضعة، ومن تضخم الهياكل قبل التضحية بالموظفين الذين يشكلون العمود الفقري للخدمة المدنية.

إن بناء دولة حديثة لا يتحقق بكثرة الرتب، ولا بتضخم الهياكل، ولا بتقليص الخدمة المدنية إلى الحد الأدنى، وإنما بإقامة مؤسسات رشيقة وفعالة تتناسب مع إمكانات البلاد وتوجه مواردها نحو التنمية والخدمات العامة لا نحو الامتيازات الإدارية المتراكمة.

وقبل أن يفقد عشرات الآلاف من السودانيين وظائفهم، من حق الرأي العام أن يعرف هل تمت مراجعة جميع أبواب الإنفاق الأخرى بالقدر نفسه من الجدية والصرامة؟؟؟