Post: #1
Title: لجنة إزالة التمكين في السودان- الممارسات والآثار حين يتحول التفكيك إلى هدمٍ للدولة
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 06-12-2026, 00:13 AM
00:13 AM June, 11 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
قراءة في التوثيق التاريخي لمزمل سليمان حمد- هل كان الصراع على 'مؤسسات الدولة' أم على 'هوية السلطة' حين يتحول التفكيك إلى هدمٍ للدولة
ليست أهمية كتاب «لجنة إزالة التمكين في السودان - الممارسات والآثار» للدكتور مزمل سليمان حمد في كونه يؤيد أو يعارض تجربة اللجنة، وإنما في كونه يوثق لإحدى أكثر التجارب إثارة للجدل في تاريخ السودان السياسي الحديث؛ تلك التجربة التي تشكلت في أعقاب ثورة ديسمبر 2018، وأعادت طرح أسئلة قديمة حول الدولة والسلطة والعدالة
يقع الكتاب في أكثر من سبعمائة صفحة، ويستند إلى كمٍّ هائل من الوثائق والقرارات والشهادات، راصداً ممارسات اللجنة في الفترة من أكتوبر 2019 وحتى أكتوبر 2021 غير أن القراءة المتأنية تكشف أن القضية الأساسية التي يناقشها الكتاب ليست "اللجنة" بذاتها، بل "إشكالية الانتقال السياسي" في الدول الخارجة من الأنظمة الشمولية
ينطلق الكاتب من فرضية مركزية مفادها أن اللجنة تجاوزت مهمة "تفكيك التمكين" إلى إضعاف مؤسسات الدولة نفسها، إذ لم تقتصر قراراتها على محاربة الفساد، بل امتدت لعمليات فصل واسعة ومصادرات أثرت على قطاعات حيوية وهنا يبرز جوهر الجدل الذي لم يُحسم حتى اليوم؛ فبينما يرى أنصار اللجنة أنها كانت ضرورة حتمية لمنع عودة النظام السابق، يرى منتقدوها أنها تحولت إلى آلية للإقصاء السياسي الجماعي، افتقرت للضمانات القانونية، مما أنتج مظالم جديدة بدل معالجة مظالم الماضي
وإذا ما أردنا وضع هذه التجربة في سياقها التاريخي الأوسع، يمكننا استحضار أطروحة المفكر السوداني الراحل محمد أبو القاسم حاج حمد حول "أزمة النخبة السودانية" فما حدث مع لجنة إزالة التمكين يعيدنا إلى إشكالية "الدولة المستوردة"؛ حيث حاولت النخبة التي ورثت السلطة بعد الثورة هندسة المجتمع والدولة من الأعلى، مستندةً إلى أدوات قانونية وإجرائية "جاهزة" ومستوحاة من تجارب خارجية، دون أن تسبقها عملية "تأصيل" اجتماعي أو عقد اجتماعي داخلي لقد كانت اللجنة -في جوهر ممارستها- محاولةً من "المركز" لفرض رؤيته على "الهامش"، وهو ما يذكرنا بتحذيرات حاج حمد من أن أي مشروع تغيير لا ينبع من فهمٍ عميق للتركيبة السودانية المركبة، ولا يقوم على التوافق، مصيره أن يتحول من "مشروع إصلاحي" إلى "أداة للصراع" إن فشل اللجنة لم يكن مجرد فشل إداري، بل كان انعكاساً لأزمة "مشروع الدولة" التي لا تزال النخب السودانية عاجزة عن صياغته
ويأتي في هذا السياق تقديم الدكتور صلاح البندر، الذي يُعد من أكثر أجزاء العمل اتزاناً؛ إذ يطرح سؤالاً منهجياً- كيف يمكن تفكيك إرث نظام سابق دون أن يتحول التفكيك إلى هدم لمؤسسات الدولة؟ مستعيناً بمقارنات دولية تنبه إلى أن العدالة الانتقالية الناجحة تقوم على "المسؤولية الفردية" لا "العقاب الجماعي"، وعلى "الإصلاح المؤسسي" لا "الانتقام السياسي"
ورغم أن الكتاب يتبنى موقفاً نقدياً واضحاً يميل لإثبات فرضية فشل اللجنة، إلا أن قيمته التوثيقية تظل قائمة فهو يعيد فتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين تفكيك نظام سياسي وبين تفكيك الدولة نفسها
بعد سنوات من الثورة والانقلاب والحرب، لم يعد السؤال- هل كانت إزالة التمكين ضرورة؟ بل , كيف كان ينبغي تنفيذها؟ وكيف نحقق العدالة دون إنتاج مظالم جديدة؟ هذه الأسئلة التي يطرحها الكتاب تجعل منه وثيقةً جديرة بالقراءة والبحث، لأنها لا تخاطب ماضي السودان فحسب، بل تبحث عن إجابات لمستقبله الذي لا يزال معلقاً بين الرغبة في التغيير وهاجس الانهيار.
|
|