Post: #1
Title: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: bakri abdalla
Date: 06-04-2026, 08:27 PM
08:27 PM June, 04 2026 سودانيز اون لاين bakri abdalla-Canada مكتبتى رابط مختصر
السودان.. إلى أين يتجه؟
بدأت بعض الأصوات داخل معسكر الإسلاميين تدعو إلى قبول السلام ووقف الحرب بعد أن دخلت الحرب السودانية عامها الرابع. ورغم ترحيبنا المبدئي بأي دعوة توقف نزيف الدم وتخفف معاناة شعبنا، فإن التعامل مع هذه الدعوات يتطلب قدراً كبيراً من الحذر، خاصة في ضوء التجارب السابقة ودور الحركة الإسلامية في الحياة السياسية السودانية خلال العقود الماضية. ولكي نفهم طبيعة هذه الدعوات وتوقيتها، لا بد من التوقف عند بعض الحقائق الأساسية. أولاً، أدركت الحركة الإسلامية منذ وقت مبكر أن التخلف الاقتصادي والاجتماعي وضعف مؤسسات الدولة، إلى جانب المناهج التعليمية التي خلطت بين الدين والتاريخ ومجدت ثقافة الغلبة والصراع على حساب قيم المواطنة والتسامح، تمثل بيئة مناسبة لانتشار مشروعها السياسي وتوسيع نفوذها داخل المجتمع والدولة. ثانياً، اعتمدت الحركة الإسلامية على خطاب التعبئة الدينية والسياسية في مواجهة خصومها، واستفادت من إمكانات مالية وتنظيمية ضخمة مكنتها من التغلغل داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. وقد أسهم ذلك، إلى جانب أخطاء القوى السياسية الأخرى، في تهيئة الظروف لانقلاب عام 1989 الذي أطاح بالتجربة الديمقراطية الثالثة وأدخل البلاد في واحدة من أطول مراحل الاستبداد في تاريخها الحديث. ثالثاً، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الحكم وما ارتبط بها من فساد واستبداد وتمكين وتفكيك لمؤسسات الدولة، اندلعت الحرب الحالية في 15 أبريل 2023. ومن وجهة نظري، فإن الحركة الإسلامية كانت من أبرز القوى التي دفعت نحو خيار الحرب بعد تعثر مشروع التسوية السياسية مع قوات الدعم السريع، وذلك أملاً في استعادة نفوذها السياسي والعسكري الذي فقدته عقب ثورة ديسمبر. رابعاً، نجحت الحركة الإسلامية خلال سنوات حكمها في بناء شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، كما حافظت على درجة عالية من التماسك التنظيمي مقارنة بمعظم القوى السياسية الأخرى، وظلت تضع بقاء التنظيم واستمرار نفوذه فوق أي اعتبار وطني آخر. انطلاقاً من هذه الخلفية، يصبح من المشروع التساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء التحول المفاجئ في خطاب بعض الإسلاميين. فبعد سنوات من الرهان على الحسم العسكري، يبدو أن هناك إدراكاً متزايداً لصعوبة تحقيق انتصار عسكري كامل. ولذلك يبرز سؤال جوهري: هل تعكس هذه الدعوات مراجعة سياسية حقيقية، أم أنها مجرد محاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الصفوف استعداداً لجولة جديدة من الصراع؟ ويطرح ذلك سؤالين لا يمكن القفز فوقهما: إذا كان دعاة الحرب مستعدين اليوم للقبول بالتفاوض، فلماذا تأخر هذا الاستعداد كل هذه السنوات رغم الكلفة الإنسانية الهائلة التي دفعها الشعب السوداني من دمائه وأرزاقه ومستقبل أبنائه؟ ولماذا ظل تحالف "صمود" متمسكاً بخيار التفاوض والحل السياسي منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم؟ إن الإجابة عن هذين السؤالين ضرورية لفهم طبيعة الأزمة السودانية. فالتجربة السودانية أثبتت أن الحروب لا تنشأ من فراغ، بل من بنية سياسية مختلة ظلت تمنح السلاح والتنظيمات العقائدية سلطة تفوق سلطة المجتمع والدولة. ومن هنا فإن أي سلام حقيقي ومستدام لا يمكن أن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يجب أن يقود إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تقوم على المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون، مع تقليص نفوذ القوى العسكرية والتنظيمات العقائدية على القرار الوطني. أما تحالف "صمود"، فقد جعل من وقف الحرب أولوية قصوى باعتبارها المدخل الضروري لأي تحول سياسي لاحق. غير أنني أرى أن التحالف لم يمارس القدر الكافي من الضغط السياسي على الإسلاميين الذين يملكون نفوذاً واسعاً داخل المؤسسة العسكرية، ولم ينجح في تحويل هذا الملف إلى محور رئيسي في خطابه السياسي والإعلامي. كما أن بعض مواقف التحالف بدت وكأنها تضع الإسلاميين وقوات الدعم السريع في خانة واحدة، رغم الاختلافات الواضحة في الخلفيات السياسية والأهداف وطبيعة المسؤولية عن اندلاع الحرب. وأرى أن هذا التبسيط لا يساعد على بناء تحالف واسع قادر على إنهاء الحرب وتفكيك البنية السياسية التي أعادت إنتاجها. ولا يعني ذلك تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع أو غيرها من الأطراف المسلحة، فالمساءلة والعدالة تمثلان شرطاً أساسياً لبناء دولة القانون. غير أن هناك فرقاً بين الانتهاكات التي تنتج عن ضعف الانضباط داخل بعض الوحدات العسكرية، وبين مشروع سياسي متكامل يقوم على توظيف الدين في الصراع السياسي وتبرير العنف ضد الخصوم. لقد أثبتت التجربة السودانية، في تقديري، أن أخطر ما يهدد بناء الدولة المدنية الديمقراطية هو استمرار نفوذ التيارات التي تستخدم الدين غطاءً للمشروع السياسي وتستبيح خصومها باسم العقيدة والجهاد. ولذلك فإن إضعاف النفوذ العسكري والسياسي للحركة الإسلامية يظل شرطاً أساسياً لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقية. يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح القوى السياسية والمدنية والمسلحة في فرض مسار سلام حقيقي يضع حداً للحرب ويؤسس لدولة المواطنة والديمقراطية، وإما أن تستمر دوامة العنف والانقسام بما تحمله من مزيد من الدمار والتشريد والمعاناة. إن مسؤولية إنقاذ السودان لا تقع على طرف واحد، لكنها تبدأ بالاعتراف الصريح بجذور الأزمة والقوى التي ساهمت في إنتاجها، ثم العمل على بناء مشروع وطني جديد يفتح الطريق أمام السلام والعدالة والتنمية والدولة الديمقراطية الحديثة.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #2
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: Biraima M Adam
Date: 06-05-2026, 00:22 AM
Parent: #1
عوداً حميداً يا ول أبا بكرى
غبت غيبة طويلة؛ مقال ماتع.
بريمة
|
Post: #3
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: Yasir Elsharif
Date: 06-05-2026, 09:38 AM
Parent: #2
سلام يا بكري
وشكرا على اختيار هذا المقال الممتاز ونشره هنا. والتحية لكاتبه طلعت محمد الطيب
ياسر
| Quote: لقد أثبتت التجربة السودانية، في تقديري، أن أخطر ما يهدد بناء الدولة المدنية الديمقراطية هو استمرار نفوذ التيارات التي تستخدم الدين غطاءً للمشروع السياسي وتستبيح خصومها باسم العقيدة والجهاد. ولذلك فإن إضعاف النفوذ العسكري والسياسي للحركة الإسلامية يظل شرطاً أساسياً لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقية. |
|
Post: #4
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-07-2026, 00:42 AM
Parent: #3
ملاحظاتي حول الأداء السياسي والعسكري لتحالف تأسيس
من خلال متابعتي، رغمًا عني، لهذه الحرب اللعينة، توصلت إلى بعض القناعات والملاحظات، مع إدراكي أن هناك الكثير من المعلومات التي قد لا تزال غائبة عني. غير أن من بين الثوابت التي استقرت لدي، بعد متابعة أعتقد أنها جادة ومسؤولة، أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 فُرضت على قوات الدعم السريع ولم تكن خيارها المعلن منذ البداية.
كما أرى أن قوات تأسيس، رغم امتلاكها لقدرات عسكرية متطورة من بينها الطائرات المسيّرة، لم تنتهج سياسة استهداف الأسواق المدنية في مدن مثل عطبرة أو شندي، على النحو الذي شهدناه في مناطق أخرى من البلاد اذ درج الجيش ومليشياته على قذف مناطق مكتظة بالمدنيين موقعا خسارات فادحة فى الارواح البريئة. كذلك يُحسب لتحالف تأسيس تبنيه، على المستوى السياسي، موقفاً أكثر انفتاحاً تجاه المبادرات الداعية إلى وقف الحرب وتحقيق السلام، إذ شارك في مختلف المنابر والحوارات المطروحة، بينما ظل الطرف الآخر، في تقديري، أكثر ميلاً إلى التعنت والمناورة ورفض كثير من المبادرات المطروحة منذ اندلاع الحرب.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل ما يُؤخذ على بعض عناصر وقادة قوات تأسيس الميدانيين من ضعف الانضباط في بعض المناطق، ووقوع تجاوزات وانتهاكات بحق المواطنين، خاصة في ولاية الجزيرة خلال الفترة التي كان فيها أبو عاقلة كيكل ضمن صفوف الدعم السريع، إضافة إلى حوادث أخرى شهدتها مناطق مختلفة من السودان. وهذه الانتهاكات تستوجب الإدانة والمحاسبة أياً كان مرتكبوها.
أما على مستوى القيادة السياسية والعسكرية العليا فقد اظهرت قيادات" تأسيس "، قدراً من المرونة والانفتاح في التعامل مع قضايا الحرب والسلام، من خلال إرسال ممثليها إلى مختلف المبادرات والوساطات الإقليمية والدولية، بغض النظر عن خلفيات الجهات الراعية لها أو أجنداتها السياسية.
وفي هذا السياق، أرى أن من المهم أن تنأى قيادات معسكر "تأسيس " عن اللغة الخشنة في مخاطبة القوى الإقليمية المؤثرة، وأن تحافظ على قنوات الحوار والتواصل معها، مهما كانت طبيعة الانحيازات أو المواقف التي تبنتها تلك الحكومات خلال فترة الحرب. فالعلاقات السياسية تُبنى على المصالح المتبادلة أكثر مما تُبنى على العواطف أو المواقف الآنية.
إن قوات تأسيس تمثل، في نظر كثيرين، ظاهرة سياسية جديدة في السودان. ومن الطبيعي أن يثير أي مشروع جديد قدراً من القلق والتوجس لدى قطاعات واسعة من المجتمع المحلى والاقليمى، بخلاف القوى التقليدية المعروفة التي اعتاد السودانيون التعامل معها، سواء كانت من الإسلاميين أو من القوى السياسية المعارضة لهم. ولذلك فإن بناء الثقة الداخلية، إلى جانب تأسيس علاقات إقليمية ودولية متوازنة تراعي المصالح المشتركة، يظل مهمة طويلة ومعقدة تتطلب الصبر والحكمة والنفس الطويل، لكنها تبدو أكثر واقعية وفاعلية في التعامل مع تعقيدات المشهد السوداني والإقليمي.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #5
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-07-2026, 04:32 AM
Parent: #4
الأعزاء بكرى وبريمة وياسر محبتي وتحياتى
|
Post: #6
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-07-2026, 05:46 PM
Parent: #5
https://sudanile.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D9%81%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%85-%D9%88/https://sudanile.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D...%D8%A7%D9%85-%D9%88/
https://www.facebook.com/share/r/1TP31hEQze/؟mibextid=wwXIfr
|
Post: #7
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-07-2026, 05:49 PM
Parent: #6
في الذكرى السابعة لجريمة فض الاعتصام ومرور أربعة وثلاثين عاماً على اغتيال فرج فودة
بالتزامن مع الذكرى السابعة لجريمة فض اعتصام القيادة العامة، ومرور أربعة وثلاثين عاماً على اغتيال المفكر المصري الشهيد د. فرج فودة ، شاهدت مؤخراً على موقع يوتيوب حديثاً للإعلامي المصري الاستاذ سامح عيد ، الذي درج على استحضار تجربة فرج فودة في شهر يونيو من كل عام، وهو الشهر الذي شهد اغتياله عام 1992.
تذكرنا هذه المناسبة بحملة الشائعات والاتهامات التي ظل يروج لها الكيزان ضد الشباب المعتصمين في القيادة العامة، من مزاعم أخلاقية ودينية لا سند لها. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن تلك الشائعات لم تكن مجرد مواقف عابرة، بل كانت جزءاً من عملية تهيئة للرأي العام سبقت جريمة فض الاعتصام ومهدت لها.
كان فرج فودة من أكثر المفكرين الذين نبهوا إلى خطورة الشائعات التي يوظفها تيار الإسلام السياسي قبل ارتكاب أعمال العنف أو تبريرها. وقد أشار إلى أمثلة عديدة من التاريخ المصري الحديث، منها الشائعات التي سبقت أحداث الزاوية الحمراء وبعض الفتن الطائفية، مثل الادعاء بأن أطباء أقباطاً يقومون سراً بتعقيم النساء المسلمات، أو أن الأقباط يسعون إلى إقامة دولة مستقلة داخل مصر. ورغم سذاجة هذه المزاعم، فإنها وجدت من يصدقها بسبب ضعف الثقافة النقدية وانتشار التفكير العاطفي وسط قطاعات واسعة من المجتمع.
ويذكر فرج فودة أنه عندما قرر خوض الانتخابات في إحدى دوائر القاهرة، فوجئ بتوزيع عشرات الآلاف من المنشورات التي تصفه بأنه علماني وكافر وصهيوني وشيوعى !!، وتتهمه بالإساءة إلى الصحابة وآل البيت. ولم تكتف تلك المنشورات بإطلاق الاتهامات، بل أوردت أرقام صفحات ومراجع مزعومة من كتبه دون ذكر عناوينها. وقد اعترف فودة بأنه لم يكن يتوقع أن تؤثر هذه الأكاذيب في الناخبين، لكنه فوجئ بحجم العداء الذي واجهه داخل الدائرة الانتخابية، حتى أن مندوبيه وجدوا صعوبة في التواصل مع المواطنين وعرض برنامجه الانتخابي.
حاول لاحقاً مواجهة تلك الحملة بإعلان مكافأة مالية لمن يثبت صحة أي من الاتهامات المنسوبة إليه في كتبه، كما خفض أسعار مؤلفاته لتشجيع الناس على قراءتها والتحقق بأنفسهم من حقيقة ما يُنشر عنه. لكن تأثير الشائعة كان أقوى من تأثير الحقيقة، خاصة عندما تجد الشائعة بيئة مستعدة لتصديقها.
كما استحضر فرج فودة واقعة أقدم تعود إلى عام 1913، حين ترشح المفكر المصري أحمد لطفى السيد لانتخابات الجمعية التشريعية فى احدى الدوائر الريفية. فقد أطلق خصومه شائعة بأنه "ديمقراطي"، وتم تقديم الديمقراطية للناس البسطاء باعتبارها مرادفاً للانحلال الأخلاقي والإباحية والخروج على القيم والتقاليد. وعندما سُئل لطفي السيد عما إذا كان ديمقراطياً، أجاب بالإيجاب. وكانت النتيجة أن تعرضت حملته لهجوم من الغوغاء، وتم تخريب الصيوان الانتخابي وإلغاء اللقاء الجماهيري، وخسر الرجل الذي عُرف لاحقاً بأبي الديمقراطية المصرية الانتخابات لأنه كان ـ بحسب الدعاية المضادة ـ "ديمقراطياً، والعِياذ بالله".
إن استدعاء هذه الوقائع التاريخية ليس من باب المقارنة المباشرة، بل للتذكير بأن الشائعات المنظمة والتحريض المنهجي كانا دائماً من أخطر الأسلحة المستخدمة من قبل الاخوان المسلمين في الصراع السياسي. فقبل كل جريمة كبرى تقريباً، توجد حملة لتجريد الضحايا من إنسانيتهم، وتشويه صورتهم، وإقناع الناس بأن ما سيقع عليهم أمر مستحق أو مبرر. ولهذا فإن مقاومة الشائعات والدفاع عن الحقيقة يظلان جزءاً أساسياً من معركة بناء مجتمع ديمقراطي يحترم الإنسان وكرامته.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #8
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-07-2026, 05:49 PM
Parent: #6
مكرر
|
Post: #9
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: أبوبكر عباس
Date: 06-08-2026, 01:00 PM
Parent: #8
يا أخوانا عليكم الله طلعت الطيب دا بخجل؟ كيف يا أستاذ طلعت تتجاوز عن ارتكاب قوات تأسيس للإبادة الجماعية في الفاشر؟! إبادة الفاشر هي أكبر جريمة ضد المدنيين شهدتها هذه الحرب
|
Post: #10
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-08-2026, 04:33 PM
Parent: #9
ملاحظاتي حول الأداء السياسي والعسكري لتحالف تأسيس (2-2)
سعدت وأنا أرى دموع الفرح والأمل في عيون الأبناء والبنات من طلاب الشهادة الثانوية في كردفان ودارفور، أولئك الذين حرمتهم الحرب من حقهم في التعليم لسنوات. وأرى أن تمكين هؤلاء الطلاب من الجلوس للامتحانات يمثل واحداً من أهم الإنجازات التي حققتها حكومة تأسيس حتى الآن، رغم أن الطريق ما زال طويلاً أمامها في مجالات الأمن والخدمات الأساسية للمواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ومن المفارقات أن أي إنجاز تحققه حكومة تأسيس، مهما بلغت أهميته، يُقابل بالتقليل من شأنه أو يُصوَّر باعتباره تكريساً لتقسيم البلاد. غير أنني أرى الأمر من زاوية مختلفة؛ فالمناطق التي سيطرت عليها قوات تأسيس ثم شرعت في إدارتها تمثل، في تقديري، تحرراً لأجزاء مهمة من الوطن من هيمنة مشروع الإسلام السياسي الذي أرهق الدولة والمجتمع لعقود طويلة. إنها عملية استعادة لمؤسسات ومقدرات البلاد لتعمل في خدمة المواطنين بدلاً من توظيفها لخدمة مشروع سياسي ظل ينهك السودان لأكثر من ثلاثة عقود ونصف. ومع ذلك، لا يزال الكثير مطلوباً من حكومة تأسيس في مجال التعليم. ويأتي في مقدمة ذلك العمل على تأمين الاعتراف بالشهادة الثانوية، حتى تُسكت الأصوات المشككة في مشروعيتها، رغم أن كثيرين يرون أنها أكثر نزاهة وتأميناً من الامتحانات التي أُجريت تحت إشراف حكومة بورتكيزان ، والتي تعرضت لاتهامات وتسريبات متكررة كادت تجعل تسريب الامتحانات لأصحاب النفوذ أمراً معتاداً لا استثناءً. إن استئناف العملية التعليمية بعد توقف دام ثلاث سنوات يُعد خطوة بالغة الأهمية، لأنه أتاح فرصة التعليم لأبناء وبنات الأسر البسيطة الذين لا يملكون القدرة على إرسال أبنائهم إلى المدارس أو الجامعات الخاصة داخل السودان أو خارجه، كما يفعل أصحاب الامتيازات والقدرات المالية من الفلول. وأرى أن ما تحقق يمثل بداية طيبة لحكومة تأسيس، وآمل أن يستمر ويتحول إلى استراتيجية متكاملة لإصلاح التعليم بعد انتهاء الحرب وتجاوز آثارها. فالسودان لا يحتاج فقط إلى إعادة فتح المدارس، بل يحتاج أيضاً إلى تطوير المناهج والمؤسسات التعليمية بما يعزز قيم التسامح والمواطنة المتساوية وحقوق الإنسان، وهي قيم حُرمت منها أجيال كاملة منذ انقلاب الإنقاذ عام 1989م. إن بناء مستقبل مستقر للسودان يبدأ من بناء الإنسان السوداني، ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر تعليم حديث يرسخ ثقافة السلام والتعايش واحترام التنوع، ويضع مصلحة الوطن فوق كل المشاريع الأيديولوجية الضيقة.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #11
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-09-2026, 11:04 AM
Parent: #10
مفهوم الوجود والأصالة عند جيل الاستقلال
لرصد الموقف من الوجود عند بعض رموز جيل الاستقلال السوداني، يمكن التوقف عند نماذج بعينها، من بينها الراحل الأستاذ التجاني الطيب بابكر. فبعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الاشتراكية التي كانت تدور في فلكه، فتح الحزبم الشيوعي السوداني باب المناقشة العامة لمراجعة تجربة الاشتراكية والوقوف على أسباب ذلك السقوط المدوي. غير أن تلك المناقشة، في نظر كثيرين، لم تُحسم فكرياً بالقدر الذي كانت تتطلبه طبيعة الأزمة، بل انتهت إلى معالجات تنظيمية وإدارية أكثر منها مراجعات فلسفية عميقة. وربما لهذا السبب لم يستغرب بعض المراقبين أن يبدأ المرحوم محمد إبراهيم نقد ورقته الأساسية بمناقشة اللائحة التنظيمية للحزب.
ولا يزال المجال السياسي السوداني يدفع ثمن ذلك الإخفاق؛ إذ عجز الحزب الشيوعي عن تقديم مراجعة فكرية شاملة لتجربته، الأمر الذي أضعف تأثيره في الحياة السياسية وأفقده كثيراً من قدرته على الإسهام الفاعل في بناء معارضة موحدة في مواجهة الإسلاميين.
لكن ما يعنينا هنا ليس تقييم التجربة السياسية للحزب، وإنما التوقف عند دلالة موقف أعلنه التجاني الطيب عندما ارتفعت بعض الأصوات مطالبة بحل الحزب الشيوعي أو تغيير اسمه. فقد رفض ذلك بشدة، وقال ما معناه إنه حتى لو صدر قرار بأغلبية ساحقة بحل الحزب فإنه لن يمتثل له، لأن ذلك يعني بالنسبة إليه إلغاء معنى وجوده ذاته.
تكشف هذه العبارة عن علاقة عميقة بين الإنسان وفكرته المركزية؛ فالحزب لم يكن مجرد تنظيم سياسي بالنسبة للتجاني الطيب، بل أصبح جزءاً من تعريفه لنفسه ولحياته ومعنى وجوده. وهنا يقترب مفهوم الوجود من ذلك التصور الفلسفي الذي ظل سائداً قروناً طويلة، والذي يرى أن الإنسان يكرس حياته سعياً وراء حقيقة يعتقد أنها تمنح لحياته المعنى والاتجاه. ويبدو أن الماركسية اللينينية كانت تمثل بالنسبة إليه تلك الحقيقة التي تشكل حولها وعيه ومسيرته النضالية.
في المقابل، برز مفهوم "الأصالة" في الفكر السوداني الحديث من خلال المدرسة الجمهورية، حيث احتل موقعاً مهماً في فكر الشهيد الأستاذ محمود محمد طه. غير أن هذا المفهوم اكتسب شهرته الفلسفية العالمية قبل ذلك بسنوات مع صدور كتاب "الكينونة والزمان" للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر عام 1927.
أحدث هايدغر انقلاباً عميقاً في مسار الفلسفة الغربية عندما انتقد انشغالها التقليدي بأسئلة المعرفة واليقين والحقيقة المجردة، ودعا إلى العودة إلى السؤال الأكثر أصالة: ماذا يعني أن يكون الإنسان موجوداً؟
يرى هايدغر أن الإنسان يُلقى في هذا العالم دون اختيار؛ فهو لا يختار أسرته ولا لغته ولا زمانه ولا بيئته الثقافية. ومع ذلك فإنه يظل مسؤولاً عن الخيارات التي يتخذها وعن الكيفية التي يعيش بها حياته. ومن هنا ينشأ مفهوم الأصالة، أي أن يحيا الإنسان وفق قناعاته واختياراته الخاصة، لا أن يذوب في الجماعة أو يستعير آراء الآخرين دون تفكير.
وتتجلى الأصالة بصورة أوضح عندما يدرك الإنسان أنه كائن متجه نحو الموت. فالموت، في نظر هايدغر، هو الحقيقة الشخصية الأكثر يقيناً، لأنه تجربة لا يمكن لأحد أن يعيشها نيابة عن أحد. وعندما يواجه الإنسان هذه الحقيقة بشجاعة، يتحرر من أوهام الحياة اليومية ومن الانشغال المستمر بالترفيه والاستهلاك والروتين الذي يبدد الزمن ويؤجل الأسئلة الكبرى.
كما انتقد هايدغر النظرة التقنية الحديثة التي تتعامل مع كل شيء بمنطق المنفعة والاستخدام؛ فالغابات تصبح مجرد مخزون للأخشاب، والأنهار مجرد مصدر للطاقة، والإنسان نفسه يتحول إلى "مورد بشري" في خطط التنمية الاقتصادية. وخطورة هذه النظرة أنها تضعف قدرة الإنسان على التأمل العميق في معنى الوجود.
ولهذا منح الفن والأدب والشعر مكانة خاصة، باعتبارها مجالات تساعد الإنسان على الانفتاح على الوجود بصورة أكثر أصالة من العقل التقني الذي هيمن على الحداثة.
ولأن اللغة، في نظره، ليست مجرد أداة للتواصل بل هي البيت الذي يسكنه الوجود، فقد ابتكر مصطلحات فلسفية خاصة جعلت أعماله شديدة الصعوبة. ومن أشهر هذه المصطلحات كلمة "دازاين" (Dasein)، التي تعني حرفياً "الوجود هنا". وقد استخدمها للإشارة إلى الإنسان بوصفه الكائن الذي ينكشف من خلاله معنى الوجود، بدلاً من التعريفات التقليدية التي اختزلته في كونه حيواناً عاقلاً أو جسداً تسكنه روح.
وفق هذا التصور، فإن الإنسان الأصيل هو الذي يدرك معنى وجوده ويتحمل مسؤولية خياراته، ويستعد لمواجهة الموت دون أن يتخلى عن قناعاته الأساسية مهما كانت التحديات. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى موقف الأستاذ محمود محمد طه وهو يواجه الموت بثبات وهدوء، غير عابئ بصيحات خصومه أو ضغوط السلطة. فقد ظل طوال حياته يدعو إلى الحرية والتسامح واحترام الإنسان بغض النظر عن أصله أو معتقده.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن صاحب أحد أهم الكتب الفلسفية في القرن العشرين سقط سياسياً وأخلاقياً عندما انضم إلى الحزب النازي في ألمانيا. وقد ظل هذا الموقف يلاحق فلسفة هايدغر حتى يومنا هذا، وأثار سؤالاً لم يجد إجابة نهائية: هل يمكن الفصل بين عظمة الفيلسوف وأخطائه الأخلاقية، أم أن السقوط الأخلاقي يلقي بظلاله على المشروع الفكري بأكمله؟
وربما تكمن أهمية هذه المقارنة في أنها تضعنا أمام سؤال يتجاوز الأشخاص والأفكار معاً: هل تُقاس أصالة الإنسان بما يعلنه من مبادئ ونظريات، أم بما يفعله عندما يواجه الامتحان الحقيقي في لحظات الخوف والعزلة والمصير؟
ذلك سؤال ما زال مفتوحاً أمام الفلسفة والسياسة والتجربة الإنسانية كلها. هل انتماء هايدغر للحزب النازى يعد ارتدادا نحو هوية جماعية ؟!
طلعت محمد الطيب
|
Post: #12
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-10-2026, 02:51 PM
Parent: #11
مفهوم الوجود والاصالة عند جيل الاستقلال (٢-٢)
حينما كنت صغيرا اعتقدت ان الوجودية تعنى الالحاد نظرا لشهرة وصعود نجم الفرنسى جان بول سارتر آنذاك، لكن تاكد لى فيما بعد ان الوجودية مذهب انسانى يضع الوجود قبل الماهية. ثم لاننى اكتشفت ان الاب المؤسس للوجودية كان سورين كيركيغارد ( 1813- 1855) الممثل العظيم للوجودية المسيحية .فالإنسان عنده (يوجد) او يولد أولا ثم يشكل ماهيته وهويته لاحقا من خلال قراراته واختياراته الحرة التى يتحمل مسؤوليتها بالكامل. وهو فيلسوف لاهوتى ثار على الفلسفة العقلانية والنظم التاريخية ( مثل فلسفة هيغل وتأليهه للتاريخ) ووضع الإنسان الفرد ومشاعره وقراراته فى قلب الفلسفة لان الانسان هو صاحب الحضور المركزي فى هذا العالم وهو الذى يعطى للحياة معناها . ويعتبر كيركيغارد المؤسس للوجودية المعاصرة قبل هايدغر وسارتر بزمن طويل . رفض كيركيغارد بشدة تحول الإيمان الى مجرد طقوس اجتماعية وعادات موروثة، وكان ناقدا لاذعا لكنيسة الدولة فى الدنمارك. قرأت مؤخرا مقالا للقيادى الشيوعى تاج السر عثمان بابو تحت عنوان " خطر تكريس الانقسام بعقد امتحانين للشهاده السودانية " ، صحيح انه لم يقم بادانة مبادرة حكومة السلام بتنظيمها للامتحانات الشهادة فى كردفان ودارفور ، لكنه كان منشغل اكثر بخطورة تكريس تقسيم السودان وربما كان ذلك خوفا مبررا لكننى فقط اشير هنا الى "اثر فأس" فلسفة هيغل على الماركسية اللينينة الى تقوم بتأليه التاريخ والبناءات مثل مفهوم الدولة على حساب الانسان نفسه مع ان البناءات structures مثل الدولة والمجتمع والمؤسسات يحب ان تكون من اجل الانسان ، بدلا عن ان تتحول الى أصنام تعبد فى حد ذاتها كى نقوم بتأليهها. ويبدو ان الاستاذ تاج السر لم يتأمل جيدا دموع الفرح فى أعين الطلاب والطالبات، لانه كان مشغولا بتلك اليناءات وفى هذا واحدا من أخطر عيوب الحداثة الاولى. فى العام ١٩٨٥ م قام الاب فيليب عباس غبوش رئيس اتحاد جبال النوبة بطلب العفو من نميرى بعد اتهامه بالقيام بانشطة معادية للدولة خاصة معارضته للقوانين سبتمبر ١٩٨٣م وقد كان مشهدا مخزيا اذا ما قارناه بمواقف الراحل يوسف كوة مكى رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والذى شغل رئيسا لبرلمان اقليم كردفان، فقد كان الرجل ذو مواقف صلبه وكان بالتأكيد الأكثر انضباطا. المفارقة ان إصدار نميرى قرارا بالعفو عن الاب فيليب وإطلاق سراحه كان قد تزامن وقتها مع رفض الشهيد الاستاذ محمود محمد طه اعلان تراجعه عن معارضته لقوانين سبتمبر ٨٣ معلنا انها جاءت بغرض اذلال المواطن ولا علاقة لها بالاسلام. الأصالة تعنى تقديم الوجود على الماهية واتخاذ قرارات وتحمل نتائجها، وقد جسد الاستاذ محمود فى حياته ومماته أهمية المسؤولية الفردية . ان القلق الوجودى يعنى تبنى خيارات فى مواجهة فكرة الموت لانه مصير كل إنسان، ولذلك سمعت ان الرجل كان كثير الخلوة مع نفسه ، وانه كان شديد الانضباط well disciplined فى كل شئ ولا عجب فى ذلك لان الانضباط يعنى اننا لا نسعى الى تحقيق ما نريده الان، فقط ، ولكننا نسعى ونصبر ونثابر بغرض تحقيق الافضل دائما، والافضل دائما هو تحقيق الغايات والقيم العليا والسامية.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #13
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-12-2026, 10:23 AM
Parent: #12
الحكم الصومالي عمر أرتان وقيم الكفاءة والمؤسسية
أثار ما نُشر حول تعرض الحكم الصومالي عمر عبد الله أرتان، البالغ من العمر 34 عاماً، للتحقيق والاحتجاز لساعات طويلة في مطار ميامي الأمريكي قبل منعه من دخول الولايات المتحدة، ردود فعل واسعة في الأوساط الرياضية والإعلامية. ويُعد أرتان واحداً من أبرز الحكام الصاعدين في القارة الأفريقية، إذ اختارته الفيفا حكماً دولياً منذ عام 2018 بعد سنوات من العمل والتدرج وإثبات الكفاءة. ولذلك فإن حرمانه من أداء المهمة التي وقع عليه الاختيار من أجلها أثار تساؤلات عديدة حول المعايير التي تحكم مثل هذه القرارات وآثارها على مبدأ تكافؤ الفرص في المجال الرياضي. اللافت للنظر أن ردود الفعل على هذه الحادثة جاءت متباينة. فبينما أكد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أن المنظمة لا تتدخل في قرارات الحكومات والدول، اتخذ الاتحاد الأوروبي لكرة القدم موقفاً مختلفاً عندما أعلن اختيار الحكم الصومالي لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي المقررة في أغسطس المقبل بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا. ويبدو أن هذه الخطوة حملت رسالة رمزية مهمة مفادها أن الكفاءة المهنية والالتزام يجب أن يظلا المعيار الأساسي في تقييم الأفراد، بغض النظر عن خلفياتهم القومية أو العرقية أو الدينية. فالتقدير الذي حظي به أرتان لم يكن منحة أو مجاملة، بل جاء نتيجة مسيرة مهنية أهلته للوصول إلى هذا المستوى الرفيع من التحكيم الدولي. وتسلط هذه القضية الضوء على جدل أوسع يتعلق بالعلاقة بين السلطة والمؤسسات. فالمؤسسات الحديثة تُبنى على قواعد وإجراءات تهدف إلى ضمان العدالة والموضوعية، وهى تمثل قرارات الجماعة وتجسد حكمة البشر ، بينما يؤدي تغليب الانطباعات الشخصية أو الاعتبارات السياسية الضيقة إلى إضعاف الثقة في تلك المؤسسات. ومن هذا المنطلق، فإن أي إجراءات تؤدي إلى استبعاد أصحاب الكفاءة من أداء مهامهم تستحق المراجعة والنقاش، خاصة عندما تكون آثارها متصلة بمبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. كما أن الدفاع عن هذه المبادئ لا يقتصر على المجال الرياضي وحده، بل يمتد إلى مختلف مجالات الحياة العامة. ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الواقعة هو أن المجتمعات والمؤسسات تتقدم عندما تجعل الكفاءة والنزاهة أساساً للاختيار والتقدير، وتتراجع عندما تسمح للاعتبارات الأخرى بأن تحل محل الجدارة والاستحقاق. ويبدو ان ادارة ترمب التى خسرت العديد من القضايا امام المحاكم الأمريكية لا تختلف فى جوهرها كثيرا عن المشروع الحضارى الذى ابتلينا به فى السودان منذ اكثر من ثلاثة عقود ونصف من انقلاب الاسلاميين على الديمقراطية الثالثة فى السودان والذى ظل يغلب الولاء على الكفاءات الوطنية.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #14
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-14-2026, 10:16 AM
Parent: #13
العلم والإيمان: هل يلتقيان؟
رفض الإمام الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة فكرة الضرورة السببية كما قال بها الفلاسفة المسلمون، مثل ابن سينا والفارابي، واعتمد بدلاً منها على مفهوم "الاقتران بالعادة". ويمكن تلخيص موقفه في ثلاث نقاط رئيسية: الله هو الفاعل الحقيقي الوحيد في الكون، أما ما نراه من أسباب ومسببات فليس سوى اقتران يخلقه الله باستمرار. العلاقة بين السبب والنتيجة ليست ضرورية في ذاتها، إذ يستطيع الله أن يخلق الاحتراق دون نار أو الشبع دون طعام. انتظام الظواهر الطبيعية يرجع إلى "عادة إلهية" جرت بها السنن الكونية، وليس إلى قوى ذاتية كامنة في الأشياء. وقد أثارت هذه النظرية جدلاً واسعاً، كان أبرز ردودها ما قدمه الفيلسوف ابن رشد في كتاب تهافت التهافت، حيث دافع عن مبدأ السببية ورأى أن إنكارها يقوض أسس المعرفة العلمية ويجعل انتظام الكون أمراً غير قابل للفهم. ومع كامل الاحترام والتقدير لمساهمة الشهيد محمود محمد طه في نقل وإحياء جانب مهم من التراث الصوفي الإسلامي، فإن تأويل بعض المعجزات القرآنية باعتبارها دليلاً على انتفاء العلاقة السببية يثير إشكالاً معرفياً يتمثل في الخلط بين مجال الإيمان ومجال العلم. فالإيمان يطرح أسئلة من قبيل: لماذا خلق الكون؟ ولماذا وُجد الإنسان؟ وهي أسئلة تتعلق بالمعنى والغاية والقيمة. أما العلم فينشغل بأسئلة مختلفة: كيف نشأ الكون؟ وكيف تعمل الظواهر الطبيعية؟ وما الآليات التي تحكمها؟ ولذلك يعتمد العلم على مبدأ السببية وقابلية الظواهر للملاحظة والاختبار والتفسير. وعندما يحاول العلم الإجابة عن سؤال "لماذا" بالمعنى الغائي أو النهائي، فإنه يتجاوز مجاله الطبيعي. وفي المقابل، عندما يحاول الإيمان تقديم إجابات تفصيلية عن "كيف" تعمل الطبيعة، فإنه يدخل مجالاً هو من اختصاص البحث العلمي. ويُستشهد أحياناً بموقف ألبرت أينشتاين الذي أعلن رفضه لفكرة الإله الشخصي في الديانات الإبراهيمية، وتحدث بدلاً من ذلك عن إعجابه بالنظام الكامن في الطبيعة، وهو موقف قريب مما عُرف تاريخياً بإله الفيلسوف باروخ سبينوزا. غير أن أينشتاين نفسه دخل في خلاف شهير مع رواد ميكانيكا الكم، إذ لم يتقبل الطبيعة الاحتمالية للعالم الذري، معبراً عن ذلك بعبارته الشهيرة: "إن الله لا يلعب النرد". لكن تطور فيزياء الكم أظهر أن كثيراً من الظواهر على المستوى الذري لا يمكن وصفها بالحتمية الكلاسيكية التي تصورها نيوتن وأينشتاين. وتجربة الشقين المزدوجين تعد من أشهر الأمثلة على ذلك، حيث تُظهر الجسيمات المجهرية سلوكاً موجياً واحتمالياً لا ينسجم مع التصورات التقليدية للسببية الميكانيكية. ومع ذلك، لا تعني ميكانيكا الكم غياب القوانين أو انتفاء السببية، بل تعني أن القوانين نفسها تأخذ شكلاً احتمالياً بدلاً من الشكل الحتمي الذي ساد في الفيزياء الكلاسيكية. الإيمان يمنح الإنسان شعوراً بالمعنى والطمأنينة، ويجيب عن أسئلة الوجود الكبرى. أما العلم فيوفر أدوات لفهم العالم الطبيعي واختبار الفرضيات وتصحيح الأخطاء. والمشكلة لا تنشأ من وجود الإيمان أو العلم، بل من الخلط بين المجالين ومحاولة أحدهما القيام بوظيفة الآخر. إن تاريخ الحضارة الإنسانية يشير إلى أن التقدم العلمي يبدأ من الشك المنهجي والسؤال المستمر والتحقق من الادعاءات، بينما يقوم الإيمان على اليقين والثقة في معانٍ تتجاوز حدود الاختبار التجريبي. ولهذا فإن العلاقة الصحية بينهما ليست علاقة صراع أو تطابق كامل، بل علاقة تمييز بين مجالين مختلفين من مجالات المعرفة الإنسانية.
ملاحظة فلسفية: كثير من فلاسفة العلم المعاصرين لا يرون أن الإيمان بالضرورة يغلق باب العلم. فعدد كبير من مؤسسي العلم الحديث كانوا مؤمنين، لكنهم فصلوا بين التفسير الديني للمعنى والغاية وبين التفسير العلمي للظواهر الطبيعية. لذا فإن النقاش الحقيقي ربما لا يكون بين "العلم والإيمان"، بل بين التفسير العلمي والتفسير غير العلمي للظواهر الطبيعية.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #15
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-14-2026, 10:17 AM
Parent: #14
العلم والإيمان: هل يلتقيان؟ (٢-٢)
لقد شكّل النص المقدس الذي استُخدم في تفسير حركة الكون حجر عثرة أمام أفكار كوبرنيكوس، رغم أنه كان محقاً في استنتاجه بأن الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس كما كان سائداً في التصور البطلمي. ويشبه ذلك بعض التصورات القديمة التي نشأت من الملاحظة المباشرة، مثل الاعتقاد بأن الشمس تتحرك حول الأرض لأنها تبدو كذلك للعين المجردة.
والمدهش أن الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس لم يسعَ إلى تقويض الإيمان الديني، بل كان هدفه الأساسي إظهار عظمة الخالق من خلال الكشف عن النظام الدقيق للكون. وقد أمضى أكثر من ثلاثة عقود في دراسة فرضياته الرياضية والتأكد من صحتها، مدركاً في الوقت نفسه أنه يواجه منظومة فكرية راسخة تقوم على فلك بطليموس ومنطق أرسطو، وهي منظومة هيمنت على العالم القديم لقرون طويلة وقدّمت تفسيرات تتوافق مع ما يراه الإنسان مباشرة، ثم اكتسبت مع الزمن هالة من القداسة.
وفي عام 1542 أصيب كوبرنيكوس بسكتة دماغية أفقدته القدرة على الدفاع عن أفكاره. وعندما نُشر كتابه الشهير «حول دوران الأجرام السماوية»، أضيفت إليه مقدمة من أحد رجال الدين توحي للقارئ بأن ما ورد فيه مجرد فرضيات رياضية تهدف إلى تحسين الحسابات الفلكية والتقويم، لا إلى وصف الواقع الفعلي للكون. وقد ساهم ذلك، إلى جانب معارضة المؤسسات الدينية، في تأخير انتشار أفكاره لعقود طويلة. ولم يقتصر الرفض على الكنيسة الكاثوليكية، بل امتد إلى بعض رموز الإصلاح البروتستانتي، مثل مارتن لوثر وجون كالفن، اللذين اعتبرا نظريته خروجاً على المألوف الديني.
ويبدو أن تردد كوبرنيكوس في نشر اكتشافاته خوفاً من ردود الفعل الدينية ساهم هو الآخر في تأخير الاعتراف بأهمية إنجازه العلمي. غير أن المفارقة تظهر بصورة مختلفة مع تشارلز داروين، الذي تأخر بدوره سنوات طويلة قبل نشر أفكاره حول التطور. فقد منح هذا التأخير خصومه فرصة واسعة لمهاجمة نظريته، لكنهم لم يستطيعوا التشكيك في نزاهته العلمية أو في صحة الملاحظات والعينات التي جمعها خلال رحلته على متن السفينة "بيغل"، لأن المجتمع الإنجليزي كان يعرف مكانته العلمية والاجتماعية وانحداره من أسرة محترمة و"متدينة"، حتى وإن رفض كثيرون استنتاجاته بشأن أصل الأنواع.
وهناك مفارقة أخرى أكثر أهمية بالنسبة لنا في العالم الإسلامي، تتعلق بقدرة التنوير الأوروبي على تجاوز هيمنة المنطق الأرسطي الذي سيطر على الفكر الإنساني قروناً طويلة. فقد جاء الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، بعد كوبرنيكوس بنحو قرن من الزمان، ليطرح في كتابه «الأورغانون الجديد» (Novum Organum) نقداً جذرياً للمنهج الأرسطي القائم على الاستنباط deductions من الكليات والبديهيات إلى الجزئيات.
رأى بيكون أن المعرفة لا ينبغي أن تُبنى على القياس المنطقي وحده، بل على الملاحظة الدقيقة والتجربة المتكررة واستخلاص القواعد العامة من الوقائع الجزئية. ومن هنا دعا إلى منهج الاستقراء inductions، أي الانتقال من الخاص إلى العام، مع إخضاع النتائج للاختبار والتحقق المستمر. وقد أسهم هذا التحول المنهجي في وضع الأساس الذي قامت عليه العلوم الحديثة.
أما في العالم الإسلامي، فقد ترسخ المنطق الأرسطي بعد ترجمة مؤلفات أرسطو، وأصبح جزءاً من البنية المعرفية لكثير من المدارس الفقهية والكلامية. ورغم ما قدمه من أدوات مهمة للتفكير، فإن هيمنته الطويلة حدّت أحياناً كثيرة من تطور المناهج التجريبية والقدرة على التفكير والتأمل والشك بدلا عن بدهية اليقين ، وهو أثر ما تزال بعض مظاهره حاضرة في الثقافة الفكرية حتى اليوم .
طلعت محمد الطيب
|
Post: #16
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-15-2026, 07:10 PM
Parent: #15
الديمقراطية في السودان: كيف أخطأ جيل الاستقلال؟
إذا أردنا فهم أزمة الديمقراطية في السودان، فلا يكفي أن نتحدث عن الانقلابات العسكرية أو التدخلات الخارجية، بل ينبغي أيضاً أن نتأمل الثقافة السياسية التي ورثناها عن جيل الاستقلال. فالمشكلة لم تكن في غياب الأفكار والشعارات، وإنما في ضعف الاهتمام بالإجراءات الديمقراطية والمؤسسات التي تحمي الحقوق والحريات وتضمن التداول السلمي للسلطة. وتكشف حادثتان بارزتان في تاريخ السودان الحديث عن هذا الخلل. الأولى تمثلت في قرار حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في منتصف ستينيات القرن الماضي على خلفية حديث أدلى به أحد الطلاب في ندوة عامة اعتُبر مسيئاً لآل بيت النبي. وبدلاً من مساءلة الشخص المعني وفق القانون، جرى تحميل الحزب بأكمله المسؤولية السياسية والأخلاقية. وقد شاركت معظم القوى السياسية آنذاك في هذا القرار، باستثناء قلة من الأفراد والحزب الجمهوري. كان ذلك سابقة خطيرة فتحت الباب أمام استخدام الأغلبية البرلمانية لتجريد الخصوم السياسيين من حقوقهم الدستورية. أما الحادثة الثانية فجاءت في إطار ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية الذي أقرته قوى التجمع الوطني الديمقراطي في منتصف تسعينيات القرن الماضي. فقد نص الميثاق على منع قيام أي حزب على أساس ديني، وكان المقصود عملياً عزل الحركة الإسلامية عن الحياة السياسية. والمفارقة أن الموقعين على الميثاق، ومن بينهم الحزب الشيوعي، وقعوا في منطق الإقصاء نفسه الذي كانوا ينتقدونه لدى خصومهم. كما أن النص تجاهل حقيقة أن أكبر حزبين في السودان نشآ تاريخياً على أساس ديني وطائفي. في تقديري، لم تكن المشكلة في المرجعية الدينية أو الفكرية للحزب السياسي، وإنما في مدى التزامه بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فمن حق أي مجموعة من المواطنين أن تؤسس حزباً يستلهم قيمه من الدين أو من أي فلسفة أو عقيدة أخرى، شريطة أن يلتزم بالدستور وبمبادئ المواطنة المتساوية وأن يقدم برامج واضحة في الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والسياسة الخارجية. أما الشعارات العامة من قبيل «ربط قيم السماء بالأرض» أو غيرها من العبارات الفضفاضة فلا يمكن أن تكون بديلاً عن البرامج والسياسات القابلة للمساءلة. لقد أخطأ جيل الاستقلال حين لم يمنح المؤسسية ما تستحقه من اهتمام. وكان الأولى منذ الاستقلال وضع قواعد دستورية وقانونية تمنع تسجيل أي حزب يتعارض نظامه الأساسي مع الديمقراطية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فالدولة ليست مطالبة فقط بضمان حق التنظيم السياسي، وإنما أيضاً بحماية حقوق المواطنين الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير وحرية الضمير والمساواة أمام القانون. ومن أهم مظاهر الخلل في التجربة السودانية الخلط بين الحزب السياسي ومنظمة العمل البيروقراطية. ففي المؤسسات الحكومية والشركات يتم التصعيد الوظيفي عبر التعيين والترقية وفق التسلسل الإداري، وتقوم العلاقة على الرئاسة والمرؤوسية والانضباط الوظيفي. أما الحزب السياسي الديمقراطي فمصدر الشرعية فيه هو الانتخاب، والسلطة الحقيقية يجب أن تكون في يد العضوية التي تختار قياداتها وتحاسبها وتستبدلها متى شاءت. غير أن كثيراً من الأحزاب السودانية تأثرت بثقافة التنظيمات المغلقة أكثر من تأثرها بثقافة الأحزاب الديمقراطية. فترسخت لدى قطاعات واسعة من السودانيين فكرة حماية القيادات الحزبية والمحافظة على هيبتها، بدلاً من حماية حقوق القواعد الحزبية. وأصبح الاختلاف مع القيادة يُنظر إليه باعتباره خروجاً على الانضباط، لا حقاً ديمقراطياً مشروعاً. وفي الديمقراطيات الراسخة، يملك عضو الحزب الحق في إعلان رأيه المخالف لقيادة حزبه، بل يحق له في بعض الأحيان التصويت ضد موقف الحزب داخل البرلمان. كما يحق له السعي لإقناع بقية الأعضاء بوجهة نظره عبر ما يعرف بالتيارات أو جماعات الضغط الداخلية (اللوبيات)، وهي ممارسات طبيعية في الحياة الحزبية الديمقراطية. فالحزب ليس مؤسسة عسكرية ولا جهازاً بيروقراطياً، وإنما فضاء للتنافس الحر بين الأفكار والبرامج. أما في العديد من الأحزاب العقائدية السودانية، سواء كانت إسلامية أو شيوعية أو قومية أو حتى تقليدية، فقد جرى التعامل مع التعدد الفكري داخل الحزب باعتباره تهديداً لوحدته التنظيمية. وأصبح من واجبات العضو الدفاع عن قرارات القيادة حتى لو لم يكن مقتنعاً بها، بينما عُدّت محاولات تكوين تيارات إصلاحية أو حشد التأييد لأفكار جديدة نوعاً من التكتل المرفوض الذي قد يؤدي إلى العقوبات أو الفصل. ولعل ما تعرض له الدكتور الشفيع خضر قبل فصله من الحزب الشيوعي عام 2016 يمثل نموذجاً لهذه العقلية، إذ كان من بين الاتهامات التي وُجهت إليه السعي إلى تكوين تكتل يدعو إلى مراجعات فكرية وتنظيمية بعد المتغيرات الكبرى التي شهدها العالم عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. كما شهدت الحركة الإسلامية والأحزاب التقليدية حالات مشابهة، حيث كان الإعلان عن فصل المخالفين يتم أحياناً عبر الصحف وعلى طريقة "إلى من يهمه الأمر سلام ". إن أزمة الديمقراطية في السودان لم تكن مجرد أزمة انتخابات أو دساتير، بل كانت قبل ذلك أزمة ثقافة سياسية. فقد انشغلت الأحزاب بالدفاع عن حقها في الوجود والتنظيم، لكنها كثيراً ما أهملت حق أعضائها في الاختلاف والتعبير الحر والمشاركة الحقيقية في صنع القرار. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تعجز كثير من هذه الأحزاب عن بناء دولة ديمقراطية حديثة، لأنها لم تنجح أولاً في بناء مؤسسات ديمقراطية داخلها. فالديمقراطية لا تبدأ من البرلمان ولا من صندوق الاقتراع فقط، بل تبدأ من داخل الحزب نفسه، عندما يصبح حق العضو العادي في الاختلاف والنقد والمبادرة مصوناً بقدر ما تُصان مكانة القيادة. وعندما يتحقق ذلك، يصبح الانتقال من ديمقراطية الأحزاب إلى ديمقراطية الدولة أمراً ممكناً، لا مجرد شعار يتكرر في البيانات والخطب السياسية.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #17
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-16-2026, 08:14 AM
Parent: #16
فضائح الفيفا (2-2)
لا شك أن كأس العالم، الذي يأتي كل أربع سنوات، يمثل مناسبة استثنائية لعشاق كرة القدم حول العالم. فهو ليس مجرد بطولة رياضية، بل حدث يرتبط بذكريات جميلة تجمعنا بأهل وأصدقاء رحل بعضهم عن دنيانا، ولذلك تحتل هذه المنافسة مكانة خاصة في وجدان الملايين.
غير أن هذا الارتباط العاطفي العميق باللعبة لا يمنع من توجيه النقد إلى السياسات التي تتبعها الفيفا، والتي يرى كثيرون أنها أصبحت تركز بصورة متزايدة على تعظيم الأرباح التجارية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قرار توسيع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخباً، مما أدى إلى زيادة عدد المباريات بشكل كبير. ويرى منتقدو القرار أن ذلك يفرض أعباء إضافية على اللاعبين ويزيد من الإرهاق البدني خلال موسم كروي مزدحم أصلاً.
كما أثيرت خلال البطولة انتقادات تتعلق بالجوانب التنظيمية واللوجستية، حيث اشتكت بعض المنتخبات من مشكلات في ترتيبات السفر والتنقل، بينما تحدثت فرق أخرى عن صعوبات مرتبطة بنقل المعدات الرياضية أو بظروف الملاعب. وقد اعتبر البعض أن هذه المشكلات تعكس عدم استعداد تنظيمي يتناسب مع حجم البطولة وأهميتها.
ومن القضايا التي أثارت الجدل أيضاً الارتفاع الكبير في أسعار التذاكر مقارنة بما كان متوقعاً، الأمر الذي حدّ من قدرة العديد من المشجعين على حضور المباريات. ويرى منتقدو الفيفا أن تحويل البطولة إلى مشروع تجاري ضخم يهدد بإبعاد الجماهير العادية التي كانت تشكل دائماً روح اللعبة وجوهرها.
كذلك تعرض نظام حكم الفيديو المساعد (VAR) لانتقادات بسبب بعض الحالات التحكيمية المثيرة للجدل. فعلى الرغم من أن التقنية أُدخلت بهدف تقليل الأخطاء التحكيمية، فإن بعض القرارات أثارت تساؤلات حول مدى فاعلية النظام وآليات تطبيقه في بعض المباريات.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يلاحظ منتقدو الفيفا أن المدن المستضيفة تتحمل تكاليف ضخمة تتعلق بالبنية التحتية والخدمات والأمن، في حين تذهب الحصة الأكبر من العوائد المالية إلى الاتحاد الدولي. ويرى هؤلاء أن من العدالة توزيع جزء أكبر من الإيرادات لدعم المدن والمجتمعات التي تتحمل أعباء الاستضافة. وفي هذا السياق، يلفت بعض المنتقدين الانتباه إلى الرواتب والمزايا المالية الممنوحة لكبار مسؤولي الاتحاد، إذ تشير تقارير إلى أن رئيس الفيفا جياني إنفانتينو يتقاضى نحو 4 ملايين دولار سنوياً كراتب ثابت، إضافة إلى بدلات ومكافآت وحوافز أخرى، وهو ما يثير نقاشاً حول حجم الإنفاق الإداري مقارنة بالأولويات المرتبطة بتطوير اللعبة ودعم الاتحادات الوطنية.
كما أُثيرت تساؤلات حول بعض التعديلات التنظيمية التي صاحبت البطولة، مثل فترات التوقف الإضافية أثناء المباريات. فبينما بررت الفيفا هذه الإجراءات باعتبارات صحية تتعلق بارتفاع درجات الحرارة، يرى بعض المراقبين أن هذه الفترات توفر أيضاً مساحات إضافية للإعلانات التجارية وتعزيز العوائد التسويقية.
أما فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحرية التعبير، فقد واجهت الفيفا انتقادات في أكثر من مناسبة بسبب قرارات اعتبرها البعض خضوعاً لضغوط سياسية على حساب حرية الجماهير في التعبير عن آرائها ورموزها السياسية أو الوطنية، وهو جدل يتكرر في معظم البطولات الكبرى التي تستضيفها دول أو أطراف ذات حساسيات سياسية خاصة.
وفي تقديري، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الفيفا اليوم يتمثل في تحقيق التوازن بين الجوانب التجارية التي توفر الموارد اللازمة لتطوير اللعبة، وبين الحفاظ على القيم الرياضية التي قامت عليها كرة القدم بوصفها وسيلة للتقارب بين الشعوب وتعزيز روح المنافسة الشريفة. فكلما طغت الاعتبارات الربحية على حساب هذه القيم، ازدادت الانتقادات واتسعت الفجوة بين المؤسسة الدولية والجماهير التي منحت اللعبة مكانتها العالمية.
لقد أصبحت كرة القدم أكثر من مجرد صناعة أو نشاط اقتصادي؛ إنها جزء من الثقافة الإنسانية المعاصرة، ومن ثم فإن إدارتها يجب أن تراعي مصالح اللاعبين والجماهير والمجتمعات المستضيفة، لا أن تنحصر في تعظيم الإيرادات المالية وحدها.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #18
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-16-2026, 09:17 AM
Parent: #17
تصحيح لمعلومة: بخصوص ما حدث فى لوس أنجلوس فى مباراة ايران مع زيلاندا الجديدة التى انتهت بالتعادل. ظهر العلم الايرانى القديم بكثافة داخل ملعب صوفي( الذى يحمل الاسد والشمس) ولكن الفريق الايرانى لم ينسحبوا كما هدد وزير الرياضة الايرانى . كانت الفيفا قدرت اصدرت قرارا بمنع ظهور هذه الاعلام وقام بعض الناشطين الايرانيين بالاحتجاج لدى القضاء الامريكى الذى اصدر قراره لتأييد قرار المنع بحجة ان إستاد صوفي قطاع خاص وليس مكانا عاما بحيث ينطبق عليه التعديل الأول فى الدستور الامريكى الذى يعمل على حماية حقوق التعبير . لكن رغم ذلك ظهرت اعلام ايران القديمة بكل وضوح فى الاستاد رغم انف الفيفا ورغم انف الحكومة الايرانية .
|
Post: #19
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-17-2026, 05:36 AM
Parent: #18
الفيفا ومحاربة العنصرية.. محاولة للرصد والتقييم
فى فبراير الماضى خلال مباراة بين ريال مدريد وبنيفيكا اضطر حكم المباراة الى توقيف اللعب لمدة عشر دقائق، بعد ان اشتكى البرازيلى فينوسيس جونيور من إساءة اللاعب الارجنتينى الاصل بريستيانى له بالفاظ عنصريه. ولكن الاخير أنكر ذلك. وحينما تمت مراجعة الكاميرا ظهر بريستيانى وهو يتحدث مع جونيور، بعد ان غطى فمه حتى يخفى حركة الشفايف وهو يتحدث. قامت الفيفا على اثر ذلك بسن قانون يمنع اى لاعب من تغطية فمه وهو يتحدث مع لاعب اخر، ومن يفعل ذلك يتعرض للطرد والمحاسبة. قرار الفيفا هذا يحاول ان يظهرها بانها تسعى بكل ما لديها الى محاربة العنصرية، بل فى تقديرى ان ما فعلته كان مبالغا فيه. والمبالغة فى إظهار الفضيلة دائما ما يخفى عيبا ما، مما يذكرنى بادعاءات كيزان السودان الاخلاقية الكبيرة، حيث اتضح انها غير حقيقية بعد ان اتفردوا بحكم البلاد لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، شهد خلالها الشعب أسوأ جرائم الاختلاسات وفشل المشاريع الكبيرة وخطوطه الحوية والبحرية وكل ما تركه الإستعمار على قلته. انتشار الفساد وجرائم القتل والتعذيب والإقصاء كانت دائما تعيش جنب الى جنب مع المبالغه فى ” ادعاءات التمسك بالدين والاخلاق”. ولكن رغم وجود فرق بين الاتحاد العالمى لكرة القدم والكيزان فى كل شئ، الا ان المشترك بينهما يظل هو الادعاءات. ففى كأس العالم الحالى حرمت معظم المنتخبات الإفريقية من الدخول الى الولايات المتحدة لمساندة فرقهم الوطنية. وتم طرد الحكم الصومالي من مطار ميامى الدولى. ولم تراجع ادارة الفيفا نظام الفيديو ال VAR بحجة وجود اشكال فنى. وحدث ذلك فى احتساب ضربة جزاء ضد قطر، لشبهة ان الاعب الذى تعرض للاصطدام بحارس قطر كان اصلا فى وضع تسلل، وكذلك فى مباراة هايتى حيث لم يحتسب الحكم ضربة جزاء واضحة لصالح هايتى حينما لمس مدافع الفريق الخصم الكرة بيده. ظهرت قرارات الفيفا المنحازة كذلك حينما طلبت من كل من مصر وهايتى عدم عرض نجوم على زيهم او رموز. وكانت سبع او ثمان نجوم للفريق المصرى تعبر عن إنجازاته فى البطولات الافريقية. وبالنسبة لهايتى كانت صورة تعبر عن فخر اهل تلك الجزيرة بتاريخهم النضالي. وقد يلاحظ من تابع مباراة مصر وبلجيكا توتر العلاقة بين الفيفا والفريق المصرى، حينما اظهر المدرب المصرى حسام حسن اعتراضه الواضح على قرار حكم المباراة بعد حدوث التحام عنيف بين مدافع بلجيكا ولاعب مصرى فى منطقة جزاء الفريق البلحيكى. يمكن ملاحظة وجود نمط واضح قى ممارسات الفيفا، تخفى مواقفها العنصرية وتغلب فيه المنظمة الدولية المصلحة المادية على حساب القيم والمبادئ التى كان من المفترض ان تجسدها الرياضة من ترسيخ للعدالة والتعاون والتعايش السلمى بين الشعوب.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #20
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-17-2026, 02:41 PM
Parent: #19
تجربتي الشخصية في الاغتراب ( ١ من ٢)
تعلمت من قراءاتي في نقد ما بعد الحداثة أهمية الانطلاق من التجارب الذاتية والتواصل مع الآخرين عبرها بدلا عن المبالغه فى ادعاءات الموضوعية كما فعلت تجربة الحداثة، ولأن ذلك يجعل تناول الشأن العام أكثر قرباً من الناس وأكثر فائدة. ومن هذا المنطلق أود أن أشارك بعضاً من تجربتي الشخصية في الاغتراب، خاصة في هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر به السودان، ذلك الوطن الذي لا يزال يمثل بالنسبة لي مهد الذكريات العزيزة والحضن الدافئ لكل من عرفت من أهل وأصدقاء.
عملت في اليمن لمدة خمس سنوات مع شركة "دي إتش ال" للاستشارات وشركة "أقروفيشن هولاند"، تحت إشراف وزارة التنمية والتعاون الهولندية. وخلال تلك الفترة عملت طبيباً بيطرياً. ومن اليمن تقدمت بطلب الهجرة إلى كندا، ووصلت إليها في أوائل تسعينيات القرن الماضي بعد حصولي على الإقامة الدائمة، ثم نلت الجنسية الكندية بعد نحو ثلاث سنوات.
لم تكن البدايات سهلة. فقد كانت الظروف الاقتصادية صعبة، الأمر الذي اضطرني للعمل في وظائف مختلفة لا تمت بصلة إلى تخصصي. عملت في المصانع، كما عملت سائق تاكسي في عدد من المدن الكندية في كل من مقاطعتي أونتاريو وألبرتا. وبعد ذلك التحقت بالوكالة الفيدرالية الكندية لتفتيش الأغذية واللحوم، حيث عملت قرابة عشرين عاماً. وعقب تقاعدي منها واصلت العمل مع وزارة الزراعة التابعة لمقاطعة أونتاريو لمدة تقارب خمس سنوات، وأنا الآن على أعتاب التقاعد النهائي بعد أن تجاوزت عمر النبوة بسنتين ، والحمد لله على نعمه.
كانت تجربة الهجرة والعمل في كندا مليئة بالتحديات. فالبلد يوفر فرصاً كبيرة، لكنه في الوقت نفسه من البلدان مرتفعة التكلفة، خاصة فيما يتعلق بالسكن. فالكثير من الأسر تدفع ما بين ألفي وثلاثة آلاف دولار كندي شهرياً ما بين إيجار أو أقساط عقارية للبنك. وفي حالتي تبلغ ضريبة العقار نحو 600 دولار كندي شهرياً.
يضاف إلى ذلك نحو 600 دولار أخرى لفواتير الكهرباء والمياه، وحوالي 400 دولار للغاز الطبيعي وإيجار وصيانة أنظمة التدفئة والتبريد المركزية. ثم تأتي تكاليف التأمين على المنزل والسيارات، وهي ضرورة لا غنى عنها في بلد مترامي الأطراف - وتموت من البرد حيتانه كما كتب يوما الراحل المقيم الطيب صالح - ويعتمد سكانه بصورة كبيرة على السيارات في تنقلاتهم. وتبلغ فاتورة التأمين الشهرية في حالتي نحو 950 دولاراً كندياً.
ولأنني عملت في كل من الحكومة الفيدرالية وحكومة أونتاريو، فإن وضعي التقاعدي أفضل نسبياً من كثيرين. فقد خضعت شروط عملي لما يعرف باتفاقيات التفاوض الجماعي (Collective Agreements) التي تبرم بين النقابات والحكومة. ووفقاً لهذه الاتفاقيات يُحسب المعاش التقاعدي بنسبة 2% من متوسط أعلى راتب عن كل سنة خدمة.
وبافتراض خدمة تمتد إلى 25 عاماً، فإن المعاش يعادل نحو 50% من أعلى راتب تقاضاه الموظف. ومع انخفاض ضريبة الدخل بعد التقاعد، يصبح الدخل الصافي قريباً من 60% من الراتب السابق. فإذا افترضنا أن الموظف كان يتقاضى 100 ألف دولار كندي سنوياً، فإن دخله التقاعدي قد يبلغ نحو 60 ألف دولار سنوياً قبل خصم الضرائب. والضرائب تعادل خمس المرتب تقريبا.
وهنا يبرز السؤال الذي يواجه معظم المتقاعدين والمهاجرين على حد سواء: هل يستطيع شخص يعيش على دخل تقاعدي أن يواجه هذه الالتزامات الشهرية المتزايدة وتكاليف المعيشة المرتفعة؟
سأعود في حلقة ثانية للحديث بمزيد من التفصيل عن تجربتي مع الهجرة وتحديات العمل والحياة في كندا، وما تعلمته من دروس خلال هذه الرحلة الطويلة.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #21
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-17-2026, 10:10 PM
Parent: #20
الحكم الصومالي عمر عرتان..متابعة
أثار ما تعرض له الحكم الصومالي همر عبد الله عرتان جدلاً واسعاً بعد خضوعه لتحقيق مطول واحتجازه لساعات في مطار ميامي قبل إعادته إلى إسطنبول. وأوضح عرتان أن أسباب التحقيق والإبعاد ارتبطت بحمله جواز سفر صومالياً، إضافة إلى شبهات تتعلق باحتمال وجود صلة له بمنظمة الشباب، وهو ما نفاه بشكل قاطع.
ويُعد عبد الله عرتان من أبرز الحكام الأفارقة، إذ تم اختياره كأفضل حكم أفريقي خلال العام الماضي، كما تم اعتماده من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ضمن قائمة الحكام المرشحين لإدارة مباريات كأس العالم 2026. ورغم امتلاكه تأشيرة دخول سارية المفعول وجميع الوثائق الرسمية التي تثبت تكليفه من قبل الفيفا، فقد تم منعه من الدخول وإبعاده.
وقد تعرض موقف الفيفا لانتقادات من بعض المتابعين الذين رأوا أن الاتحاد الدولي لم يدافع بالشكل الكافي عن الحكم الصومالي أو يوضح ملابسات ما حدث بصورة أكثر حزمًا. كما أثارت تصريحات رئيس الفيفا بشأن الواقعة ردود فعل متباينة بين المهتمين بالشأن الرياضي.
من جهة أخرى، أعلن رئيس وزراء مقاطعة بريتيش كولومبيا الكندية ديفيد إيبي أن عرتان مرحب به للمشاركة في إدارة المباريات التي ستقام على ملعب فانكوفر ضمن منافسات كأس العالم. كما أدانت عمدة تورونتو أوليفيا تشاو قرار إبعاده، مؤكدة ترحيب المدينة به، ومشيرة إلى أنها خاطبت الفيفا بشأن إمكانية مشاركته في المباريات التي تستضيفها تورونتو.
ويضم الطاقم الأساسي للبطولة 55 حكماً و88 حكماً مساعداً، إلا أن الفيفا اشترط حضور أفراد الطاقم الأساسي إلى ميامي ضمن إجراءات الإعداد للبطولة، وانعدام المرونة فى قرارات الفيفا قد يحد من إمكانية الاستفادة من بعض المبادرات البديلة المطروحة.
وفي جميع الأحوال، من المتوقع أن يتمكن عرتان من إدارة مباراة السوبر الأوروبي بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا، نظراً لأن الترشيح لهذه المباراة يتم عبر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم وليس من خلال الفيفا.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #22
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-18-2026, 07:47 AM
Parent: #21
لماذا سلّم صفرونيوس مفاتيح القدس لعمر بن الخطاب؟
يُعدّ تسليم القدس للمسلمين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب من أبرز الأحداث في تاريخ المنطقة. وتذكر المصادر الإسلامية أن بطريرك القدس صفرونيوس وافق على تسليم المدينة بعد حصار استمر عدة أشهر بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، مشترطاً أن يتولى الخليفة عمر بنفسه استلام مفاتيحها. وغالباً ما يُفسَّر هذا القرار في إطار الظروف العسكرية التي جعلت استمرار المقاومة أمراً بالغ الصعوبة، إلا أن عدداً من المؤرخين يرون أن المشهد كان أكثر تعقيداً من مجرد نتيجة مباشرة للحصار.
في تلك الفترة كانت القدس جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية، التي كانت تعاني من خلافات دينية وسياسية عميقة. فقد شهدت الكنيسة المسيحية انقسامات عقائدية حول طبيعة المسيح، وانعكست هذه الخلافات على الحياة السياسية والاجتماعية في بلاد الشام ومصر وغيرها من أقاليم المشرق. وأدت هذه النزاعات إلى توترات مستمرة بين السلطة المركزية وبعض الجماعات المسيحية المحلية.
ويرى بعض الباحثين أن الخلاف لم يكن سياسياً فقط، بل شمل أيضاً اعتراضات لاهوتية لدى بعض الكنائس الشرقية على الصياغات العقائدية التي تبنتها الكنيسة المركزية في القسطنطينية. وتُطرح في بعض الدراسات آراء تفيد بأن عدداً من رجال الدين في المشرق، ومنهم شخصيات مرتبطة بكنيسة القدس، كانوا يتحفظون على بعض التفسيرات المتعلقة بألوهية المسيح وتجسد الله، معتبرين أن القول بأن المسيح إله كامل قد يثير إشكالات عقائدية تتعلق بفكرة تعرض الله للصلب أو الموت أو التعذيب، وهو ما رأوا أنه لا ينسجم مع صفات الله من القدرة والعظمة والتنزه. ومع ذلك، فإن هذه الآراء كانت جزءاً من جدل لاهوتي واسع داخل المسيحية، ولا يوجد إجماع تاريخي على أن موقف صفرونيوس نفسه كان قائماً على هذا الأساس تحديداً.
كما يشير بعض الباحثين في مقارنة الأديان إلى أن التصور القرآني للمسيح بوصفه بشراً ورسولاً من عند الله بدا أقرب إلى بعض الاتجاهات المسيحية الشرقية التي شددت على بشرية المسيح أكثر من تشديدها على طبيعته الإلهية. غير أن هذه المقارنات تبقى محل نقاش أكاديمي ولا تعني بالضرورة وجود تطابق كامل بين تلك المعتقدات وبين ما ورد في القرآن الكريم.
كما أن سنوات ما قبل الفتح الإسلامي تزامنت مع إنهاك الإمبراطورية البيزنطية نتيجة الحروب الطويلة مع الدولة الساسانية الفارسية. فقد استنزفت تلك الصراعات موارد الطرفين وأضعفت قدرتهما على الحفاظ على نفوذهما في المناطق الحدودية، مما أوجد ظروفاً مواتية لظهور قوة جديدة في المنطقة تمثلت في الدولة الإسلامية الناشئة.
ويرى بعض الباحثين أن عدداً من سكان المشرق لم يكونوا مرتبطين بالسلطة البيزنطية ارتباطاً قوياً بسبب الخلافات الدينية والإدارية، وهو ما قد يفسر تقبل بعض المجتمعات المحلية للحكم الجديد أو استعدادها للتفاوض معه. ومع ذلك، لا توجد أدلة قاطعة تثبت أن هذه العوامل وحدها كانت السبب المباشر في قرار صفرونيوس تسليم المدينة.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن عمر بن الخطاب قدم إلى القدس وأبرم اتفاقاً مع أهلها عُرف لاحقاً بالعهدة العمرية، والتي تضمنت ضمانات تتعلق بحماية السكان وممتلكاتهم وأماكن عبادتهم. وقد أسهم هذا الحدث في ترسيخ مكانة القدس ضمن الدولة الإسلامية، وأصبح من المحطات المهمة في تاريخ العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة.
وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات التاريخية، فإن تسليم القدس لعمر بن الخطاب يبقى حدثاً مفصلياً يعكس تداخل العوامل العسكرية والسياسية والدينية في مرحلة شهدت تغيرات كبرى في موازين القوى في الشرق الأدنى، ولا يزال محل دراسة ونقاش بين الباحثين حتى اليوم.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #23
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-18-2026, 10:10 AM
Parent: #22
هل أصبحنا جنقو؟
ارتبط مصطلح "الجنقو" تاريخياً بالعمال الزراعيين الموسميين الذين كانوا يفدون إلى مناطق الإنتاج الزراعي في القضارف وغيرها بحثاً عن الرزق. كانوا يأتون من مناطق مهمشة في دارفور وجنوب كردفان وغيرها من أطراف السودان التي عاشت لعقود طويلة بعيداً عن اهتمام الدولة وخدماتها، منذ الاستقلال وربما قبل الاستقلال أيضاً.
ورغم قسوة العمل وشظف العيش، حمل هؤلاء معهم منظومة من القيم الأسرية والشعور العميق بالمسؤولية تجاه أسرهم وأطفالهم. كانوا يسعون وراء لقمة العيش في ظروف بالغة الصعوبة، لكنهم لم يفقدوا قدرتهم على التضامن والتكافل. ومع مرور الزمن، بدا وكأنهم فقدوا الثقة في مؤسسات الدولة، فوجدوا الأمان في العلاقات الاجتماعية والإثنية التي تربط بعضهم ببعض، وفي شبكات الدعم التي أنشأوها بأنفسهم لمواجهة قسوة الحياة.
ثم اتسع استخدام المصطلح لاحقاً ليشمل طالبي اللجوء والمهاجرين القادمين من المناطق نفسها، أولئك الذين حملتهم الحروب والفقر وانسداد الأفق إلى البحث عن حياة جديدة خارج حدود الوطن.
الجنقو، بهذا المعنى، ليسوا مجرد فئة اجتماعية، بل رمز للإنسان الذي يواصل السعي رغم قسوة الظروف وعبثية الواقع. وهو ما يذكرنا بما كتبه الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو عن أسطورة سيزيف. فقد حكمت الآلهة على سيزيف أن يحمل صخرة ضخمة إلى قمة جبل، وما إن يبلغ القمة حتى تتدحرج الصخرة إلى السفح ليبدأ المهمة من جديد إلى ما لا نهاية. وقد رأى كامو في سيزيف رمزاً لقدرة الإنسان على المثابرة ومواجهة عبث الوجود، برغم إدراكه لمصيره المحتوم، بل مع هذا الإدراك.
والحال أن الجنقو مارسوا هذا المعنى في حياتهم اليومية. فقد اعتادوا بناء الأسر المتماسكة والمجتمعات المتضامنة، ووجدوا في دفء العشيرة والجماعة عزاءً يخفف من قسوة الاغتراب، ومن مشاعر التهميش والعنصرية والنظرة الدونية التي واجهها كثير منهم.
لكن ما كان يوماً تجربة تخص فئات بعينها، يبدو اليوم وكأنه أصبح تجربة وطن بأكمله.
فبعد عقود من الحكم الفاشل والصراعات السياسية، وبعد تجربة الإنقاذ وما انتهت إليه من انقسامات وحروب أهلية وانهيار اقتصادي وتراجع لمكانة السودان في العالم، وجد ملايين السودانيين أنفسهم في وضع يشبه وضع الجنقو. هاجر بعضهم إلى الخارج، ونزح آخرون داخل البلاد، بينما أصبح كثيرون يكافحون يومياً من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة.
لقد تقلصت المسافات بين المركز والهامش في المعاناة، وأصبح الإحساس بعدم الاستقرار وانسداد الأفق شعوراً مشتركاً بين قطاعات واسعة من السودانيين. ولم يبق أمام الكثيرين سوى التمسك بما تبقى من كرامة وأمل وإيمان، والبحث عن السند في العلاقات الإنسانية والاجتماعية التي تربطهم ببعضهم البعض.
بهذا المعنى، قد لا يكون السؤال: "من هم الجنقو؟" بل: "هل أصبحنا جميعاً جنقو؟"
طلعت محمد الطيب
|
Post: #24
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-19-2026, 04:44 PM
Parent: #23
لعناية حكومة السلام بنيالا
لقد ظل النشيد الوطني الكندي حاضراً في مباريات المنتخب الكندي خلال تصفيات كأس العالم الحالية، وتقول بعض كلماته:
"يا كندا، O Canada موطننا وأرضنا الأم،حب الوطن الصادق يسري في قلوبنا جميعاً،أيها الشمال القوي الحر،سنظل ساهرين عليك."
لا أدعو إلى تقليد الآخرين أو استنساخ تجاربهم، وإنما أدعو إلى تأصيل نشيد وطني جديد بلحن جديد وكلمات جديدة تعبر عن تطلعاتنا للمستقبل.
أرجو أن يحظى هذا الأمر بالاهتمام الكافي. فنحن لسنا بحاجة إلى أن نقدم أنفسنا باعتبارنا "جند الله"، ولا إلى أن نغرق نشيدنا الوطني في لغة التقديس أو الادعاءات التي تضع جماعة من البشر في منزلة أعلى من غيرهم. كما أننا لسنا بحاجة إلى مفردات الموت والوعيد وتهديد الآخرين بالسحق والإبادة.
ما نحتاجه هو لغة أجمل تحتفي بالحياة، وتمجد المحبة بين الناس، وتغرس في النفوس قيم التعاون والتسامح والتنمية والإبداع والعمل المشترك من أجل بناء وطن يسع الجميع.
ينبغي أن نتذكر دائماً أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي البيت الذي يسكنه الوجود الإنساني، وهي المرآة التي تعكس صورتنا أمام أنفسنا وأمام العالم. لذلك فإن النشيد الوطني ليس مجرد كلمات تُردد في المناسبات، بل هو تعبير عن القيم التي نريد أن نغرسها في وجدان الأجيال القادمة.
فلنبدأ بتزيين وجودنا المشترك عبر نشيد وطني يعبر عن الأمل بدلاً من الخوف، وعن الحياة بدلاً من الموت، وعن البناء بدلاً من الهدم، وعن التعاون والتنمية بدلاً من التهديد والوعيد.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #25
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-20-2026, 12:42 PM
Parent: #24
هل تحولت كرة القدم إلى سلعة للأثرياء؟
أثارت أسعار تذاكر كأس العالم الأخيرة جدلاً واسعاً بين جماهير كرة القدم حول العالم، بعد أن تجاوز سعر تذكرة المباراة النهائية 12 ألف دولار، في حين عُرضت بعض التذاكر للمباراة النهائية في السوق الثانوية بمبالغ وصلت إلى اثنين مليون دولار. هذه الأرقام تبدو بعيدة عن التقاليد التي ارتبطت تاريخياً بكرة القدم باعتبارها رياضة شعبية مفتوحة للجميع.
تقول الفيفا إن الأسعار خضعت لآلية "التسعير الديناميكي" (Dynamic Pricing)، وهي سياسة تعتمد على تعديل الأسعار بصورة مستمرة وفقاً للعرض والطلب. وقد طبقت هذه الآلية لأول مرة على نطاق واسع في البطولة الحالية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار التذاكر إلى مستويات غير مسبوقة.
لكن السؤال الذي يطرحه كثير من المشجعين هو: هل كانت هذه الزيادات نتيجة طبيعية لقوى السوق بالفعل؟ فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا ارتفعت أسعار بعض المباريات التي لم يكن الإقبال عليها بالقدر نفسه؟ وهل يمكن اعتبار الفيفا مجرد وسيط يستجيب للسوق، أم أنها استفادت من احتكارها لواحدة من أكبر المنافسات الرياضية في العالم لتحقيق أرباح استثنائية؟
هذه التساؤلات دفعت جهات رسمية في عدد من الولايات الأمريكية، من بينها نيويورك ونيوجيرسي وكاليفورنيا، إلى فتح تحقيقات لمعرفة ما إذا كانت ممارسات التسعير متوافقة مع القوانين الخاصة بحماية المستهلك والمنافسة العادلة، أم أن الجماهير تعرضت لاستغلال تجاري تحت غطاء "سعر السوق". وتعتبر نتائج هذه التحقيقات تمثل تحديات حقيقة لمدى مصداقية اتحاد كرة القدم العالمى حينما يتم عرضها على الجمهور.
ولا تقتصر التكاليف على ثمن التذكرة وحده. فالمشجع الراغب في متابعة منتخب بلاده حتى الأدوار النهائية قد يضطر إلى إنفاق سبعة آلاف الدولارات على التذاكر وحدها ان حجز مبكرا، إضافة إلى تكاليف السفر والإقامة والطعام والتنقل. وقد اشتكى عدد من المشجعين القادمين من مختلف دول العالم من أن تكلفة حضور المباريات والفعاليات المصاحبة أصبحت باهظة إلى درجة تحول دون مشاركة قطاعات واسعة من الجماهير.
وفي مقابلات إعلامية، وصف بعض المشجعين من اليابان هذه الأسعار بأنها تعبير عن "رأسمالية متوحشة"، معتبرين أن كرة القدم تفقد تدريجياً طابعها الشعبي لصالح نموذج تجاري يستهدف أصحاب الدخول المرتفعة. كما يرى منتقدون أن هذه السياسات تقلل من التنوع الثقافي الذي طالما ميز كأس العالم، إذ تحرم جماهير كثيرة من السفر والمشاركة في هذا الحدث العالمي.
ومن جانب آخر، أشارت تقارير صادرة عن منظمات حقوقية إلى وجود انتقادات تتعلق بالتزامات بعض المدن المستضيفة تجاه معايير حقوق الإنسان وإمكانية الوصول إلى الفعاليات، ما أضاف بعداً آخر إلى الجدل الدائر حول البطولة.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل الأسعار الحالية انعكاساً طبيعياً لقوى العرض والطلب، أم أنها نتيجة لاستغلال القوة الاحتكارية بواسطة الفيفا لحدث رياضي لا يملك المشجعون بديلاً عنه؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد مستقبل العلاقة بين كرة القدم العالمية وجماهيرها، وتكشف ما إذا كانت اللعبة الأكثر شعبية في العالم ما زالت تنتمي إلى الناس أم أنها أصبحت اقتصارا على النخب وامتيازاً لمن يستطيع دفع الثمن.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #26
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-23-2026, 04:59 PM
Parent: #25
تعقيب على مقال "نقد الماركسية في النظرية الاجتماعية الحديثة" (١-٢)
نشر الصديق الدكتور عبد المنعم مختار مقالاً ثرياً بعنوان "نقد الماركسية في النظرية الاجتماعية الحديثة"، وطلب مني إبداء الرأي فيه. والحقيقة أن المقال يتميز بقيمة معرفية عالية، ويقدم عرضاً واسعاً لأهم الاتجاهات الفكرية التي تناولت الماركسية بالنقد والمراجعة. كما أنه يكشف عن اطلاع عميق على تطور النظرية الاجتماعية الحديثة وتشعباتها الفلسفية.
غير أنني شعرت بأن كثافة المادة الفكرية وتشعب المراجع الفلسفية قد تجعل المقال صعب المتابعة بالنسبة للقارئ غير المتخصص. فالكثير من المفاهيم الواردة فيه، مثل الحتمية التاريخية، والعقل الأداتي، والميتافيزيقا التاريخية، والبنية والخطاب، تحتاج إلى قدر من الخلفية الفلسفية لفهمها بصورة كاملة. لذلك رأيت أن أقدم عرضاً مبسطاً لأبرز الأفكار التي ناقشها المقال حتى يسهل على القارئ العادي متابعة النقاش والاستفادة منه.
الفكرة الأساسية التي يدور حولها المقال هي أن معظم المدارس الفكرية الحديثة لم ترفض الماركسية رفضاً كاملاً، وإنما انتقدت بعض افتراضاتها الرئيسية. ومن أهم هذه الافتراضات الاعتقاد بأن العامل الاقتصادي هو المحرك الأساسي للتاريخ، وأن الصراع الطبقي هو القوة الرئيسية للتغيير الاجتماعي، وأن التاريخ يسير وفق قوانين حتمية يمكن التنبؤ بنتائجها، وأن نظرية واحدة قادرة على تفسير جميع الظواهر الاجتماعية.
في مواجهة هذه التصورات، ظهرت اتجاهات فكرية متعددة أكدت أن المجتمع أكثر تعقيداً من أن يُفسر بعامل واحد. فالاقتصاد مهم بلا شك، لكنه يتفاعل مع السياسة والقانون والدين والثقافة والأفكار واللغة والسلطة، وكلها عناصر تؤثر في بعضها البعض بصورة متبادلة.
وقد كان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر من أوائل من وجهوا هذا النقد، إذ رأى أن الدين والأفكار والقيم يمكن أن تؤثر في الاقتصاد بقدر ما يتأثر الاقتصاد بها، وأن المجتمع يتكون من مجالات متعددة لا يمكن اختزالها جميعاً في العامل الاقتصادي.
أما ريمون آرون فقد ركز على مخاطر الحتمية التاريخية، محذراً من أن الاعتقاد بامتلاك "قوانين التاريخ" قد يدفع بعض الحركات السياسية إلى اعتبار نفسها مالكة للحقيقة المطلقة، ومن ثم تبرير القمع والعنف باسم المستقبل.
ومن زاوية أخلاقية، رأى إيلي هاليفي أن بعض الحركات الثورية وقعت في خطأ تبرير الوسائل القاسية بحجة تحقيق غايات تاريخية نبيلة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام الاستبداد.
كما لفت بول نيزان الانتباه إلى مشكلة أخرى تتمثل في تحول الماركسية داخل الجامعات والمؤسسات الثقافية إلى خطاب أكاديمي للنخب، بعيد عن هموم الناس اليومية وعن دورها الأصلي كأداة للنقد والتغيير الاجتماعي.
وفي المقابل حاول جان بول سارتر التوفيق بين الماركسية والحرية الإنسانية، مؤكداً أن الظروف الاقتصادية تؤثر في الإنسان لكنها لا تسلبه القدرة على الاختيار والفعل والتغيير، وأن التاريخ ليس قدراً محتوماً بل نتاج تفاعل مستمر بين الظروف وإرادة البشر.
ثم جاءت مدرسة فرانكفورت لتوسع دائرة النقد، حيث رأت أن السيطرة في المجتمعات الحديثة لا تتم عبر الاقتصاد وحده، بل أيضاً عبر الثقافة والإعلام وأنماط التفكير السائدة. فالمشكلة ليست فقط في امتلاك وسائل الإنتاج، بل كذلك في الكيفية التي تتشكل بها عقول الناس ووعيهم.
أما نيتشه وهايدغر فقد ذهبا إلى نقد أعمق، تمثل في التشكيك في فكرة وجود مسار واحد أو غاية نهائية للتاريخ، مؤكدين أن التجربة الإنسانية أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن تخضع لقانون تاريخي شامل.
وفي مرحلة لاحقة، أكد هابرماس أهمية الحوار والتواصل في بناء المجتمع، بينما أبرز فوكو انتشار السلطة في مختلف المؤسسات الاجتماعية، من المدرسة إلى السجن والمستشفى والإعلام، ولم يعد ينظر إليها بوصفها حكراً على الدولة أو الطبقات المسيطرة. أما ألتوسير فقد حاول تطوير الماركسية نفسها من خلال التأكيد على تعدد العوامل المؤثرة في التاريخ وعدم اختزالها في الاقتصاد وحده.
وخلاصة ما فهمته من المقال أن النظرية الاجتماعية الحديثة انتقلت تدريجياً من البحث عن تفسير واحد شامل للمجتمع إلى الاعتراف بتعدد العوامل والقوى التي تشكل الواقع الاجتماعي. فالماركسية قدمت أدوات مهمة لفهم المجتمع والتاريخ، لكنها لم تعد تُعتبر إطاراً كافياً وحده لتفسير جميع الظواهر الاجتماعية. ومن هنا جاءت أهمية النقاشات الفكرية اللاحقة التي سعت إلى توسيع دائرة التفسير لتشمل الثقافة والدين واللغة والسلطة والمعرفة والفاعلية الإنسانية.
وهذا، في تقديري، هو الدرس الأهم الذي يقدمه مقال الدكتور عبد المنعم مختار، إذ يدعونا إلى النظر إلى المجتمع بوصفه ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، لا يمكن اختزالها في سبب واحد أو قانون واحد مهما بلغت أهميته.
أواصل
طلعت محمد الطيب
|
Post: #27
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-24-2026, 11:06 PM
Parent: #26
حارس مرمي فريق اليابان الاسود
زيون سوزوكي، حارس مرمى منتخب اليابان، ليس مجرد لاعب كرة قدم موهوب، بل قصة إنسانية تعكس ملامح العالم المعاصر بكل ما يحمله من تنوع وتداخل ثقافي.
فهو اللاعب الأسود الوحيد تقريباً في تشكيلة المنتخب الياباني، وُلد في مدينة ليتل روك بولاية أركنساس الأمريكية لأب غاني وأم يابانية. ورغم أن اسمه العائلي "سوزوكي" جاء من والدته اليابانية، فإن جذوره تمتد في الوقت نفسه إلى غرب أفريقيا، ليجسد في شخصه التقاء ثقافات وقارات متعددة.
نشأ سوزوكي في بيئة متعددة الهويات، وتمكن بموهبته الاستثنائية من تجاوز الكثير من الصور النمطية والتقاليد الاجتماعية المرتبطة بالانتماء العرقي والهوية الوطنية. ففى مجتمع ظل طويلاً يُنظر إليه باعتباره متجانساً من الناحية الإثنية، استطاع أن يفرض نفسه بجدارة من خلال الأداء والانضباط والموهبة، لا من خلال الأصل أو اللون.
كما تعكس مسيرته الكروية طبيعة العالم الحديث؛ فقد تطورت موهبته بين اليابان وأوروبا، حيث خاض تجارب احترافية مهمة أسهمت في صقل قدراته وإعداده للمنافسة على أعلى المستويات. وهكذا اجتمعت في تجربته عناصر من أفريقيا وآسيا وأمريكا وأوروبا، في نموذج حي للعولمة الإيجابية التي تتيح للمواهب أن تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
إن قصة زيون سوزوكي تذكرنا بأن الهوية الإنسانية أصبحت أكثر تعقيداً وغنى مما كانت عليه في السابق، وأن المجتمعات الحديثة لم تعد تُقاس بالنقاء العرقي أو الثقافي، بل بقدرتها على استيعاب التنوع والاستفادة من طاقات أبنائها مهما اختلفت أصولهم.
ولهذا فإن سوزوكي ليس مجرد حارس مرمى متميز، بل رمز لجيل جديد من الرياضيين الذين يعبرون عن عالم متعدد الثقافات والهويات، عالم أصبحت فيه الموهبة والعمل الجاد أقوى من الحواجز التقليدية. إنها قصة تستحق المتابعة، ليس فقط لعشاق كرة القدم، بل لكل المهتمين بتحولات المجتمعات الحديثة.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #28
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-25-2026, 09:05 AM
Parent: #27
تعقيب على مقال "نقد الماركسية في النظرية الاجتماعية الحديثة" (2)
قبل سنوات، وفي حوار مع أستاذ من جامعة أثاباسكا بغرب كندا، أكد لي أن كتاب «المجتمع ذو البعد الواحد» لهربرت ماركوزة كان شائعاً بين طلاب الجامعات الأمريكية والكندية. وقد دلّني ذلك على أن ماركسية ماركوزة، أحد فلاسفة مدرسة فرانكفورت، كانت من أكثر التيارات الماركسية انتشاراً في أمريكا الشمالية، لأنها قدمت نقداً جذاباً للمجتمع الصناعي المتقدم بوصفه نظاماً ينتج الاستهلاك المفرط والاغتراب والقمع غير المباشر عبر الإعلام والثقافة والمؤسسات. كما انسجمت مع أجواء الستينيات، خاصة حركات الطلاب والحقوق المدنية والاحتجاج على حرب فيتنام، وصيغت بلغة فلسفية وثقافية أقرب إلى الواقع الغربي وأبعد عن الجمود السوفييتي، فوجدت صدى واسعاً في الجامعات واليسار الجديد.
ويقدّم لويس ألتوسير بدوره قراءة بنيوية للماركسية؛ إذ يرى أن المجتمع يتكوّن من مستويات مترابطة، وأن الدولة لا تعمل بالقمع المباشر فحسب، بل أيضاً عبر ما أسماه «أجهزة الدولة الأيديولوجية» مثل المدرسة والإعلام والأسرة. لذلك ركّز على تحليل الأفكار والمؤسسات أكثر من تركيزه على الثورة المباشرة أو دور الحزب الطليعي كما في الماركسية اللينينية. ومن هنا بدت أطروحته أكثر ملاءمة للمجتمعات الغربية الحديثة، حيث تمارس الهيمنة غالباً عبر مؤسسات المجتمع وآليات إنتاج الوعي، لا عبر السيطرة العسكرية أو الحزبية المباشرة.
ويرى ألتوسير أن الإنسان لا يتحرك بحرية مطلقة، بل داخل بنى اجتماعية وأيديولوجية تشكّل وعيه وخياراته. فالحرية عنده نسبية ومحدودة وليست استقلالاً كاملاً عن التاريخ أو المجتمع. كما يرفض التصورات المبسطة للحتمية التاريخية، مؤكداً أن التغيير يحدث عبر تناقضات البنية الاجتماعية نفسها، لا عبر إرادة فردية خالصة.
وتبدو هذه الملاحظة مهمة لإضاءة مقال الأخ الدكتور عبد المنعم مختار، لأن الحزب الشيوعي السوداني، شأنه شأن معظم الأحزاب الشيوعية التي نشأت في العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، تبنى النسخة الماركسية اللينينية بوصفها مرجعيته الفكرية والتنظيمية. وربما ارتبط انتشار هذه الصيغة بطبيعة البنى الاجتماعية الأبوية والوصائية السائدة في مجتمعاتنا، حيث لم تكن الحريات الفردية تمثل محوراً مركزياً في النقاش السياسي والثقافي، الأمر الذي جعل فكرة المركزية الحزبية تجد قبولاً واسعاً.
غير أن الحزب الشيوعي السوداني كثيراً ما يتحدث عن «الماركسية» وكأنها منظومة فكرية واحدة متجانسة، بينما تكشف التجربة الفكرية الغربية عن تعدد واضح داخل التراث الماركسي نفسه. فهناك ماركسية ألتوسير البنيوية، وماركسية مدرسة فرانكفورت ذات النزعة النقدية والثقافية، والماركسية التحليلية، وغيرها من الاتجاهات المختلفة. ومن هذه الزاوية يمكن تشبيه الماركسية بالتعدد الموجود داخل التراث الإسلامي، حيث توجد مدارس واتجاهات متعددة تتنافس على تقديم التأويل الصحيح للنصوص والأفكار المؤسسة. لذلك فإن ادعاء تمثيل «الماركسية الصحيحة» لا يختلف كثيراً، من حيث البنية الفكرية، عن ادعاء بعض التيارات الدينية احتكار الفهم الصحيح للدين.
وتتجلى نزعة الحتمية التاريخية في بعض الخطابات الشيوعية التقليدية من خلال عبارات مثل: «القطر ماشي، ومن ينزل منه يتخلف عن محطته الأخيرة». فمثل هذه اللغة تفترض معرفة مسبقة باتجاه التاريخ ومآله النهائي، وكأن مسار التطور الإنساني يسير وفق قانون ثابت لا يقبل الانحراف أو المفاجأة. وفي الوقت نفسه يُنسب نجاح الديمقراطيات الاجتماعية وحركات اليسار في الغرب إلى الماركسية وإنجازاتها، رغم أن كثيراً من هذه التجارب تطور خارج الأطر الماركسية الكلاسيكية.
ومن زاوية إبستمولوجية، يبرز سؤال مهم يتعلق بمفهوم الجدل أو الديالكتيك. فقد نشأ الجدل في اليونان القديمة بوصفه أسلوباً للحوار والمحاججة بين أطروحات متعارضة حول قضايا الأخلاق والسياسة والطبيعة والمعرفة. وفي بعض الأحيان يؤدي هذا الحوار إلى فهم جديد يجمع عناصر من المواقف المتناقضة فيما يعرف بالتركيب.
غير أن هيجل حوّل الجدل من مجرد منهج للحوار إلى قانون شامل يحكم حركة الفكر والتاريخ. فالتناقض عنده ليس مجرد أداة للفهم، بل هو المحرك الأساسي لتطور الوعي الإنساني نحو معرفة أرقى، إلى أن يبلغ التاريخ ذروته في الوعي المطلق. وهنا يبدو التاريخ وكأنه يسير وفق منطق داخلي نحو الكمال الروحي.
وقد احتفظ ماركس بالبنية الجدلية الهيجلية، لكنه استبدل الروح بالمادة. فبدلاً من أن يكون التاريخ حركة نحو الوعي المطلق، أصبح حركة نحو التحرر من الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية. ولذلك يمكن النظر إلى الماركسية بوصفها نوعاً من «المثالية المقلوبة»: فهي ترفض مثالية هيجل الروحية، لكنها تحتفظ بفكرة وجود اتجاه تاريخي شامل يقود البشرية نحو غاية نهائية. ولهذا السبب يرى بعض النقاد أن المادية التاريخية ليست بعيدة تماماً عن التصورات الغائية التي أراد ماركس تجاوزها.
وكان ماركس في شبابه متأثراً بعمق بالفلسفة الهيجلية، كما كان هيجل نفسه يعدّ مشروعه امتداداً لفلسفة كانط. غير أن كانط وضع حدوداً صارمة للمعرفة الإنسانية. فهو يرى أننا لا ندرك الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما تظهر لنا من خلال الحواس ثم يعيد العقل تنظيمها وفق مقولات أساسية مثل الزمان والمكان والسببية والكم والكيف.
وبعبارة أخرى، فإن الزمان والمكان ليسا خصائص للأشياء ذاتها، بل هما من الشروط التي ينظم بها العقل البشري خبرته بالعالم. أما «الشيء في ذاته» فلا يمكن معرفته مباشرة، لا لأنه غير موجود، بل لأنه يقع خارج شروط الإدراك الإنساني. ولهذا عُرفت فلسفة كانط باسم «المثالية الترنسندنتالية» أو «المثالية المتعالية».
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الجدل الهيجلي بوصفه محاولة لتجاوز الحدود المعرفية التي رسمها كانط. فحين يدّعي هيجل أن التاريخ يتقدم وفق منطق عقلي نحو الحقيقة المطلقة، فإنه يتجاوز ما اعتبره كانط حدوداً لا تستطيع المعرفة الإنسانية عبورها. لذلك يرى بعض النقاد أن الديالكتيك الهيجلي، ومن بعده الماركسي، ينطوي على افتراضات ميتافيزيقية يصعب البرهنة عليها.
فالجدل لا ينتهي دائماً إلى معرفة أرقى أو إلى تركيب أكثر تقدماً؛ إذ قد تنتهي الصراعات الفكرية أو الاجتماعية إلى هيمنة طرف على آخر دون أن يكون ذلك انتصاراً للحقيقة. كما أن التاريخ الطبيعي نفسه لا يقدم صورة متصلة للتقدم؛ فالحفريات وعلم الأحياء يكشفان عن أنواع وسلالات عديدة توقفت عن التطور ثم انقرضت. ولذلك يبقى الافتراض بأن التاريخ الإنساني يتحرك بالضرورة نحو غاية نهائية أو نحو شكل أعلى من التنظيم الاجتماعي فرضية فلسفية أكثر منه حقيقة علمية قابلة للإثبات.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #29
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-26-2026, 10:59 AM
Parent: #28
تجربتي الشخصية في الاغتراب (2)
بعد أكثر من ثلاثة عقود من العيش والعمل في كندا، أستطيع أن ألخص تجربتي في جوانب إيجابية وأخرى سلبية، بعيدًا عن المبالغة أو التعميم، فلكل مجتمع مزاياه وتحدياته.
الإيجابيات
تتميز كندا بنظام تعليم عام مجاني وعالي الجودة، يتيح فرصًا متكافئة للأطفال بغض النظر عن مستوى دخل أسرهم. كما تتميز المدن بالنظافة، وتنتشر الحدائق العامة والمرافق التي تجعل الحياة أكثر راحة وجودة.
ويعد النظام الصحي من أبرز نقاط القوة؛ فالمستشفيات مجهزة ونظيفة، والرعاية الصحية الأساسية متاحة للجميع دون مقابل. أما الأدوية، فهي مجانية للعاطلين عن العمل، بينما يتحمل التأمين الصحي الذي توفره جهات العمل الجزء الأكبر من تكلفتها للعاملين، مما يجعل أسعارها في متناول معظم الناس.
كما تنعم كندا بدرجة عالية من الأمن، ويتميز الشارع العام بالهدوء والانضباط واحترام القانون.
التحديات التي تواجه المهاجر
في المقابل، يواجه كثير من المهاجرين تحديات حقيقية في سوق العمل. فما زالت الشهادات والخبرات المكتسبة خارج كندا والولايات المتحدة لا تحظى، في كثير من الأحيان، بالتقدير الذي تستحقه، وهو ما يحد من فرص التوظيف والترقي.
وتتميز المنافسة على الوظائف بشدتها، كما أن العلاقات الشخصية والوساطة ليست غائبة تمامًا عن بعض التعيينات والترقيات. وخلال سنوات عملي، حدث في أكثر من مناسبة أن كان المسؤول المباشر أقل خبرة وكفاءة فنية من بعض العاملين الذين يشرف عليهم.
ومن خلال تجربتي رئيسًا لنقابة الزراعيين في شمال غرب أونتاريو، وهي فرع من النقابة العامة للعاملين في القطاع العام، أتيحت لي فرصة الاطلاع على شكاوى العاملين وتمثيلهم أمام الإدارة. وقد لاحظت أن ما يقارب ثلاثة أرباع التظلمات كانت مقدمة من مهاجرين، وكانت تدور في معظمها حول التعسف الإداري أو التمييز أو سوء المعاملة.
ورغم أن قوانين العمل في كندا ديمقراطية وتوفر حماية قانونية جيدة للعاملين، خاصة في أماكن العمل التي توجد بها نقابات قوية، فإن الاستفادة من هذه الحقوق تتطلب شجاعة وثقة بالنفس.
وكثير من المهاجرين يأتون من بلدان يسود فيها الفساد أو الاستبداد، ولذلك يترددون في تقديم الشكاوى أو الاعتراض على الممارسات غير العادلة. ويغلب عليهم الاعتقاد بأن الصمت أكثر أمانًا من مواجهة الإدارة، خوفًا من انتقام يتصورونه، رغم أن القانون الكندي يمنع أي إجراءات انتقامية ضد الموظف بسبب ممارسته لحقه القانوني، متى كانت شكواه موثقة بالأدلة، سواء بالمراسلات الإلكترونية أو بشهادة الزملاء.
إن معرفة الحقوق القانونية، واللجوء إلى النقابات عند الحاجة - إذا كانت موجودة، إذ إن كثيرًا من العاملين في القطاع الخاص لا يتمتعون بتمثيل نقابي معترف به - إلى جانب توثيق أي تجاوزات، كلها عوامل تساعد المهاجر على حماية حقوقه والاندماج بصورة أفضل في بيئة العمل الكندية.
لقد علمتني تجربتي أن القانون في كندا يوفر حماية حقيقية للعامل، لكن هذه الحماية لا تصبح فعالة إلا إذا عرف الإنسان حقوقه، ووثق ما يتعرض له، وتحلى بالشجاعة للمطالبة بها.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #30
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-26-2026, 09:27 PM
Parent: #29
مباراة مصر وإيران والمثلية الجنسية
تجمّع مئات من الإيرانيين أمام مقر إقامة المنتخب الإيراني في مدينة سياتل الأمريكية في نحو الساعة الثانية صباحًا، لاستقبال بعثة الفريق فور وصولها من مقر إقامتها في تيخوانا بالمكسيك، حيث يقيم المنتخب هناك منذ بداية البطولة.
ويلتقي المنتخبان المصري والإيراني على ملعب لومن فيلد في سياتل ضمن الجولة الثالثة من مباريات المجموعة السابعة.
وقبل المباراة، أصدر الاتحاد الإيراني لكرة القدم بيانًا موجّهًا إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، اعترض فيه على السماح بأي أنشطة أو فعاليات داخل الملعب مرتبطة بجمعيات المثليين جنسيًا، والتي يتزامن شهر يونيو مع احتفالاتها السنوية في عدد من الدول. وبرر الاتحاد الإيراني موقفه بأن البطولة تضم دولًا ذات خلفيات دينية وثقافية متنوعة، وأن احترام هذا التنوع يقتضي مراعاة معتقدات جميع المنتخبات المشاركة.
وترددت تقارير تفيد بأن فيفا تعهد بعدم السماح بأي فعاليات من هذا النوع داخل الاستاد أثناء المباراة. كما أشارت تقارير إلى أن الاتحاد المصري لكرة القدم وجّه طلبًا مشابهًا، وإن كان أقل وضوحًا من الناحية الإجرائية.
ومن المعروف أن بعثة المنتخب الإيراني تقيم في المكسيك لأن عددًا من الفنيين والصحفيين الإيرانيين المرافقين للمنتخب لم يُسمح لهم بدخول الولايات المتحدة. كما انتقدت إيران ما وصفته بانحياز التغطية الإعلامية الغربية لمنتخبها، معتبرة أن غياب الإعلام الإيراني عن البطولة أدى إلى هيمنة رواية إعلامية تنقل في الغالب أخبارًا سلبية عن الفريق.
وبعيدًا عن موقفي الرافض لسياسات الحكومة الإيرانية ودعمها لجماعات مسلحة في المنطقة، فإن هذه القضية تثير سؤالًا أوسع يتعلق بمدى اتساق سياسات الفيفا. فالمنظمة تؤكد رفضها لجميع أشكال التمييز، لكنها في الوقت نفسه تبرر أحيانًا بعض الممارسات بالقول إنها تحترم سيادة الدول المضيفة، وهو ما يفتح باب النقاش حول حدود هذا المبدأ ومدى تأثيره في القيم التي تعلن المنظمة التزامها بها.
وتقود هذه التطورات إلى عدة تساؤلات:هل كان موقف الفيفا في هذه الحالة إجراءً مؤقتًا لتجنب الجدل خلال البطولة؟أم أنه يعكس توجهًا أكثر اتزانًا يقوم على مراعاة التنوع الديني والثقافي للدول المشاركة؟وإذا كان الأمر كذلك، فهل ستتبنى الفيفا مستقبلًا معايير أكثر وضوحًا تضمن عدم التمييز ضد أي فئة من الأشخاص، مع تحقيق توازن بين احترام الخصوصيات الثقافية والالتزام بالمبادئ العامة لحقوق الإنسان؟
ومن المهم التنبيه إلى أن وجود تنظيمات للمثليين في الدول الغربية لا يعني بالضرورة انحلالًا أخلاقيًا، بل هو في جانب كبير منه نتيجة لتطور الحريات العامة وسيادة القانون، حيث تُحمى الحريات الشخصية ما دامت لا تخالف القانون. وقد أدى ذلك إلى نمو الحركات المدافعة عن حقوق المثليين وازدياد تأثيرها السياسي والانتخابي، الأمر الذي دفع العديد من الأحزاب إلى تبني بعض مطالبها ضمن الإطار العام لحقوق الإنسان.
أما في مجتمعاتنا، فما يزال كثير من المثليين يتجنبون الإعلان عن ميولهم خوفًا من الوصمة الاجتماعية أو الملاحقة القانونية في بعض الدول. وفي المقابل، لا يعني الاعتراف القانوني بحقوق المثليين في الغرب أن جميع أفراد المجتمع يؤيدون هذه التوجهات أو يتبنونها؛ فالمواقف الاجتماعية لا تزال متنوعة، وتتراوح بين القبول القانوني، والتحفظ الشخصي، والرفض. ومن هنا ينبغي التمييز بين احترام حق الأفراد في العيش وفق القانون، وبين الاتفاق أو الاختلاف مع خياراتهم الشخصية من منظور ديني أو أخلاقي.
|
Post: #31
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-28-2026, 09:38 PM
Parent: #30
تجربتي الشخصية في الاغتراب (٣)
في رواية موسم الهجرة إلى الشمال للراحل المقيم الطيب صالح، وبعد عودة الراوي من أوروبا واستقبال أهل القرية له، سأله ود الريس: "هل صحيح أنهم في الغرب لا يتزوجون، وإنما يعيش الرجل مع المرأة بالحرام؟" فأجابهم الراوي بأن الأوروبيين يتزوجون، ويربون أبناءهم، ولهم أخلاق حسنة مثل غيرهم. عندها علّقت بنت مجذوب ضاحكة: "خفنا أن تعود إلينا بنصرانية غلفاء."
تكشف هذه المحاورة عن حالة الفضول والصدمة الثقافية تجاه "الآخر"، وتعكس الصورة التي كانت سائدة في أذهان كثيرين عن المجتمعات الغربية، وهي صورة تشكلت بفعل الشائعات والانطباعات المسبقة أكثر مما تشكلت بالمعرفة المباشرة.
وبعيدًا عن الصورة التي رسمتها بعض أفلام هوليوود من جهة، أو الخطاب الدعوي والسياسي الذي قدّم الغرب بوصفه مجتمعًا بلا قيم أخلاقية من جهة أخرى، فإن تجربتي الشخصية بعد ثلاثة وثلاثين عامًا في كندا تقرّبني كثيرًا من موقف الراوي في الرواية. فقد تعلمت الكثير، وغاب عني الكثير، كما قال الطيب صالح.
من خلال معايشتي للمجتمع الكندي، وجدت أن أبرز الفوارق الاجتماعية تتمثل في انتشار علاقة الصديق والصديقة (Boyfriend/Girlfriend). لكنها، في معظم الحالات، ليست علاقة عابرة أو قائمة على العبث، وإنما تقوم على الالتزام والمسؤولية والوضوح أمام الأسرة والمجتمع، ويُنظر إلى الخيانة فيها بالاستنكار والازدراء، كما هو الحال في الزواج. وكثير من هذه العلاقات ينتهي بالزواج. ومن هذه الزاوية أراها أكثر وضوحًا وشفافية من بعض الصيغ التي عرفتها مجتمعاتنا، كالزواج العرفي أو زواج المسيار، التي قد تُستخدم أحيانًا للتحايل على المسؤولية الاجتماعية.
أما الفارق الثاني فيتعلق بالملبس. ففي الغالب يتناسب مع طبيعة الطقس والحياة اليومية، ولا يثير اهتمامًا خاصًا، لأن المجتمع اعتاد هذا النمط من اللباس، وأصبح جزءًا من المألوف. ومع مرور الزمن يتسع ما يمكن تسميته بـ"نطاق الاعتياد" أو Zone of Comfort، فلا تُحمَّل الملابس دلالات أخلاقية كما يحدث في بعض مجتمعاتنا، بل يُنظر إليها بوصفها خيارًا شخصيًا ما دام في إطار احترام الآخرين والقانون.
ولا يعني ذلك أن المجتمع الغربي مجتمع مثالي أو خالٍ من المشكلات، كما لا يعني أن مجتمعاتنا تخلو من الفضائل. لكن تجربتي علمتني أن الحكم على أخلاق الشعوب لا ينبغي أن يقوم على الصور النمطية أو الدعاية الأيديولوجية، وإنما على المعايشة المباشرة والواقع. لكن أكبر المشاكل التى تواجه أبناءنا القلق الذى ينتاب الآباء والأمهات المسلمين من جرعة الحريات المتوفرة هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان المساجد فى الغرب تسيطر عليها الجماعات السلفية والمكتب العالمى للاخوان المسلمين التى تتبنى مفاهيم تستطيع ان تخفف من قلق الآباء والأمهات وتقدم هوية جديدة فى مجتمع غريب لكنها تعمق روح الكراهية وتعيق مسألة التصالح والتكامل مع المجتمع الجديد الذى تسوده قيم التعدد الثقافى والتسامح والتعايش السلمى بين البشر.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #32
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: ترهاقا
Date: 06-28-2026, 10:07 PM
Parent: #31
| Quote: دور الحركة الإسلامية في الحياة السياسية السودانية |
الحركة الاسلامية اس بلء السودان، ولن يهتأ السودان وهم على وجه الارض وكل المليشيات المسلحة في السودان وهنالك قائمة لابد من بترها من السودان : 1- البرهان، الكيزان وكل مجالسهم العسكرية 2- حميدتي وكل زعانفه 3- جبريل ثم جبريل، و مؤسس النهب المسلح مناوي 4- - أردأزول وكل جماعة الموز 5- التوم هجو 6- أحزاب الفكة وناس الهبوط الناعم 7 - درق الكيزان محمد الامين ترك دييل ضيعوا على الشعب السوداني فرصة لا تعوض، لعنة الله غليهم جميعا
|
Post: #33
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-29-2026, 02:48 PM
Parent: #32
السودان ومحاربة طواحين الهواء
"محاربة طواحين الهواء" تعبير مجازي يرجع أصله إلى رواية دون كيخوته، حيث تخيل بطل الرواية أن طواحين الهواء عمالقة أشرار، فهاجمها برمحه، فانتهى به الأمر إلى السقوط والهزيمة. وأصبح هذا التعبير يُستخدم لوصف الانشغال بمعارك وهمية أو ثانوية، بينما تُترك المشكلات الحقيقية دون مواجهة. أستعير هذا التعبير لوصف جانب مهم من التجربة السياسية السودانية؛ فمنذ الاستقلال ظلت القوى السياسية، في تقديري، منشغلة بصراعات أيديولوجية وشعارات كبرى، بينما أهملت معالجة الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة. وكانت النتيجة ما نشهده اليوم من فساد، وحرب مدمرة، وتشريد للملايين، وتآكل للسيادة الوطنية، وتدمير واسع للبنية التحتية، واستباحة لمقدرات البلاد. عندما نال السودان استقلاله، ورثت النخبة الوطنية مؤسسات الدولة من الإدارة البريطانية، لكنها لم تُحدث إصلاحًا عميقًا في التعليم والإعلام والسياسات الثقافية بما يؤهل البلاد لبناء دولة ديمقراطية تستوعب التعدد القبلي والثقافي واللغوي. وكان الأولى أن تُغرس قيم المواطنة والتسامح والتعايش السلمي، وأن يُبنى التعليم على التفكير النقدي لا على التلقين. ومن أبرز أوجه القصور، في رأيي، غياب التمييز بين دراسة التاريخ بمنهج علمي يعتمد على الآثار والنقوش والوثائق، وبين التعامل مع الروايات التاريخية والدينية باعتبارها حقائق تاريخية نهائية. فمن المعروف أن السيرة النبوية والحديث دُوِّنا بعد وفاة النبي ﷺ بقرنين أو أكثر اعتمادًا على الرواية الشفهية، وهو ما يقتضي التمييز بين الإيمان الديني، الذي له مكانته، وبين البحث التاريخي الذي يخضع لمناهج النقد والتحقيق. وأدى غياب هذا التمييز إلى إضعاف التفكير النقدي، وهي مشكلة لم تقتصر على السودان، بل شملت أجزاء واسعة من العالم الإسلامي، وأسهمت في توفير بيئة ملائمة لصعود تيارات الإسلام السياسي. ومع ذلك، استطاعت دول عربية أخرى الحد من نفوذ هذه التيارات بدرجات متفاوتة، بفضل استقرار مؤسسات الدولة، سواء في الملكيات الخليجية أو في بعض الجمهوريات التي حافظت جيوشها، رغم كل الملاحظات عليها، على قدر من الاستقرار والتنمية. أما في السودان، فقد شكّلت المصالحة الوطنية في عهد الرئيس جعفر نميري نقطة تحول مهمة. فمن خلالها توسع نفوذ الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة، وسُمح بإنشاء بنوك إسلامية معفاة من الضرائب، كما تعزز وجودها داخل القوات المسلحة. وأرى أن هذه السياسات أضعفت مناعة الدولة، ومهدت الطريق لانقلاب الإنقاذ عام 1989، الذي مكّن الإسلاميين من السيطرة على السلطة لأكثر من ثلاثة عقود. وبعد هذه السنوات الطويلة من التمكين، أصبح إخراج الإسلام السياسي من مفاصل الدولة مهمة شديدة التعقيد، لأن نفوذه لم يعد سياسيًا فقط، بل أصبح متداخلًا مع مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع. ولذلك فإن المواجهة لا يمكن أن تكون بالشعارات وحدها، وإنما بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح التعليم، وتعزيز ثقافة المواطنة، وتوحيد القوى الراغبة في إنهاء هذا المشروع. غير أن الأحزاب الوطنية السودانية، في تقديري، ما زالت تتعامل مع هذا التحدي بدرجة من الحياد أو التردد. فهي تنتقد الإسلام السياسي، لكنها لم تنجح في بناء جبهة وطنية واسعة لمواجهته، بسبب استمرار الانقسامات الطائفية والأيديولوجية، وتمسك كل طرف بمواقفه الكاملة. ومن هذا المنطلق، أرى أن الأولوية الوطنية اليوم ينبغي أن تكون لتوحيد الجهود العسكرية والمدنية المناهضة للإسلام السياسي، بما في ذلك الانفتاح على التحالفات المعلنة، مثل التحالف مع قوات تأسيس، إذا كان ذلك يسهم في إنهاء هيمنة الحركة الإسلامية ويفضي إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة. وقد يتطلب هذا المسار تقديم تنازلات سياسية متبادلة، لأن التمسك بالمواقف الأيديولوجية أو الجهوية الصارمة قد يفضي إلى إطالة أمد الحرب، بينما يظل المستفيد الأكبر هو القوى الأكثر تنظيمًا وقدرة على استثمار الانقسام. وهنا يبرز مفهوم "التقدم قبل النقاء" (Progress over Purity). فالمراحل التاريخية الحرجة لا تُدار بالبحث عن تحالفات مثالية، وإنما ببناء أوسع جبهة ممكنة حول الهدف الأكثر إلحاحًا. وليس المطلوب أن تتفق جميع القوى على كل القضايا، وإنما أن تتفق على إنقاذ الدولة ومنع عودة المشروع الذي أوصل السودان إلى هذا الدمار. إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس استمرار الحرب وحدها، بل استمرار الانقسام بين القوى التي تعلن معارضتها للإسلام السياسي. فإذا كانت الغاية هي استعادة الدولة وبناء نظام ديمقراطي مستقر، فإن ذلك يقتضي تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والأيديولوجية الضيقة. أما الاستمرار في الانشغال بالخلافات الثانوية، ورفض أي تعاون بسبب اختلافات فكرية أو سياسية، فقد لا يكون سوى شكل آخر من محاربة طواحين الهواء؛ معارك تستنزف الجهد والوقت، بينما يظل الخطر الحقيقي قائمًا ويتمدد.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #34
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-04-2026, 04:55 PM
Parent: #33
تعليق على ما يكتبه الأخ د. صديق الزيلعي
أتابع منذ فترة ما يكتبه د. صديق الزيلعي حول رؤيته الإصلاحية لتجديد الحزب الشيوعي، وهي رؤية لا أختلف معها في مجملها. كما أن اهتمامي بهذا الموضوع يأتي في إطار اهتمام أوسع بقضية الإصلاح الديمقراطي للأحزاب الوطنية، وهي ضرورة أصبحت أكثر إلحاحًا بعد أن أشعل نظام الإنقاذ حربًا لا تُبقي ولا تذر، وكشفت حجم الأزمة التي تعانيها النخب والتنظيمات السياسية. عرفت الزيلعي منذ أن كنا طلابًا بالجامعة، ثم توثقت المعرفة بعد عمله أستاذًا بالمدرسة الصناعية بعطبرة. وقد دعاني للمساهمة في كتابه "هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي؟"، لكنني اعتذرت عن المشاركة، لاعتقادي أن إصلاح الحزب الشيوعي أصبح أقرب إلى "النفخ في قربة مقدودة"، إذا جاز لي استعارة التعبير الذي استخدمه صديق نفسه في أحد مقالاته الأخيرة. واكتفيت آنذاك بتزويده ببعض وثائق للدكتور محمد محمود. وجاء جانب من هذه القناعة من معايشتي لتجربة الراحل الخاتم عدلان، الذي وُجهت إليه اتهامات بالكذب والاختلاس قبل إعلانه الاستقالة من الحزب. وقد حرص الخاتم على نشر جانب من مراسلاته مع سكرتارية اللجنة المركزية (سلم) لتوضيح حقيقة تلك الاتهامات، لأنه أدرك أن مصداقيته الشخصية أصبحت على المحك، وأن الدفاع عن نفسه واجب لا بد منه في مواجهة حملة استهدفت سمعته. ولا أنسى قوله لي، في مكالمة هاتفية من لندن، وبصوت يملؤه الأسى، عند قراره الاستقالة: "لا يوجد داخل الحزب إلمام مناسب بالماركسية التي تُقيَّم على أساسها المناقشة العامة." وكما اضطر الخاتم إلى نشر بعض الوثائق الحزبية لإثبات أن خروجه من السودان كان قرارًا اتخذته سكرتارية اللجنة المركزية وليس قرارًا شخصيًا، ولتصحيح ما أثير حول الأموال التي اتُّهم باختلاسها، أجد اليوم أن د. صديق الزيلعي يخوض مخاطرة مشابهة عندما يجهر بآرائه خارج الأطر التنظيمية التي تحددها لائحة الحزب، والتي تقضي بأن يكون الحوار داخل مؤسسات الحزب لا في المجال العام، وتجعل مخالفة ذلك سببًا قد يؤدي إلى الفصل. غير أن الزيلعي، الذي أفنى جزءًا كبيرًا من حياته في خدمة وطنه من خلال عضويته في الحزب الشيوعي، وفي وقت يحترق فيه السودان، لم يرَ أن الصمت خيارًا ممكنًا. فقد ظل مناضلًا عنيدًا يحظى باحترام كثيرين، سواء اتفقوا معه أم اختلفوا. وفي مقاله الأخير، تحدث د. الزيلعي عن طبيعة ما يتعرض له من هجوم من بعض اعضاء الحزب، ويبدو أن الرجل يواجه قدرًا ما من التجريح والاغتيال المعنوي. وأرى أن جانبًا من هذا السلوك يعكس عقلية جماعية تُغلِّب الانتماء التنظيمي على الحوار النقدي، فلا تنشغل بمناقشة الحجج التي يطرحها بشأن تجربة الحزب، أو مواقفه من التحالفات بعد ثورة ديسمبر، أو دعوته للإصلاح الديمقراطي، أو نقده للمركزية الديمقراطية التي يرى أنها تمنح القيادة سلطة واسعة على حساب حرية العضوية والمشاركة في صنع القرار. إن المشكلة، في تقديري، ليست في صحة أو خطأ كل ما يقوله الزيلعي، وإنما في رفض مجرد حقه في طرح هذه الأسئلة علنًا. فكيف يجرؤ على ذلك ؟ وهذه ظاهرة عرفها التاريخ مرارًا؛ فالسلطات الفكرية والتنظيمية كثيرًا ما انشغلت بمعاقبة من يطرح السؤال أكثر من انشغالها بالإجابة عنه. ويكفي أن نستحضر تجربة جاليليو، الذي وجّه منظاره إلى السماء باحثًا عن الحقيقة، بدلًا من الاكتفاء بما استقر في النصوص الموروثة. إن التنظيم الذي يقدّم الطاعة على النقد، والانضباط على حرية التفكير، معرض لأن يتحول إلى بيئة تُهمَّش فيها مسؤولية الضمير الفردي لصالح يقين جماعي قد يكون خاطئًا. فالضمير لا يمكن تفويضه للجماعة، ولا يُعفى الفرد من مسؤوليته الأخلاقية لمجرد أنه كان جزءًا من الأغلبية أو ملتزمًا بقرار التنظيم.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #35
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-07-2026, 04:59 PM
Parent: #31
فيفا وتعليق عقوبة بلوقان: عندما تنحني اللوائح أمام السياسة
إذا صحت الأنباء المتداولة عن تعليق عقوبة المهاجم الأمريكي فلوران بلوقان والسماح له بالمشاركة بعد طرده في مباراة الولايات المتحدة والبوسنة بسبب تدخل ترمب لدى رئيس الفيفا، فإن القضية تتجاوز لاعبًا أو مباراة، لتطرح سؤالًا أكبر: هل ما زالت لوائح الفيفا تُطبق على الجميع بالقدر نفسه، أم أن موازين القوة السياسية والاقتصادية أصبحت قادرة على تطويعها؟ لقد بنت الفيفا صورتها لعقود على أنها مؤسسة مستقلة لا تخضع لضغوط الحكومات، غير أن الشكوك التي صاحبت هذه القضية تعيد إلى الأذهان سجلًا طويلًا من الاتهامات التي لاحقت الاتحاد الدولي، بدءًا من قضايا الفساد، مرورًا بازدواجية تطبيق اللوائح، وانتهاءً بتغليب المصالح التجارية والسياسية على مبدأ العدالة الرياضية. وعندما يشعر الجمهور بأن القانون يمكن أن يتغير وفقًا لهوية المنتخب أو حجم الدولة أو نفوذها، فإن أول الخاسرين هو مصداقية اللعبة نفسها. والمفارقة اللافتة أن بلوقان يمثل الولايات المتحدة بفضل حصوله على الجنسية الأمريكية بالميلاد، لأنه ولد في بروكلين لأبوين نيجيريين. وهذه الحقيقة تكشف تناقضًا سياسيًا واضحًا؛ فالتيارات التي تهاجم حق المواطنة بالميلاد وتدعو إلى تقييده، لا تجد حرجًا في الاحتفاء به عندما يخدم المنتخب الوطني ويعزز فرصه في المنافسة. وكأن المبادئ تصبح قابلة للتغيير عندما تتعارض مع المصلحة السياسية أو الرياضية. وإذا كان بعض السياسيين يسارعون إلى الظهور في لحظات الانتصار الرياضي، فلأن الرياضة أصبحت أداة فعالة لتعبئة المشاعر الوطنية وحشد الجماهير. فالسياسي يدرك أن صورة واحدة وهو يحتفل بانتصار المنتخب قد تحقق له من المكاسب الشعبية ما لا تحققه عشرات الخطب والبرامج السياسية. وهنا تتجلى ظاهرة ما يسميه علماء الاجتماع بـ"الاندماج في الحشد"، حيث يذوب الفرد في الجماعة ويستمد من انتصارها شعورًا بالقوة والانتماء. وليس في ذلك ما يعيب، فحب الرياضة والانفعال بنتائجها جزء من الطبيعة الإنسانية. لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه المشاعر إلى أداة توظيف سياسي، أو إلى وسيلة لصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية التي تواجه المجتمعات. وليس هذا المشهد حكرًا على الولايات المتحدة؛ فهو يتكرر في أنحاء كثيرة من العالم، بما في ذلك العالم العربي والإسلامي، حيث تتحول الانتصارات الرياضية أحيانًا إلى مناسبات لتضخيم الشعارات الوطنية، بينما تبقى ملفات التنمية والعدالة والإصلاح مؤجلة. إن كرة القدم كانت يومًا لعبة للفقراء قبل أن تصبح صناعة بمليارات الدولارات، وكانت تعبيرًا عفويًا عن شغف الجماهير قبل أن تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح السياسة والمال والإعلام. وإذا كانت قضية بلوقان قد أثارت كل هذا الجدل، فلأنها تمس سؤالًا أكبر من نتيجة مباراة: هل ما زالت العدالة الرياضية هي التي تحكم كرة القدم، أم أن النفوذ أصبح قادرًا على إعادة كتابة اللوائح كلما اقتضت المصلحة؟
طلعت محمد الطيب
|
Post: #36
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-08-2026, 11:33 AM
Parent: #35
الإمام أبو حامد الغزالي وتأثيره على التراث
يُعد الإمام الفارسى المسلم أبو حامد الغزالى من أكثر المفكرين تأثيرًا في تاريخ الفكر الإسلامي. ومن أهم مؤلفاته كتاب وكتاب " تهافت الفلاسفة" (The Incoherence of the Philosophers). ولا شك أن إحياء علوم الدين أضاف بعدًا صوفيًا وأخلاقيًا مهمًا إلى التراث الإسلامي، إذ لم يفصل الفقه عن الممارسة العملية للمؤمن، بل جعل القيم والأخلاق والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين جزءًا من التدين، جنبًا إلى جنب مع أداء الشعائر والعبادات. لكن موقف الغزالي من السببية فى " تهافت الفلاسفة" كان، في تقديري، أكثر آرائه تأثيرًا في مسار الفكر الإسلامي. فقد شكك في أن قوانين الكون تقوم على علاقة ضرورية بين السبب والنتيجة، كما نفهمها في العلوم الطبيعية، ورأى أن إرادة الله تتدخل في كل لحظة لتُحدث النتائج عند وجود أسبابها. وضرب مثالًا بالنار والاحتراق، فقال إن النار لا تحرق بذاتها، وإنما يخلق الله الاحتراق عند ملامستها للقطن. وبذلك تصبح قوانين الطبيعة تعبيرًا عن عادة أجراها الله، وليست قوانين تعمل باستقلال عن إرادته. هذا التصور يمنح الإنسان المؤمن يقينًا بأن الله حاضر في كل تفاصيل الكون، لكنه، في الوقت نفسه، يقلل من استقلالية الأسباب الطبيعية، ويجعل انتظام الكون قائمًا على الإرادة الإلهية المباشرة أكثر من قيامه على قوانين ثابتة. وجاء إبن تيمية الحرانى ليخالف الغزالي في نقطة مهمة. فهو لم ينكر وجود الأسباب، بل رأى أن الله أودع في الأشياء خصائص حقيقية تجعلها تؤدي وظائفها؛ فالنار تحرق، والماء يروي، والدواء يشفي، ولكن كل ذلك لأن الله خلق فيها هذه الخصائص، لا لأنها تعمل مستقلة عنه. وفي كلتا الحالتين، تبقى المعجزات ممكنة، لأن الله قادر على تعطيل الأسباب متى شاء، كما حدث عندما لم تحرق النار النبي ابراهيم. وأرى أن تصور الغزالي للسببية فتح الباب أمام ترسيخ رؤية لاهوتية للعالم، وجد فيها ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أساسًا مناسبًا لتطوير نظرية تجعل الأسباب تعمل بإرادة الله في كل لحظة. ولا يعني ذلك أن هذا التصور كان سببًا مباشرًا في ظهور التطرف، فالتطرف ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية وتاريخية، لكنه أسهم، في تقديري، في تكوين بيئة فكرية تقل فيها مكانة التفسير الطبيعي للأحداث، ويزداد فيها الاعتماد على التفسير الغيبي. ومن اللافت أن الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم انتهى إلى نتيجة تبدو قريبة من موقف الغزالي، وإن كانت منطلقاته مختلفة تمامًا. فقد شكك هو الآخر في قدرة العقل على إدراك العلاقة الضرورية بين السبب والنتيجة، لأننا لا نرى هذه العلاقة أثناء حدوثها، وإنما نلاحظ فقط أن حدثًا يتكرر بعد حدث آخر. فنحن نرى النار تعقبها عملية الاحتراق، لكننا لا نرى "الضرورة" نفسها، ولذلك اعتبر أن الإيمان بالسببية ليس أكثر من عادة ذهنية نشأت من تكرار التجربة. ثم جاء الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط ليقدم إجابة مختلفة. فقد قبل نقد هيوم للتجربة، لكنه رفض أن يؤدي ذلك إلى الشك في إمكان المعرفة العلمية. وفي كتاب " نقد العقل المحض" ، أوضح أن العقل نفسه هو الذي يفرض مبدأ السببية على الخبرة، وأن السببية ليست شيئًا نستخرجه من الطبيعة، بل هي شرط سابق يجعل فهم الطبيعة ممكنًا. وأوضح كانط أيضًا أن الزمان والمكان ليسا من خصائص الأشياء الخارجية، بل من طريقة عمل العقل البشري نفسه. فالعقل ينظم الخبرة داخل إطار الزمان والمكان والكم والكيف والسببية، وهي ما سماه بالفلسفة المتعالية (Transcendental). وبذلك أحدث كانط ثورة في نظرية المعرفة تشبه ثورة كوبرنكاس في علم الفلك. فكما ظن الناس أن الشمس تدور حول الأرض لأن هذا ما يبدو للحواس، ثم اكتشفوا أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، بيّن كانط أن ما يبدو لنا بديهيًا ليس بالضرورة هو الحقيقة، وأن العقل يشارك في تشكيل الطريقة التي ندرك بها العالم. ولهذا لا يمكن تصور السببية خارج إطار الزمان، لأن السبب يسبق النتيجة، والزمان نفسه ليس شيئًا قائمًا خارج الذهن، بل هو أحد الشروط القبلية a priori التي تجعل المعرفة الإنسانية ممكنة. وهكذا أصبحت السببية عند كانط ليست عادة ذهنية كما قال هيوم، ولا مجرد اقتران تجريه الإرادة الإلهية كما قال الغزالي، بل مبدأً عقليًا سابقًا يجعل العلم نفسه ممكنًا. ولعل السؤال الذي ما زال يواجه الفكر العربي والإسلامي اليوم هو: هل يقوم التقدم العلمي على الإيمان بأن الكون تحكمه قوانين ثابتة يستطيع العقل اكتشافها وفهمها، أم على الاعتقاد بأن كل ظاهرة لا تُفسَّر إلا بالإرادة الإلهية المباشرة؟ لم يكن الخلاف بين الغزالي وهيوم وكانط مجرد نقاش فلسفي حول السببية، بل كان اختلافًا في الطريقة التي يفهم بها الإنسان العالم، ويؤسس بها المعرفة، ويتعامل بها مع الطبيعة. غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل يمكن تحقيق نهضة علمية حقيقية دون الإيمان بأن الكون تحكمه قوانين ثابتة يمكن للعقل اكتشافها؟ لقد قامت الحضارة الحديثة على افتراض أن الطبيعة ليست فوضى، وإنما نظام محكوم بقوانين يمكن اختبارها والتنبؤ بنتائجها. وربما لهذا السبب ظل الجدل حول السببية، منذ الغزالي وهيوم وحتى كانط، أكثر من مجرد خلاف فلسفي؛ إذ أصبح جزءًا من النقاش حول مستقبل العقل، وحدود الإيمان، وشروط بناء حضارة حديثة قوامها العلم والنقد والبحث الحر.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #37
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-09-2026, 01:45 AM
Parent: #36
أوليفر يطلب وصلة طعام
"من فضلك يا سيدي... أريد المزيد."
كانت هذه الجملة القصيرة، التي نطق بها الطفل أوليفر تويست في رواية للكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز، كافية لإثارة عاصفة من الغضب. لم يكن أوليفر قد سرق أو اعتدى على أحد، ولم يرتكب جريمة. كل ما فعله أنه طلب وصلة أخرى من العصيدة لأنه كان جائعًا بعد يوم طويل من العمل الشاق. غير أن إدارة دار العمل لم تر في طلبه صرخة طفل يتضور جوعًا، بل اعتبرته تمردًا على النظام وتحديًا لسلطتها. ومن خلال هذا المشهد البسيط، قدّم ديكنز واحدة من أقوى الإدانات الأدبية للظلم الاجتماعي في إنجلترا خلال العصر الفيكتوري. كان ذلك نقدًا مباشرًا لقانون الفقراء الجديد لعام 1834، الذي أجبر الفقراء على الإقامة في دور العمل تحت ظروف بالغة القسوة، حيث كانت الحصص الغذائية تُحدد بحيث تكفي للإبقاء على الحياة، لا لإشباع الجوع، وذلك حتى تصبح المساعدات الحكومية منفرة لمن يفكر في طلبها. وتحول الفقراء في نظر القائمين على تلك المؤسسات إلى أرقام وأعباء، لا إلى بشر لهم كرامة وحقوق. لقد كشف ديكنز أن أخطر ما في الظلم ليس الفقر نفسه، وإنما فقدان القدرة على رؤية إنسانية الفقير. فعندما يصبح طلب طفل جائع لمزيد من الطعام جريمة، فإن المشكلة ليست في الطفل، وإنما في النظام الذي فقد ضميره. كما فضح ديكنز نفاق الطبقة الحاكمة؛ فالمسؤولون الذين كانوا ينعمون بالطعام والراحة لم يترددوا في إلقاء المواعظ على الأطفال الجائعين عن الأخلاق والامتنان والانضباط، بينما كانوا يحرمونهم من أبسط حقوقهم الإنسانية. وقد يخطر هذا المشهد على بال كل من يتابع ما يجري في السودان اليوم. فكثير ممن يُطلق عليهم وصف "المتعاونين" مع قوات الدعم السريع لم يكونوا قادة حرب ولا أصحاب قرار، وإنما مدنيون وجدوا أنفسهم يعيشون تحت سلطة الأمر الواقع، فحاولوا حماية أنفسهم وأسرهم والتكيف مع القوة المسلحة المسيطرة على مناطقهم، كما يحدث في معظم الحروب عبر التاريخ. وفي المقابل، تُغفل الخطابات السياسية والإعلامية الظروف التي أحاطت بهؤلاء المدنيين، وتتعامل معهم وكأنهم اختاروا واقعهم بإرادتهم الكاملة. وفي خضم ذلك، يغيب النقاش حول مسؤولية القوى التي أسهمت في اندلاع الحرب أو في ترك المدنيين يواجهون مصيرهم، بينما يصبح الضعفاء هم الحلقة الأسهل للاتهام والعقاب. وهنا تتجدد، في سياق مختلف، الفكرة التي أراد ديكنز إيصالها: أن السلطة كثيرًا ما تعاقب الضحية بدلًا من أن تواجه أسباب المأساة. ولعل من المؤسف أن الاهتمام بالأدب في السودان، وهو اهتمام كان محدودًا أصلًا، قد تعرض للتهميش والتجفيف في إطار ما سُمّي بالمشروع الحضاري. فالأدب والفنون لا يقدمان المتعة وحدها، بل يفتحان أمام الشباب نوافذ لفهم المجتمعات والإنسان أينما كان، ويغرسان قيم التعاطف والوجدان المشترك. ولهذا كانت أوليفر تويست أكثر من مجرد رواية تُدرَّس في المدارس؛ فقد كانت درسًا في العدالة والرحمة، وفي فهم الإنسان قبل إصدار الأحكام عليه. فالقراءة توسع الأفق، وتمنح الإنسان القدرة على رؤية العالم بعيون الآخرين، وهي قدرة لا غنى عنها لأي مجتمع يسعى إلى التعايش والسلام. ولعل أخطر ما يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد قدرته على التعاطف مع الضعفاء. فعندما يتوقف الناس عن سماع صوت الجائع، أو الخائف، أو النازح، أو المدني الذي وجد نفسه أسير ظروف الحرب، فإنهم يبدأون في فقدان جزء من إنسانيتهم. فبين أوليفر الذي عوقب لأنه طلب وصلة طعام، وبين كل بريء يُدان اليوم لأنه حاول النجاة بنفسه وأسرته، خيط واحد لا ينقطع: قسوة السلطة عندما تتجرد من الرحمة، وسهولة إدانة الضعفاء بدلًا من مساءلة الأقوياء. ولذلك يبقى السؤال الذي طرحه ديكنز قبل ما يقارب القرنين حاضرًا حتى يومنا هذا: هل نحاكم الناس على أفعالهم، أم نحاكمهم على الظروف التي فُرضت عليهم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كنا نبني مجتمعًا يقوم على العدالة والرحمة، أم مجتمعًا يقوم على الانتقام والكراهية.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #38
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-09-2026, 07:32 PM
Parent: #37
كيليان مبابي... عندما يصبح الحلم حقيقة
ولد كيليان مبابي لأسرة رياضية. فوالده ويلفريد مبابي، من أصول كاميرونية، كان مدربًا لكرة القدم في نادي بوندي المحلي، بينما والدته فايزة العماري، وهي من أصول جزائرية، كانت لاعبة كرة يد.
نشأ مبابي في شقة متواضعة بمدينة بوندي، إحدى ضواحي باريس، وبدأ يركل الكرة وهو في الخامسة من عمره. ومنذ صغره ظهرت موهبته الاستثنائية، حتى إن ريال مدريد دعاه لزيارة منشآته وهو في الرابعة عشرة.
وكان النجم الفرنسي زين الدين زيدان في استقباله. ويروي مبابي أنه عندما فتح زيدان باب سيارته الفاخرة سأله بخجل: "هل يجب أن أخلع حذائي قبل أن أركب؟" فضحك زيدان وقال له: "لا، بالطبع."
أبدى ريال مدريد رغبته في التعاقد معه، لكن والديه رفضا العرض، معتبرين أن ابنهما لا يزال صغيرًا ويحتاج إلى مواصلة نموه الكروي في فرنسا. وكان على النادي الإسباني أن ينتظر.
في السادسة عشرة انضم مبابي إلى موناكو، وهناك بدأ نجمه يسطع بسرعة. ساهم بأهدافه في إعادة الفريق إلى المنافسة على أعلى المستويات، وعُرف عنه تواضعه، إذ لم ينشغل بشراء السيارات الفاخرة، بل اكتفى بغرفة بسيطة وركز على تطوير مستواه.
وفي عام 2017 تعاقد معه باريس سان جيرمان في صفقة بلغت قيمتها نحو 180 مليون يورو، ليصبح أحد أغلى اللاعبين في تاريخ كرة القدم وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة.
ثم جاءت كأس العالم 2018 في روسيا، البطولة التي صنعت أسطورته. ففي مباراة الأرجنتين انطلق بسرعة هائلة، وانتزع ركلة جزاء، ثم سجل هدفين رائعين، لتنتهي المباراة بفوز فرنسا 4-3 وخروج الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي. وفي النهائي سجل هدفًا آخر أمام كرواتيا، لتفوز فرنسا 4-1 وتتوج بكأس العالم.
بلغت مكافأته المالية نحو 500 ألف دولار، لكنه تبرع بها بالكامل إلى مؤسسة خيرية، مؤكدًا أنه لم يكن بحاجة إلى المال، وأن تمثيل بلاده هو أعظم مكافأة.
واشتهر مبابي بسرعته الخارقة، إذ سجلت له انطلاقة قاربت 38 كيلومترًا في الساعة، وهي من أعلى السرعات التي سجلها لاعب كرة قدم.
وفي نهائي كأس العالم 2022 في قطر قدم واحدة من أعظم المباريات الفردية في تاريخ النهائيات. سجل هدفًا من ركلة جزاء، ثم أحرز هدفًا رائعًا بعد دقيقة واحدة، قبل أن يسجل هدفًا ثالثًا في الوقت الإضافي من ركلة جزاء، ليحقق ثلاثية تاريخية (هاتريك). لكن الأرجنتين فازت بركلات الترجيح، بينما نال مبابي جائزة هداف البطولة، وحصل ليونيل ميسي على الكرة الذهبية لأفضل لاعب في المونديال.
وفي عام 2022 جدد باريس سان جيرمان عقده بعد مفاوضات طويلة، رغم اهتمام ريال مدريد بضمه، لكن حلم اللعب بقميص النادي الملكي ظل يراوده منذ طفولته.
وأخيرًا، في صيف 2024، انتهى عقده مع باريس سان جيرمان وانتقل إلى ريال مدريد، النادي الذي حلم بارتداء قميصه منذ أن كان طفلًا معجبًا بأسطورته كريستيانو رونالدو. واختار القميص رقم 9 ليبدأ فصلًا جديدًا في مسيرته.
وفي موسمه الأول مع ريال مدريد قدم أرقامًا تهديفية مميزة، مؤكداً أنه أحد أفضل مهاجمي العالم في جيله.
واليوم يحمل مبابي شارة قيادة المنتخب الفرنسي، وأصبح رمزًا للإصرار والطموح. فقد أثبت أن الطفل الذي بدأ حياته في حي متواضع، وتمسك بحلمه، استطاع أن يصل إلى قمة كرة القدم العالمية.
الدرس الذي تقدمه قصة كيليان مبابي بسيط وعميق في آن واحد:
أحب حلمك، وامنحه كل جهدك، وسيأتي يوم يحبك فيه حلمك ويصبح حقيقة.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #39
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-12-2026, 07:07 PM
Parent: #38
مفارقات تقنية الفيديو (VAR) في مباريات الأرجنتين
يثير استخدام تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) في بعض مباريات الأرجنتين كثيرًا من الجدل، ليس بسبب قرار بعينه، وإنما بسبب ما يراه كثيرون من غياب الاتساق في تطبيق التقنية.
في مباراة الأرجنتين وسويسرا، رفض مدرب سويسرا مراد ياكين الحديث عن وجود مؤامرة على طريقة حسام حسن مدرب الفريق المصرى، لكنه انتقد بعض القرارات التحكيمية فى المباراة. ومن أكثر اللقطات إثارة للنقاش حالة لاعب سويسرا إمبولو، التي اعتبرها الحكم محاولة للتحايل (Dive)، فأنذره أو عاقبه، رغم أن كثيرين يرون أن مثل هذه الحالات نادرًا ما تكون سببًا لتدخل تقنية الفيديو، إضافةً إلى أن البطاقات الممنوحة بسبب ادعاء السقوط قليلة جدًا في تاريخ كأس العالم. ( اربع مرات فقط فى كل تاريخ كأس العالم).
قبل تلك الواقعة كانت سويسرا تقدم مباراة قوية، واستحوذت على الكرة بنسبة قاربت 55%، ونجحت في الوصول إلى مرمى الأرجنتين في أكثر من مناسبة. لكن بعد النقص العددي بعد طرد امبولو تغيرت موازين المباراة بصورة واضحة لمصلحة المنتخب الأرجنتيني.
القضية ليست في صحة أو خطأ كل قرار على حدة، فكل حالة يمكن أن تخضع لاجتهاد تحكيمي، وإنما في وجود نمط pattern متكرر يثير التساؤلات. فالمعتاد أن يتدخل حكام غرفة الفيديو عندما يرون أن هناك واقعة تستحق المراجعة، لكن في بعض المباريات يبدو أن هذا التدخل يحدث بصورة إنتقائية تفتقد الإتساق.
فعلى سبيل المثال، يرى كثير من المتابعين أن محمد صلاح تعرض لاحتكاك داخل منطقة الجزاء في مباراة مصر والأرجنتين كان يستحق على الأقل مراجعة عبر تقنية الفيديو، إلا أن غرفة الـVAR لم تطلب من الحكم مراجعة اللقطة. وفي المقابل، وبعد 17 ثانية فقط من تسجيل مصر هدفها الثاني، تم استدعاء الحكم لمراجعة مخالفة سابقة في منطقة دفاع الفريق المصرى، لينتهي الأمر بإلغاء الهدف.
كما يثار الجدل حول لقطة احتكاك ليونيل ميسي بقائد منتخب الجزائر، والتي يرى العديد من المحللين أنها كانت تستحق بطاقة صفراء لانها متعمدة، بينما اكتفى الحكم باحتساب المخالفة فقط. وهناك أيضًا حالات أخرى يعتبرها منتقدو التحكيم أخطاءً مؤثرة، مثل بعض اللقطات في مباريات الأرجنتين أمام منتخبات أخرى كالمخالفة التى لم تحتسب فى مباراة الأرجنتين مع جذر الراس الاخضر على سبيل المثال حيث صمتت تقنية مراجعة الفيديو عن مراجعة المخالفة.
ويشير المنتقدون كذلك إلى أن الأرجنتين حصلت على خمس ركلات جزاء خلال كأس العالم 2022 فى قطر ، وهو رقم لافت أثار نقاشًا واسعًا، كما يستشهدون بلقطة لمس ميسي الكرة بيده أمام هولندا، معتبرين أن القانون كان يجيز إنذاره، بينما لم يحصل على أي بطاقة.
قد يكون لكل قرار تفسير تحكيمي مستقل، وقد يختلف الخبراء في تقييم كل حالة، لكن تكرار الوقائع التي يستفيد منها طرف واحد وهو الأرجنتين فى حالتنا هذه ، يجعل كثيرًا من المشجعين يتساءلون: هل نحن أمام مجرد مصادفات متتالية، أم أن هناك مشكلة حقيقية في اتساق تطبيق تقنية الفيديو؟
وفي سياق منفصل، تجدر الإشارة إلى أن الحديث عن وجود تحقيقات أمريكية في مزاعم غسل أموال أو ربطها بكرة القدم أو بأي جهة بعينها يحتاج إلى الاستناد إلى نتائج رسمية معلنة. وحتى تصدر مثل هذه النتائج ويعرف لمن ذهبت تلك الاموال ، لا ينبغي الجزم بوجود صلة بين تلك التحقيقات وأي بطولة أو مؤسسة رياضية.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #40
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-13-2026, 11:42 AM
Parent: #39
من يرفض المبادرة الأمريكية لوقف فوري لإطلاق النار... ولماذا؟
كشفت وسائل الإعلام مؤخراً عن مبادرة أمريكية تهدف إلى وقف الحرب في السودان وتهيئة الظروف لعودة السلام والاستقرار. وتقوم المبادرة على خمسة محاور رئيسية: وقف العمليات العدائية لمدة تسعين يوماً تحت إشراف لجنة تنسيق دولية، وإنشاء آلية أممية للإشراف على انسحاب قوات الدعم السريع تدريجياً مع إعطاء الأولوية لشمال دارفور وشمال كردفان، والحفاظ على جيش وطني موحد يخضع لسلطة مدنية مع تجميع ونزع سلاح الجماعات المسلحة، ونشر مراقبين دوليين بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، ثم استغلال فترة الهدنة لإطلاق عملية سياسية سودانية تقود إلى سلطة مدنية منتخبة.
ووفقاً لما أعلن، وافقت الحكومة السودانية والقوات المسلحة مبدئياً على معظم بنود المبادرة، لكنها اشترطت انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية أو أمنية، ورفضت فكرة الانسحابات الجزئية أو المرحلية. أما قوات الدعم السريع فقد أعلنت ترحيبها بالمبادرة من حيث المبدأ، مع استمرار الخلاف بين الطرفين حول آليات التنفيذ والترتيبات الأمنية.
ومن هنا يبرز السؤال: من الذي يعرقل الوصول إلى وقف إطلاق النار؟
من وجهة نظري، فإن موقف القيادة العسكرية بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان يمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام أي تسوية سياسية شاملة، إذ تتمسك المؤسسة العسكرية بترتيبات تضمن استمرار هيمنتها على السلطة خلال المرحلة الانتقالية، بينما تقوم فلسفة المبادرة على الانتقال نحو سلطة مدنية منتخبة. كما أن بقايا نظام الإنقاذ والحركة الإسلامية تجد في استمرار الحرب فرصة للحفاظ على ما تبقى من نفوذها السياسي والاقتصادي داخل مؤسسات الدولة، ولذلك تبدو أقل حماساً لأي تسوية قد تنهي حالة الاستقطاب والحرب.
ولا يتعلق الأمر بالمصالح السياسية والاقتصادية وحدها، فهناك أيضاً البعد الأيديولوجي. فما زالت الحركة الإسلامية توظف الخطاب الديني في تعبئة أنصارها، وتصور الحرب باعتبارها معركة بين الحق والباطل، بما يسهل تجنيد المؤيدين وإطالة أمد الصراع. وبعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من تجربة المشروع الحضاري التي انتهت إلى الانقسام والحروب والانهيار الاقتصادي، ما زال هذا الخطاب يجد من يتأثر به، رغم أن الواقع أثبت فشله في بناء دولة مستقرة تتسع لجميع مواطنيها.
ولا يمكن، في المقابل، تجاهل تأثير العوامل الإقليمية والدولية، إذ تتقاطع مصالح عدد من القوى الخارجية مع مسار الحرب، الأمر الذي يجعل الأزمة السودانية أكثر تعقيداً من أن تفسر بعامل داخلي واحد.
وفي هذا السياق يبرز موقف تحالف "صمود"، الذي ما يزال يراهن على إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية عبر التفاوض مع جميع الأطراف، بما فيها القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية. ولا شك أن أهداف التحالف تتمثل في إنهاء الحرب، وتفكيك التمكين، وتحقيق العدالة، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية تتداول فيها السلطة سلمياً، وهي أهداف يتفق معها كثير من السودانيين بوصفها شرطاً أساسياً لخروج البلاد من أزمتها التاريخية.
غير أن المأخذ الأساسي على "صمود" هو أنه يركز بصورة مستمرة على هذه الأهداف، دون أن يقدم تصوراً واضحاً للوسائل التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيقها. ويمكن وصف هذا النهج بأنه هروب نحو الأمام؛ إذ يجري الانتقال مباشرة إلى الحديث عن الغايات الكبرى، مع تجنب النقاش حول الأدوات السياسية والعملية اللازمة للوصول إليها. فكيف يمكن عملياً تفكيك احتكار الحركة الإسلامية للسلطة؟ وكيف يمكن فرض انتقال مدني في ظل موازين القوى العسكرية القائمة؟ تلك أسئلة لا يقدم التحالف إجابات واضحة عنها.
ومن هذا المنطلق، يرى منتقدو "صمود" أن التعويل المستمر على المبادرات الدولية وحدها، وعلى إمكانية التوصل إلى اتفاق تفاوضي مع القوى التي عطلت الانتقال الديمقراطي في السابق، لا يكفي لتحقيق أهداف الثورة. فنجاح أي مشروع سياسي لا يتوقف على وضوح أهدافه فحسب، وإنما يعتمد أيضاً على امتلاك الوسائل المناسبة لتحقيقها، بما في ذلك أدوات الضغط السياسي والشعبي، والاستفادة من كل الموارد المتاحة التي يمكن أن تدفع الأطراف المعرقلة إلى القبول بانتقال مدني حقيقي.
إن إنهاء احتكار الإسلاميين للسلطة لن يتحقق بمجرد رفع الشعارات أو انتظار نجاح الوساطات الدولية، وإنما يحتاج إلى رؤية متكاملة تربط بين الأهداف والوسائل، وبين المبادئ وآليات تنفيذها على أرض الواقع.
وفي نهاية المطاف، يبقى الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر من استمرار هذه الحرب، حيث يدفع المدنيون يومياً ثمن القتل والنزوح والجوع وانهيار مؤسسات الدولة، ولا سيما في دارفور وكردفان وغيرها من مناطق النزاع. ولذلك فإن أي مبادرة تفتح باباً لوقف إطلاق النار تستحق التعامل معها بجدية، شريطة أن تقود إلى سلام دائم، وعدالة انتقالية، ودولة مدنية ديمقراطية تنهي دوامة الحروب والانقلابات التي أرهقت السودان لعقود.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #41
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-14-2026, 06:12 PM
Parent: #40
انقلاب 19 يوليو 1971 ومفهوم الفتوى
أثار تصريح حديث لأحد القيادات الإسلامية، في صورة فتوى تحرم الانضمام إلى المليشيات المسلحة، تساؤلات حول العلاقة بين الفتوى والسياسة. ويبدو أن هذه الفتوى تخدم تكتيكاً سياسياً جديداً لفلول النظام السابق، غير أن اللافت فيها أن صاحبها لم يطرح رأيه بوصفه اجتهاداً شخصياً، وإنما ألبسه ثوب الفتوى ليكتسب صفة الإلزام لدى أتباعه. غير أن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن مفهوم "الفتوى" يقتصر على الحركات الإسلامية. فالفتوى، بالمعنى السياسي، هي قدرة القيادة الكاريزمية داخل التنظيمات العقائدية على تحويل تقديراتها السياسية إلى قرارات ملزمة للأعضاء، حتى وإن لم تُسمَّ فتوى. ومن هذا المنظور يثور سؤال مهم عند دراسة تجربة الحزب الشيوعي السوداني. ففي تقديري، لم يكن موقف الحزب من التعددية السياسية موقفاً مبدئياً ثابتاً، وإنما كان أقرب إلى موقف تكتيكي؛ إذ يستفيد الحزب من مناخ الحريات العامة والعمل الجماهيري إلى أن تنضج، وفق أدبياته، "العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية" لإنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية، حيث تتولى الطبقة العاملة، بقيادة حزبها الطليعي، استلام السلطة. ولكن من الذي يحدد أن تلك العوامل قد نضجت؟ ومن الذي يقرر أن لحظة الانقضاض على السلطة قد حانت؟ هنا يبرز، في رأيي، مفهوم "الفتوى السياسية". ففي التنظيمات العقائدية لا تُحسم مثل هذه القضايا باستفتاء القواعد أو بحوار مفتوح، وإنما بقرار القيادة العليا التي تحتكر سلطة تقدير اللحظة التاريخية المناسبة. وفي هذا السياق تكتسب شهادة البروفيسور فاروق محمد إبراهيم النور أهمية خاصة. ففي مقاله "صعود وانهيار مشروع الثورة الوطنية الديمقراطية"، ذكر أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في عام 1970 قررت بوضوح أن خط الحزب هو إسقاط نظام مايو، وأضاف أن من ينكر أن ذلك كان يعني، في ظروف ذلك الزمان، اللجوء إلى العمل العسكري، فإنه يتعمد إخفاء الحقيقة. كما أشار إلى أن عبد الخالق محجوب رفض الخوض في تفاصيل التنظيم العسكري، وأنه هو نفسه لن يكشف تلك التفاصيل حتى لا تصبح أسرار العمل العسكري متداولة "في المقاهي مثل مقهى خباز"، في إشارة إلى ضرورة الحفاظ على السرية التنظيمية. ولا شك أن هذه الشهادة تثير سؤالاً مهماً: إذا كانت القيادة قد قررت إسقاط النظام، فمن الذي كان يملك سلطة إصدار هذا القرار؟ ومن الذي حدد أن الظروف الذاتية والموضوعية قد نضجت؟ إن الإجابة، وفق هذا المنطق، لا تخرج عن القيادة التاريخية للحزب، وعلى رأسها عبد الخالق محجوب، وهو ما يجعل قرار الانتقال من العمل السياسي إلى العمل العسكري أقرب إلى "فتوى سياسية" تصدرها القيادة وتلتزم بها القواعد. غير أن هذه الرواية ليست محل اتفاق كامل. فقد خالفها محمد إبراهيم نقد والتجاني الطيب وآخرون، ونفوا أن تكون اللجنة المركزية قد اتخذت قراراً حزبياً بتنظيم انقلاب عسكري، كما رفضوا تحميل عبد الخالق محجوب المسؤولية المباشرة عن انقلاب 19 يوليو 1971. ولعلنا نذكر مقولة المرحوم محمد إبراهيم نقد الشهيرة التى أستعارها من القائد المصرى سعد زغلول:" ان حركة ١٩ يوليو شرف لاندعيه وتهمة لاننكرها". ولذلك تبقى القضية موضع جدل تاريخي بين الشهود والباحثين. ومع ذلك، أميل إلى ترجيح شهادة البروفيسور فاروق محمد إبراهيم، ليس لأنها الرواية الرسمية، وإنما لأنها صادرة عن عضو في اللجنة المركزية شارك في صناعة الأحداث. كما أن الوقائع اللاحقة تبدو، في تقديري، أكثر انسجاماً مع روايته؛ إذ تشير شهادات متعددة إلى أن عبد الخالق محجوب كان داخل القصر الجمهوري أثناء انقلاب 19 يوليو، يتابع تطورات الأحداث عن قرب، وهو ما يصعب التوفيق بينه وبين فرضية عدم وجود صلة سياسية مسبقة بالحركة. ويضاف إلى ذلك أن فاروق محمد إبراهيم عُرف، حتى لدى خصومه، بتاريخ نضالي طويل، واستقلال في الرأي، ونزاهة فكرية وشخصية، وهي صفات تمنح شهادته وزناً خاصاً، وإن كانت لا تعفيها من الخضوع للنقد والمقارنة مع بقية الشهادات والوثائق. ولعل أهم ما يدعو إلى إعادة قراءة انقلاب 19 يوليو 1971 ليس فقط الجدل حول من خطط له أو من أصدر القرار السياسي بتنفيذه، وإنما حجم الآثار التي ترتبت عليه. فقد استمر الانقلاب ثلاثة أيام فقط، لكن تداعياته كانت هائلة على مستقبل السودان. فقد أعقب فشله إعدام عبد الخالق محجوب، والشفيع أحمد الشيخ، وجوزيف قرنق، وعدد كبير من الضباط والكوادر الشيوعية، وتعرض الحزب الشيوعي لضربة قاصمة أضعفت حضوره السياسي والتنظيمي لعقود. وفي المقابل، وجد جعفر نميري نفسه أكثر ميلاً للبحث عن حلفاء جدد لمواجهة اليسار، الأمر الذي قاد إلى المصالحة الوطنية عام 1977 مع الجبهة الوطنية، التي كان الإسلاميون أحد أهم مكوناتها. ومنذ ذلك التاريخ بدأ التيار الإسلامي يتوسع تدريجياً داخل أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع، مستفيداً من المناخ الذي أتاحته المصالحة. والمفارقة التاريخية، في تقديري، أن الإسلاميين انتهجوا لاحقاً بعض الأساليب التنظيمية التي كان الحزب الشيوعي قد سبق إلى استخدامها، مثل العمل السري، وبناء التنظيم داخل مؤسسات الدولة، وانتظار اللحظة المناسبة للاستيلاء على السلطة بالقوة. وبذلك يمكن النظر إلى انقلاب 19 يوليو باعتباره أحد أهم المنعطفات في التاريخ السياسي السوداني الحديث. فبدلاً من أن يفتح الطريق أمام المشروع الوطني الديمقراطي، أسهم فشله في إضعاف اليسار وإعادة تشكيل ميزان القوى السياسية، بما أفسح المجال أمام صعود الإسلام السياسي، الذي استطاع، بعد اثني عشر عاماً من المصالحة الوطنية، أن ينجز انقلاب 30 يونيو 1989 ويقيم نظاماً استمر لسبعة وثلاثين عاماً. إن هذه القراءة لا تهدف إلى إدانة طرف أو تبرئة آخر، وإنما إلى استخلاص درس سياسي بالغ الأهمية: فحين تحتكر أي قيادة، مهما كانت مرجعيتها الفكرية، حق تحديد اللحظة التاريخية، وتحوّل تقديرها السياسي إلى قرار ملزم لا يقبل المراجعة، فإنها تمارس، عملياً، نوعاً من "الفتوى السياسية". وقد أثبت تاريخ السودان أن نتائج هذا النمط من التفكير كانت باهظة الكلفة، سواء صدر باسم الدين أو باسم الثورة.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #42
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-24-2026, 09:50 AM
Parent: #41
صعب... صعب يا سوار الذهب
لم يكن هتاف "صعب... صعب يا سوار الذهب" مجرد عبارة عاطفية ردّدتها الجماهير السودانية عقب انتفاضة أبريل 1985، بل كان تعبيراً عن اعتقاد واسع بأن قائد المجلس العسكري الانتقالي سيقود البلاد إلى مرحلة ديمقراطية خالصة، ويعيد السلطة إلى الشعب دون أجندة سياسية خفية. وبالفعل، أوفى المشير عبد الرحمن سوار الذهب بوعده الشكلي بتسليم السلطة بعد عام واحد، وأُجريت انتخابات عامة في عام 1986. لكن السؤال الذي ظل يفرض نفسه بعد مرور أربعة عقود هو: لمن كانت تهيأ الأرض السياسية خلال تلك السنة الانتقالية؟ في تقديري، لم تكن الجبهة القومية الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي مجرد أحد المستفيدين من المرحلة الانتقالية، بل كانت المستفيد الأكبر، لأن عملية تمكينها لم تبدأ بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989 كما يعتقد كثيرون، وإنما بدأت فعلياً منذ المصالحة الوطنية عام 1977 بين الرئيس جعفر نميري والجبهة الوطنية. لقد جاءت تلك المصالحة في مناخ إقليمي تأثر فيه نميري بسياسات الرئيس المصري أنور السادات، الذي لجأ إلى التيار الإسلامي لمواجهة خصومه من اليساريين والقوميين، وهو النهج الذي انعكس بصورة واضحة على السودان. فمنذ ذلك التاريخ بدأت الجبهة الإسلامية في بناء نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة، والخدمة المدنية، والجامعات، والنقابات، مستفيدة من الانفتاح الذي وفرته المصالحة. وعندما اندلعت انتفاضة أبريل، كان هذا النفوذ قد أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها. ولذلك فإن تصوير المجلس العسكري الانتقالي باعتباره سلطة محايدة يقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية يغفل حقيقة أن قراراته الرئيسية جاءت، في نظر كثير من المراقبين، منسجمة مع مصالح الجبهة القومية الإسلامية. وأبرز تلك القرارات كان قانون انتخابات 1986، الذي لم يكن مجرد تشريع تنظيمي، بل كان أداة أعادت رسم الخريطة السياسية بطريقة منحت الإسلاميين أفضلية واضحة. فقد حصلت الجبهة القومية الإسلامية على أكثر من خمسين مقعداً في البرلمان، بينها جميع المقاعد الثمانية والعشرون تقريباً المخصصة للخريجين. والأخطر من ذلك أن مفهوم دوائر الخريجين نفسه تعرض لتغيير جوهري. فبعد أن كانت هذه الدوائر ذات طابع قومي يهدف إلى إدخال الكفاءات العلمية والمهنية إلى البرلمان، تحولت إلى دوائر إقليمية ومحلية شملت خريجين مقيمين في السعودية ودول الخليج، وهي مناطق كانت تمثل أحد أهم معاقل التنظيم الإسلامي. وأدى هذا التقسيم إلى خفض عدد الأصوات المطلوبة للفوز في بعض الدوائر إلى بضع مئات فقط، الأمر الذي منح التنظيم الإسلامي ميزة تنظيمية لا تتوافر لغيره. والمفارقة السياسية أن الحركة الإسلامية نفسها كانت في ستينيات القرن الماضي من أشد المعارضين لدوائر الخريجين لأنها منحت الحزب الشيوعي وحلفاءه أحد عشر مقعداً عقب ثورة أكتوبر 1964. لكنها لم تتردد في الدفاع عن النظام ذاته عندما أصبح يحقق لها المكاسب نفسها، وهو ما يكشف أن الموقف لم يكن مبدئياً بقدر ما كان محكوماً بحسابات المصلحة السياسية. أما المشير سوار الذهب، الذي ما زال يُقدَّم في كثير من الأدبيات بوصفه نموذجاً للنزاهة والزهد في السلطة، فإن مسيرته اللاحقة تثير تساؤلات مشروعة. فقد تولى رئاسة منظمة الدعوة الإسلامية، وهي مؤسسة تمتعت بإمكانات مالية هائلة ونفوذ واسع، وكانت تُعد إحدى أهم المؤسسات المرتبطة بالحركة الإسلامية. ومن الصعب النظر إلى هذا التعيين باعتباره مصادفة سياسية أو اختياراً مهنياً محضاً. فبالنسبة لكثيرين، كان بمثابة مكافأة سياسية لرجل أدى دوراً محورياً في إدارة مرحلة انتقالية انتهت بتهيئة المسرح لصعود الإسلاميين، قبل أن يكتمل مشروعهم بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989. وتزداد هذه التساؤلات إلحاحاً عندما نتذكر أن نظام نميري كان قد دخل في مواجهة حادة مع الحركة الإسلامية خلال الأشهر الأخيرة من عمره السياسي، وأن عدداً من قياداتها تعرضوا للاعتقال والملاحقة. لذلك يرى بعض المراقبين أن قرار سوار الذهب بالانحياز إلى الانتفاضة الشعبية ونقض قسم الولاء الذي أداه لنظام نميري لم يكن مجرد استجابة عسكرية محايدة لمطالب الشارع، بل جاء في سياق توازنات سياسية كانت الحركة الإسلامية أحد أبرز المستفيدين منها، إن لم تكن أحد الأطراف المؤثرة في تشكيلها. لقد نجح سوار الذهب في تسليم السلطة، لكن السؤال الذي لا يزال ينتظر إجابة هو: هل سلّمها إلى الديمقراطية، أم سلّم الديمقراطية إلى المشروع الإسلامي؟ ذلك هو السؤال الذي يجعل هتاف الجماهير في أبريل 1985: "صعب... صعب يا سوار الذهب" أكثر حضوراً اليوم من أي وقت مضى. فبعد أربعة عقود من تلك الأحداث، لم يعد الجدل يدور حول واقعة تسليم السلطة نفسها، بل حول طبيعة الترتيبات السياسية التي سبقتها، والنتائج التي ترتبت عليها، والدور الذي لعبته في تمهيد الطريق أمام الحركة الإسلامية للوصول إلى ذروة نفوذها في السودان.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #43
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-26-2026, 05:59 PM
Parent: #42
هل يمكن إيقاف الحرب بالتفاوض؟
يُحكى أن عقربًا طلب من ضفدع أن يحمله على ظهره ليعبر به إلى الضفة الأخرى من النهر. تردد الضفدع وقال: كيف آمن لك وأنت معروف بلدغاتك؟ فأجابه العقرب: كيف ألدغك وأنا فوق ظهرك؟ لو فعلت ذلك لهلكنا معًا. اطمأن الضفدع، وحمله حتى وصلا إلى الضفة الأخرى. وما إن وطئت قدما العقرب اليابسة حتى غرس إبرته في جسد الضفدع. وقبل أن يلفظ الضفدع أنفاسه الأخيرة، سأله في حسرة: لماذا؟ فأجابه العقرب: لأن هذا هو طبعي، ولا أستطيع أن أكون غير ذلك. ورغم أنها مجرد حكاية رمزية، فإنها كثيرًا ما تُستحضر لوصف جماعات أو حركات سياسية يرى منتقدوها أنها لا تغيّر مناهجها بتغيّر الظروف، وأنها تتعامل مع الوعود والاتفاقات باعتبارها وسائل مرحلية لتحقيق أهدافها، لا التزامات نهائية يجب الوفاء بها. ومن هذا المنطلق، أرى – ويرى كثيرون غيري – أن تجربة الإسلام السياسي، في السودان كما في بلدان أخرى، أظهرت نمطًا متكررًا من نقض العهود، وإقصاء الخصوم، والتعامل مع التسويات باعتبارها تكتيكًا مؤقتًا لا خيارًا استراتيجيًا، بينما ظل الهدف النهائي هو الاحتفاظ بالسلطة أو استعادتها متى ما تهيأت الظروف. وفي السودان، يصعب تجاوز تجربة الحركة الإسلامية التي انقلبت على الديمقراطية الثالثة، وأقامت نظامًا حكم البلاد لعقود، احتكر خلالها السلطة والثروة، وأضعف مؤسسات الدولة، وأدخل البلاد في دوامة من الحروب والانقسامات، وانتهى الأمر بانهيار المشروع الذي رفع شعاراته الأولى، لتدخل البلاد، منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والسياسية في تاريخها الحديث. وبرأي منتقدي الجيش، فإن تعثر المبادرات الرامية إلى وقف الحرب يعود، في جانب منه، إلى تمسك القيادة العسكرية وحلفائها الإسلاميين بخيار الحسم العسكري، وعدم الاستعداد لتقديم التنازلات التي تتطلبها أي تسوية سياسية حقيقية. ويستند أصحاب هذا الرأي أيضًا إلى ما يصفونه بالسجل الدموي للحرب، ويشيرون إلى اتهامات وتقارير تحدثت عن انتهاكات جسيمة طالت المدنيين، وعن مزاعم باستخدام مواد كيميائية محظورة دوليًا، وهي ادعاءات تستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا لتحديد المسؤوليات. وفي المقابل، يرى هؤلاء أن قوات "تأسيس" أعلنت التزامها بقواعد الاشتباك المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، وأن هذا الالتزام يمثل، في نظرهم، فارقًا مهمًا بينها وبين خصومها. وفي تقديري، فإن بناء دولة سودانية مستقرة لن يكون ممكنًا إلا بقيام مؤسسات مستقلة، وسيادة حقيقية للقانون، وجيش قومي مهني يخضع للسلطة المدنية المنتخبة، وضمان عدم احتكار أي تيار سياسي للسلطة أو أدوات القوة. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالغلبة، وإنما بالمواطنة المتساوية، والتعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة. ويبقى السؤال الجوهري: إذا كان أحد أطراف الصراع لا يرى في التفاوض سوى وسيلة لكسب الوقت أو تحسين موقعه العسكري، فهل يمكن أن يقود التفاوض وحده إلى سلام دائم؟ أم أن نجاح أي عملية سياسية يتطلب أولًا تغييرًا في موازين القوى، بما يجعل احترام الاتفاقات مصلحة مشتركة لجميع الأطراف؟ ومن هنا، يرى مؤيدو التحالف مع "تأسيس" – وأنا أحدهم – أن هذا الخيار ليس ترفًا سياسيًا، بل استحقاق فرضته طبيعة الصراع. ويستند هذا الرأي إلى قناعة بأن مواجهة تنظيم يتمتع، بحسب هذا الطرح، بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية لا يمكن أن تعتمد على الوسائل السياسية وحدها، وإنما تحتاج أيضًا إلى خلق توازن جديد يفتح الطريق أمام تسوية سياسية حقيقية. وليس هذا النهج جديدًا في التاريخ السياسي السوداني؛ فقد سبق للمعارضة، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، أن أسست التجمع الوطني الديمقراطي، الذي ضم الأحزاب السياسية والحركات المسلحة في مواجهة نظام الإنقاذ، انطلاقًا من قناعة بأن العمل السياسي وحده لم يكن كافيًا لإحداث التغيير. فما الذي تغيّر اليوم؟ وإذا كان التحالف بين القوى المدنية والحركات المسلحة قد عُدّ آنذاك خيارًا مشروعًا في مواجهة نظام الإنقاذ، فلماذا يرفضه بعضهم اليوم في مواجهة قوى يعتبرها آخرون امتدادًا لذلك المشروع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان السلام في السودان يمكن أن يتحقق عبر التفاوض وحده، أم أن التفاوض لا يصبح مجديًا إلا عندما يستند إلى ميزان قوى جديد يضمن تنفيذ أي اتفاق وعدم الانقلاب عليه. فالسلام ليس مجرد توقيع على ورق، بل هو نتاج إرادة سياسية، ومؤسسات قادرة على حمايته، وتوازن يمنع أي طرف من احتكار الدولة مرة أخرى. وما لم تتوافر هذه الشروط، فإن الاتفاقات ستظل معرضة للانهيار، وسيبقى السودان يدور في الحلقة نفسها التي أنهكته لعقود.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #44
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-28-2026, 10:57 PM
Parent: #43
هل عوقبت الأرجنتين؟ وهل انتهى عهد إنفانتينو؟
أثارت بطولة كأس العالم الأخيرة موجة واسعة من الجدل، خاصة بعد الانتقادات التي صاحبت بعض المباريات والقرارات التحكيمية. وسرعان ما تحولت هذه الأجواء إلى بيئة خصبة لانتشار الشائعات، حيث امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بمنشورات تزعم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قرر معاقبة المنتخب الأرجنتيني أو حرمانه من المشاركة في البطولات المقبلة، بينما ذهبت روايات أخرى إلى أن رئيس الفيفا، جياني إنفانتينو، سيُمنع من إدارة بطولات كأس العالم مستقبلاً. لكن، وبعيداً عن الضجيج الإعلامي، لا توجد أي قرارات رسمية تؤيد هذه المزاعم. فلم يصدر عن الفيفا أي إعلان بمعاقبة المنتخب الأرجنتيني أو استبعاده من المنافسات الدولية، كما لم تُتخذ أي إجراءات رسمية بحق إنفانتينو تنهي رئاسته أو تمنعه من الإشراف على البطولات المقبلة. صحيح أن إنفانتينو يواجه انتقادات متزايدة من بعض الاتحادات الأوروبية وشخصيات رياضية وإعلامية بسبب أسلوب إدارته للفيفا وبعض سياساته المتعلقة بإدارة وتسويق بطولات كأس العالم، إلا أن الانتقاد السياسي أو الرياضي يختلف تماماً عن صدور قرار رسمي بالعزل أو المنع. وتكشف هذه الواقعة عن حقيقة أصبحت ملازمة للعصر الرقمي؛ فوسائل التواصل الاجتماعي، على الرغم من دورها الكبير في تسهيل الوصول إلى المعلومات وتوسيع دائرة المعرفة، أصبحت في الوقت نفسه ساحة مفتوحة لتداول الأخبار غير الموثقة، حتى باتت الشائعة تنتشر أحياناً بسرعة تفوق انتشار الحقيقة. ولا يقتصر هذا الأمر على الرياضة، بل يمتد إلى السياسة والحروب والأزمات الدولية. فالحرب في السودان، على سبيل المثال، شهدت سيلاً من الأخبار المتضاربة والمعلومات غير الموثقة التي روجت لها حملات إلكترونية وحسابات متعددة، الأمر الذي أسهم في خلق روايات متناقضة حول مجريات الأحداث. وفي مثل هذه البيئات المشحونة، يصبح من السهل صناعة عالم موازٍ من الأخبار والروايات التي قد تبدو مقنعة، رغم افتقارها إلى الأدلة أو المصادر الموثوقة. ولا تتوقف خطورة هذه الظاهرة عند حدود انتشار الأخبار الكاذبة، بل تمتد إلى تأثيرها المحتمل في مستقبل المجتمعات والدول. فالتطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقدرته المتزايدة على إنتاج صور ومقاطع فيديو ونصوص يصعب التمييز بينها وبين المحتوى الحقيقي، يهدد بتوسيع دائرة التضليل على نحو غير مسبوق. وإذا لم تتطور في المقابل أدوات التحقق والوعي الإعلامي، فقد يصبح الرأي العام أكثر عرضة للتأثر بالمعلومات المضللة والخطابات العاطفية. وقد يؤدي ذلك إلى خلق أجواء من الخوف والاستقطاب وفقدان الثقة بالمؤسسات، وهي بيئة قد تهيئ المجال لصعود شخصيات أو تيارات ذات نزعات سلطوية أو فاشية تستثمر في الغضب الشعبي وتقدم حلولاً بسيطة لمشكلات معقدة. والتاريخ يقدم أمثلة عديدة على أن الأزمات المصحوبة بالدعاية المكثفة والتضليل الإعلامي قد تمهد الطريق لمثل هذه التحولات. وهنا يكمن أحد أكبر التحديات التي تواجه الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين. فالديمقراطية تقوم على المؤسسات، وسيادة القانون، والإجراءات الدستورية، وهي بطبيعتها تحتاج إلى الوقت للتحقق، وإتاحة فرص الدفاع، واحترام المشروعية. أما الفضاء الرقمي، فهو يتحرك بسرعة هائلة، ولا يعترف غالباً بهذه الضوابط، إذ تنتشر فيه الشائعة خلال دقائق، بينما قد تستغرق الحقيقة أياماً أو أسابيع حتى تثبت. وهذه الفجوة الزمنية تمنح المعلومات المضللة قدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام قبل أن تتمكن المؤسسات من تصحيحها. إن أخطر ما في العصر الرقمي ليس كثرة المعلومات، وإنما سهولة صناعة الوهم. لذلك، فإن حماية الديمقراطية لم تعد تقتصر على ضمان نزاهة الانتخابات أو استقلال القضاء، بل أصبحت تشمل أيضاً بناء مجتمع يمتلك ثقافة التحقق من المعلومات، ويُدرك أن حرية التعبير لا تكتمل إلا بالمسؤولية، وأن الدفاع عن الحقيقة بات أحد أهم مقومات الدفاع عن الديمقراطية نفسها.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #45
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 07-31-2026, 08:05 PM
Parent: #44
المهمشون... سلاح ذو حدين
من التهميش السياسي إلى التهميش المعرفي
أصبح مفهوم التهميش من أكثر المفاهيم تداولاً في الخطاب السياسي السوداني، لكنه في الوقت نفسه من أكثرها التباساً، لأنه يحمل معنيين مختلفين، ولكل منهما آثار مختلفة على مستقبل الدولة والديمقراطية.
المعنى الأول هو التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويقصد به حرمان مجموعات أو أقاليم بعينها من المشاركة العادلة في السلطة والثروة والخدمات العامة. ووفق هذا المعنى، يرى كثير من الباحثين أن دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ظلت لعقود بعيدة عن مركز صناعة القرار، بينما تركزت السلطة السياسية في نخب محددة. ولذلك فإن المطالبة بإعادة توزيع السلطة والثروة ليست مجرد مطلب أخلاقي، بل شرط أساسي لبناء دولة المواطنة التي تقوم على المساواة والكفاءة وسيادة القانون.
لكن هناك نوعاً آخر من التهميش لا يقل خطورة، وهو التهميش المعرفي. وهذا لا يرتبط بعرق أو قبيلة أو إقليم، وإنما بضعف التعليم، وغياب الثقافة السياسية، وتراجع التفكير النقدي. وهذا النوع من التهميش موجود في كل المجتمعات، حتى في أكثر الديمقراطيات رسوخاً، خاصة الولايات المتحدة التى انتخبت ترمب لدورتين، لأن التهميش يجعل المواطن عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين التحليل العلمي والخطاب الشعبوي.
لقد نبّه فلاسفة مدرسة فرانكفورت إلى هذه الظاهرة منذ منتصف القرن العشرين. فقد رأى ثيودور ادورنو أن المجتمعات الحديثة لم تتحرر تماماً كما وعد عصر التنوير، بل أنتجت أشكالاً جديدة من الهيمنة، لا تعتمد فقط على القمع المباشر، وإنما على تشكيل الوعي نفسه. فالإعلام والثقافة الجماهيرية لا يقدمان المعرفة دائماً، بل قد يصنعان مواطناً يظن أنه يفكر بحرية بينما هو يعيد إنتاج الأفكار التي صاغتها السلطة أو النخب المسيطرة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالتنوير الذي وعد بتحرير الإنسان من الخرافة قد ينقلب إلى نقيضه عندما تتحول العقلانية إلى مجرد أداة للسيطرة. فبدلاً من أن يصبح العقل وسيلة للتحرر، يصبح وسيلة أكثر كفاءة لإنتاج الطاعة. وهذا ما سماه أدورنو وماكس هوركهايمر "ديالكتيك التنوير" بمعنى ان الحداثة التى تدعو الى التحرر قد أتت بنقيض ما دعت اليه وهو الهيمنة.
وفي السودان تتجلى هذه الظاهرة بصورة واضحة. فجزء من الصراع لا يدور حول البرامج السياسية، بل حول الرموز والهويات. فبالنسبة لبعض قطاعات المجتمع في وسط وشمال السودان، لا يمثل وجود رئيس ينتمي إلى بيئتهم مجرد اختيار سياسي، بل يتحول إلى تعبير عن استمرار مكانتهم التاريخية داخل الدولة وهنا لايهم ان يكون البرهان او العطا مرتكبى جرائم حرب . فمن هنا يصبح الدفاع عن السلطة دفاعاً عن الذات، حتى عندما تتراجع كفاءة الحكم أو تتصاعد الانتقادات المتعلقة بإدارة الدولة أو الحرب.
هذه الظاهرة ليست تعبيراً عن شرٍ أخلاقي بقدر ما هي نتيجة لآلية نفسية معروفة، حيث يبحث الإنسان عن الانتماء والاعتراف الاجتماعي. وعندما يشعر بأن مكانته مهددة، فإنه قد يتمسك بالرموز أكثر من تمسكه بالمبادئ.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تقترن هذه الحاجة النفسية بضعف الثقافة السياسية. فالأفراد الذين لا يمتلكون أدوات تحليل الواقع يصبحون أكثر قابلية لتصديق الروايات المبسطة ونظريات المؤامرة. فكل حدث معقد يحتاج إلى تفسير بسيط، وكل أزمة تحتاج إلى عدو واضح، وكل فشل يمكن تحميله لطرف خارجي مثل ادعاءات ان قوات الدعم السريع مجرد عرب شتات جاءوا من تشاد والنيحر لتهديد امن المواطن.
ومن هنا يصبح الإعلام لاعباً أساسياً في تشكيل الوعي. فالإعلام لا يكتفي بنقل الأخبار، بل يصنع الإطار الذي يفهم الناس من خلاله الواقع. وعندما تتكرر الرسالة نفسها مئات المرات، فإنها قد تتحول إلى "حقيقة" في أذهان كثيرين، حتى لو افتقرت إلى الأدلة. وقد استفادت الأنظمة الشمولية تاريخياً من هذه الآلية النفسية، حيث يؤدي التكرار، وإثارة الخوف، وبناء صورة العدو، إلى تعبئة الجماهير وإضعاف قدرتها على التفكير النقدي.
وقد حذر فلاسفة مدرسة فرانكفورت مثل هابرماس من هذا التحول، مبيناً أن الديمقراطية لا يمكن أن تستمر إذا سيطر الإعلام الدعائي على الفضاء العام. فالديمقراطية لا تقوم على مجرد الانتخابات، بل على وجود مواطنين قادرين على النقاش الحر، والوصول إلى آرائهم من خلال الحوار العقلاني لا من خلال الخوف أو التضليل.
ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تهميش الأقاليم، وإنما أيضاً في إنتاج مواطن مهمش معرفياً، يسهل توجيهه وتحريكه بالشعارات. فالمواطن المحروم من التعليم والنقد يصبح، من حيث لا يشعر، أداة في يد من يحتكرون السلطة، حتى وهو يعتقد أنه يدافع عن الوطن. وهذا ما يعرف بالعقلانية الاداتية.
إن بناء السودان الجديد لا يتحقق بمجرد تغيير الحكام، بل بتغيير العلاقة بين المواطن والمعرفة. فالعدالة في توزيع السلطة والثروة ضرورة لا غنى عنها، لكنها لن تكون كافية إذا لم يصاحبها مشروع وطني كبير لإصلاح التعليم، وترسيخ التفكير النقدي، وضمان استقلال الإعلام، وتوسيع الفضاء العام الحر.
فالمجتمع الذي ينجح في إنهاء التهميش السياسي، لكنه يترك التهميش المعرفي دون علاج، قد يجد نفسه يعيد إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة ووجوه جديدة. أما المجتمع الذي يحرر الإنسان من الفقر والجهل معاً، فهو وحده القادر على حماية الديمقراطية من الشعبوية، ومن الدعاية، ومن عودة الاستبداد في ثوب جديد.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #46
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-08-2026, 10:58 AM
Parent: #45
حين يصبح «الطبيعي» نقيضًا للعقلانية
صرّح الملياردير إيلون ماسك، في حوار حديث مع رئيسة تحرير مجلة The Economist، بأنه لا يؤيد اليمين المتطرف، وإنما يؤيد «الناس الطبيعيين»، وأن ما تسميه وسائل الإعلام باليمين المتطرف هو، في نظره، مجرد مواقف طبيعية. بل ذهب إلى الاستشهاد بأفكار مثل تأمين الحدود، وأمن المدن، وترشيد الإنفاق العام، متسائلًا: ما الذي يجعل هذه الأفكار يمينية متطرفة؟ المشكلة هنا ليست في أن يكون الإنسان يمينيًا أو يساريًا، ولا في أن يؤيد تشديد الحدود أو خفض الإنفاق الحكومي. المشكلة الأعمق تكمن في استخدام كلمة «الطبيعي» بوصفها معيارًا للحقيقة السياسية والأخلاقية. فالإنسان قد يكون طبيعيًا من الناحية البيولوجية، لكنه ليس بالضرورة عقلانيًا من الناحية السياسية. وما يبدو «طبيعيًا» أو بديهيًا أو غريزيًا للفرد قد يكون في الحقيقة نتاجًا للتنشئة الاجتماعية، والخوف، والانتماء، والذاكرة الجماعية، والتحيزات المتوارثة. وهنا يمكن استدعاء أحد أهم الأسئلة التي طرحتها الحداثة: هل ينبغي أن تحكمنا المعرفة البديهية والغريزية، أم المعرفة التي تخضع للنقد والعقل والمراجعة؟
من المعرفة البديهية إلى المعرفة العقلانية
لم تكن الحداثة مجرد انتقال من القرية إلى المدينة، أو من الزراعة إلى الصناعة. كانت في جوهرها انتقالًا من مجتمع تقوم علاقاته على القرابة والموروث والتراتبية إلى مجتمع تصبح فيه الفردانية والقانون والمؤسسة والمواطنة والعقد الاجتماعي أساسًا لتنظيم الحياة العامة. في المجتمع التقليدي، يعرف الإنسان الآخر لأنه ابن عمه أو من قبيلته أو عشيرته أو طائفته أو جماعته. أما المجتمع الحديث، فالفرد يعيش وسط أناس لا تربطه بهم بالضرورة أية صلة دم أو نسب. وما يجمع هؤلاء الغرباء ليس القرابة، وإنما مجموعة مشتركة من القوانين والقواعد والمؤسسات. وهنا تكمن إحدى أعظم إنجازات الحداثة: أن يتحول الإنسان من كونه «ابن القبيلة» إلى كونه مواطنًا. المواطن لا يحصل على حقه لأنه قريب من الحاكم، ولا لأنه من عائلته، ولا لأنه من قبيلته، وإنما لأنه مواطن. ومن هنا يمكن فهم خطورة تحويل «الطبيعي» إلى معيار سياسي. فالطبيعي، في المجتمعات السابقة على الحداثة، كان يعني في كثير من الأحيان: ما اعتدنا عليه، وما ورثناه، وما تقبله جماعتنا، وما يحافظ على تماسكها الداخلي. أما العقلانية الحديثة فتسأل سؤالًا مختلفًا: هل هذا عادل؟ هل هو قانوني؟ هل يمكن تعميمه على الجميع؟ وهل يحفظ حقوق الإنسان باعتباره إنسانًا، لا باعتباره عضوًا في جماعة معينة؟ وهذا فرق هائل.
اليمين المتطرف وإعادة الاعتبار للولاءات الأولية
من هذه الزاوية يمكن فهم جانب من صعود اليمين الشعبوي والمتطرف في العالم المعاصر. فهو لا يكتفي بنقد المؤسسات الحديثة، وإنما يعيد الاعتبار إلى هويات وولاءات أولية: الأمة في مواجهة الأجنبي، «الشعب الحقيقي» في مواجهة الآخرين، المواطن الأصلي في مواجهة المهاجر، الجماعة في مواجهة الفرد، والأغلبية في مواجهة الأقليات. ولهذا فإن عبارة ماسك عن «الناس الطبيعيين» تستحق التوقف عندها. فمن هم «الناس الطبيعيون»؟ ومن يملك حق تعريف الطبيعي؟ وهل يصبح المختلف عنهم غير طبيعي؟ هنا يتحول المصطلح من وصف اجتماعي إلى أداة للإقصاء السياسي. فالذي يعرّف نفسه بأنه يمثل «الناس الطبيعيين» يستطيع بسهولة أن يصنف الآخرين بوصفهم غرباء، أو منحرفين، أو أقل انتماءً، أو أقل استحقاقًا للحقوق. وهذه ليست مسألة نظرية فقط؛ فقد أنفق ماسك أكثر من مائتي مليون دولار لدعم عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ثم أصبح أحد أبرز وجوه مشروع DOGE الذي استهدف تقليص الجهاز الحكومي الفيدرالي وأثار مقاومة واسعة بين الموظفين. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل إيلون ماسك «طبيعي» أم لا؟ هذا سؤال ساذج. السؤال هو: أي مفهوم للإنسان الطبيعي يريد أن يفرضه علينا؟
من أمريكا ترامب إلى السودان
وهنا نصل إلى السودان، حيث تصبح المسألة أكثر خطورة. فالمشروع الإسلاموي السوداني لم يكن مجرد مشروع ديني أو سياسي بالمعنى التقليدي، وإنما كان في جانب كبير منه مشروعًا لإعادة تنظيم الدولة على أساس الولاء للجماعة. وعندما تمكن الإسلاميون من الدولة، لم تعد المواطنة هي المعيار الوحيد للصعود الاجتماعي والسياسي، وإنما أصبحت شبكات الولاء: الأسرة، الجماعة، التنظيم، الأصدقاء، والمصالح المشتركة. وهكذا بدأ الوطن يتراجع أمام الجماعة. فالوظيفة لا تُمنح بالضرورة للأكثر كفاءة، وإنما للأكثر ولاءً. والقرب من السلطة يصبح أهم من الكفاءة. والانتماء إلى الجماعة يصبح أكثر أهمية من الانتماء إلى الدولة. وهنا يحدث الانقلاب الحقيقي على الحداثة السياسية: تتحول الدولة من مؤسسة عامة إلى ملكية خاصة للجماعة التي استولت عليها. وبذلك يعود المجتمع إلى ولاءاته الأولية. ليس بالضرورة إلى القبيلة بمعناها الحرفي، وإنما إلى ما يمكن تسميته «القبلية السياسية»: نحن وهم، أهلنا والآخرون، جماعتنا والغرباء. ولهذا لم يكن تمكين الإسلاميين مجرد استيلاء على السلطة؛ بل كان، في أحد أبعاده العميقة، إعادة إنتاج لمنطق ما قبل الدولة الحديثة داخل الدولة نفسها
الدولة التي تحولت إلى غنيمة
عندما تصبح الدولة غنيمة لجماعة سياسية، تنهار فكرة المواطنة تدريجيًا. فالناس لا يعودون ينظرون إلى الدولة باعتبارها ملكًا عامًا، وإنما باعتبارها جهازًا تسيطر عليه جماعة تستطيع توزيع موارده على أعضائها. وهنا يزدهر الفساد. فالفساد ليس مجرد سرقة للمال العام؛ إنه في جوهره انهيار لفكرة المساواة أمام الدولة. وعندما يعتقد المسؤول أن من حقه أن يقدم قريبه أو صديقه أو عضو جماعته على بقية المواطنين، فإنه لا ينتهك فقط قانونًا إداريًا؛ وإنما يهدم أحد الأسس الأخلاقية للدولة الحديثة. وهذا ما جعل تجربة الإسلاميين في السودان كارثية على الدولة والمجتمع معًا.
الحرب ليست مجرد صراع بين بندقيتين
ولهذا يصبح من الصعب فهم الحرب السودانية الحالية باعتبارها مجرد صراع عسكري بين طرفين متساويين في الطبيعة السياسية والتاريخية. لا يعني هذا إعفاء أي طرف من المسؤولية عن الانتهاكات أو الجرائم التي ارتكبت أثناء الحرب. ولا يعني كذلك إنكار أن المدنيين دفعوا الثمن الأكبر. لكن اختزال المسألة كلها في عبارة «الطرفان مسؤولان عن استمرار الحرب رغم ان الكيزان هم من اشعلوها ورفضوا الجلوس للتفاوض من اجل ايقافها فى كل المنابر الدولية والاقليمية » قد يخفي السؤال الأهم: ما المشروع السياسي الذي تحاول هذه الحرب أن تحسمه؟ إذا كانت إحدى القوى السياسية تريد العودة إلى الدولة التي كانت قائمة قبل الحرب، حيث تستطيع جماعة سياسية بعينها استعادة نفوذها داخل مؤسسات الدولة، فإن التعامل مع الأمر وكأنه مجرد خلاف على السلطة بين جنرالين لا يكفي لتفسير الواقع. والأكثر إثارة للقلق هو أن بعض القيادات المدنية تتعامل أحيانًا مع احتمال تخلي الإسلاميين عن السلطة وكأنه أمر يمكن أن يحدث بمجرد الوصول إلى تسوية سياسية. لكن التاريخ لا يسمح بهذه السهولة. الجماعات العقائدية التي بنت شبكاتها داخل الدولة والمجتمع والاقتصاد والأمن لا تختفي بمجرد توقيع اتفاق سياسي.
هل يمكن إنهاء الحرب بالأمنيات؟
ربما كان من أكثر الأخطاء السياسية شيوعًا أن نخلط بين الرغبة في السلام وبين شروط تحقيق السلام. نحن جميعًا نريد نهاية الحرب. لكن الرغبة في السلام لا تعني أن السلام يمكن أن يتحقق بمجرد دعوة الأطراف إلى التعقل. فالحرب لا تتوقف لأننا نطلب منها أن تتوقف. والجماعات السياسية لا تتخلى عن مشاريعها التاريخية لمجرد أن الآخرين يتمنون منها ذلك. ولهذا فإن أي مشروع جاد لإنهاء الحرب السودانية يحتاج أولًا إلى فهم طبيعة الصراع، ومصادر القوة التي أبقت عليه، وطبيعة الدولة التي نريد بناءها بعد الحرب.
المعركة الحقيقية
المعركة في السودان، في أعمق مستوياتها، ليست فقط بين بندقيتين. إنها معركة بين نموذجين للدولة: دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، ودولة الجماعة والولاء والغنيمة. ولهذا فإن وصف الصراع بأنه «حرب وجودية» يحتاج إلى قدر من الدقة حتى لا يتحول إلى دعوة لحرب مفتوحة بلا نهاية. الوجود الذي ينبغي الدفاع عنه ليس وجود جماعة في مواجهة جماعة، وإنما وجود الدولة المدنية الديمقراطية نفسها، ووجود مبدأ المواطنة المتساوية. فالرد على الإسلام السياسي لا ينبغي أن يكون بإنتاج إسلام سياسي مضاد، ولا بقبلية مضادة، ولا بعنصرية مضادة، وإنما ببناء دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى قبيلة تحميه، أو تنظيم يسنده، أو قريب في السلطة لكي يحصل على حقه. وهنا بالضبط تتحدد المعركة الحقيقية. إنها ليست معركة بين «الطبيعي» و«غير الطبيعي». إنها معركة بين الغريزة السياسية التي تقول: هؤلاء أهلنا وهؤلاء غرباء، وبين العقل السياسي الحديث الذي يقول: هؤلاء جميعًا مواطنون متساوون أمام القانون. ومن دون حسم هذا السؤال، قد تنتهي حرب وتبدأ أخرى. وقد تتغير الوجوه في السلطة، بينما تبقى الدولة نفسها أسيرة للمنطق القديم. ولذلك فإن السلام الذي يحتاجه السودان ليس مجرد إسكات البنادق. إنه سلام يؤسس لدولة لا تكون فيها السلطة غنيمة، والمواطنة ليست امتيازًا، والقانون لا يعرف قريبًا ولا غريبًا. وهذا هو الاختبار الحقيقي للانتقال من السودان القديم إلى السودان الذي يستحقه السودانيون.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #47
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-09-2026, 07:21 PM
Parent: #46
الذكرى الحادية والعشرون لوفاة الخاتم عدلان اخر تحديث: 25 أبريل, 2026 12:00 صباحًا
فى إحدى المقابلات الصحفية قال الخاتم عدلان ” دخلت الحزب الشيوعى ونلت العضوية فى اكتوبر ١٩٦٤ بعد فترة ترشيح ٣ شهور. كان احمد العبيد ممن اعانونى فكريا وكان يتميز بهدوء غير عادى، حديثه بطيئ وكان ثابتا وواثقا من نفسه. انا كنت عكسه حينما أتحدث عن الشيوعية، حيث يكون هناك مجال للشكوك، او راى آخر ، او ايحاء بان هذا غير مكتمل. احمد كان يلقى هذه المحاضرات بصورة إيمانية مطلقة، وكان من الطبيعي ان ينتقل من هذا الايمان الى ايمان آخر وهو التصوف حينما أصبح متصوفا فيما بعد. المجال الشيوعى الايمانى يمكن ان يتوافق ويجد نفسه فى مجال صوفي ولا أعتقد ان ذلك يعد انقلابا فى حياة شخص ما.” انتهى الاقتباس
كتب المرحوم الخاتم وثيقة إصلاحية بعد ان افتتحت قيادة الحزب الشيوعى ما عرف ب ” المناقشة العامة” بعد سقوط الاتحاد السوفيتى . جاءت الوثيقة الإصلاحية تحت إسم ” آن أوان التغيير” ولم تطبعها سكرتارية الحزب لمدة عام مما دفع الخاتم إلى طباعتها وتوزيع عشرون نسخة منها الامر الذى اضطرت معه قيادة الحزب الشيوعى إلى طباعة وتوزيع عدد محدود منها!. وقد جاء فى تلك الوثيقة الإقتباس التالى “من هنا يصعب الحديث عن الطبقة العاملة السودانية الا اذا تعاطينا مع التلفيق ، وحددنا بصورة مسبقة وتحكمية ، ان الماركسية اللينينية هى تلك الايديولوجية وعلى الطبقة العاملة ان تتبناها رغم انفها وفى هذه الحالة لا يكون هناك فرق بين ان تتبنى هذه الايديولوجية او ان ترفضها ، لاننا لم نضع اعتبارا لهذا القبول او الرفض، فى وصف الماركسية بانها ايديولوجية الطبقة العاملة. ونحن قد فعلنا ذلك وما زلنا نفعله . ولكن الوصاية المبثوثة فى هذا القول لم تعد محتملة اليوم . فالوعى الديمقراطى قد تنامى بصورة تجعل من مثل هذا الادّعاءات فادحة الثمن على المروجين لها. ان ازمة المشروع الماركسى تتمثل فى هذه النقطة بالذات ، وقد راهن هذا المشروع على حصان بدا جامحا ولكنه اصيب بالوهن فى منتصف الطريق . ولعله سيكون من المفيد ان نتذكر ان تعلق ماركس بالبروليتاريا كان فى اساسه تعلقا رومانسيا لفتى لم يتعدى العشرين الا قليلا عندما كان يبحث عن العدالة المطلقة ، فاستعار دون ان يعى مفهوم المسيح المخلص ، واصبغه على طبقة اثارت شفقته ، واستفز شقاؤها حسه العميق بالعدالة . وقد ظل ماركس فى نضجه وشيخوخته امين امانة مدهشة ، لمشروع كان قد صاغه فى صباه . ان من يقرأ نصوصه حول العمال الفرنسيين ، والعمال المهاجرين الالمان – الذين يشع النبل من اجسادهم – سيدرك بسهولة ما نرمى اليه . ان المطلع على اعمال ماركس لن يجد فى ترشيحه للبروليتاريا لقيادة التاريخ الانسانى سوى اسباب واهية .” انتهى الاقتباس
فى الاقتباس الأول يمكن ملاحظة ان الخاتم كان يمجد قيم “الشك” فى مجتمع وثقافة تمجد ” اليقين” مع ان العلم يقوم على التجربة والشك. ولذلك فهو لم يكن يرى ان تحول بعض الشيوعيين إلى متصوفة امر غير طبيعي بل هو شئ فى غاية الاتساق لأنه يأتي فى إطار ” الإيمان” والكثير من الشيوعيين يؤمنون بالماركسية اللينينية ايمانا لا ياتيه الباطل من بين يديه. أما فى الإقتباس الثانى والذى يرى فيه ان كارل ماركس فى ترشيحه للطبقة العاملة فى إطار بحثه عن العدالة المطلقة كان قد إستعار دون ان يعى مفهوم المسيح المخلص وأسبغه على طبقة اثارت شفقته وأستفز شقاؤها حسه العميق بالعدالة. هذا الاقتباس جعلنى أتوقف كثيرا لأن ماركس كان من ضمن الهيجليين الشباب ثم صار من أنصار لودفيغ فيورباخ وذلك فى بدايات حياته وفى ذلك دلالات عديدة. يتفق علماء الفلسفة والاجتماع اليوم حول صحة موقف الفيلسوف الالمانى العظيم ايمانويل كانط الذى قرر بعدم قدرة الانسان على معرفة كل شئ خارج نطاق الحواس الخمس ولذلك فان المعرفة عنده تقوم على دراسة الظاهر ويبقى الجوهر عصيا على المعرفة الكلية. ومن ضمن ذلك معرفة الله. وقد كان كانط امينا فى ذلك رغم انه لم يكن ملحدا. لكن جاء هيجيل ليفترض امكانية معرفة الشئ فى ذاته او جوهره ومن ضمن ذلك طبعا معرفة الله مستعينا بالجدل الميتافيزيقى الارسطي لأثبات وجود الله وفق ديالكتيك الحضور والغياب بمعنى ان الخلق يدل على الخالق ، سعيا لأثبات وجود الله . تعميم الجدل او الديالكتيك واخراجه عن السياق الارسطى قد أصاب المعرفة فى مقتل. وقد استلف ماركس الدياكتيك من هيجيل كأداة للمعرفة مع تعديلها لتتوافق قوانين الجدل مع تصوراته المادية للعالم . المادية الجدلية من بنات افكار لينين وليس ماركس الذى كان فقط يتحدث عن ” المفهوم المادي للتاريخ”. ولذلك يكون الخاتم قد اصاب الحقيقة فى مقتل حينما ذكر ضمنا ان ترشيح الطبقة العاملة لقيادة التاريخ ادعاء لا يسنده التاريخ الذى سار فى وجهة اخرى عن تلك التى حددتها الاحزاب الشيوعية. نقد فيورباخ للدين يقوم على افتراض وجود اله متعالى خارج الانسان. حيث كان يرى ان فكرة الله هى من صنع الانسان حتى يسبغ عليه الانسان ضعفه ليستقوى به. وهذا هو التصور السائد فى الديانات الابراهيميه الثلاثة وهو أمر مفهوم لانه يعطى شرعية الوساطة والسيطرة للكنيسة ورجال الدين ومن خلفهم الدولة والسلطات السياسبة سواء أكانت روما ام الدولة العباسية. الواقع ان الإسلام الصوفى لا يترك مجالا لتلك الوساطة لان الله أقرب للانسان من حبل الوريد وحيث ” ما فى الجبة إلا الله”. وكذلك نجد ان برديات نجع حمادى التى كتبت فى القرن الثانى الميلادى وتم إكتشافها فى العام ١٩٤٧ توضح وجود تصوف مسيحى اذ كان المسيح يخاطب حوارييه بقوله ان مملكة الله ليست فى السماء بل داخلكم أنتم. ولكن جاءت روما فيما بعد فى القرن الرابع الميلادى وتبنت المسيحية التى نراها اليوم وابعدت تماما التعددية فى فهم المسيحية أبان نشأتها الاولى. جدير بالذكر ان مشروع الخاتم عدلان السياسى بعد خروجه من الحزب الشيوعى كان فى شراكة مع بعض الجمهوريين الملتزمين من أمثال المرحوم بشير بكار والمرحوم الباقر العفيف لان التصوف الاسلامى لا يتعارض مع حقوق المواطنة والدولة الحديثة . وقد كانت تلك شراكة استراتيجية بالنسبة للمرحوم الخاتم. كما ظل الخاتم على قناعة بضرورة إقتلاع الكيزان اقتلاعا بقوة السلاح منذ مجئ انقلاب الانقاذ ،وقد طرح رؤية ” تكتيكات فعالة لمواجهة الانقاذ” وافقت عليها سكرتارية الحزب الشيوعى فى البداية حسب قوله ولكنها إنقلبت عليها ١٨٠ درجة بعد ذلك بتوصية من محمد إبراهيم نقد عليه رحمة الله. مهما اتفقنا او اختلفنا حول سيرة الرجل او مواقفه، لايمكن إنكار حقيقة ان الخاتم عدلان كان زرقاء يمامة.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #48
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-10-2026, 01:55 PM
Parent: #47
فض اعتصام القيادة العامة... بين الحقيقة الغائبة وتوظيف السياسة
منذ فجر الثالث من يونيو 2019، حين اقتحمت قوات مسلحة ساحة اعتصام القيادة العامة في الخرطوم، ظل سؤال واحد يرفض أن يموت: من أعطى الأمر بفض الاعتصام؟ لم يكن السؤال يومها متعلقاً فقط بمعرفة من أطلق النار أو من اقتحم الخيام، وإنما كان سؤالاً عن سلسلة القيادة والمسؤولية السياسية والعسكرية والجنائية عن واحدة من أكثر الأحداث دموية في تاريخ الثورة السودانية. فقد كان المعتصمون في قلب الخرطوم يطالبون بالحكم المدني، بعد أن أسقط الشعب نظام عمر البشير، وكان فض الاعتصام بمثابة نقطة تحول كبرى أجهضت جزءاً مهماً من الآمال التي علقتها الجماهير على الثورة. ومنذ ذلك اليوم، تعددت الروايات، وتضاربت الاتهامات، وتداخلت المسؤوليات، لكن الحقيقة الكاملة لم تصل إلى الشعب السوداني.
لجنة فتح الرحمن سعيد: قوات متعددة شاركت في الفض
في يوليو 2019 أعلنت لجنة التحقيق برئاسة المستشار فتح الرحمن سعيد أن قوات مشتركة من الأجهزة النظامية شاركت في عملية فض الاعتصام، وأن أفراداً وضباطاً من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والشرطة والأمن كانوا ضمن القوة التي اقتحمت منطقة الاعتصام. وهذه النتيجة، إذا أخذناها باعتبارها ما أعلنته لجنة التحقيق الرسمية في ذلك الوقت، تكشف منذ البداية أن عملية الفض لم تكن بالبساطة التي حاول البعض تصويرها لاحقاً. لم تكن القضية، وفق هذه الرواية، قضية قوة واحدة دخلت إلى ساحة الاعتصام منفردة، وإنما كانت هناك عناصر من أجهزة عسكرية وأمنية متعددة. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: إذا شاركت قوات متعددة، فمن نسق بينها؟ ومن أصدر الأمر؟ ومن كانت لديه سلطة إصدار الأمر؟ فمعرفة المنفذين لا تعني بالضرورة معرفة صاحب القرار.
لجنة نبيل أديب: ثلاثة آلاف شاهد ومئات التسجيلات
في أكتوبر 2019 تشكلت لجنة التحقيق برئاسة نبيل أديب، وكانت مهمتها تحديد المسؤولين عن التحريض أو المشاركة أو الاتفاق الجنائي أو ارتكاب الانتهاكات. وبين عامي 2020 و2021 أعلنت اللجنة أنها استمعت إلى نحو ثلاثة آلاف شاهد، وجمعت نحو ثلاثمائة تسجيل فيديو، كما استمعت إلى عدد من كبار المسؤولين، بينهم عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو. كان من المفترض، إذن، أن تكون هذه اللجنة قد امتلكت مادة ضخمة تسمح بإعادة بناء الأحداث وتحديد المسؤوليات. ولكن السنوات مرت، ولم يحصل الشعب السوداني على التقرير النهائي الذي ينتظره. وهنا لا بد أن نسأل: ما الذي حدث؟ هل عجزت اللجنة عن الوصول إلى الحقيقة؟ أم وصلت إلى نتائج لكنها لم تستطع إعلانها؟ أم أن الظروف السياسية والأمنية حالت دون إكمال مهمتها؟ أم أن مراكز القوى التي كانت اللجنة تحقق معها استطاعت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تعطيل الوصول إلى النتيجة النهائية؟ لا نستطيع أن نجزم بالإجابة من دون وثائق اللجنة نفسها. لكن المؤكد أن غياب التقرير النهائي ترك فراغاً هائلاً ملأته الروايات السياسية المتعارضة.
حين يصبح الاتهام السياسي بديلاً عن القضاء
ومن هنا تأتي أهمية التصريح الأخير لأحد قيادات «صمود»، الذي اتهم قوات الدعم السريع بالتورط في فض الاعتصام. ليس من حق أحد أن يمنع السياسيين من التعبير عن آرائهم، كما أن تورط عناصر من الدعم السريع ليس ادعاءً بلا أساس؛ فالتقرير الأول الذي أعلنته لجنة فتح الرحمن تحدث أصلاً عن مشاركة أفراد من الدعم السريع إلى جانب عناصر من القوات المسلحة والشرطة والأمن. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين القول إن أفراداً من الدعم السريع شاركوا في العملية، وبين إصدار حكم سياسي يحدد المسؤولية الجنائية النهائية عن الجريمة. فالذي يفصل في المسؤولية الجنائية هو التحقيق المستقل والقضاء، وليس التصريحات السياسية. وهنا يصبح موقف «صمود» موضع سؤال مشروع. فإذا كانت «صمود» تريد أن تقول إن الدعم السريع مسؤول عن جرائم محددة، فعليها أن تقدم الأدلة التي تستند إليها. وإذا كانت تريد أن تقول إن الجيش والدعم السريع ارتكبا جرائم، فعليها أيضاً أن تقدم الأدلة على كل واقعة، لا أن تجعل إدانة الطرفين موقفاً سياسياً بديلاً عن التحقيق. فالعدالة لا تقوم على معادلة: الطرفان مذنبان، وبالتالي لا حاجة لمعرفة من فعل ماذا. العدالة تقول شيئاً مختلفاً تماماً: من أصدر الأمر؟ من نفذه؟ من شارك؟ من قتل؟ من تستر؟ ومن كانت لديه القدرة على منع الجريمة ولم يفعل؟ إن إدانة الطرفين بلا أدلة منشورة قد تبدو في ظاهرها حياداً، لكنها قد تتحول عملياً إلى حياد سلبي يساوي بين الوقائع المختلفة قبل إثباتها. والأخطر أن يصبح هذا الحياد وسيلة لتبرير موقف سياسي اتخذته «صمود» تجاه الحرب الحالية، ثم يجري إسقاطه بأثر رجعي على أحداث 2019. لا ينبغي أن نعيد كتابة تاريخ فض الاعتصام وفق اصطفافات حرب 2023.
قضية الصادق سيد وعثمان عوض الله ( ود القبائل)
وتزداد الحاجة إلى فتح ملف فض الاعتصام عندما نتوقف عند قضية اللواء الصادق سيد والعميد عثمان عوض الله. فبحسب تقارير صحفية، احتجزت قوات الدعم السريع الضابطين لنحو أربع سنوات على خلفية قضية فض اعتصام القيادة العامة، ثم حررتهما قوة من الجيش في 16 أبريل 2023، بعد يوم واحد من اندلاع الحرب. وتشير التقارير إلى أن الضابطين كانا منتدبين للعمل مع قوات الدعم السريع، وأن احتجازهما ارتبط بقضية فض الاعتصام. وهذه القضية تفتح باباً مهماً جداً للتحقيق. إذا كان الضابطان يمتلكان معلومات عن طبيعة الأوامر التي صدرت في الثالث من يونيو، وعن القوات التي تحركت ومن أعطى التعليمات، فإن شهادتهما لا ينبغي أن تظل خارج النقاش العام. والسؤال الأهم: هل استمعت لجنة أديب إليهما؟ وماذا قالا؟ وإذا كانت لديهما معلومات تتعلق بسلسلة القيادة، فلماذا لم تصبح هذه المعلومات جزءاً من تقرير معلن للشعب السوداني؟ لكن يجب هنا أيضاً الحذر من تحويل هذه الأسئلة إلى اتهامات جاهزة. احتجاز الضابطين من جانب الدعم السريع واقعة يمكن توثيقها، أما سبب الاحتجاز الدقيق وما إذا كان مرتبطاً بموقفهما من أوامر فض الاعتصام فيحتاج إلى وثائق ومحاضر تحقيق، لا إلى الاستنتاج.
أحمد ربيع... من رمز للثورة إلى قضية السلاح
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات إثارة للأسئلة حول أداء القوى المدنية بعد الثورة: أحمد ربيع. في أغسطس 2019 وقع أحمد ربيع عن قوى الحرية والتغيير على الوثيقة الدستورية في مواجهة محمد حمدان دقلو ممثلاً للمجلس العسكري. وأصبح بذلك أحد أبرز الوجوه المدنية التي ارتبط اسمها بانتقال السودان من الثورة إلى المرحلة الانتقالية. كان المشهد يومها يحمل رمزية ضخمة. رجل يمثل قوى الثورة ويوقع باسمها على الوثيقة التي يفترض أن تنقل السودان من الحكم العسكري إلى الحكم المدني. لكن ما حدث لاحقاً يطرح أسئلة صعبة على قوى الحرية والتغيير نفسها. ففي أبريل 2025 أعلنت السلطات الإماراتية، في بيان نقلته وسائل إعلام إماراتية، إحباط محاولة غير مشروعة لتمرير عتاد عسكري إلى الجيش السوداني، وقالت إن التحقيقات ربطت صفقات عسكرية بلجنة التسليح في القوات المسلحة السودانية، وذكرت اسم أحمد ربيع أحمد السيد بوصفه الشخص الذي توسط في إتمام الصفقات، كما وصفته بأنه سياسي مقرب من عبد الفتاح البرهان وياسر العطا. وتحدثت السلطات الإماراتية كذلك عن صفقات شملت أسلحة وذخائر ومدافع رشاشة وقنابل، وعن مبالغ مالية كبيرة وفروق أسعار قالت التحقيقات إنها تقاضاها أعضاء الخلية. لكن الإنصاف يقتضي التمييز بين التحقيق والاتهام من جهة، والحكم القضائي النهائي من جهة أخرى. فلا يجوز أن نقول إن أحمد ربيع «أُدين» أو إنه ثبت قضائياً أنه سمسار سلاح ما لم يصدر حكم نهائي بذلك. لكن حتى مجرد ورود اسمه في قضية بهذا الحجم يطرح سؤالاً سياسياً لا يمكن تجاهله: كيف تحول رجل اختارته قوى الحرية والتغيير ليوقع باسم الثورة على الوثيقة الدستورية إلى شخصية تصفها التحقيقات الإماراتية بأنها توسطت في صفقات عتاد عسكري للجيش؟ هنا لا يعود السؤال متعلقاً بأحمد ربيع وحده. بل يتعلق بقدرة القوى المدنية على اختيار ممثليها وفحص خلفياتهم وعلاقاتهم ومواقفهم. هل كان أحمد ربيع «غواصة»؟ ظهرت لاحقاً روايات تقول إن أحمد ربيع كان منذ البداية «غواصة» للإسلاميين داخل قوى الثورة. هذه رواية خطيرة، ولا ينبغي تحويلها إلى حقيقة تاريخية بمجرد تداولها. فإذا كانت هناك أدلة تثبت أنه كان يعمل سراً لمصلحة النظام السابق أو الإسلاميين، فيجب تقديمها. لكن حتى إذا لم نثبت هذه التهمة، فإن قصة أحمد ربيع تظل كاشفة عن مشكلة أكبر: لماذا كانت قوى الحرية والتغيير بهذه الدرجة من الغفلة السياسية في اختيار شخصياتها؟ كيف أصبح شخص لم يكن معروفاً على نطاق واسع لدى قطاعات كبيرة من الشارع أحد الوجوه التي تمثل الثورة في أهم لحظة سياسية في تاريخ السودان الحديث؟ لقد كان ذلك انعكاساً لمشكلة أعمق: الثورة السودانية كانت أقوى بكثير من التنظيمات السياسية التي حاولت تمثيلها. امتلك الشارع الطاقة والقدرة على إسقاط نظام استمر ثلاثين عاماً، لكنه لم يمتلك بالقدر نفسه المؤسسات السياسية القادرة على حماية انتصاره. وهذه واحدة من أكبر مآسي الثورة.
بين فض الاعتصام والحرب
بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023 أصبح من السهل جداً أن يعيد كل طرف قراءة تاريخ 2019 وفق موقعه في الحرب. أنصار الجيش يقولون إن الدعم السريع كان طرفاً أساسياً في فض الاعتصام. وأنصار الدعم السريع يشيرون إلى مشاركة قوات من الجيش والشرطة والأمن. وقوى سياسية تحاول أن تقف في المنتصف فتدين الطرفين معاً. لكن الحقيقة لا يمكن أن تُبنى بهذه الطريقة. قد يكون الجيش مسؤولاً عن شيء، والدعم السريع عن شيء آخر، والشرطة عن واقعة ثالثة، وقد تكون هناك مسؤولية سياسية عليا لا تتطابق مع مسؤولية من نفذوا الأوامر في الميدان. المسؤولية ليست كتلة واحدة. ولهذا فإن محاولة اختزال فض الاعتصام في إدانة مؤسسة واحدة قد تكون ظلماً للحقيقة، كما أن محاولة تبرئة مؤسسة كاملة باسم حماية الجيش أو حماية الدعم السريع هي أيضاً ظلم للحقيقة. لماذا تأخر تقرير أديب؟ هنا نصل إلى جوهر القضية. لقد أعلنت لجنة أديب أنها استمعت إلى آلاف الشهود وجمعت مئات التسجيلات وحققت مع مسؤولين كباراً. ومع ذلك لا يزال التقرير النهائي غائباً عن الشعب. وهذا الغياب هو الذي سمح لكل طرف بأن يصنع روايته الخاصة. لو صدر التقرير في الوقت المناسب، مع نشر الأدلة التي يمكن نشرها، لكان من الممكن أن يقول للشعب: هذا ما ثبت. وهذا ما لم يثبت. وهؤلاء هم المسؤولون. وهذه هي الأدلة. أما الآن، فقد أصبح كل تصريح سياسي قادراً على إعادة فتح الجرح، وكل طرف قادراً على استخدام دماء الضحايا لتدعيم موقفه في الحرب الحالية. وهذا ظلم آخر للضحايا.
الحقيقة أولاً... ثم السياسة
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى رواية جديدة عن فض الاعتصام. يحتاج إلى الحقيقة. إذا أثبت التحقيق أن أفراداً من الدعم السريع شاركوا في قتل المعتصمين، فيجب أن يحاسبوا. وإذا أثبت أن أفراداً من القوات المسلحة أو الشرطة أو الأمن شاركوا، فيجب أن يحاسبوا. وإذا ثبت أن ضباطاً أو قادة سياسيين أصدروا الأوامر، فيجب أن تمتد إليهم المسؤولية. وإذا لم تثبت بعض الاتهامات، فيجب أن يقال ذلك صراحة. هذه هي العدالة. أما أن نقرر مسبقاً أن طرفاً واحداً مسؤول، أو أن الطرفين مسؤولان بالتساوي، ثم نبحث عن الأدلة التي تؤيد موقفنا، فهذه ليست عدالة؛ إنها سياسة. والأمر نفسه ينطبق على القوى المدنية. لا يجوز لـ«صمود» أن تجعل من إدانة الطرفين بديلاً عن التحقيق، كما لا يجوز لقوى الحرية والتغيير أن تهرب من مسؤوليتها عن أخطاء المرحلة الانتقالية، وعن الطريقة التي اختارت بها ممثليها، وعن ضعف قدرتها على حماية مؤسسات الثورة من الاختراق السياسي. فقضية أحمد ربيع، بصرف النظر عما ستنتهي إليه القضية الإماراتية قضائياً، تكشف سؤالاً مؤلماً عن معايير الاختيار والرقابة داخل القوى المدنية. وقضية الصادق سيد وعثمان عوض الله تكشف أسئلة لم تُجب عنها الدولة بصورة مقنعة. وتأخر تقرير أديب يكشف فشلاً مستمراً في تحقيق العدالة. أما التصريحات السياسية الجديدة التي تعيد توزيع الاتهامات، فإنها لا يمكن أن تحل محل القضاء.
السودان لا يستطيع أن يبني المستقبل فوق قبر الحقيقة
لقد مرت أكثر من سبع سنوات على فض اعتصام القيادة العامة. كبر أطفال الشهداء. تغيرت الحكومات. سقطت تحالفات سياسية. اندلعت حرب مدمرة. وتغيرت موازين القوى. لكن الحقيقة ما زالت معلقة. وقد يكون أخطر ما حدث أن السودانيين بدأوا يتعاملون مع القضية باعتبارها جزءاً من الصراع السياسي، بدلاً من أن تكون قضية عدالة وطنية. وهذا هو ما يجب أن يتغير. لا نريد إدانة الدعم السريع لأننا نختلف معه اليوم. ولا نريد تبرئته لأننا نختلف مع الجيش. ولا نريد إدانة الجيش لأننا نختلف مع قيادته. ولا نريد تبرئة أي طرف لأن ذلك يخدم مصالحنا السياسية. نريد أن نعرف من فعل ماذا. نريد الوثائق. نريد محاضر التحقيق. نريد تقرير لجنة أديب. نريد معرفة ما قاله الشهود. نريد معرفة ما حدث للضباط الذين احتُجزوا بسبب القضية. ونريد أن نعرف لماذا استطاعت لجنة أن تستمع إلى آلاف الشهود وتجمع مئات التسجيلات، ثم تعجز حتى الآن عن تقديم الحقيقة للشعب. فالعدالة لا تعني أن ننتصر لرواية سياسية. العدالة تعني أن ننتصر للحقيقة. والسؤال الذي يجب أن يظل مفتوحاً، إلى أن تجيب عنه الأدلة والقضاء، هو: من أعطى الأمر بفض اعتصام القيادة العامة؟ وإذا لم نستطع الإجابة عن هذا السؤال بعد سبع سنوات، فكيف يمكن أن نطلب من السودانيين أن يثقوا بأن الجرائم التي ارتكبت بعد ذلك ستجد طريقها يوماً إلى العدالة؟
طلعت محمد الطيب
|
Post: #49
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: Ahmed Eltigani Sidahmed
Date: 08-10-2026, 03:27 PM
Parent: #48
ُ قراءت لاول مرة للدكتور طلعت الطيب، وسرّني ما قرأت، بالرغم من الكثافة والتشظّي اللذين يدفعان القارئ إلى الإرهاق وفقدان التركيز. اندفعتُ خائضًا، لا سابحًا، في عدة أحواض، ولا أقول مستنقعات.
رجاءً، أن تعود إلى ما بدأتَ به، وتركّز على تحليل سبب فشل الأسلحة والحرابة، وتوضّح للقارئ معجزة التأسيس وجيش التأسيس — ويقيني أنك عارف — وتحفّز قراءك إلى ما ينتظر السودان بعد بناء معجزة دولة التأسيس.
تريد الشعوب السودانية إحاطةً تامةً بإمكانية رأب صدع هذا البلد الذي أرهقه الانتظار، بعد أن وفّق الله شعبه في اختيار القيادة المناسبة.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد عضو قيادي مؤسس في سلطة التأسيس ٩/٨/٢٠٢٦ — روما، إيطاليا
ُ قرات لأول مرة للدكتور طلعت الطيب، وسرّني ما قرأت، بالرغم من الكثافة والتشظّي اللذين يدفعان القارئ إلى الإرهاق وفقدان التركيز. اندفعتُ خائضًا، لا سابحًا، في عدة أحواض، ولا أقول مستنقعات.
رجاءً، أن تعود إلى ما بدأتَ به، وتركّز على تحليل سبب فشل الأسلحة والحرابة، وتوضّح للقارئ معجزة التأسيس وجيش التأسيس — ويقيني أنك عارف — وتحفّز قراءك إلى ما ينتظر السودان بعد بناء معجزة دولة التأسيس.
تريد الشعوب السودانية إحاطةً تامةً بإمكانية رأب صدع هذا البلد الذي أرهقه الانتظار، بعد أن وفّق الله شعبه في اختيار القيادة المناسبة.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد عضو قيادي مؤسس لسلطة التأسيس ٩/٨/٢٠٢٦ — روما، إيطاليا د احمد التيجاني سيد احمد عضو قيادي موسس لسلطة التأسيس ٩/٨/٢٠٢٦ روما ايطاليا
|
Post: #50
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-11-2026, 01:41 PM
Parent: #49
تحياتى د. احمد سعدت بتواجدك وتعليقك المحفز. نحن جيل الستينات ودخلنا العقد السادس وانتصفنا عنده . من حق الاجيال اللاحقة قراءة افكارنا وتصوراتنا بغض النظر عن الاتفاق معها وذلك بحكم معايشتنا لاحداث مهمة فى تاريخ السودان الحديث. كذلك فإن السودان يمر بمنعطف وجودى خطير يتطلب شحذ الافكار والهمم. اهم شئ ان نلتزم بتلخص تصوراتنا بصدق وأصالة. وكان الله فى عون السودان وأهله.
|
Post: #51
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-14-2026, 08:37 PM
Parent: #50
أكاذيب الحرب السودانية.. وكيف انطلت على عدد كبير من الناس؟
من أكثر الأسئلة إلحاحًا في الحرب السودانية ليس فقط: من ارتكب الانتهاكات؟ وإنما سؤال آخر أكثر عمقًا: كيف استطاعت روايات الحرب وأكاذيبها أن تجد آذانًا صاغية لدى أعداد كبيرة من السودانيين؟
هذه ليست مسألة إعلام فقط، وإنما مسألة سياسية ونفسية واجتماعية.
من أشعل الحرب؟
لا يمكن فهم حرب 15 أبريل 2023 بمعزل عن الصراع الذي سبقها، ولا عن مصالح القوى التي كانت ترى في الانتقال المدني تهديدًا لنفوذها.
فالإسلاميون، الذين حكموا السودان ثلاثة عقود بعد انقلابهم على الديمقراطية الثالثة، لم يفقدوا نفوذهم بسقوط نظامهم. فقد بقيت لهم شبكات داخل الدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصاد.
ومع اقتراب الانتقال المدني، أصبح واضحًا أن نجاحه سيهدد مصالح هذه الشبكات ويفتح ملفات الفساد والانتهاكات. لذلك فإن مسؤولية الإسلاميين وفلول النظام السابق عن الدفع نحو الحرب وإفشال الانتقال لا ينبغي أن تُدفن تحت ركام الروايات المتضاربة.
ومن الأحداث التي ينبغي التوقف عندها الهجوم الذي وقع على قوات الدعم السريع في محيط المدينة الرياضية وسوبا في بداية المواجهات، والذي أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من أفرادها. ومنذ الساعات الأولى تبادل الطرفان الاتهامات بشأن من بدأ إطلاق النار.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: من أطلق الرصاصة الأولى؟
بل: من كانت له مصلحة في إسقاط الانتقال المدني وتحويل الصراع إلى حرب شاملة؟ ومن استفاد من استمرارها؟
وهنا تبرز مسؤولية الإسلاميين وفلول النظام السابق باعتبارها مسؤولية سياسية وتاريخية لا يجوز تجاهلها.
أكذوبة «الجيش الوطني»
من أكثر الروايات تأثيرًا القول إن الجيش، لمجرد أنه الجيش، مؤسسة وطنية يجب دعمها مهما فعلت.
لكن الوطنية ليست صفة تلقائية للمؤسسة العسكرية.
الجيش يكون وطنيًا عندما يحمي الدستور والحدود، ويخضع للسلطة المدنية، ولا ينقلب على الحكومات المنتخبة، ولا يتحول إلى قوة سياسية واقتصادية فوق الدولة.
والتاريخ السوداني يقول إن الجيش شارك في انقلابات متكررة أطاحت بأنظمة مدنية، كما أن الدولة سمحت بتكوين قوى مسلحة موازية، حتى أصبح السودان بلدًا متعدد الجيوش ومراكز القوة.
لذلك فإن المطلوب ليس تقديس الجيش، وإنما إعادة تأسيسه.
نحتاج إلى جيش مهني وقومي يعبر عن تعدد السودان: دارفور، كردفان، النيل الأزرق، الشرق، الوسط، الشمال، وكل مكونات المجتمع السوداني.
جيش لا يخضع لحزب أو تنظيم أيديولوجي أو قيادة شخصية، وإنما للدستور والسلطة المدنية المنتخبة.
نحن لا نريد جيشًا أقوى من الدولة، وإنما جيشًا قويًا لأن الدولة قوية.
أكاذيب نزع السودانية
انتشرت خلال الحرب أكاذيب كثيرة، منها الادعاء بموت قائد الدعم السريع رغم ظهوره المتكرر، ومنها القول إن أفراد الدعم السريع ليسوا سودانيين وإنما «عرب شتات» أو أجانب.
خطورة هذه الرواية أنها لا تكتفي بتشويه الخصم، بل تنزع عنه سودانيته.
وعندما يصبح الخصم «أجنبيًا» في المخيلة العامة، تتحول الحرب من صراع سياسي داخل دولة واحدة إلى معركة وجود بين «نحن» و«هم».
وهذه من أخطر أدوات التعبئة في الحروب.
لماذا صدق الناس؟
الإعلام الموالي للإسلاميين لعب دورًا كبيرًا في نشر رواية الحرب، لكن الإعلام وحده لا يفسر نجاح الدعاية.
الأهم أنها خاطبت الخوف والهوية.
وهنا يمكن فهم مفهوم الهوية الاندماجية – Identity Fusion؛ وهي الحالة التي يصبح فيها انتماء الفرد إلى جماعته جزءًا عميقًا من ذاته، بحيث يشعر أن تهديد الجماعة هو تهديد شخصي له.
عندها لا يعود السؤال:
هل هذه المعلومة صحيحة؟
بل يصبح، بصورة لا شعورية:
هل تصديقها يحمي جماعتي؟
وهكذا يستطيع الخوف أن يجعل الإنسان يصدق رواية تخدم إحساسه بالأمان، حتى عندما تتناقض مع بعض الأدلة.
وهذا، في تقديري، أحد المفاتيح لفهم لماذا وجدت أكاذيب الحرب قبولًا واسعًا، خصوصًا في بعض مناطق الوسط والشمال.
ليس كل الإسلاميين سواء
من المهم ألا نعمم.
هناك إسلاميون رفضوا استمرار الحرب، وطالبوا بوقفها، وحذروا من دور فلول النظام السابق في إشعالها واستثمارها للعودة إلى السلطة.
هؤلاء يمكن الحوار معهم.
فالاختلاف الأيديولوجي لا يمنع الاتفاق على مبادئ أساسية: وقف الحرب، حماية المدنيين، رفض عودة النظام السابق، وبناء دولة مدنية ديمقراطية.
لا تبرئة لأي طرف
رفض الرواية الدعائية للإسلاميين لا يعني تبرئة الدعم السريع من الانتهاكات.
لقد ارتكب أفراد من الدعم السريع انتهاكات فى الغالب بسبب عدم انضباط افرادها ، كما ارتكبت القوات المسلحة والقوى المتحالفة معها انتهاكات خطيرة أخرها استخدام السلاح الكيماوي فى مناطق آهلة بالسكان.
لكن الموقف الصحيح هو رفض التعميم بل التحقيق فى كل تلك الجرائم فالمحاسبة يجب أن تكون فردية وقيادية وقانونية، لا جماعية.
كما أن إدانة الانتهاكات لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة سياسية لاستمرار الحرب.
مراجعة القوى المدنية
نحن، داخل القوى المدنية، نحتاج أيضًا إلى مراجعة شاملة وصريحة.
علينا أن نسأل: لماذا فشلنا في بناء جبهة مدنية موحدة؟ لماذا عجزنا عن حماية الانتقال؟ ولماذا لم نستطع مواجهة خطاب الحرب والدعاية بصورة أكثر فاعلية؟
لكن هذه المراجعة لا تعني مساواة القوى المدنية بالمؤسسة العسكرية أو بفلول النظام السابق.
القوى المدنية مطالبة بمراجعة أخطائها لأنها تريد بناء المستقبل؛ أما الجيش وفلول النظام السابق فعليهم مواجهة مسؤولياتهم السياسية والتاريخية والقانونية.
ولا ينبغي أن تكون المؤسسة العسكرية أو فلول النظام السابق مرجعية في إعادة تأسيس المشروع المدني؛ لأن أحد جذور الأزمة السودانية هو عسكرة السياسة ومحاولات النظام السابق استعادة السلطة.
نحو السودان الجديد
المخرج ليس انتصار جيش على جيش، ولا استبدال مليشيا بمليشيا.
المخرج هو دولة مدنية ديمقراطية تحتكر القوة بصورة قانونية، وجيش واحد مهني وقومي يعبر عن كل السودان ويخضع للسلطة المدنية.
السودان لا يحتاج إلى جيش يمثل جزءًا منه، وإنما إلى جيش يرى فيه كل سوداني نفسه.
وفي النهاية، فإن الحرب لا تقتل الناس بالرصاص وحده؛ الحرب تقتل الحقيقة أيضًا.
لذلك نحتاج إلى مراجعة شاملة لروايات الحرب، ولمواقف القوى السياسية، ولأخطاء القوى المدنية، ولدور المؤسسة العسكرية، ولمسؤولية الإسلاميين وفلول النظام السابق.
نحتاج إلى وضع الحقيقة فوق الولاء، والإنسان فوق التنظيم، والدولة فوق المؤسسة العسكرية، والسلام فوق الحسابات الحزبية.
وعندها فقط يمكن أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ونبدأ في إخراج السودان من هذه العتمة.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #52
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-16-2026, 12:43 PM
Parent: #51
على هامش تصريحات الأستاذ قرشي عوض
اعتُقل الصحفي الأستاذ قرشي عوض بسبب انتقاده لسياسات الإسلاميين، وهو أمر يكشف مرة أخرى مدى استمرار نفوذ الحركة الإسلامية داخل أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، ويطرح سؤالاً أوسع حول حقيقة استقلال هذه المؤسسات عن التنظيم السياسي الذي حكم السودان لأكثر من ثلاثة عقود. استمعت إلى تصريحات الأستاذ قرشي عوض، ولديّ، رغم اختلافي مع بعض مواقفه السياسية والفكرية، عدد من الملاحظات التي أرى أنها تستحق النقاش. وقبل ذلك، لا بد من الاعتراف بشجاعة الرجل؛ فهو يتحدث من داخل السودان، في ظل ظروف بالغة القسوة، بينما نحن نراقب ونكتب من مأمننا في بلاد «الفرنجة»، تلك البلاد التي تموت من البرد حيتانها، كما كتب الراحل المقيم الطيب صالح ذات مرة. وأقول ذلك لا من باب المجاملة، وإنما من باب التواضع أمام من يدفع ثمن مواقفه في الداخل.
الدولة السودانية والحاجة إلى إعادة التأسيس
أتفق تماماً مع الأستاذ قرشي في تشخيصه لأزمة الدولة السودانية، وفي قوله إن السودان، منذ دولة سنار مروراً بالدولة المهدية ثم دولة ما بعد الاستقلال، لم ينجح في بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة المتساوية وتحفظ كرامة جميع مواطنيها، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو الأصل أو المنطقة. ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة تأسيس السودان على عقد اجتماعي جديد، تكون فيه المواطنة أساس الحقوق والواجبات، لا الانتماء الديني أو الإثني أو الجهوي. وأتفق معه كذلك في أن الحركة الإسلامية، بحكم مخزونها الفكري والثقافي، ليست مؤهلة لقيادة عملية إعادة التأسيس هذه؛ إذ إن تجربتها السياسية الطويلة كشفت عن عجزها عن التعامل مع السودانيين باعتبارهم مواطنين متساوين في الحقوق، وعن استعدادها لاستخدام العنف والإقصاء والفساد والاستبداد للحفاظ على السلطة. لقد حكم الإسلاميون السودان منفردين قرابة ثلاثة عقود ونصف، وكانت حصيلة تجربتهم انهياراً مؤسسياً واقتصادياً واجتماعياً عميقاً، فضلاً عن الحروب والانقسامات التي ساهموا في إنتاجها أو تعميقها.
لكن ماذا عن المراجعة الفكرية؟
مع ذلك، فإن ما يقلقني في خطاب الأستاذ قرشي عوض ليس ما قاله عن ضرورة إعادة بناء الدولة، وإنما التناقض بين بعض أفكاره الحالية وبعض محطاته الفكرية والسياسية السابقة. فالأستاذ قرشي كان من قيادات حركة «حق»، وهي الحركة التي ارتبطت بفكرة المراجعة النقدية للفكر الماركسي التقليدي. ولعل من أبرز ما عبّر عن هذا الاتجاه المرحوم الخاتم عدلان، الذي قال في إحدى تصريحاته الإعلامية في لندن إن الماركسية اللينينية التي كان الحزب الشيوعي يعتمدها لم تعد المنظور الذي ينبغي أن ننظر من خلاله إلى الإنسان والعالم. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن تفسير عودة الأستاذ قرشي بعد ذلك إلى الحزب الشيوعي السوداني؟ ليس المقصود بهذا السؤال التشكيك في حقه في تغيير موقفه السياسي؛ فهذا حق أصيل لكل إنسان. وإنما المقصود هو معرفة ما الذي تغيّر فكرياً حتى أصبح الانتماء إلى الحزب الشيوعي، بعد كل تلك المراجعات، متسقاً مع رؤيته الحالية للدولة والمجتمع والثقافة؟ هذه المسألة مهمة لأن الأفكار السياسية ليست مجرد أسماء وتنظيمات، وإنما هي تصورات للإنسان والمجتمع والسلطة.
الثقافة والطبقة
تحدث قرشي عن «الاشتباك الثقافي والطبقي»، وعن ضرورة رد الاعتبار للكرامة الإنسانية لجميع أهل السودان، باعتبار ذلك مدخلاً لهزيمة الخطاب الإسلامي الذي جعل قطاعات واسعة من السودانيين يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. وأتفق مع جوهر هذه الفكرة. فالتهميش الذي عانت منه مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وغيرها لم يكن مجرد نقص في الموارد، وإنما كان أيضاً تهميشاً سياسياً وثقافياً وإنسانياً. هذه المناطق ظلت تسهم في إنتاج ثروة السودان وصادراته، لكنها لم تحصل على نصيب عادل من الخدمات الأساسية، من التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل والمشاركة السياسية. غير أنني أختلف مع التصور الذي يجعل الصراع الطبقي هو المفتاح التفسيري الأساسي لكل هذه الأزمات. ففي النسخة التقليدية من الماركسية اللينينية - والتى عاد اليها قرشي طائعا مختارا - يحتل الصراع الطبقي موقعاً مركزياً في تفسير التاريخ، بينما تُفهم العوامل الثقافية والفكرية بدرجة كبيرة باعتبارها جزءاً من «البناء الفوقي» المرتبط بالبنية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج. لكن التجربة التاريخية أثبتت أن الإنسان ليس مجرد موقع في عملية الإنتاج، وأن الثقافة واللغة والهوية والذاكرة الجماعية والدين والانتماءات الإثنية والجهوية والعوامل النفسية ليست مجرد انعكاسات آلية للبنية الاقتصادية. ولعل انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية كشف بصورة صارخة أن إلغاء التناقضات الطبقية لم يؤدِ بالضرورة إلى إلغاء التناقضات القومية والإثنية والثقافية؛ بل إن كثيراً منها ظهر بقوة بعد انهيار النظام السياسي الذي كان يكبح التعبير عنها.
من الاقتصاد إلى الثقافة واللغة
لقد ساهم فرديناند دي سوسير، وإن لم يكن من منظري «الانعطاف اللغوي» بالمعنى اللاحق للمصطلح، في إحداث تحول بالغ الأهمية في فهم اللغة والمعنى. فقد لفت الانتباه إلى أن العلاقة بين الدال والمدلول او الكلمة المكتوبة والمسموعة مع مدلولها، ليست علاقة طبيعية بسيطة، وإنما تتشكل داخل نظام لغوي واجتماعي ونفسى " لاشعورى'. ومن هنا أصبحت اللغة موضوعاً مركزياً في فهم الطريقة التي يتشكل بها المعنى داخل المجتمع. ثم جاءت تيارات فلسفية وفكرية لاحقة، ضمن ما عُرف بالانعطاف اللغوي linguistic turn، لتؤكد بصورة أوسع أن اللغة ليست مجرد أداة محايدة نصف بها العالم، وإنما هي جزء من الطريقة التي نفهم بها العالم ونصوغ بها خبرتنا الإنسانية. وهذا مهم جداً بالنسبة للسودان. فالعنصرية التي يعاني منها مجتمعنا ليست مجرد نتيجة مباشرة للفقر أو للصراع على الموارد. إنها أيضاً مخزون ثقافي ونفسي تراكم عبر أجيال، وتغذيه اللغة والصور النمطية والذاكرة التاريخية وأنماط التربية والخطاب السياسي والديني والإعلامي. ولذلك فإن القضاء على العنصرية لا يمكن أن ينتظر حتى «يتغير البناء التحتي» أو حتى يستولي حزب معين على السلطة واعطاء التحشيد السياسي والتنظيمى الاولوية القصوى كما هو فى المشروع الوطنى الديمقراطى الذى ظل يطرحه الحزب الشيوعى منذ الاستقلال.
العنصرية قضية وجودية
العنصرية في السودان أصبحت تهديداً وجودياً للدولة نفسها. فلا يمكن بناء دولة مستقرة في مجتمع ينظر فيه بعض المواطنين إلى بعضهم باعتبارهم أقل قيمة أو أقل استحقاقاً للحقوق بسبب لونهم أو أصلهم أو لغتهم أو منطقتهم. ولهذا فإن مواجهة العنصرية ليست مهمة مؤجلة إلى ما بعد الثورة السياسية أو التغيير الاقتصادي. إنها مهمة تبدأ الآن، وفي كل مكان: في المدرسة والجامعة والجيش والشرطة والإدارة والإعلام والمسجد والكنيسة والأسرة والشارع. نحن بحاجة إلى عملية طويلة من التربية والتنوير وإعادة بناء المؤسسات، وإلى سياسات عملية تضمن التمثيل العادل وتكافؤ الفرص والتنمية المتوازنة. إنها عملية تدريجية، مستمرة، وعابرة للأجيال. ما نحتاجه ليس انتصار جماعة على جماعة السودان لا يحتاج إلى استبدال هيمنة الإسلاميين بهيمنة أيديولوجية أخرى، ولا إلى إعادة إنتاج منطق الحزب الطليعي الذي يحتكر الحقيقة ثم يسعى إلى احتكار الدولة. ما نحتاجه هو مشروع وطني جديد يعترف بتعدد السودان، ويجعل المواطنة أساس الدولة، ويعيد بناء مؤسساتها على قاعدة المساواة والاحتراف والاستقلال عن التنظيمات السياسية. ومن هنا فإن إعادة تأسيس الجيش والدولة والأجهزة الأمنية يجب أن تكون جزءاً من عملية إعادة التأسيس الوطني الشاملة، بحيث تصبح هذه المؤسسات معبرة عن تعدد السودان كله، لا عن أيديولوجية أو جماعة أو منطقة. وإذا كنا نريد هزيمة المشروع الإسلامي، فلا يكفي أن نختلف معه سياسياً؛ بل يجب أن نقدم بديلاً فكرياً وأخلاقياً أكثر إنسانية، يقوم على الحرية والمساواة والكرامة والمواطنة. وهنا تكمن أهمية المراجعة الفكرية التي أعتقد أن القوى المدنية السودانية كلها تحتاج إليها، بما فيها القوى اليسارية. فنحن لا نستطيع أن نبني دولة جديدة بأدوات التفكير القديمة نفسها. إن معركتنا الحقيقية ليست فقط مع الإسلام السياسي، وإنما مع كل فكر يجعل الإنسان تابعاً لجماعة أو عقيدة أو طبقة أو عرق أو حزب، وينزع عنه حقه في أن يكون مواطناً كامل الحقوق. ولذلك، فإن رد الاعتبار للكرامة الإنسانية لكل سوداني ليس شعاراً سياسياً عابراً، وإنما هو الشرط الأول لبقاء السودان نفسه. وقد يكون الأستاذ قرشي عوض قد فتح، من حيث أراد أو لم يرد، باباً مهماً لهذا النقاش. وما نحتاجه الآن ليس إغلاق الباب بالخلافات الحزبية، وإنما الدخول منه إلى مراجعة فكرية عميقة وصريحة، نعيد من خلالها النظر في تجاربنا كلها، ونبحث عن طريق جديد يستطيع أن يجمع السودانيين لا أن يعيد تقسيمهم. فالسلام الدائم لن تصنعه الاتفاقيات وحدها، والديمقراطية لن تحميها الانتخابات وحدها، والدولة لن تستقر بمجرد تغيير الحكام. كل ذلك يحتاج إلى إنسان سوداني جديد يؤمن بأن كرامة الآخر لا تنتقص من كرامته، وأن اختلاف اللون أو الدين أو الثقافة أو المنطقة لا يجعل أحداً أكثر سودانية من الآخر. ومن هنا ينبغي أن نبدأ.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #53
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-18-2026, 03:06 PM
Parent: #52
ونستون تشرشل وفكر فك الرسن
نسب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في خطابه الأخير، عبارة مفادها أن الناس «تطلب الرفاهية في الوقت الذي يطلب فيه التاريخ الشجاعة»، إلى ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية. لكن العبارة، بهذه الصياغة، لا علاقة لها بتشرشل، ولا يوجد ما يثبت أنه قالها. وهذه ليست مجرد هفوة في الاستشهاد، وإنما تكشف، في تقديري، عن مشكلة أعمق في الخطاب السياسي للبرهان ومن يصوغون له خطاباته: الاستخفاف بالتاريخ واستسهال توظيفه لتزيين مواقف سياسية جاهزة. وكان يمكن للبرهان أن يقول ببساطة: «نحن نريد الرفاهية في الوقت الذي يطلب فيه التاريخ الشجاعة»، دون أن ينسبها إلى أحد. لكن حتى هذه العبارة نفسها تبدو مفارقة للواقع السوداني. فعن أي رفاهية يتحدث البرهان؟ الشعب السوداني الذي يموت أفراده كل يوم بسبب الحرب والجوع والمرض والتشرد لا يطلب الرفاهية. إنه يطلب أبسط حقوق الإنسان: الأمن، والغذاء، والمأوى، وحق أطفاله في الحياة والتعليم، وحقه في أن يعيش حياة كريمة بعيدًا عن الرصاص والنزوح والموت. ولذلك يبدو الحديث عن «الرفاهية» منفصلًا عن الواقع الذي يعيشه ملايين السودانيين، إلا إذا كان الخطاب موجهًا إلى أولئك الذين يعيشون بعيدًا عن الحرب، في إسطنبول والقاهرة وغيرها، بينما يدفع السودانيون داخل البلاد ثمن الحرب من دمائهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم. لكن المفارقة الأهم في استدعاء اسم تشرشل تكمن في الموقع الذي كان يقف فيه الرجل من التاريخ. كان تشرشل، في اللحظة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، من أبرز الأصوات البريطانية التي حذرت من خطر النازية ومن سياسة الاسترضاء التي اتبعتها حكومة نيفيل تشامبرلين. فقد أدرك مبكرًا أن هتلر لا يستخدم الدعوة إلى السلام من أجل السلام، وإنما كان يستغل الوقت لتقوية جيشه والاستعداد لحرب أكبر. وكانت لحظة اتفاق ميونيخ عام 1938 مثالًا صارخًا على ذلك. فقد عارض تشرشل سياسة الاسترضاء، في الوقت الذي كان فيه تشامبرلين يرى أن تقديم التنازلات لهتلر يمكن أن يحافظ على السلام. لكن التاريخ أثبت أن السلام الذي لا يستند إلى ردع المعتدي قد يتحول إلى مجرد تأجيل للحرب. ثم جاء غزو ألمانيا لبولندا في سبتمبر 1939، فانكشفت حقيقة المشروع النازي، وانتهت أوهام من اعتقدوا أن تقديم التنازلات سيوقف هتلر. وفي مايو 1940، بعد انهيار الجبهة الغربية واستقالة تشامبرلين، تولى تشرشل رئاسة الحكومة. وهنا أصبح الرجل الذي كان يُتهم قبل الحرب بالتشدد والمبالغة في تقدير الخطر هو الذي يقود بريطانيا في مواجهة النازية. هذه هي النقطة التي يبدو أن البرهان يغفلها حين يستدعي اسم تشرشل. فقيمة تشرشل التاريخية لم تكن في حديثه عن «الشجاعة» مجردة، وإنما في قدرته على قراءة طبيعة النظام الذي كان يواجهه. لقد فهم أن المشكلة ليست في سوء تفاهم عابر مع هتلر، ولا في خلاف يمكن حله بمجرد تقديم المزيد من التنازلات، وإنما في مشروع سياسي توسعي لا يفهم إلا موازين القوة والردع. ومن هنا تصبح المقارنة أكثر دلالة في الحالة السودانية. فإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من تجربة تشرشل، فهو أن مواجهة الفاشية لا تكون بتجميل خطابها، ولا بالمراهنة على أنها ستكتفي بما حصلت عليه، ولا بمنحها الوقت لتعيد تنظيم نفسها وتستعيد قوتها. وهنا تبرز أهمية عبارة «فك الرسن» التي وردت في خطاب محمد حمدان دقلو الأخير، باعتبارها تعبيرًا عن موقف مختلف: ضرورة التعامل مع التنظيم الإسلامي الذي أشعل الحرب باعتباره قوة سياسية وعسكرية ينبغي مواجهتها بوضوح، بدل الاستمرار في الرهان على الحوار معه وكأنه مجرد طرف سياسي عادي يمكن إقناعه بالتنازل عن مشروعه. ولا يعني ذلك أن البديل هو الحرب المفتوحة إلى ما لا نهاية. بل يعني أن السلام الحقيقي يحتاج إلى توازن واضح في القوة وإلى شروط سياسية تمنع الطرف الذي أشعل الحرب من استخدام التفاوض لإعادة ترتيب صفوفه ثم العودة إليها. وهنا تحديدًا تظهر المفارقة التاريخية. تشرشل لم يكن ضد السلام؛ كان ضد السلام الذي يتحول إلى استسلام أمام مشروع فاشي. ولم يكن ضد التفاوض من حيث المبدأ، وإنما أدرك أن التفاوض مع طرف يستخدم التفاوض لكسب الوقت وتقوية قدرته على الحرب لا يؤدي بالضرورة إلى السلام. والسودان اليوم يحتاج إلى قراءة التاريخ لا إلى استدعاء أسماءه بصورة انتقائية. فالشجاعة التي يحتاجها السودانيون ليست شجاعة تحمل الجوع والنزوح والموت، ولا شجاعة مطالبة المدنيين بمزيد من التضحية بينما تتنافس القوى المسلحة على السلطة. الشجاعة الحقيقية هي شجاعة الاعتراف بجذور الحرب، ومساءلة من أشعلها، وإعادة بناء الدولة والجيش على أسس وطنية ديمقراطية، وإنهاء استخدام السلاح وسيلة للاستيلاء على السلطة. أما الشعب السوداني، فهو لا يطلب رفاهية. إنه يطلب فقط أن يتوقف الذين يتحدثون باسمه عن تعريضه للموت، وأن تُعاد إليه دولته، وحقه في الحياة، وحريته، وكرامته. وهذا ليس ترفًا يطلبه الناس في زمن يحتاج إلى الشجاعة؛ بل هو بالضبط ما يجب أن تكون الشجاعة من أجله.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #54
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-18-2026, 07:39 PM
Parent: #53
ونستون تشرشل وفكرة فك الرسن (٢-٢)
لعن الله الحرب ومن يتسبب فيها، في أي مكان وزمان. فالحرب السودانية التي تسببت في القتل والتشريد والتجويع والترويع والاغتصاب، لن تنتهي آثارها بانتهاء القتال، بل ستمتد آثارها السالبة إلى أجيال قادمة، وستترك ندوباً نفسية واجتماعية بالغة الخطورة لدى الذين عايشوها.
لقد تخلل التاريخ البشري عدد لا يحصى من الحروب والمآسي، وكانت أسبابها في كثير من الأحيان أطماعاً مادية مباشرة أو غير مباشرة، أو صراعات على السلطة والنفوذ، أو محاولات لفرض عقيدة دينية أو أيديولوجية سياسية أو هيمنة إثنية وقبلية. وبعبارة أخرى، فإن جانباً كبيراً من التاريخ الذي صنعه الإنسان كان محكوماً بالغريزة، وبالمعرفة البدهية المباشرة التي تجعل القوة وسيلة طبيعية لحل الصراع، وليس بالعقلانية التي تضع حدوداً لاستخدام القوة وتخضعها لمعيار أخلاقي يتجاوز مصلحة الجماعة أو المنتصر.
ومن هنا تكتسب فكرة حقوق الإنسان أهميتها التاريخية والفلسفية. فحقوق الإنسان، في جوهرها، ليست مجرد امتداد طبيعي للتاريخ الذي عرفناه، بل هي محاولة عقلانية للخروج من منطقه؛ أي الانتقال من عالم تحكمه الغلبة والقوة والانتماء القبلي والديني والإثني إلى عالم يصبح فيه الإنسان، لمجرد كونه إنساناً، صاحب حقوق لا يجوز انتهاكها حتى في زمن الحرب.
وبهذا المعنى، فإن فكرة حقوق الإنسان جاءت ــ من حيث المبدأ ــ من خارج المنطق الذي حكم جانباً كبيراً من التاريخ البشري؛ إنها محاولة عقلانية لنقد ذلك التاريخ وتجاوزه، وليست مجرد وصف لما كان قائماً فيه. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لحقوق الإنسان تظهر تحديداً عندما تتعارض مع مصلحة الجماعة أو الدولة أو الحزب أو الجيش أو العقيدة.
لقد كشفت الحرب العالمية الثانية هذه الحقيقة بصورة مأساوية. وليس من الدقة النظر إلى مآسي تلك الحرب باعتبارها مجرد نتيجة عامة للحرب، وكأن جميع الأطراف دخلتها للأسباب نفسها. فقد كانت النازية بقيادة هتلر هي القوة التي أشعلت الحرب في أوروبا، ومارست مشروعاً توسعياً وعنصرياً قائماً على إخضاع الشعوب وإبادتها واضطهادها.
ولهذا كان التصدي للنازية ضرورة تاريخية وأخلاقية. وكان موقف ونستون تشرشل في مواجهة هتلر قائماً على إدراك بسيط وحاسم: أن السلام الذي يُفرض على الشعوب بالخضوع للعدوان ليس سلاماً حقيقياً، وإنما هو استسلام.
وقد كان هذا هو جوهر موقف تشرشل عندما رفض الاستسلام للنازية، رغم معرفته الهائلة بحجم الكلفة البشرية التي ستدفعها بريطانيا وحلفاؤها. فلم يكن عدد الضحايا سبباً كافياً لديه للقول إن استمرار المقاومة أسوأ من الاستسلام؛ لأن السؤال الصحيح لم يكن: كم سيموت إذا واصلنا الحرب؟ وإنما: ماذا سيحدث إذا استسلمنا للعدوان؟
وهنا تكمن أهمية التمييز بين الحرب العدوانية والحرب الضرورية لمواجهة العدوان. فإدانة الحرب من حيث المبدأ لا تعني أن الاستسلام للعدوان يصبح هو الخيار الأخلاقي. وفي بعض اللحظات التاريخية قد يصبح رفض الحرب، تحت شعار حماية الأرواح، طريقاً إلى تسليم المجتمع بأكمله لإرادة قوة لا تعترف أصلاً بحقه في الحرية.
وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن ننتبه إليه في النقاش حول الحرب السودانية.
فإذا كانت «حرب الكرامة» قد اندلعت في سياق صراع على السلطة، وارتبط استمرارها بمشروع القوى الإسلامية الساعية إلى استعادة نفوذها واحتكار الدولة، فإن مجرد تعداد ضحايا الحرب لا يكفي لتحديد الموقف الأخلاقي والسياسي منها.
نعم، كل قتيل سوداني مأساة، وكل طفل جائع أو مشرد ضحية، وكل أسرة فقدت بيتها أو أحد أفرادها تستحق التعاطف والعدالة. لكن الاحتجاج بحجم الضحايا للدعوة إلى الاستسلام للقوة التي أشعلت الحرب أو للقوى الإسلامية المسلحة التي تريد استعادة الدولة ليس موقفاً إنسانياً، وإنما قد يتحول ــ من حيث النتيجة ــ إلى دعوة للاستسلام.
فالقول: «أوقفوا الحرب بأي ثمن لأن عدد الضحايا أصبح كبيراً» يتجاهل السؤال الأهم: ماذا سيحدث بعد توقف الحرب إذا كان ثمن السلام هو تسليم الدولة للقوى التي أشعلت الحرب أو للقوى المسلحة التي تستخدم الدين والأيديولوجيا لاستعادة السلطة؟
وهنا تصبح المقارنة مع موقف تشرشل ذات دلالة، لا لأنها تعني أن الحالة السودانية مطابقة للحالة الأوروبية في الحرب العالمية الثانية، وإنما لأن المبدأ واحد: لا يجوز أن يتحول رفض الحرب إلى رفض لمقاومة العدوان.
وكما كان السلام مع هتلر يعني، في ظروف الحرب العالمية الثانية، ترك النازية تحقق أهدافها بالقوة، فإن المطالبة بسلام لا يضع حداً للمشروع الذي أشعل الحرب في السودان، ولا ينزع السلاح من القوى التي تريد إعادة إنتاج الدولة الإسلامية، قد تعني عملياً تمكين تلك القوى من تحقيق أهدافها.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم فكرة «فك الرسن». فالرسن هنا ليس دعوة إلى إطلاق العنف بلا حدود، وإنما إلى تحرير الإرادة السياسية من الخوف الذي يجعل مجرد استمرار الحرب سبباً كافياً للاستسلام، وإلى مواجهة الجيش والقوى والمليشيات المرتبطة بالمشروع الإسلامي والداعشي مواجهة سياسية وعسكرية حاسمة، مع الالتزام الصارم بالقانون الإنساني وحقوق المدنيين.
فالمطلوب ليس فك الرسن للقتل، وإنما فك الرسن عن إرادة المقاومة عندما تصبح الدعوة إلى السلام مجرد وسيلة لإجبار الطرف المعتدى عليه على الاستسلام.
ولا ينبغي أن نقع في خطأ آخر هو مساواة جميع الأطراف أخلاقياً وسياسياً لمجرد أن الحرب أنتجت ضحايا من الجانبين. فالضحايا متساوون في إنسانيتهم، لكن المسؤوليات ليست بالضرورة متساوية. ومن يريد إيقاف الحرب بصورة دائمة عليه أن يسأل عن أسباب اندلاعها وعن القوى التي استفادت من استمرارها، لا أن يكتفي بإحصاء الموتى.
إن السلام الحقيقي ليس مجرد غياب صوت الرصاص؛ السلام الحقيقي هو أن يصبح من المستحيل على أي جماعة أن تستخدم السلاح مرة أخرى لفرض مشروعها السياسي على السودانيين.
ولهذا فإن السودان يحتاج إلى وقف الحرب، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى هزيمة المشروع الذي يجعل الحرب وسيلة للعودة إلى السلطة. ويحتاج إلى جيش قومي مهني جديد، لا جيشاً تابعاً لحزب أو أيديولوجيا، وإلى تفكيك المليشيات والجماعات المسلحة، وإلى دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية.
لقد علّمتنا تجربة الحرب العالمية الثانية أن السلام ليس دائماً نقيض الحرب؛ ففي بعض اللحظات يصبح السلام الذي لا يضع حداً للعدوان مجرد اسم آخر للاستسلام.
وهذه هي المسألة التي ينبغي أن نناقشها في السودان اليوم: هل نريد سلاماً ينهي الحرب، أم سلاماً ينهي الحرب ويمنع عودتها؟
فالهدف ليس أن ينتصر الجيش على الدعم السريع، أو أن ينتصر الدعم السريع على الجيش؛ وإنما أن ينتصر السودانيون على منظومة الاستبداد والعسكرة والأيديولوجيا التي جعلت الدولة غنيمة، والحرب طريقاً إلى السلطة.
وإذا كان لا بد من «فك الرسن»، فليكن فك الرسن عن العقل السوداني أولاً: أن يتحرر من الخوف، ومن الابتزاز الأخلاقي بعدد الضحايا، ومن الاعتقاد بأن كل مقاومة للحرب هي بالضرورة مقاومة للسلام.
فالسلام الذي يمر عبر الاستسلام ليس سلاماً، والحرية التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها أمام القوة المسلحة ليست حرية مكتملة.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #55
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-20-2026, 11:00 AM
Parent: #54
الإمارات العربية المتحدة: من اقتصاد النفط إلى صناعة الإنسان
ربما حققت دول الخليج العربي، بدرجات متفاوتة، تطورات ملحوظة في التنمية والتحديث بفضل الثروة النفطية، لكن تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة تبدو جديرة بالتوقف عندها، ليس فقط بسبب نجاحها الاقتصادي اللافت، وإنما بسبب الطريقة التي أدارت بها ثروتها، والعقلية التي حكمت عملية التحديث فيها. فالنجاح الاقتصادي لا يتحدد بحجم الموارد الطبيعية وحده، وإنما بقدرة الدولة على تحويل هذه الموارد إلى معرفة ومؤسسات وتعليم وخدمات وفرص، وعلى الاستعداد المبكر لعالم يتغير باستمرار.
من اللؤلؤ إلى تنويع الاقتصاد
تحمل منطقة الخليج ذاكرة تاريخية قاسية من الاعتماد على مصدر اقتصادي واحد. فقد كانت صناعة اللؤلؤ أحد أهم مصادر الرزق في المنطقة قبل اكتشاف النفط. ثم جاءت الأزمات الاقتصادية العالمية، وفي مقدمتها الكساد الكبير، إلى جانب المنافسة اليابانية في إنتاج اللؤلؤ المستزرع، لتوجه ضربة قاسية إلى هذا النشاط، وتكشف هشاشة الاقتصاد الذي يعتمد على مورد واحد. ولعل هذه التجربة التاريخية تساعد في فهم أهمية التنويع التي اتبعتها الإمارات لاحقاً. فقد أدركت مبكراً أن النفط، مهما بلغت عائداته، لا يمكن أن يكون أساساً دائماً لاقتصاد حديث. ولذلك اتجهت إلى الاستثمار في التجارة والنقل والطيران والسياحة والعقارات والخدمات المالية والصناعة والتكنولوجيا، وتحولت تدريجياً من اقتصاد يعتمد على مورد طبيعي إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وانفتاحاً على العالم. لكن الأهم من التنويع الاقتصادي نفسه هو السؤال: ما العقلية التي تقف وراء هذا التحول؟
الثروة كوسيلة للتحديث
يمكن تفسير جزء من التجربة الإماراتية بقدرة الدولة على النظر إلى الثروة باعتبارها وسيلة لبناء المستقبل، وليس مجرد مصدر للاستهلاك. فقد استثمرت الدولة بكثافة في التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات، ونجحت في بناء مدن ومؤسسات مرتبطة بالاقتصاد العالمي. كما فتحت أبوابها بدرجة واسعة أمام الخبرات والاستثمارات والأفكار الأجنبية، وهو ما جعلها أكثر اتصالاً بالعالم من كثير من المجتمعات التي امتلكت ثروات مماثلة. وهنا تظهر نقطة مهمة: التحديث الاقتصادي لا يعني فقط امتلاك المباني الحديثة والتكنولوجيا، وإنما يعني أيضاً تكوين إنسان قادر على التعامل مع عالم متغير. وقد ساعدت قلة عدد المواطنين مقارنة بحجم الموارد المتاحة على توجيه نسبة كبيرة من الإنفاق العام نحو تحسين مستوى حياة المواطنين، وهو ما عزز شعوراً لدى قطاعات واسعة منهم بأن الدولة تحقق لهم الأمن والاستقرار وفرصاً أفضل للحياة. ومن هنا يمكن الحديث عن نوع من الشرعية القائمة على الأداء؛ أي شرعية تستمد جزءاً مهماً من قبول المجتمع من قدرة الدولة على توفير الأمن والاستقرار والخدمات وتحسين مستوى المعيشة. وهذه الشرعية ليست بالضرورة مرادفة للديمقراطية السياسية، وهي نقطة ينبغي التمييز بينها بوضوح، لكنها تظل شكلاً مهماً من أشكال العلاقة بين الدولة والمجتمع.
من الجماعة إلى الفرد
ربما يكون الجانب الأكثر إثارة في التجربة الإماراتية هو التحول الاجتماعي الذي رافق التنمية الاقتصادية. فالتحديث لا يقاس فقط بعدد الجامعات أو ناطحات السحاب أو حجم الاستثمارات، وإنما أيضاً بمدى انتقال الإنسان من الاعتماد الكامل على الجماعة التقليدية إلى قدر أكبر من الاستقلال في التفكير والاختيار. وهنا يمكن استخدام مفهوم الفردانية أو التحقق الفردي (individuation)، بمعناه الاجتماعي والنفسي، للإشارة إلى تحول الفرد من مجرد عضو في جماعة تحكمها الولاءات التقليدية إلى شخص أكثر استقلالاً في تكوين خياراته وتحديد مستقبله. ولا تعني الفردانية بالضرورة الأنانية أو الانفصال عن المجتمع، وإنما تعني أن الفرد يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قراراته وتكوين آرائه الخاصة. وقد ساعد التعليم والانفتاح الاقتصادي والثقافي والاتصال الواسع بالعالم على نشوء هذه العملية في المجتمع الإماراتي، وإن كان من الخطأ افتراض أنها اكتملت أو أنها تختلف جذرياً عن المجتمعات الخليجية الأخرى. فالسعودية، والكويت، وعُمان، وقطر وغيرها شهدت بدورها تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، وإن اختلفت سرعة التغيير وطبيعته من مجتمع إلى آخر.
الفرد الحديث والمواطن الحديث
لكن هنا ينبغي التمييز بين أمرين مختلفين. يمكن للدولة أن تنتج فرداً حديثاً: متعلماً، مرفهاً، متصلاً بالعالم، قادراً على استخدام التكنولوجيا والمشاركة في الاقتصاد العالمي. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها أنتجت المواطن الحديث بالمعنى السياسي الكامل. فالمواطن الحديث لا يحتاج فقط إلى التعليم والرفاه، وإنما يحتاج أيضاً إلى مجال عام يستطيع فيه مناقشة الشأن العام، وتبادل الآراء، وممارسة النقد، والمشاركة في صياغة القرارات التي تؤثر في حياته. وهنا تصبح تجربة الإمارات أكثر تعقيداً وإثارة للاهتمام: فقد استطاعت أن تحقق تحديثاً اقتصادياً واجتماعياً سريعاً مع الحفاظ على بنية سياسية شديدة المركزية. ومن منظور يورغن هابرماس، اى منظور العقلانية التواصلية ،commuicative rationality يمكن القول إن التحديث لا يكتمل بمجرد تحديث النظام الاقتصادي والإداري، وإنما يحتاج أيضاً إلى تحديث العالم المعيش وإتاحة مجال أكبر للتواصل العقلاني والنقاش العام. وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: هل نجحت الإمارات في تحديث اقتصادها؟ وإنما: إلى أي مدى يمكن أن يتحول التحديث الاقتصادي إلى تحديث في طريقة تفكير المجتمع وعلاقته بالدولة
البراغماتية في السياسة الخارجية
كما تبدو البراغماتية سمة مهمة في السياسة الإماراتية. فقد سعت الدولة إلى تقديم نفسها باعتبارها دولة منفتحة على العالم، تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية وإلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي. لكن هذه الصورة تواجه انتقادات حادة بسبب عدد من سياساتها الخارجية، بما في ذلك علاقاتها الإقليمية ومواقفها من إيران وحرب السودان والتوترات في جنوب شبه الجزيرة العربية. ومن الأفضل هنا ألا نحول المقال إلى دفاع عن السياسة الخارجية الإماراتية أو إلى إدانة لها؛ فهذه قضايا تحتاج إلى دراسة مستقلة تستند إلى الوقائع والأدلة. لكن الملاحظة المهمة هي أن البراغماتية والانفتاح الاقتصادي لا يعنيان بالضرورة اتفاق الجميع مع السياسة الخارجية للدولة. فقد تكون الدولة شديدة الانفتاح اقتصادياً، وفي الوقت نفسه مثار خلاف سياسي بسبب اختياراتها الإقليمية. وهذا التناقض نفسه يستحق الدراسة.
ليست قصة نفط فقط
إن اختزال التجربة الإماراتية في النفط يظلم التجربة، كما أن تحويلها إلى نموذج مثالي سيكون خطأً من نوع آخر. فالنفط وفر للدولة الموارد التي جعلت عملية التحديث ممكنة، لكن النفط وحده لا يفسر لماذا استطاعت الإمارات أن تحول جزءاً كبيراً من هذه الثروة إلى بنية اقتصادية أكثر تنوعاً، وإلى تعليم وخدمات وبنية تحتية واتصال واسع بالاقتصاد العالمي. الفرق، في جانب منه، يكمن في نوعية الإدارة والقدرة على التخطيط والاستعداد للمستقبل. وهنا يمكن صياغة الدرس بصورة أوسع: الثروة لا تصنع وحدها مجتمعاً حديثاً؛ وإنما العقل الذي يدير الثروة، والمؤسسات التي تحولها إلى معرفة، والتعليم الذي يحول الإنسان من مستهلك للثروة إلى مشارك في إنتاج المستقبل.
تجربة تستحق الدراسة لا التقديس
لذلك أعتقد أن التجربة الإماراتية تستحق أن تُدرس بعيداً عن المديح السياسي وبعيداً عن الأحكام الأيديولوجية الجاهزة. لقد حققت الإمارات نجاحاً اقتصادياً وتنموياً واضحاً، ونجحت في بناء نموذج شديد الانفتاح على الاقتصاد العالمي، وفي الانتقال من الاعتماد على النفط إلى قدر أكبر من التنويع.
لكن السؤال الأهم يبقى اجتماعياً وسياسياً:
هل يمكن للتحديث الاقتصادي أن ينتج في النهاية مجتمعاً أكثر فردانية، وأكثر قدرة على التفكير النقدي، وأكثر استعداداً للتواصل العقلاني والمشاركة في المجال العام؟ وهذا هو الاختبار الأعمق لأي تجربة تحديث عربية. فالتحديث الحقيقي لا يقتصر على أن تصبح المدن أكثر حداثة، ولا على أن تصبح الدولة أكثر ثراءً، وإنما يبدأ عندما يصبح الإنسان نفسه أكثر استقلالاً في التفكير، وأكثر قدرة على مساءلة الأفكار، وأكثر استعداداً للاستماع إلى الآخر وقبول الاختلاف. وعند هذه النقطة تحديداً تلتقي تجربة الإمارات مع السؤال الأكبر الذي طرحه هابرماس حول الحداثة: كيف يمكن أن يتطور المجتمع اقتصادياً وتقنياً من دون أن يتحول الإنسان إلى مجرد تابع لمنظومات المال والسلطة والتكنولوجيا؟ وهذا، في النهاية، هو السؤال الذي يتجاوز الإمارات إلى العالم العربي كله.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #56
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-21-2026, 02:10 AM
Parent: #55
كيف تنتشر أكاذيب الفلول؟
الدعاية والكذب من منظور العقلانية التواصلية عند هابرماس
كيف استطاع إعلام الإسلاميين في السودان، أو ما يُعرف بإعلام «الكيزان»، أن ينشر روايات يراها كثيرون منافية للوقائع، وأن يجد مع ذلك من يصدقها ويدافع عنها؟ لا يتعلق الأمر دائماً بنقص المعلومات، فقد عاش السودانيون أحداثاً سياسية كبرى بأنفسهم، كما أن كثيراً من الوقائع موثقة. لذلك لا يكفي تفسير الظاهرة بالأسباب النفسية وحدها، كالخوف والانتماء والتحيز والحاجة إلى اليقين. هناك أيضاً سبب خارجي يتعلق بالبنية التي يجري داخلها التواصل اى الحوار نفسه. وهنا تفيدنا نظرية العقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس آخر فلاسفة مدرسة فرانكفورت.
من التواصل إلى السيطرة
يميز هابرماس بين الفعل التواصلي، الذي يهدف إلى الوصول إلى تفاهم بالحجة والعقل، وبين الفعل الاستراتيجي، الذي يستخدم اللغة لتحقيق غاية معينة والتأثير في الآخر. في الحالة الأولى يكون الآخر شريكاً في الحوار وهنا يصبح الاخر غاية فى حد ذاته ؛ أما في الثانية فيتحول إلى وسيلة لتحقيق غرض. وهنا تتحول اللغة من أداة للتفاهم إلى أداة للسيطرة. وهذه هي وظيفة الدعاية. فالدعاية لا يشترط أن تكون صحيحة حتى تكون ناجحة؛ يكفي أن تحقق غرضها السياسي: تخويف الناس، تعبئتهم، تثبيت ولائهم، خلق عدو، أو تبرير الحرب.
كيف يعمل الكذب البائن؟
قد يكون الادعاء كاذباً بصورة واضحة، مثل الادعاء بأن حميدتي مات وأن الشخص الذي يظهر في التسجيلات ليس إلا «روبوتاً»، ومع ذلك يجد من يصدقه. والسبب أن الكذب السياسي لا يعتمد دائماً على الإقناع العقلي. إنه يعتمد أيضاً على التكرار والانتشار واستثارة العاطفة. عندما تتكرر الرواية آلاف المرات، ومن مصادر متعددة، يصبح السؤال تدريجياً أقل ارتباطاً بصحتها وأكثر ارتباطاً بمدى انتشارها: ليس: هل هذا صحيح؟ بل: أي سردية استطاعت أن تفرض نفسها؟ وهنا يحدث الانفصال بين الحقيقة والقوة. فالحقيقة تحتاج إلى دليل، أما الدعاية فتحتاج إلى قدرة على الوصول والتكرار والتأثير.
المال والقوة وصناعة الوعي
يرتبط ذلك بمفهوم هابرماس عن «استعمار العالم المعيش lifeworld». فالعالم المعيش هو المجال الذي تتكون فيه المعاني المشتركة والثقة والتفاهم. لكن عندما تتغلغل آليات المال والسلطة فيه، تتحول العلاقات من التفاهم إلى الحساب والمصلحة والسيطرة. وهنا لا يعود الإعلام مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل يصبح وسيلة لصناعة الإدراك العام. من يملك المال يستطيع شراء المنصات والإعلان والانتباه، ومن يملك السلطة يستطيع فرض الرواية أو إسكات خصومها. ولذلك قد لا تكون المنافسة بين حجتين متساويتين، بل بين قدرتين مختلفتين على التأثير. الدعاية لا تحتاج إلى إلغاء الحقيقة أخطر ما تفعله الدعاية ليس دائماً إقناع الناس بالكذب، وإنما إغراق المجال العام بالروايات المتناقضة حتى تفقد الحقيقة قدرتها على التأثير. هذه حقيقة، وتلك رواية أخرى، وهذا «خبير»، وذاك «خبير استرتيجى»... وبعد كثرة التكرار قد يصل الناس إلى حالة لا يستطيعون فيها التمييز بين الحقيقة والدعاية، أو لا يعودون مهتمين بالتمييز أصلاً. وهكذا يتآكل معيار الحقيقة في المجال العام. لذلك قد يكون الكذب البائن فعالاً ليس لأنه أقنع الجميع، وإنما لأنه ساهم في إفساد البيئة التي تسمح للناس بالتمييز بين الصدق والكذب. لماذا لا تكفي الحقيقة وحدها؟ الحقيقة لا تنتصر بمجرد وجودها. إنها تحتاج إلى مجال عام يستطيع الناس فيه فحص الأدلة ومقارنة الروايات بحرية. إذا امتلك أحد الأطراف المال والمنابر والقدرة على التكرار، بينما لا يمتلك الطرف الآخر إلا حجته، فإن المنافسة لم تعد عادلة. وهذا هو سبب ارتباط العقلانية التواصلية بالديمقراطية عند هابرماس. فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، وإنما تحتاج إلى جمهور قادر على تكوين رأيه بصورة حرة وعقلانية.
الدرس السوداني
في الحرب السودانية أصبح الصراع صراعاً على الأرض، لكنه أصبح أيضاً صراعاً على تفسير الواقع: من بدأ الحرب؟ من المسؤول؟ من الوطني؟ من الخائن؟ ومن هنا يجب ألا نواجه دعاية الإسلاميين بمجرد دعاية مضادة، لأن ذلك يعني إعادة إنتاج المشكلة نفسها. المطلوب هو إخضاع الروايات كلها لمعيار واحد: الدليل، وقابلية الفحص، والاتساق، والاستعداد للاعتراف بالخطأ. فإذا كنا نرفض تحويل الادعاء إلى حقيقة بمجرد تكراره، فلا يجوز أن نفعل ذلك مع الادعاءات التي نؤمن بها. والخلاصة أن الكذب لا ينتصر لأنه أقوى من الحقيقة، وإنما لأنه قد يجد بيئة تواصلية تساعده على الانتشار. عندما تخضع قوة القول لقوة المال والسلطة، لا يعود المجال العام فضاءً تتنافس فيه الحجج، بل يصبح فضاءً تتنافس فيه قدرات التأثير؛ وعندها يستطيع الكذب البائن أن يصبح أكثر فاعلية من الحقيقة، لا لأنه أكثر عقلانية، وإنما لأنه أكثر قدرة على الوصول والتكرار وصناعة الوعى العام. ولهذا فإن مواجهة الدعاية لا تكون بإنتاج دعاية مضادة، وإنما بإعادة بناء المجال العام نفسه: مجال تتساوى فيه فرصة الكلام، ويُطلب فيه الدليل، وتُختبر فيه الادعاءات، ويظل فيه العقل قادراً على التمييز بين الحقيقة والكذب.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #57
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-21-2026, 10:14 PM
Parent: #56
ترامب وأزمة العقلانية التواصلية
كيف استطاع دونالد ترامب أن يفوز بولاية رئاسية ثانية، وأن يقنع ملايين الأمريكيين بالتصويت له رغم قوة المؤسسات الديمقراطية وحرية الصحافة ووفرة وسائل التحقق من المعلومات؟ وكيف استطاعت الأكاذيب أن تنتشر في مجتمع يفترض أن المجال العام فيه قائم على حرية الرأي والعقل النقدي؟ من منظور العقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس، لا تكمن المشكلة ببساطة في أن الناس صدقوا أكاذيب ترامب، بل في أن شروط التواصل العقلاني نفسها أصبحت أكثر ضعفًا داخل المجال العام الأمريكي. فالناخب لا يتخذ موقفه السياسي على أساس المعلومات وحدها. هناك خبرات حقيقية من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة والهجرة والشعور بتراجع المكانة الاجتماعية. وقد نجح ترامب في تحويل هذه المشكلات المعقدة إلى رواية بسيطة: هناك نخبة سرقت منكم أمريكا، وأنا وحدي قادر على استعادتها. وهنا انتقل الخطاب السياسي من الحجة إلى الهوية. لم يعد السؤال: هل ما يقوله ترامب صحيح؟ بل أصبح: هل ترامب «واحد منا» أم يمثل «النخبة» التي لا نثق بها؟ وعندما تصبح الهوية معيارًا للحقيقة، فإن تصحيح المعلومة لا يكون كافيًا، لأن رفضها يصبح جزءًا من الدفاع عن الجماعة التي ينتمي إليها الفرد. وهذه الآلية ليست قاصرة على المجتمع الأمريكي. ففي مجتمع مثل السودان، حيث لعب الدين تاريخيًا دورًا مهمًا في تشكيل الوعي العام، يمكن أن تتحول الهوية الدينية إلى أساس للفرز السياسي: نحن المسلمون في مواجهة هم، أي القوى السياسية التي يجري تصويرها باعتبارها غير مسلمة أو معادية للدين. وقد عبّر حسين خوجلي في وقت سابق عن هذا التصور حين تحدث عن «نحن» باعتبارها تمثل أكثر من تسعين بالمائة من المجتمع. وهنا تتحول الأغلبية الدينية إلى هوية سياسية، ويصبح الاختلاف السياسي وكأنه اختلاف في العقيدة والانتماء. وفي الحالتين، لا تعود الحجة هي التي تحدد موقف الفرد، وإنما الانتماء الذي يحدد ما يقبله بوصفه حقيقة. ولعل تجربة الديمقراطية الثالثة في السودان تقدم مثالًا آخر على هذه الظاهرة. فقد استطاعت صحيفتا الجبهة الإسلامية، «الراية» و«ألوان»، أن تكونا من أكثر الصحف انتشارًا، رغم ما اتسم به خطابهما من كذب وبذاءة وعنف لفظي، وهي خصائص لم تكن تميزهما بالقدر نفسه عن بقية الصحف. وهذا يكشف أن انتشار الخطاب لا يتوقف بالضرورة على قيمته المعرفية أو عقلانيته، وإنما قد يرتبط بقدرته على مخاطبة الهوية والانفعال وتحديد «نحن» و«هم». وتزداد المشكلة مع وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تكافئ بالضرورة أكثر الحجج عقلانية، وإنما ما يثير الانتباه والغضب والخوف. وهكذا تتكون مجالات عامة متوازية، يعيش كل منها داخل مصادره الإعلامية وتفسيراته الخاصة للواقع. لذلك لا ينبغي تفسير نجاح ترامب بأن ملايين الأمريكيين أغبياء أو أنهم صدقوا كل أكاذيبه. كثيرون صوتوا له احتجاجًا على أوضاع حقيقية أو رفضًا للنخب والمؤسسات التقليدية. لقد استطاع أن يحول الاستياء الواقعي إلى سردية سياسية وهوية جماعية. ومن منظور هابرماس، تكمن الأزمة الأعمق في أن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى حرية التعبير، بل تحتاج أيضًا إلى مجال عام يستطيع فيه المواطنون أن يلتقوا بوصفهم متساوين، وأن يتفقوا على وقائع مشتركة، وأن يقبلوا بإمكانية تغيير مواقفهم بالحجة. وهذا الشرط أصبح أكثر ضعفًا في عصر الاستقطاب السياسي والخوارزميات ووسائل التواصل الاجتماعي. لذلك فإن مواجهة الشعبوية لا تكون بمجرد كشف الأكاذيب، وإنما بإعادة بناء الثقة والمجال العام، وإعادة الاعتبار للحوار والحجة والحقائق المشتركة. فأزمة الديمقراطية المعاصرة ليست أن الناس فقدوا حقهم في الكلام، وإنما أنهم بدأوا يفقدون القدرة على التواصل مع بعضهم باعتبارهم مواطنين متساوين. وهذه، من منظور العقلانية التواصلية، هي البيئة التي تجعل خطاب ترامب ممكنًا وقادرًا على الانتشار.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #58
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 08-23-2026, 08:57 PM
Parent: #57
العقلانية التواصلية ودرس السودان: هل تكفي الديمقراطية لمواجهة الإسلام السياسي؟
تقدم العقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس تصوراً مهماً للديمقراطية: المجتمع الديمقراطي لا يحسم خلافاته بالعنف، وإنما بالحوار والحجة والمشاركة الحرة. ولا يرى هابرماس أن الدين يجب أن يُطرد من المجال العام، بل إن المتدينين لهم الحق الكامل في المشاركة السياسية، بشرط قبولهم بالتعددية وحقوق المواطنين المتساوية. لكن التجربة السودانية تكشف حدود هذا التصور عندما تكون الدولة والمجتمع ضعيفين، بينما تمتلك جماعة دينية منظمة أدوات القوة والمال والتنظيم. فالمشكلة في السودان لم تكن مجرد خلاف فكري بين الإسلاميين والقوى المدنية. فقد سعت الحركة الإسلامية إلى الاحتفاظ باحتكار السلطة والنفوذ داخل الدولة، ولم تقبل بنتائج التحول الديمقراطي إلا بالقدر الذي يخدم استمرار نفوذها. وقد جاءت انتفاضة ديسمبر 2018 لتقدم نموذجاً واضحاً لهذه المعضلة. استطاع السودانيون إسقاط نظام البشير بثورة شعبية سلمية واسعة، لكن الثورة لم تستطع وحدها تفكيك البنية التي أقامها الإسلام السياسي داخل الدولة وأجهزتها ومؤسساتها الاقتصادية والأمنية. وانتهى الانتقال الهش في النهاية إلى صراع مسلح وحرب مدمرة. وهنا تظهر مشكلة أساسية في العقلانية التواصلية: الحوار يفترض وجود أطراف مستعدة لقبول قواعد الحوار. أما إذا كان أحد الأطراف يستخدم الحوار والانتخابات للوصول إلى السلطة، ثم يرفض تداولها ويحتفظ بأدوات القوة خارج المجال الديمقراطي، فإن الحوار وحده يصبح عاجزاً عن حماية الديمقراطية.
من التواصل إلى حماية المجال الديمقراطي
لذلك لا يكفي في الحالة السودانية أن نقول: دعونا نترك جميع القوى تتنافس في انتخابات حرة. فالانتخابات لا تصبح ديمقراطية لمجرد إجرائها. يجب أولاً أن تتوافر شروط تجعل المنافسة عادلة، وأن تكون الدولة محايدة، وأن تكون أجهزة الأمن والجيش خاضعة للقانون، وأن لا تستطيع جماعة تمتلك المال والتنظيم والسلاح أن تستخدم الدولة أو مؤسساتها لتغيير نتائج المنافسة. ومن هنا فإن الانتقال الديمقراطي يحتاج إلى تغيير موازين القوى لصالح المجتمع المدني والقوى الديمقراطية، ليس بإقامة سلطة عسكرية جديدة، وإنما بتفكيك البنية التي تجعل أي جماعة قادرة على احتكار الدولة. وقد يتطلب ذلك دعماً دولياً وإقليمياً قوياً للانتقال، بما في ذلك الضغط السياسي والاقتصادي، والمساعدة في بناء مؤسسات الدولة، ومنع تمويل القوى المسلحة أو السياسية التي تعمل على تقويض الانتقال. كما أن حماية الدولة قد تتطلب، في مرحلة الانتقال، إجراءات قانونية استثنائية ومحددة ضد التنظيمات أو الأفراد الذين يثبت تورطهم في تقويض النظام الديمقراطي أو استخدام العنف السياسي. لكن هذه الإجراءات يجب أن تخضع للقانون والقضاء، وألا تتحول إلى وسيلة لإقصاء الخصوم السياسيين.
استعادة الدولة قبل إجراء الانتخابات
الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الانتخابات يمكن أن تكون نقطة البداية. في الحالة السودانية، قد تكون الانتخابات ثمرة لإعادة بناء الدولة وليست بديلاً عنها. فلا بد أولاً من إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية والقانون، وتفكيك شبكات الفساد والتمكين، واستعادة الأموال العامة المنهوبة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة وفق إجراءات قضائية عادلة. بعد ذلك يمكن بناء نظام سياسي تعددي يسمح للجميع بالمشاركة، بمن فيهم الإسلاميون، إذا قبلوا صراحة بقواعد الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة. وهنا يصبح الفرق واضحاً بين محاسبة تنظيم سياسي على جرائمه وبين محاسبة الناس على أفكارهم أو معتقداتهم. الديمقراطية لا تعاقب الإنسان لأنه متدين، لكنها لا تمنح أي تنظيم حصانة من القانون لأنه يرفع شعار الدين.
لماذا فشلت الوساطات؟
تكشف الحرب السودانية أيضاً أن الوساطات الدولية والإقليمية وحدها لا تكفي عندما يكون المحيط السياسي نفسه لا يقوم على تعددية ديمقراطية راسخة. فالوسيط يحتاج إلى قدر من الاستقلال والمصداقية والقدرة على الضغط على الأطراف. وإذا كانت المصالح الإقليمية متعارضة، وبعض الدول نفسها لا تقوم على نظام ديمقراطي تعددي، تصبح الوساطة أكثر عرضة للتحول إلى إدارة للصراع بدلاً من إنهائه. لذلك يحتاج السودان إلى تغيير في موازين القوى الداخلية، مدعوماً بضغط دولي وإقليمي منسق، وليس إلى اتفاق آخر يعيد إنتاج القوى التي أشعلت الصراع ثم يطلب منها إدارة الانتقال.
الدرس الذي تضيفه تجربة السودان إلى هابرماس
لا تنقض تجربة السودان العقلانية التواصلية، لكنها تكشف شرطاً مهماً أغفلته القراءة المثالية لها: لا يمكن أن يكون الحوار بديلاً عن بناء القوة المؤسسية التي تحمي الحوار. فالديمقراطية تحتاج إلى مجتمع مدني قوي، ودولة قانون، وإعلام حر، وقضاء مستقل، ومؤسسات أمنية وعسكرية مهنية، واقتصاد لا تستطيع جماعة سياسية أن تسيطر عليه. وبدون ذلك قد تتحول التعددية إلى مجرد فرصة للقوة الأكثر تنظيماً ومالاً وسلاحاً لكي تستولي على الدولة. ومن هنا فإن حماية الديمقراطية في السودان لا تعني إلغاء الإسلاميين، وإنما منع أي تنظيم، إسلامياً كان أو غير إسلامي، من احتكار الدولة أو استخدام السلاح والمال والنفوذ لتدمير التعددية. والانتخابات في النهاية ليست نقطة البداية، بل نقطة الوصول: بعد إسقاط احتكار السلطة، وحماية الدولة، واستعادة المال العام، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإعادة بناء المؤسسات، وتغيير موازين القوى بما يجعل المنافسة السياسية حقيقية وعادلة. وهذا هو الدرس الأهم الذي تضيفه التجربة السودانية إلى العقلانيةه التواصلية: التواصل يحتاج إلى مؤسسات تحميه، والديمقراطية تحتاج إلى قوة قانونية تحميها من الذين يريدون استخدامها لإلغائها.
طلعت محمد الطيب
|
|