Post: #1
Title: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: bakri abdalla
Date: 06-04-2026, 08:27 PM
08:27 PM June, 04 2026 سودانيز اون لاين bakri abdalla-Canada مكتبتى رابط مختصر
السودان.. إلى أين يتجه؟
بدأت بعض الأصوات داخل معسكر الإسلاميين تدعو إلى قبول السلام ووقف الحرب بعد أن دخلت الحرب السودانية عامها الرابع. ورغم ترحيبنا المبدئي بأي دعوة توقف نزيف الدم وتخفف معاناة شعبنا، فإن التعامل مع هذه الدعوات يتطلب قدراً كبيراً من الحذر، خاصة في ضوء التجارب السابقة ودور الحركة الإسلامية في الحياة السياسية السودانية خلال العقود الماضية. ولكي نفهم طبيعة هذه الدعوات وتوقيتها، لا بد من التوقف عند بعض الحقائق الأساسية. أولاً، أدركت الحركة الإسلامية منذ وقت مبكر أن التخلف الاقتصادي والاجتماعي وضعف مؤسسات الدولة، إلى جانب المناهج التعليمية التي خلطت بين الدين والتاريخ ومجدت ثقافة الغلبة والصراع على حساب قيم المواطنة والتسامح، تمثل بيئة مناسبة لانتشار مشروعها السياسي وتوسيع نفوذها داخل المجتمع والدولة. ثانياً، اعتمدت الحركة الإسلامية على خطاب التعبئة الدينية والسياسية في مواجهة خصومها، واستفادت من إمكانات مالية وتنظيمية ضخمة مكنتها من التغلغل داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. وقد أسهم ذلك، إلى جانب أخطاء القوى السياسية الأخرى، في تهيئة الظروف لانقلاب عام 1989 الذي أطاح بالتجربة الديمقراطية الثالثة وأدخل البلاد في واحدة من أطول مراحل الاستبداد في تاريخها الحديث. ثالثاً، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الحكم وما ارتبط بها من فساد واستبداد وتمكين وتفكيك لمؤسسات الدولة، اندلعت الحرب الحالية في 15 أبريل 2023. ومن وجهة نظري، فإن الحركة الإسلامية كانت من أبرز القوى التي دفعت نحو خيار الحرب بعد تعثر مشروع التسوية السياسية مع قوات الدعم السريع، وذلك أملاً في استعادة نفوذها السياسي والعسكري الذي فقدته عقب ثورة ديسمبر. رابعاً، نجحت الحركة الإسلامية خلال سنوات حكمها في بناء شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، كما حافظت على درجة عالية من التماسك التنظيمي مقارنة بمعظم القوى السياسية الأخرى، وظلت تضع بقاء التنظيم واستمرار نفوذه فوق أي اعتبار وطني آخر. انطلاقاً من هذه الخلفية، يصبح من المشروع التساؤل عن الأسباب الحقيقية وراء التحول المفاجئ في خطاب بعض الإسلاميين. فبعد سنوات من الرهان على الحسم العسكري، يبدو أن هناك إدراكاً متزايداً لصعوبة تحقيق انتصار عسكري كامل. ولذلك يبرز سؤال جوهري: هل تعكس هذه الدعوات مراجعة سياسية حقيقية، أم أنها مجرد محاولة لكسب الوقت وإعادة ترتيب الصفوف استعداداً لجولة جديدة من الصراع؟ ويطرح ذلك سؤالين لا يمكن القفز فوقهما: إذا كان دعاة الحرب مستعدين اليوم للقبول بالتفاوض، فلماذا تأخر هذا الاستعداد كل هذه السنوات رغم الكلفة الإنسانية الهائلة التي دفعها الشعب السوداني من دمائه وأرزاقه ومستقبل أبنائه؟ ولماذا ظل تحالف "صمود" متمسكاً بخيار التفاوض والحل السياسي منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم؟ إن الإجابة عن هذين السؤالين ضرورية لفهم طبيعة الأزمة السودانية. فالتجربة السودانية أثبتت أن الحروب لا تنشأ من فراغ، بل من بنية سياسية مختلة ظلت تمنح السلاح والتنظيمات العقائدية سلطة تفوق سلطة المجتمع والدولة. ومن هنا فإن أي سلام حقيقي ومستدام لا يمكن أن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يجب أن يقود إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تقوم على المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون، مع تقليص نفوذ القوى العسكرية والتنظيمات العقائدية على القرار الوطني. أما تحالف "صمود"، فقد جعل من وقف الحرب أولوية قصوى باعتبارها المدخل الضروري لأي تحول سياسي لاحق. غير أنني أرى أن التحالف لم يمارس القدر الكافي من الضغط السياسي على الإسلاميين الذين يملكون نفوذاً واسعاً داخل المؤسسة العسكرية، ولم ينجح في تحويل هذا الملف إلى محور رئيسي في خطابه السياسي والإعلامي. كما أن بعض مواقف التحالف بدت وكأنها تضع الإسلاميين وقوات الدعم السريع في خانة واحدة، رغم الاختلافات الواضحة في الخلفيات السياسية والأهداف وطبيعة المسؤولية عن اندلاع الحرب. وأرى أن هذا التبسيط لا يساعد على بناء تحالف واسع قادر على إنهاء الحرب وتفكيك البنية السياسية التي أعادت إنتاجها. ولا يعني ذلك تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع أو غيرها من الأطراف المسلحة، فالمساءلة والعدالة تمثلان شرطاً أساسياً لبناء دولة القانون. غير أن هناك فرقاً بين الانتهاكات التي تنتج عن ضعف الانضباط داخل بعض الوحدات العسكرية، وبين مشروع سياسي متكامل يقوم على توظيف الدين في الصراع السياسي وتبرير العنف ضد الخصوم. لقد أثبتت التجربة السودانية، في تقديري، أن أخطر ما يهدد بناء الدولة المدنية الديمقراطية هو استمرار نفوذ التيارات التي تستخدم الدين غطاءً للمشروع السياسي وتستبيح خصومها باسم العقيدة والجهاد. ولذلك فإن إضعاف النفوذ العسكري والسياسي للحركة الإسلامية يظل شرطاً أساسياً لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقية. يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن تنجح القوى السياسية والمدنية والمسلحة في فرض مسار سلام حقيقي يضع حداً للحرب ويؤسس لدولة المواطنة والديمقراطية، وإما أن تستمر دوامة العنف والانقسام بما تحمله من مزيد من الدمار والتشريد والمعاناة. إن مسؤولية إنقاذ السودان لا تقع على طرف واحد، لكنها تبدأ بالاعتراف الصريح بجذور الأزمة والقوى التي ساهمت في إنتاجها، ثم العمل على بناء مشروع وطني جديد يفتح الطريق أمام السلام والعدالة والتنمية والدولة الديمقراطية الحديثة.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #2
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: Biraima M Adam
Date: 06-05-2026, 00:22 AM
Parent: #1
عوداً حميداً يا ول أبا بكرى
غبت غيبة طويلة؛ مقال ماتع.
بريمة
|
Post: #3
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: Yasir Elsharif
Date: 06-05-2026, 09:38 AM
Parent: #2
سلام يا بكري
وشكرا على اختيار هذا المقال الممتاز ونشره هنا. والتحية لكاتبه طلعت محمد الطيب
ياسر
| Quote: لقد أثبتت التجربة السودانية، في تقديري، أن أخطر ما يهدد بناء الدولة المدنية الديمقراطية هو استمرار نفوذ التيارات التي تستخدم الدين غطاءً للمشروع السياسي وتستبيح خصومها باسم العقيدة والجهاد. ولذلك فإن إضعاف النفوذ العسكري والسياسي للحركة الإسلامية يظل شرطاً أساسياً لأي عملية تحول ديمقراطي حقيقية. |
|
Post: #4
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-07-2026, 00:42 AM
Parent: #3
ملاحظاتي حول الأداء السياسي والعسكري لتحالف تأسيس
من خلال متابعتي، رغمًا عني، لهذه الحرب اللعينة، توصلت إلى بعض القناعات والملاحظات، مع إدراكي أن هناك الكثير من المعلومات التي قد لا تزال غائبة عني. غير أن من بين الثوابت التي استقرت لدي، بعد متابعة أعتقد أنها جادة ومسؤولة، أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 فُرضت على قوات الدعم السريع ولم تكن خيارها المعلن منذ البداية.
كما أرى أن قوات تأسيس، رغم امتلاكها لقدرات عسكرية متطورة من بينها الطائرات المسيّرة، لم تنتهج سياسة استهداف الأسواق المدنية في مدن مثل عطبرة أو شندي، على النحو الذي شهدناه في مناطق أخرى من البلاد اذ درج الجيش ومليشياته على قذف مناطق مكتظة بالمدنيين موقعا خسارات فادحة فى الارواح البريئة. كذلك يُحسب لتحالف تأسيس تبنيه، على المستوى السياسي، موقفاً أكثر انفتاحاً تجاه المبادرات الداعية إلى وقف الحرب وتحقيق السلام، إذ شارك في مختلف المنابر والحوارات المطروحة، بينما ظل الطرف الآخر، في تقديري، أكثر ميلاً إلى التعنت والمناورة ورفض كثير من المبادرات المطروحة منذ اندلاع الحرب.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل ما يُؤخذ على بعض عناصر وقادة قوات تأسيس الميدانيين من ضعف الانضباط في بعض المناطق، ووقوع تجاوزات وانتهاكات بحق المواطنين، خاصة في ولاية الجزيرة خلال الفترة التي كان فيها أبو عاقلة كيكل ضمن صفوف الدعم السريع، إضافة إلى حوادث أخرى شهدتها مناطق مختلفة من السودان. وهذه الانتهاكات تستوجب الإدانة والمحاسبة أياً كان مرتكبوها.
أما على مستوى القيادة السياسية والعسكرية العليا فقد اظهرت قيادات" تأسيس "، قدراً من المرونة والانفتاح في التعامل مع قضايا الحرب والسلام، من خلال إرسال ممثليها إلى مختلف المبادرات والوساطات الإقليمية والدولية، بغض النظر عن خلفيات الجهات الراعية لها أو أجنداتها السياسية.
وفي هذا السياق، أرى أن من المهم أن تنأى قيادات معسكر "تأسيس " عن اللغة الخشنة في مخاطبة القوى الإقليمية المؤثرة، وأن تحافظ على قنوات الحوار والتواصل معها، مهما كانت طبيعة الانحيازات أو المواقف التي تبنتها تلك الحكومات خلال فترة الحرب. فالعلاقات السياسية تُبنى على المصالح المتبادلة أكثر مما تُبنى على العواطف أو المواقف الآنية.
إن قوات تأسيس تمثل، في نظر كثيرين، ظاهرة سياسية جديدة في السودان. ومن الطبيعي أن يثير أي مشروع جديد قدراً من القلق والتوجس لدى قطاعات واسعة من المجتمع المحلى والاقليمى، بخلاف القوى التقليدية المعروفة التي اعتاد السودانيون التعامل معها، سواء كانت من الإسلاميين أو من القوى السياسية المعارضة لهم. ولذلك فإن بناء الثقة الداخلية، إلى جانب تأسيس علاقات إقليمية ودولية متوازنة تراعي المصالح المشتركة، يظل مهمة طويلة ومعقدة تتطلب الصبر والحكمة والنفس الطويل، لكنها تبدو أكثر واقعية وفاعلية في التعامل مع تعقيدات المشهد السوداني والإقليمي.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #5
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-07-2026, 04:32 AM
Parent: #4
الأعزاء بكرى وبريمة وياسر محبتي وتحياتى
|
Post: #6
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-07-2026, 05:46 PM
Parent: #5
https://sudanile.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D9%81%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%85-%D9%88/https://sudanile.com/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D...%D8%A7%D9%85-%D9%88/
https://www.facebook.com/share/r/1TP31hEQze/؟mibextid=wwXIfr
|
Post: #7
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-07-2026, 05:49 PM
Parent: #6
في الذكرى السابعة لجريمة فض الاعتصام ومرور أربعة وثلاثين عاماً على اغتيال فرج فودة
بالتزامن مع الذكرى السابعة لجريمة فض اعتصام القيادة العامة، ومرور أربعة وثلاثين عاماً على اغتيال المفكر المصري الشهيد د. فرج فودة ، شاهدت مؤخراً على موقع يوتيوب حديثاً للإعلامي المصري الاستاذ سامح عيد ، الذي درج على استحضار تجربة فرج فودة في شهر يونيو من كل عام، وهو الشهر الذي شهد اغتياله عام 1992.
تذكرنا هذه المناسبة بحملة الشائعات والاتهامات التي ظل يروج لها الكيزان ضد الشباب المعتصمين في القيادة العامة، من مزاعم أخلاقية ودينية لا سند لها. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن تلك الشائعات لم تكن مجرد مواقف عابرة، بل كانت جزءاً من عملية تهيئة للرأي العام سبقت جريمة فض الاعتصام ومهدت لها.
كان فرج فودة من أكثر المفكرين الذين نبهوا إلى خطورة الشائعات التي يوظفها تيار الإسلام السياسي قبل ارتكاب أعمال العنف أو تبريرها. وقد أشار إلى أمثلة عديدة من التاريخ المصري الحديث، منها الشائعات التي سبقت أحداث الزاوية الحمراء وبعض الفتن الطائفية، مثل الادعاء بأن أطباء أقباطاً يقومون سراً بتعقيم النساء المسلمات، أو أن الأقباط يسعون إلى إقامة دولة مستقلة داخل مصر. ورغم سذاجة هذه المزاعم، فإنها وجدت من يصدقها بسبب ضعف الثقافة النقدية وانتشار التفكير العاطفي وسط قطاعات واسعة من المجتمع.
ويذكر فرج فودة أنه عندما قرر خوض الانتخابات في إحدى دوائر القاهرة، فوجئ بتوزيع عشرات الآلاف من المنشورات التي تصفه بأنه علماني وكافر وصهيوني وشيوعى !!، وتتهمه بالإساءة إلى الصحابة وآل البيت. ولم تكتف تلك المنشورات بإطلاق الاتهامات، بل أوردت أرقام صفحات ومراجع مزعومة من كتبه دون ذكر عناوينها. وقد اعترف فودة بأنه لم يكن يتوقع أن تؤثر هذه الأكاذيب في الناخبين، لكنه فوجئ بحجم العداء الذي واجهه داخل الدائرة الانتخابية، حتى أن مندوبيه وجدوا صعوبة في التواصل مع المواطنين وعرض برنامجه الانتخابي.
حاول لاحقاً مواجهة تلك الحملة بإعلان مكافأة مالية لمن يثبت صحة أي من الاتهامات المنسوبة إليه في كتبه، كما خفض أسعار مؤلفاته لتشجيع الناس على قراءتها والتحقق بأنفسهم من حقيقة ما يُنشر عنه. لكن تأثير الشائعة كان أقوى من تأثير الحقيقة، خاصة عندما تجد الشائعة بيئة مستعدة لتصديقها.
كما استحضر فرج فودة واقعة أقدم تعود إلى عام 1913، حين ترشح المفكر المصري أحمد لطفى السيد لانتخابات الجمعية التشريعية فى احدى الدوائر الريفية. فقد أطلق خصومه شائعة بأنه "ديمقراطي"، وتم تقديم الديمقراطية للناس البسطاء باعتبارها مرادفاً للانحلال الأخلاقي والإباحية والخروج على القيم والتقاليد. وعندما سُئل لطفي السيد عما إذا كان ديمقراطياً، أجاب بالإيجاب. وكانت النتيجة أن تعرضت حملته لهجوم من الغوغاء، وتم تخريب الصيوان الانتخابي وإلغاء اللقاء الجماهيري، وخسر الرجل الذي عُرف لاحقاً بأبي الديمقراطية المصرية الانتخابات لأنه كان ـ بحسب الدعاية المضادة ـ "ديمقراطياً، والعِياذ بالله".
إن استدعاء هذه الوقائع التاريخية ليس من باب المقارنة المباشرة، بل للتذكير بأن الشائعات المنظمة والتحريض المنهجي كانا دائماً من أخطر الأسلحة المستخدمة من قبل الاخوان المسلمين في الصراع السياسي. فقبل كل جريمة كبرى تقريباً، توجد حملة لتجريد الضحايا من إنسانيتهم، وتشويه صورتهم، وإقناع الناس بأن ما سيقع عليهم أمر مستحق أو مبرر. ولهذا فإن مقاومة الشائعات والدفاع عن الحقيقة يظلان جزءاً أساسياً من معركة بناء مجتمع ديمقراطي يحترم الإنسان وكرامته.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #8
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-07-2026, 05:49 PM
Parent: #6
مكرر
|
Post: #9
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: أبوبكر عباس
Date: 06-08-2026, 01:00 PM
Parent: #8
يا أخوانا عليكم الله طلعت الطيب دا بخجل؟ كيف يا أستاذ طلعت تتجاوز عن ارتكاب قوات تأسيس للإبادة الجماعية في الفاشر؟! إبادة الفاشر هي أكبر جريمة ضد المدنيين شهدتها هذه الحرب
|
Post: #10
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-08-2026, 04:33 PM
Parent: #9
ملاحظاتي حول الأداء السياسي والعسكري لتحالف تأسيس (2-2)
سعدت وأنا أرى دموع الفرح والأمل في عيون الأبناء والبنات من طلاب الشهادة الثانوية في كردفان ودارفور، أولئك الذين حرمتهم الحرب من حقهم في التعليم لسنوات. وأرى أن تمكين هؤلاء الطلاب من الجلوس للامتحانات يمثل واحداً من أهم الإنجازات التي حققتها حكومة تأسيس حتى الآن، رغم أن الطريق ما زال طويلاً أمامها في مجالات الأمن والخدمات الأساسية للمواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرتها. ومن المفارقات أن أي إنجاز تحققه حكومة تأسيس، مهما بلغت أهميته، يُقابل بالتقليل من شأنه أو يُصوَّر باعتباره تكريساً لتقسيم البلاد. غير أنني أرى الأمر من زاوية مختلفة؛ فالمناطق التي سيطرت عليها قوات تأسيس ثم شرعت في إدارتها تمثل، في تقديري، تحرراً لأجزاء مهمة من الوطن من هيمنة مشروع الإسلام السياسي الذي أرهق الدولة والمجتمع لعقود طويلة. إنها عملية استعادة لمؤسسات ومقدرات البلاد لتعمل في خدمة المواطنين بدلاً من توظيفها لخدمة مشروع سياسي ظل ينهك السودان لأكثر من ثلاثة عقود ونصف. ومع ذلك، لا يزال الكثير مطلوباً من حكومة تأسيس في مجال التعليم. ويأتي في مقدمة ذلك العمل على تأمين الاعتراف بالشهادة الثانوية، حتى تُسكت الأصوات المشككة في مشروعيتها، رغم أن كثيرين يرون أنها أكثر نزاهة وتأميناً من الامتحانات التي أُجريت تحت إشراف حكومة بورتكيزان ، والتي تعرضت لاتهامات وتسريبات متكررة كادت تجعل تسريب الامتحانات لأصحاب النفوذ أمراً معتاداً لا استثناءً. إن استئناف العملية التعليمية بعد توقف دام ثلاث سنوات يُعد خطوة بالغة الأهمية، لأنه أتاح فرصة التعليم لأبناء وبنات الأسر البسيطة الذين لا يملكون القدرة على إرسال أبنائهم إلى المدارس أو الجامعات الخاصة داخل السودان أو خارجه، كما يفعل أصحاب الامتيازات والقدرات المالية من الفلول. وأرى أن ما تحقق يمثل بداية طيبة لحكومة تأسيس، وآمل أن يستمر ويتحول إلى استراتيجية متكاملة لإصلاح التعليم بعد انتهاء الحرب وتجاوز آثارها. فالسودان لا يحتاج فقط إلى إعادة فتح المدارس، بل يحتاج أيضاً إلى تطوير المناهج والمؤسسات التعليمية بما يعزز قيم التسامح والمواطنة المتساوية وحقوق الإنسان، وهي قيم حُرمت منها أجيال كاملة منذ انقلاب الإنقاذ عام 1989م. إن بناء مستقبل مستقر للسودان يبدأ من بناء الإنسان السوداني، ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر تعليم حديث يرسخ ثقافة السلام والتعايش واحترام التنوع، ويضع مصلحة الوطن فوق كل المشاريع الأيديولوجية الضيقة.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #11
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-09-2026, 11:04 AM
Parent: #10
مفهوم الوجود والأصالة عند جيل الاستقلال
لرصد الموقف من الوجود عند بعض رموز جيل الاستقلال السوداني، يمكن التوقف عند نماذج بعينها، من بينها الراحل الأستاذ التجاني الطيب بابكر. فبعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك الكتلة الاشتراكية التي كانت تدور في فلكه، فتح الحزبم الشيوعي السوداني باب المناقشة العامة لمراجعة تجربة الاشتراكية والوقوف على أسباب ذلك السقوط المدوي. غير أن تلك المناقشة، في نظر كثيرين، لم تُحسم فكرياً بالقدر الذي كانت تتطلبه طبيعة الأزمة، بل انتهت إلى معالجات تنظيمية وإدارية أكثر منها مراجعات فلسفية عميقة. وربما لهذا السبب لم يستغرب بعض المراقبين أن يبدأ المرحوم محمد إبراهيم نقد ورقته الأساسية بمناقشة اللائحة التنظيمية للحزب.
ولا يزال المجال السياسي السوداني يدفع ثمن ذلك الإخفاق؛ إذ عجز الحزب الشيوعي عن تقديم مراجعة فكرية شاملة لتجربته، الأمر الذي أضعف تأثيره في الحياة السياسية وأفقده كثيراً من قدرته على الإسهام الفاعل في بناء معارضة موحدة في مواجهة الإسلاميين.
لكن ما يعنينا هنا ليس تقييم التجربة السياسية للحزب، وإنما التوقف عند دلالة موقف أعلنه التجاني الطيب عندما ارتفعت بعض الأصوات مطالبة بحل الحزب الشيوعي أو تغيير اسمه. فقد رفض ذلك بشدة، وقال ما معناه إنه حتى لو صدر قرار بأغلبية ساحقة بحل الحزب فإنه لن يمتثل له، لأن ذلك يعني بالنسبة إليه إلغاء معنى وجوده ذاته.
تكشف هذه العبارة عن علاقة عميقة بين الإنسان وفكرته المركزية؛ فالحزب لم يكن مجرد تنظيم سياسي بالنسبة للتجاني الطيب، بل أصبح جزءاً من تعريفه لنفسه ولحياته ومعنى وجوده. وهنا يقترب مفهوم الوجود من ذلك التصور الفلسفي الذي ظل سائداً قروناً طويلة، والذي يرى أن الإنسان يكرس حياته سعياً وراء حقيقة يعتقد أنها تمنح لحياته المعنى والاتجاه. ويبدو أن الماركسية اللينينية كانت تمثل بالنسبة إليه تلك الحقيقة التي تشكل حولها وعيه ومسيرته النضالية.
في المقابل، برز مفهوم "الأصالة" في الفكر السوداني الحديث من خلال المدرسة الجمهورية، حيث احتل موقعاً مهماً في فكر الشهيد الأستاذ محمود محمد طه. غير أن هذا المفهوم اكتسب شهرته الفلسفية العالمية قبل ذلك بسنوات مع صدور كتاب "الكينونة والزمان" للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر عام 1927.
أحدث هايدغر انقلاباً عميقاً في مسار الفلسفة الغربية عندما انتقد انشغالها التقليدي بأسئلة المعرفة واليقين والحقيقة المجردة، ودعا إلى العودة إلى السؤال الأكثر أصالة: ماذا يعني أن يكون الإنسان موجوداً؟
يرى هايدغر أن الإنسان يُلقى في هذا العالم دون اختيار؛ فهو لا يختار أسرته ولا لغته ولا زمانه ولا بيئته الثقافية. ومع ذلك فإنه يظل مسؤولاً عن الخيارات التي يتخذها وعن الكيفية التي يعيش بها حياته. ومن هنا ينشأ مفهوم الأصالة، أي أن يحيا الإنسان وفق قناعاته واختياراته الخاصة، لا أن يذوب في الجماعة أو يستعير آراء الآخرين دون تفكير.
وتتجلى الأصالة بصورة أوضح عندما يدرك الإنسان أنه كائن متجه نحو الموت. فالموت، في نظر هايدغر، هو الحقيقة الشخصية الأكثر يقيناً، لأنه تجربة لا يمكن لأحد أن يعيشها نيابة عن أحد. وعندما يواجه الإنسان هذه الحقيقة بشجاعة، يتحرر من أوهام الحياة اليومية ومن الانشغال المستمر بالترفيه والاستهلاك والروتين الذي يبدد الزمن ويؤجل الأسئلة الكبرى.
كما انتقد هايدغر النظرة التقنية الحديثة التي تتعامل مع كل شيء بمنطق المنفعة والاستخدام؛ فالغابات تصبح مجرد مخزون للأخشاب، والأنهار مجرد مصدر للطاقة، والإنسان نفسه يتحول إلى "مورد بشري" في خطط التنمية الاقتصادية. وخطورة هذه النظرة أنها تضعف قدرة الإنسان على التأمل العميق في معنى الوجود.
ولهذا منح الفن والأدب والشعر مكانة خاصة، باعتبارها مجالات تساعد الإنسان على الانفتاح على الوجود بصورة أكثر أصالة من العقل التقني الذي هيمن على الحداثة.
ولأن اللغة، في نظره، ليست مجرد أداة للتواصل بل هي البيت الذي يسكنه الوجود، فقد ابتكر مصطلحات فلسفية خاصة جعلت أعماله شديدة الصعوبة. ومن أشهر هذه المصطلحات كلمة "دازاين" (Dasein)، التي تعني حرفياً "الوجود هنا". وقد استخدمها للإشارة إلى الإنسان بوصفه الكائن الذي ينكشف من خلاله معنى الوجود، بدلاً من التعريفات التقليدية التي اختزلته في كونه حيواناً عاقلاً أو جسداً تسكنه روح.
وفق هذا التصور، فإن الإنسان الأصيل هو الذي يدرك معنى وجوده ويتحمل مسؤولية خياراته، ويستعد لمواجهة الموت دون أن يتخلى عن قناعاته الأساسية مهما كانت التحديات. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى موقف الأستاذ محمود محمد طه وهو يواجه الموت بثبات وهدوء، غير عابئ بصيحات خصومه أو ضغوط السلطة. فقد ظل طوال حياته يدعو إلى الحرية والتسامح واحترام الإنسان بغض النظر عن أصله أو معتقده.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن صاحب أحد أهم الكتب الفلسفية في القرن العشرين سقط سياسياً وأخلاقياً عندما انضم إلى الحزب النازي في ألمانيا. وقد ظل هذا الموقف يلاحق فلسفة هايدغر حتى يومنا هذا، وأثار سؤالاً لم يجد إجابة نهائية: هل يمكن الفصل بين عظمة الفيلسوف وأخطائه الأخلاقية، أم أن السقوط الأخلاقي يلقي بظلاله على المشروع الفكري بأكمله؟
وربما تكمن أهمية هذه المقارنة في أنها تضعنا أمام سؤال يتجاوز الأشخاص والأفكار معاً: هل تُقاس أصالة الإنسان بما يعلنه من مبادئ ونظريات، أم بما يفعله عندما يواجه الامتحان الحقيقي في لحظات الخوف والعزلة والمصير؟
ذلك سؤال ما زال مفتوحاً أمام الفلسفة والسياسة والتجربة الإنسانية كلها. هل انتماء هايدغر للحزب النازى يعد ارتدادا نحو هوية جماعية ؟!
طلعت محمد الطيب
|
Post: #12
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-10-2026, 02:51 PM
Parent: #11
مفهوم الوجود والاصالة عند جيل الاستقلال (٢-٢)
حينما كنت صغيرا اعتقدت ان الوجودية تعنى الالحاد نظرا لشهرة وصعود نجم الفرنسى جان بول سارتر آنذاك، لكن تاكد لى فيما بعد ان الوجودية مذهب انسانى يضع الوجود قبل الماهية. ثم لاننى اكتشفت ان الاب المؤسس للوجودية كان سورين كيركيغارد ( 1813- 1855) الممثل العظيم للوجودية المسيحية .فالإنسان عنده (يوجد) او يولد أولا ثم يشكل ماهيته وهويته لاحقا من خلال قراراته واختياراته الحرة التى يتحمل مسؤوليتها بالكامل. وهو فيلسوف لاهوتى ثار على الفلسفة العقلانية والنظم التاريخية ( مثل فلسفة هيغل وتأليهه للتاريخ) ووضع الإنسان الفرد ومشاعره وقراراته فى قلب الفلسفة لان الانسان هو صاحب الحضور المركزي فى هذا العالم وهو الذى يعطى للحياة معناها . ويعتبر كيركيغارد المؤسس للوجودية المعاصرة قبل هايدغر وسارتر بزمن طويل . رفض كيركيغارد بشدة تحول الإيمان الى مجرد طقوس اجتماعية وعادات موروثة، وكان ناقدا لاذعا لكنيسة الدولة فى الدنمارك. قرأت مؤخرا مقالا للقيادى الشيوعى تاج السر عثمان بابو تحت عنوان " خطر تكريس الانقسام بعقد امتحانين للشهاده السودانية " ، صحيح انه لم يقم بادانة مبادرة حكومة السلام بتنظيمها للامتحانات الشهادة فى كردفان ودارفور ، لكنه كان منشغل اكثر بخطورة تكريس تقسيم السودان وربما كان ذلك خوفا مبررا لكننى فقط اشير هنا الى "اثر فأس" فلسفة هيغل على الماركسية اللينينة الى تقوم بتأليه التاريخ والبناءات مثل مفهوم الدولة على حساب الانسان نفسه مع ان البناءات structures مثل الدولة والمجتمع والمؤسسات يحب ان تكون من اجل الانسان ، بدلا عن ان تتحول الى أصنام تعبد فى حد ذاتها كى نقوم بتأليهها. ويبدو ان الاستاذ تاج السر لم يتأمل جيدا دموع الفرح فى أعين الطلاب والطالبات، لانه كان مشغولا بتلك اليناءات وفى هذا واحدا من أخطر عيوب الحداثة الاولى. فى العام ١٩٨٥ م قام الاب فيليب عباس غبوش رئيس اتحاد جبال النوبة بطلب العفو من نميرى بعد اتهامه بالقيام بانشطة معادية للدولة خاصة معارضته للقوانين سبتمبر ١٩٨٣م وقد كان مشهدا مخزيا اذا ما قارناه بمواقف الراحل يوسف كوة مكى رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والذى شغل رئيسا لبرلمان اقليم كردفان، فقد كان الرجل ذو مواقف صلبه وكان بالتأكيد الأكثر انضباطا. المفارقة ان إصدار نميرى قرارا بالعفو عن الاب فيليب وإطلاق سراحه كان قد تزامن وقتها مع رفض الشهيد الاستاذ محمود محمد طه اعلان تراجعه عن معارضته لقوانين سبتمبر ٨٣ معلنا انها جاءت بغرض اذلال المواطن ولا علاقة لها بالاسلام. الأصالة تعنى تقديم الوجود على الماهية واتخاذ قرارات وتحمل نتائجها، وقد جسد الاستاذ محمود فى حياته ومماته أهمية المسؤولية الفردية . ان القلق الوجودى يعنى تبنى خيارات فى مواجهة فكرة الموت لانه مصير كل إنسان، ولذلك سمعت ان الرجل كان كثير الخلوة مع نفسه ، وانه كان شديد الانضباط well disciplined فى كل شئ ولا عجب فى ذلك لان الانضباط يعنى اننا لا نسعى الى تحقيق ما نريده الان، فقط ، ولكننا نسعى ونصبر ونثابر بغرض تحقيق الافضل دائما، والافضل دائما هو تحقيق الغايات والقيم العليا والسامية.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #13
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-12-2026, 10:23 AM
Parent: #12
الحكم الصومالي عمر أرتان وقيم الكفاءة والمؤسسية
أثار ما نُشر حول تعرض الحكم الصومالي عمر عبد الله أرتان، البالغ من العمر 34 عاماً، للتحقيق والاحتجاز لساعات طويلة في مطار ميامي الأمريكي قبل منعه من دخول الولايات المتحدة، ردود فعل واسعة في الأوساط الرياضية والإعلامية. ويُعد أرتان واحداً من أبرز الحكام الصاعدين في القارة الأفريقية، إذ اختارته الفيفا حكماً دولياً منذ عام 2018 بعد سنوات من العمل والتدرج وإثبات الكفاءة. ولذلك فإن حرمانه من أداء المهمة التي وقع عليه الاختيار من أجلها أثار تساؤلات عديدة حول المعايير التي تحكم مثل هذه القرارات وآثارها على مبدأ تكافؤ الفرص في المجال الرياضي. اللافت للنظر أن ردود الفعل على هذه الحادثة جاءت متباينة. فبينما أكد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أن المنظمة لا تتدخل في قرارات الحكومات والدول، اتخذ الاتحاد الأوروبي لكرة القدم موقفاً مختلفاً عندما أعلن اختيار الحكم الصومالي لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي المقررة في أغسطس المقبل بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا. ويبدو أن هذه الخطوة حملت رسالة رمزية مهمة مفادها أن الكفاءة المهنية والالتزام يجب أن يظلا المعيار الأساسي في تقييم الأفراد، بغض النظر عن خلفياتهم القومية أو العرقية أو الدينية. فالتقدير الذي حظي به أرتان لم يكن منحة أو مجاملة، بل جاء نتيجة مسيرة مهنية أهلته للوصول إلى هذا المستوى الرفيع من التحكيم الدولي. وتسلط هذه القضية الضوء على جدل أوسع يتعلق بالعلاقة بين السلطة والمؤسسات. فالمؤسسات الحديثة تُبنى على قواعد وإجراءات تهدف إلى ضمان العدالة والموضوعية، وهى تمثل قرارات الجماعة وتجسد حكمة البشر ، بينما يؤدي تغليب الانطباعات الشخصية أو الاعتبارات السياسية الضيقة إلى إضعاف الثقة في تلك المؤسسات. ومن هذا المنطلق، فإن أي إجراءات تؤدي إلى استبعاد أصحاب الكفاءة من أداء مهامهم تستحق المراجعة والنقاش، خاصة عندما تكون آثارها متصلة بمبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص. كما أن الدفاع عن هذه المبادئ لا يقتصر على المجال الرياضي وحده، بل يمتد إلى مختلف مجالات الحياة العامة. ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الواقعة هو أن المجتمعات والمؤسسات تتقدم عندما تجعل الكفاءة والنزاهة أساساً للاختيار والتقدير، وتتراجع عندما تسمح للاعتبارات الأخرى بأن تحل محل الجدارة والاستحقاق. ويبدو ان ادارة ترمب التى خسرت العديد من القضايا امام المحاكم الأمريكية لا تختلف فى جوهرها كثيرا عن المشروع الحضارى الذى ابتلينا به فى السودان منذ اكثر من ثلاثة عقود ونصف من انقلاب الاسلاميين على الديمقراطية الثالثة فى السودان والذى ظل يغلب الولاء على الكفاءات الوطنية.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #14
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-14-2026, 10:16 AM
Parent: #13
العلم والإيمان: هل يلتقيان؟
رفض الإمام الغزالي في كتاب تهافت الفلاسفة فكرة الضرورة السببية كما قال بها الفلاسفة المسلمون، مثل ابن سينا والفارابي، واعتمد بدلاً منها على مفهوم "الاقتران بالعادة". ويمكن تلخيص موقفه في ثلاث نقاط رئيسية: الله هو الفاعل الحقيقي الوحيد في الكون، أما ما نراه من أسباب ومسببات فليس سوى اقتران يخلقه الله باستمرار. العلاقة بين السبب والنتيجة ليست ضرورية في ذاتها، إذ يستطيع الله أن يخلق الاحتراق دون نار أو الشبع دون طعام. انتظام الظواهر الطبيعية يرجع إلى "عادة إلهية" جرت بها السنن الكونية، وليس إلى قوى ذاتية كامنة في الأشياء. وقد أثارت هذه النظرية جدلاً واسعاً، كان أبرز ردودها ما قدمه الفيلسوف ابن رشد في كتاب تهافت التهافت، حيث دافع عن مبدأ السببية ورأى أن إنكارها يقوض أسس المعرفة العلمية ويجعل انتظام الكون أمراً غير قابل للفهم. ومع كامل الاحترام والتقدير لمساهمة الشهيد محمود محمد طه في نقل وإحياء جانب مهم من التراث الصوفي الإسلامي، فإن تأويل بعض المعجزات القرآنية باعتبارها دليلاً على انتفاء العلاقة السببية يثير إشكالاً معرفياً يتمثل في الخلط بين مجال الإيمان ومجال العلم. فالإيمان يطرح أسئلة من قبيل: لماذا خلق الكون؟ ولماذا وُجد الإنسان؟ وهي أسئلة تتعلق بالمعنى والغاية والقيمة. أما العلم فينشغل بأسئلة مختلفة: كيف نشأ الكون؟ وكيف تعمل الظواهر الطبيعية؟ وما الآليات التي تحكمها؟ ولذلك يعتمد العلم على مبدأ السببية وقابلية الظواهر للملاحظة والاختبار والتفسير. وعندما يحاول العلم الإجابة عن سؤال "لماذا" بالمعنى الغائي أو النهائي، فإنه يتجاوز مجاله الطبيعي. وفي المقابل، عندما يحاول الإيمان تقديم إجابات تفصيلية عن "كيف" تعمل الطبيعة، فإنه يدخل مجالاً هو من اختصاص البحث العلمي. ويُستشهد أحياناً بموقف ألبرت أينشتاين الذي أعلن رفضه لفكرة الإله الشخصي في الديانات الإبراهيمية، وتحدث بدلاً من ذلك عن إعجابه بالنظام الكامن في الطبيعة، وهو موقف قريب مما عُرف تاريخياً بإله الفيلسوف باروخ سبينوزا. غير أن أينشتاين نفسه دخل في خلاف شهير مع رواد ميكانيكا الكم، إذ لم يتقبل الطبيعة الاحتمالية للعالم الذري، معبراً عن ذلك بعبارته الشهيرة: "إن الله لا يلعب النرد". لكن تطور فيزياء الكم أظهر أن كثيراً من الظواهر على المستوى الذري لا يمكن وصفها بالحتمية الكلاسيكية التي تصورها نيوتن وأينشتاين. وتجربة الشقين المزدوجين تعد من أشهر الأمثلة على ذلك، حيث تُظهر الجسيمات المجهرية سلوكاً موجياً واحتمالياً لا ينسجم مع التصورات التقليدية للسببية الميكانيكية. ومع ذلك، لا تعني ميكانيكا الكم غياب القوانين أو انتفاء السببية، بل تعني أن القوانين نفسها تأخذ شكلاً احتمالياً بدلاً من الشكل الحتمي الذي ساد في الفيزياء الكلاسيكية. الإيمان يمنح الإنسان شعوراً بالمعنى والطمأنينة، ويجيب عن أسئلة الوجود الكبرى. أما العلم فيوفر أدوات لفهم العالم الطبيعي واختبار الفرضيات وتصحيح الأخطاء. والمشكلة لا تنشأ من وجود الإيمان أو العلم، بل من الخلط بين المجالين ومحاولة أحدهما القيام بوظيفة الآخر. إن تاريخ الحضارة الإنسانية يشير إلى أن التقدم العلمي يبدأ من الشك المنهجي والسؤال المستمر والتحقق من الادعاءات، بينما يقوم الإيمان على اليقين والثقة في معانٍ تتجاوز حدود الاختبار التجريبي. ولهذا فإن العلاقة الصحية بينهما ليست علاقة صراع أو تطابق كامل، بل علاقة تمييز بين مجالين مختلفين من مجالات المعرفة الإنسانية.
ملاحظة فلسفية: كثير من فلاسفة العلم المعاصرين لا يرون أن الإيمان بالضرورة يغلق باب العلم. فعدد كبير من مؤسسي العلم الحديث كانوا مؤمنين، لكنهم فصلوا بين التفسير الديني للمعنى والغاية وبين التفسير العلمي للظواهر الطبيعية. لذا فإن النقاش الحقيقي ربما لا يكون بين "العلم والإيمان"، بل بين التفسير العلمي والتفسير غير العلمي للظواهر الطبيعية.
طلعت محمد الطيب
|
Post: #15
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-14-2026, 10:17 AM
Parent: #14
العلم والإيمان: هل يلتقيان؟ (٢-٢)
لقد شكّل النص المقدس الذي استُخدم في تفسير حركة الكون حجر عثرة أمام أفكار كوبرنيكوس، رغم أنه كان محقاً في استنتاجه بأن الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس كما كان سائداً في التصور البطلمي. ويشبه ذلك بعض التصورات القديمة التي نشأت من الملاحظة المباشرة، مثل الاعتقاد بأن الشمس تتحرك حول الأرض لأنها تبدو كذلك للعين المجردة.
والمدهش أن الفلكي البولندي نيكولاس كوبرنيكوس لم يسعَ إلى تقويض الإيمان الديني، بل كان هدفه الأساسي إظهار عظمة الخالق من خلال الكشف عن النظام الدقيق للكون. وقد أمضى أكثر من ثلاثة عقود في دراسة فرضياته الرياضية والتأكد من صحتها، مدركاً في الوقت نفسه أنه يواجه منظومة فكرية راسخة تقوم على فلك بطليموس ومنطق أرسطو، وهي منظومة هيمنت على العالم القديم لقرون طويلة وقدّمت تفسيرات تتوافق مع ما يراه الإنسان مباشرة، ثم اكتسبت مع الزمن هالة من القداسة.
وفي عام 1542 أصيب كوبرنيكوس بسكتة دماغية أفقدته القدرة على الدفاع عن أفكاره. وعندما نُشر كتابه الشهير «حول دوران الأجرام السماوية»، أضيفت إليه مقدمة من أحد رجال الدين توحي للقارئ بأن ما ورد فيه مجرد فرضيات رياضية تهدف إلى تحسين الحسابات الفلكية والتقويم، لا إلى وصف الواقع الفعلي للكون. وقد ساهم ذلك، إلى جانب معارضة المؤسسات الدينية، في تأخير انتشار أفكاره لعقود طويلة. ولم يقتصر الرفض على الكنيسة الكاثوليكية، بل امتد إلى بعض رموز الإصلاح البروتستانتي، مثل مارتن لوثر وجون كالفن، اللذين اعتبرا نظريته خروجاً على المألوف الديني.
ويبدو أن تردد كوبرنيكوس في نشر اكتشافاته خوفاً من ردود الفعل الدينية ساهم هو الآخر في تأخير الاعتراف بأهمية إنجازه العلمي. غير أن المفارقة تظهر بصورة مختلفة مع تشارلز داروين، الذي تأخر بدوره سنوات طويلة قبل نشر أفكاره حول التطور. فقد منح هذا التأخير خصومه فرصة واسعة لمهاجمة نظريته، لكنهم لم يستطيعوا التشكيك في نزاهته العلمية أو في صحة الملاحظات والعينات التي جمعها خلال رحلته على متن السفينة "بيغل"، لأن المجتمع الإنجليزي كان يعرف مكانته العلمية والاجتماعية وانحداره من أسرة محترمة و"متدينة"، حتى وإن رفض كثيرون استنتاجاته بشأن أصل الأنواع.
وهناك مفارقة أخرى أكثر أهمية بالنسبة لنا في العالم الإسلامي، تتعلق بقدرة التنوير الأوروبي على تجاوز هيمنة المنطق الأرسطي الذي سيطر على الفكر الإنساني قروناً طويلة. فقد جاء الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، بعد كوبرنيكوس بنحو قرن من الزمان، ليطرح في كتابه «الأورغانون الجديد» (Novum Organum) نقداً جذرياً للمنهج الأرسطي القائم على الاستنباط deductions من الكليات والبديهيات إلى الجزئيات.
رأى بيكون أن المعرفة لا ينبغي أن تُبنى على القياس المنطقي وحده، بل على الملاحظة الدقيقة والتجربة المتكررة واستخلاص القواعد العامة من الوقائع الجزئية. ومن هنا دعا إلى منهج الاستقراء inductions، أي الانتقال من الخاص إلى العام، مع إخضاع النتائج للاختبار والتحقق المستمر. وقد أسهم هذا التحول المنهجي في وضع الأساس الذي قامت عليه العلوم الحديثة.
أما في العالم الإسلامي، فقد ترسخ المنطق الأرسطي بعد ترجمة مؤلفات أرسطو، وأصبح جزءاً من البنية المعرفية لكثير من المدارس الفقهية والكلامية. ورغم ما قدمه من أدوات مهمة للتفكير، فإن هيمنته الطويلة حدّت أحياناً كثيرة من تطور المناهج التجريبية والقدرة على التفكير والتأمل والشك بدلا عن بدهية اليقين ، وهو أثر ما تزال بعض مظاهره حاضرة في الثقافة الفكرية حتى اليوم .
طلعت محمد الطيب
|
Post: #16
Title: Re: السودان الى أين يتجه؟ د. طلعت الطيب
Author: طلعت الطيب
Date: 06-15-2026, 07:10 PM
Parent: #15
الديمقراطية في السودان: كيف أخطأ جيل الاستقلال؟
إذا أردنا فهم أزمة الديمقراطية في السودان، فلا يكفي أن نتحدث عن الانقلابات العسكرية أو التدخلات الخارجية، بل ينبغي أيضاً أن نتأمل الثقافة السياسية التي ورثناها عن جيل الاستقلال. فالمشكلة لم تكن في غياب الأفكار والشعارات، وإنما في ضعف الاهتمام بالإجراءات الديمقراطية والمؤسسات التي تحمي الحقوق والحريات وتضمن التداول السلمي للسلطة. وتكشف حادثتان بارزتان في تاريخ السودان الحديث عن هذا الخلل. الأولى تمثلت في قرار حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان في منتصف ستينيات القرن الماضي على خلفية حديث أدلى به أحد الطلاب في ندوة عامة اعتُبر مسيئاً لآل بيت النبي. وبدلاً من مساءلة الشخص المعني وفق القانون، جرى تحميل الحزب بأكمله المسؤولية السياسية والأخلاقية. وقد شاركت معظم القوى السياسية آنذاك في هذا القرار، باستثناء قلة من الأفراد والحزب الجمهوري. كان ذلك سابقة خطيرة فتحت الباب أمام استخدام الأغلبية البرلمانية لتجريد الخصوم السياسيين من حقوقهم الدستورية. أما الحادثة الثانية فجاءت في إطار ميثاق أسمرا للقضايا المصيرية الذي أقرته قوى التجمع الوطني الديمقراطي في منتصف تسعينيات القرن الماضي. فقد نص الميثاق على منع قيام أي حزب على أساس ديني، وكان المقصود عملياً عزل الحركة الإسلامية عن الحياة السياسية. والمفارقة أن الموقعين على الميثاق، ومن بينهم الحزب الشيوعي، وقعوا في منطق الإقصاء نفسه الذي كانوا ينتقدونه لدى خصومهم. كما أن النص تجاهل حقيقة أن أكبر حزبين في السودان نشآ تاريخياً على أساس ديني وطائفي. في تقديري، لم تكن المشكلة في المرجعية الدينية أو الفكرية للحزب السياسي، وإنما في مدى التزامه بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فمن حق أي مجموعة من المواطنين أن تؤسس حزباً يستلهم قيمه من الدين أو من أي فلسفة أو عقيدة أخرى، شريطة أن يلتزم بالدستور وبمبادئ المواطنة المتساوية وأن يقدم برامج واضحة في الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والسياسة الخارجية. أما الشعارات العامة من قبيل «ربط قيم السماء بالأرض» أو غيرها من العبارات الفضفاضة فلا يمكن أن تكون بديلاً عن البرامج والسياسات القابلة للمساءلة. لقد أخطأ جيل الاستقلال حين لم يمنح المؤسسية ما تستحقه من اهتمام. وكان الأولى منذ الاستقلال وضع قواعد دستورية وقانونية تمنع تسجيل أي حزب يتعارض نظامه الأساسي مع الديمقراطية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فالدولة ليست مطالبة فقط بضمان حق التنظيم السياسي، وإنما أيضاً بحماية حقوق المواطنين الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير وحرية الضمير والمساواة أمام القانون. ومن أهم مظاهر الخلل في التجربة السودانية الخلط بين الحزب السياسي ومنظمة العمل البيروقراطية. ففي المؤسسات الحكومية والشركات يتم التصعيد الوظيفي عبر التعيين والترقية وفق التسلسل الإداري، وتقوم العلاقة على الرئاسة والمرؤوسية والانضباط الوظيفي. أما الحزب السياسي الديمقراطي فمصدر الشرعية فيه هو الانتخاب، والسلطة الحقيقية يجب أن تكون في يد العضوية التي تختار قياداتها وتحاسبها وتستبدلها متى شاءت. غير أن كثيراً من الأحزاب السودانية تأثرت بثقافة التنظيمات المغلقة أكثر من تأثرها بثقافة الأحزاب الديمقراطية. فترسخت لدى قطاعات واسعة من السودانيين فكرة حماية القيادات الحزبية والمحافظة على هيبتها، بدلاً من حماية حقوق القواعد الحزبية. وأصبح الاختلاف مع القيادة يُنظر إليه باعتباره خروجاً على الانضباط، لا حقاً ديمقراطياً مشروعاً. وفي الديمقراطيات الراسخة، يملك عضو الحزب الحق في إعلان رأيه المخالف لقيادة حزبه، بل يحق له في بعض الأحيان التصويت ضد موقف الحزب داخل البرلمان. كما يحق له السعي لإقناع بقية الأعضاء بوجهة نظره عبر ما يعرف بالتيارات أو جماعات الضغط الداخلية (اللوبيات)، وهي ممارسات طبيعية في الحياة الحزبية الديمقراطية. فالحزب ليس مؤسسة عسكرية ولا جهازاً بيروقراطياً، وإنما فضاء للتنافس الحر بين الأفكار والبرامج. أما في العديد من الأحزاب العقائدية السودانية، سواء كانت إسلامية أو شيوعية أو قومية أو حتى تقليدية، فقد جرى التعامل مع التعدد الفكري داخل الحزب باعتباره تهديداً لوحدته التنظيمية. وأصبح من واجبات العضو الدفاع عن قرارات القيادة حتى لو لم يكن مقتنعاً بها، بينما عُدّت محاولات تكوين تيارات إصلاحية أو حشد التأييد لأفكار جديدة نوعاً من التكتل المرفوض الذي قد يؤدي إلى العقوبات أو الفصل. ولعل ما تعرض له الدكتور الشفيع خضر قبل فصله من الحزب الشيوعي عام 2016 يمثل نموذجاً لهذه العقلية، إذ كان من بين الاتهامات التي وُجهت إليه السعي إلى تكوين تكتل يدعو إلى مراجعات فكرية وتنظيمية بعد المتغيرات الكبرى التي شهدها العالم عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. كما شهدت الحركة الإسلامية والأحزاب التقليدية حالات مشابهة، حيث كان الإعلان عن فصل المخالفين يتم أحياناً عبر الصحف وعلى طريقة "إلى من يهمه الأمر سلام ". إن أزمة الديمقراطية في السودان لم تكن مجرد أزمة انتخابات أو دساتير، بل كانت قبل ذلك أزمة ثقافة سياسية. فقد انشغلت الأحزاب بالدفاع عن حقها في الوجود والتنظيم، لكنها كثيراً ما أهملت حق أعضائها في الاختلاف والتعبير الحر والمشاركة الحقيقية في صنع القرار. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تعجز كثير من هذه الأحزاب عن بناء دولة ديمقراطية حديثة، لأنها لم تنجح أولاً في بناء مؤسسات ديمقراطية داخلها. فالديمقراطية لا تبدأ من البرلمان ولا من صندوق الاقتراع فقط، بل تبدأ من داخل الحزب نفسه، عندما يصبح حق العضو العادي في الاختلاف والنقد والمبادرة مصوناً بقدر ما تُصان مكانة القيادة. وعندما يتحقق ذلك، يصبح الانتقال من ديمقراطية الأحزاب إلى ديمقراطية الدولة أمراً ممكناً، لا مجرد شعار يتكرر في البيانات والخطب السياسية.
طلعت محمد الطيب
|
|