من أحراش الخرطوم إلى غرف تل أبيب مقال يستحق الانتباه

من أحراش الخرطوم إلى غرف تل أبيب مقال يستحق الانتباه


05-22-2026, 08:02 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1779476576&rn=0


Post: #1
Title: من أحراش الخرطوم إلى غرف تل أبيب مقال يستحق الانتباه
Author: Yasir Elsharif
Date: 05-22-2026, 08:02 PM

08:02 PM May, 22 2026

سودانيز اون لاين
Yasir Elsharif-Germany
مكتبتى
رابط مختصر




Quote:

غضب
·
Folgen
[20 مايو2026]
من أحراش الخرطوم إلى غرف تل أبيب
الختمية والأنصار وحدة قوية (لن تنهار )
---------
أسامة كنينة
-------------------
مقدمة: الخيط السري بين الخرطوم وتل أبيب
لم تكن جغرافيا الاستعمار البريطاني مجرد أجزاء متناثرة تحكمها الصدفة، بل كانت شبكة استراتيجية شديدة التلاحم يمسك بجميع خيوطها مخرج خفي في لندن. وتتجلى هذه الحقيقة الصادمة في أن الوجود البريطاني في السودان لم يكن مجرد احتلال لبلد إفريقي، بل كان "حجر الزاوية" والركيزة الأمنية والفكرية التي صِيغت فيها تكتيكات السيطرة لإنشاء دولة إسرائيل لاحقاً في قلب العالم العربي. عندما حزمت بريطانيا حقائبها العسكرية عام 1956، لم يكن ذلك نكسة أو انكساراً للإمبراطورية، بل كان قمة الانتصار الاستراتيجي؛ إذ خرجت الجيوش بعد أن اطمأنت إلى هندسة نظام "حكم بالوكالة" وعبر "صناعة أضداد وجودية" تضمن بقاء المنطقة غارقة في صراعاتها، بينما تتدفق ثرواتها ذاتياً نحو المركز الغربي.
نحن الشعب الذي تحمل ويلات الحروب الأهلية، وتفكك الدولة، واستنزاف الموارد، وصولاً إلى ما نراه اليوم. من حقنا أن نعرف من خطط لهذه المآسي، وبأي أدوات نفذت، ولمصلحة من عملت النخب المحلية، وكيف لا تزال بعض هذه الآليات تعمل حتى الآن.
ولنتتبع حركة التاريخ لنقرأ الواقع.
أولاً: كواليس وزارة الخارجية وعزل السودان عن "المستعمرات" ...
في الوقت الذي كانت فيه إفريقيا وآسيا تُدار عبر "وزارة المستعمرات البريطانية" التقليدية بنظام بيروقراطي مكشوف ومعلن، اتخذت لندن قراراً استراتيجياً بعزل ملف السودان تماماً وضمه مباشرة إلى وزارة الخارجية البريطانية (Foreign Office). هذا الفصل الإداري والدستوري الرفيع لم يكن عبثاً، بل صُمم لتحقيق غايتين خطيرتين:
1. السرية والتخطيط عالي الدقة: إبعاد السودان عن رقابة البرلمان البريطاني والفضوليين ولجان المساءلة العامة بحجة "حساسية الملفات الدبلوماسية وتوازنات الحكم الثنائي مع مصر"، مما أتاح للخارجية ممارسة تخطيط مستقبلي سري في غرف مغلقة وحصر الملف في أضيق نطاق.
2. انتقاء "نخبة النخبة": لم تكن الخارجية ترسل إلى الخرطوم موظفين تقليديين، بل كانت تختار حصرياً صفوة الكفاءات من خريجي أوكسفورد وكامبريدج، ليتفرغ هؤلاء الإداريون لصناعة "نخب محلية إرثية" ترتبط معها مصيرياً وثقافياً واقتصادياً.
ثانياً: صهر النخب المحلية وتدوير الوظائف الإقليمية
تحت إشراف وزارة الخارجية، صممت بريطانيا أدواراً عابرة للحدود لهاتين النخبتين في السودان لإدارة "خزائن الأرض":
* بيت الميرغني (طائفة الختمية والاتحاديين).. قنوات النفوذ الإقليمي: جرى توظيف الامتداد الديني والروحي للختمية كأداة دبلوماسية ناعمة لخدمة الاستخبارات البريطانية. ساهم هذا البيت في هندسة العلاقات والتحالفات السرية في منطقة الجزيرة العربية والهلال الخصيب، والتمهيد لترتيب العروش وصناعة نخب عربية موالية تحت إمرة النفوذ البريطاني، مستغلين صلاتهم العائلية والدينية العابرة للحدود لتثبيت ركائز "الأمن الإمبراطوري".
* بيت عبد الرحمن المهدي (طائفة الأنصار وحزب الأمة).. عسكرة المجتمع وترسيخ العنف: في المقابل، حظي الإمام عبد الرحمن المهدي برعاية بريطانية مكنته من بناء إمبراطورية زراعية واقتصادية ضخمة (خاصة في أبا والجزيرة). وتحت شعارات الحفاظ على الكيان، تم التغاضي بريطانياً عن تحويل "طائفة الأنصار" إلى جيوش عقائدية شبه عسكرية، مما أسس لأول مرة في تاريخ السودان الحديث لـ "صناعة المليشيات الطائفية" واحتكار السلاح خارج إطار الدولة، وزرع بذور العنف الهوياتي والسياسي الذي تفرعت منه الحركات المسلحة والمليشيات الحديثة التي تحرق السودان اليوم.
ثالثاً: موظفو السودان هم مهندسو قيام إسرائيل (الهاغاناه والهجانة)
إن الحقيقة الاستراتيجية الأكثر ذكاءً وخطورة هي أن طاقم الموظفين والضباط البريطانيين الذين عملوا في السودان، هم أنفسهم من انتقلوا وأصبحوا مهندسي قيام دولة إسرائيل في فلسطين . نظراً لأن الملفين (السودان وفلسطين تحت الانتداب) كانا يتبعان لنفس المرجعية السياسية -وزارة الخارجية البريطانية ودائرة المندوب السامي في القاهرة- فقد قامت لندن بتدوير كبار رجالاتها وضباطها الذين صقلوا خبراتهم في إخضاع السودان وفصل جنوبها بقانون "المناطق المقفولة"، ونقلتهم مباشرة لتطبيق ذات "الكتالوج" الاستعماري في القدس وتل أبيب .
ولعل النموذج الأبرز هنا هو الجنرال البريطاني "أورد وينجيت"، الذي بدأ حياته العسكرية كضابط في "قوة دفاع السودان"، وتعلّم في وديانه تكتيكات حرب العصابات والكمائن الليلية . وعندما نُقل إلى فلسطين، طبّق هذه التكتيكات بحذافيرها وأسس عصابات "السرايا الليلية الخاصة" (Special Night Squads) المشتركة بين البريطانيين والصهاينة، وقام شخصياً بتدريب وتأسيس النواة العسكرية الأولى لمن يُعرفون اليوم بـ "الآباء المؤسسين للجيش الإسرائيلي" (مثل موشيه ديان وإيغال آلون) .
هذا الترابط البنيوي تجلى حتى في الآلة العسكرية والأمنية عبر التطابق بين نظام "الهجانة" (Camelry Corps) في السودان ونظام "الهاغاناه" (Haganah) في فلسطين :
* نظام الهجانة السوداني: أسسته بريطانيا كقوات مهارية متحركة تخترق الفيافي وأحراش إفريقيا، واعتمدت في تشكيلها على تجنيد قبائل ومكونات محددة وتوجيهها لضرب مكونات أخرى، مستخدمة إياهم كـ "وكلاء محليين لبسط الأمن الخشن وقمع الثورات الوطنية".
* نظام الهاغاناه الصهيوني: تأسس على ذات العقيدة الأمنية البريطانية (الدفاع عن المستعمرات والمبادأة والكمائن الليلية الخشنة)، وحملت المفردة العبرية "هاغاناه" (التي تعني الدفاع) تشابهاً وظيفياً وصوتياً مثيراً مع ركيزة "الهجانة" السودانية.
لقد كان موظفو بريطانيا في السودان يصنعون النموذج الأولي لقوات النخبة المتحركة التي تُخضع الأرض والسكان، وهي العقيدة ذاتها التي نُقلت بالرجال والخطط لبناء عصابات "الهاغاناه" لتصبح النواة الصلبة للجيش الصهيوني، مما يجعل من السودان المصنع الفكري والعملي الذي خرجت منه جغرافيا الدم الجديدة في فلسطين .
رابعاً: الشاهد والأثر.. السودان ومخطط توطين مهجري 1948
لم تقف الأدوار البريطانية المنسقة لربط السودان بـ "المشروع الصهيوني" عند حدود التدريب العسكري، بل ظهر الشاهد والأثر التاريخي الأكبر بالتزامن مع نكبة فلسطين وتشريد وتهجير شعبها عام 1948 . وتحت هندسة وزارة الخارجية البريطانية وإدارتها في الخرطوم، كان السودان أول بلد يُطرح فيه مشروع رسمي لاستيعاب وتوطين اللاجئين الفلسطينيين الفارين من دمار العصابات الصهيونية .
كان الهدف البريطاني الخبيث من هذا المقترح هو ضرب عصفورين بحجر واحد: تفريغ الأرض الفلسطينية تماماً لتسهيل تثبيت التمكين الديموغرافي للكيان الجديد، وفي نفس الوقت استغلال النخب الطائفية المحلية الموالية في الخرطوم لتهيئة الساحة وتمرير الخطة كـ "مبادرة إنسانية" . وعلى الرغم من أن هذا المخطط أُحبط لاحقاً ولم يكتمل بفضل الممانعة الشرسة والحس الوطني للشعوب التي تمسكت بحق العودة ورفضت التنازل عن رمزية فلسطين، إلا أن طرح السودان كخيار أول للتوطين يظل دليلاً دامغاً على أن المنطقتين كانتا تُداران من عقل مركزي واحد يحرك القطع وفق خطة تخدم المصالح الإمبراطورية الكبرى .
خامساً: السيطرة على "خزائن الأرض" وشرايين الملاحة
تمتد المنطقة الجغرافية التي هندستها بريطانيا بكامل إمكانياتها المهولة من الهند إلى المغرب، ومن الهلال الخصيب وآسيا الوسطى إلى أحراش إفريقيا. هذه الرقعة تمثل حرفياً "أغنى بقاع الأرض" بمواردها من طاقة، ومعادن، وأراضٍ زراعية، فضلاً عن تحكمها في أهم خطوط التجارة والملاحة العالمية ومضايقها الحاكمة (السويس، هرمز، باب المندب، وجبل طارق).
لكن المفارقة التاريخية تكمن في أن هذه الثروات الهائلة لم تُسخر لخدمة شعوب المنطقة إلا بقدر ضئيل، بينما جرى تسييل الكتلة الأكبر منها وضخها في المنظومة المالية الغربية، لتعود بالمنفعة والرفاه على المجتمعات الأوروبية، وتصبح الوقود الحقيقي للنهضة التكنولوجية والصناعية الحديثة في الغرب.
سادساً: هندسة الأضداد وقانون تفجير التناقضات
لضمان استقرار هذا التدفق الاستعماري ومنع توحد الشعوب، اعتمدت بريطانيا استراتيجية "صناعة الأضداد" الوجودية وإدارتها بدقة متناهية:
* عربي ضد إفريقي (كما حدث في السودان بعزل الجنوب وتغذية صراع الهويات).
* مسلم ضد يهودي / عرب ضد كيان عنصري (بزرع إسرائيل في قلب المنطقة كحارس للمصالح الغربية ومانع طبيعي لوحدتها).
* شيعي ضد سني، ويميني ضد يساري (لتفتيت النسيج الاجتماعي للمجتمعات العربية والآسيوية).
أمسكت بريطانيا بجميع الخيوط، فصارت هي المخرج الخفي الذي يغذي أسباب الصراع، ليظل الجميع في حالة استنزاف دائم وبحاجة مستمرة للتحكيم أو الحماية الدولية الغربية.
سابعاً: المأساة الإنسانية.. مصافحة فوق الجثث
إن الثمن الحقيقي لهذه الهندسة الخبيثة تدفعه الشعوب وحدها من حاضرها ومستقبلها، مخلّفة وراءها إرثاً ثقيلاً من الموت، والخراب، والدمار الإنساني والاقتصادي. ففي الوقت الذي تشتعل فيه العواطف ويقاد فيه "المتعصبون" والمؤدلجون إلى محارق الحروب بصدق نية دفاعاً عن شعارات دينية أو عرقية مصنوعة، تظل النخب وعائلاتها الإرثية بمعزل عن المأساة . وبمجرد انتهاء المصلحة أو تغير موازين القوى الدولية، يجلس القادة في الغرف المغلقة ليتصافحوا على جثث ودماء الشهداء، وتُطوى صفحة الآلام بابتسامة أمام الكاميرات في اتفاقيات تسوية، وكأن شيئاً لم يكن .
خاتمة: تدمير الكتالوج والاستيقاظ من التنويم المغناطيسي
إن الأزمات الطاحنة والحروب الدورية التي تعصف بالسودان وفلسطين والمنطقة اليوم ليست دليلاً على "فشل الإدارة المحلية" فحسب، بل هي دليل على "نجاح خارق" للمخطط الوظيفي الاستعماري الذي وُضع قبل عقود ليؤدي هذه المهمة التدميرية بدقة . إن كسر هذا الطوق الإمبريالي المحكم لا يمكن أن يتم بنفس أدوات النخب القديمة، ولا عبر انتظار إنصاف من "المجتمع الدولي" الذي يحرس الخرائط الأصلية.
يبدأ الحل من استيقاظ الشعوب من حالة التنويم المغناطيسي وعزل خطابات التعصب المصنوعة؛ فالخطوة الأولى للتحرر هي رفض التمترس خلف "الأضداد" الزائفة، والوعي بأن الدم الحقيقي المسكوب في الميادين هو العملة التي تشتري بها النخب استمرار امتيازاتها الإرثية وثرواتها المحمية في بنوك لندن . إن الانعتاق الفعلي يتطلب صياغة "عقد اجتماعي جديد" يربط الشرعية بالمنفعة المحلية المباشرة للشعوب، وتأميم الوعي الجمعي لحماية الممرات والثروات، وإدراك أن المصافحات التي تتم فوق جثث الضحايا ليست سلاماً، بل هي مجرد إعلان تجديد لـ "عقد الوكالة" الاستعماري . ولن يتوقف الخراب حتى تقرر الشعوب استرداد الطاولة، بدلاً من اللعب كأحجار شطرنج يحركها مخرج خفي من وراء البحار.
------------------------------
kaneenaosama@gmail.com