Post: #1
Title: حكومة "الضرورة" أم إعادة إنتاج الانهيار؟ قراءة نقدية في تحولات السلطة والحرب في السودان
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 05-06-2026, 09:00 PM
09:00 PM May, 06 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
في خضم الانهيار السوداني المتسارع، يُروَّج اليوم لما يسمى "حكومة السلام" باعتبارها إنجازاً سياسياً. لكن الحقيقة أكثر قسوة ووضوحاً- هذا ليس تشكيلاً انتقالياً، ولا خطوة نحو إعادة بناء الدولة بل إعادة إنتاج ممنهجة للأزمة تحت شعار "الضرورة"، وتكريس عملي لتقسيم السودان إلى دويلات مسلحة تتصارع على فتات الخراب.
شرعية الرصاص لا شرعية الشعب يرى المدافعون عن هذه الحكومة أنها تسد فراغاً إدارياً خلّفته الحرب. كلام يحسن الظاهر، لكنه خادع. فالشرعية الحقيقية لا تولد من السيطرة الميدانية على بقعة من الأرض، بل من تفويض شعبي حقيقي. الواقع هنا أن الشرعية مستمدة فقط من المنطق العسكري ومن قدرة طرف مسلح على فرض أمر الواقع في مناطق نفوذه.
ليست هذه حكومة دولة، بل إدارة شبه رسمية لعمليات الحرب يديرها قوات الدعم السريع وحلفاؤهم. الفرق جوهري: الحكومات تبني مؤسسات، أمّا إدارات الحرب فتُنظّم استنزاف الموارد وتكريس السيطرة. والدليل أن هذه "الحكومة" وُلدت داخل رحم الحرب، وستبقى أسيرة قوانينها.
الوظيفة الحقيقية: تنظيم اقتصاد النهب
لنكن صريحين: تحولت الحرب في السودان من صراع على السلطة إلى مشروع اقتصادي ضخم يدور حول الذهب والموانئ والأراضي الزراعية وطرق التهريب. "حكومة السلام"، في هذا السياق، ليست جهازاً خدمياً، بل آلية لجمع وتوزيع إيرادات الحرب في مناطق سيطرة طرف محدد.
الاتهامات المتبادلة بنهب الذهب وتهريبه ليست مجرد شعارات دعائية، بل جوهر النموذج الجديد. لقد انهارت الدولة المركزية، وما نشأ مكانها إلا كانتونات مسلحة يدير كل منها اقتصاده الخاص، ببنادقه وحلفائه الإقليميين. هذا ليس تأسيس دولة، بل تفكيكها إلى كيانات عسكرية-تجارية متناحرة.
سياسة "العفو" كإفلات مؤسس من العقاب
على الجانب الآخر، يمضي الجيش في استراتيجية الانشقاقات عبر وعود العفو. تكتيك ناجح عسكرياً لكنه كارثة سياسية. فهو يعني بوضوح: الجرائم الكبرى قابلة للتفاوض. من قتل آلاف المدنيين؟ من نفّذ الاغتصاب الممنهج؟ من دمّر المدن بأكملها؟ كلهم يمكن أن يصبحوا "شركاء" في المرحلة المقبلة إذا انشقوا في التوقيت المناسب.
هذه ليست عدالة انتقالية، بل إعادة إنتاج منظومة الإفلات من العقاب التي حكمت السودان لعقود. وأي سلام يُبنى على هذه القاعدة، سيكون هشّاً ويحمل بذور حرب أشد ضراوة.
تعدّد الحكومة = تفكك الدولة
لدينا اليوم- حكومة في بورتسودان
حكومة موازية في مناطق الدعم السريع
قوى مدنية مشتتة ومتصارعة
مبانٍ إقليمية ودولية تتصادم فيما بينها
هذا ليس تنوعاً سياسياً، بل تفتيت للسيادة. الدولة لم تعد كائناً واحداً، بل جزراً مسلحة، كل جزيرة تدّعي الشرعية وتخدم مصالحها ومصالح حلفائها. في هذا الواقع، الحديث عن "حكومة وطنية" يصبح وهمياً أو دعائياً.
البعد الإقليمي: السودان ساحة لغير السودانيين
التوتر مع إثيوبيا، الدور الإماراتي والمصري والروسي والإيراني، كلها تؤكد أن الحرب تجاوزت حدودها السودانية. صار السودان ساحة صراع إقليمي على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. أي حكومة تنشأ في هذا السياق ستكون أكثر تعبيراً عن مصالح قوى خارجية منها عن إرادة سودانية مستقلة.
الخلاصة: الدولة أولاً أم الحكومات أولاً؟
السؤال الحقيقي ليس "هل ستنجح حكومة السلام؟"، بل "هل يمكن لدولة سودانية واحدة أن تبقى في ظل تعدد الجيوش والميليشيات والشرعيات المتصارعة؟"
التاريخ يعلمنا: الأنظمة التي تنشأ داخل الحرب عادة ما تعيد إنتاج شروط الحرب. "حكومة الضرورة" هذه قد تقدم خدمات محدودة في مناطق ضيقة، لكنها في لُبّها حلقة جديدة في دوامة الانهيار، لا مخرجاً منه.
الخلاص الحقيقي يتطلب شيئاً أكبر من مجرد تشكيل حكومات: إرادة سياسية حاسمة لوقف القتال، وتفكيك البنى العسكرية الموازية، وإعادة بناء مركز سيادي موحد يستمد شرعيته من الشعب لا من الرصاص.
وإلى ذلك الحين، كل "حكومة" جديدة ليست سوى إدارة أنيقة للكارثة، وتأجيل مؤلم لانهيار شامل قادم. والشعب السوداني يدفع الثمن كل يوم، جوعاً ودماراً وموتاً.
|
|