Post: #1
Title: مُزن النيل: دوتاو الإنسان… رثاء الفكرة التي مشت على قدمين
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 04-17-2026, 11:06 PM
11:06 PM April, 17 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
لم يكن رحيل مُزن النيل خبرًا عابرًا في سجل الحزن السوداني، بل كان انطفاء ضوءٍ صغير… لكنه كان يضيء في المكان الصحيح.
تأخرت عن الكتابة. ليس لأن الكلمات شحيحة، بل لأن الفجيعة كانت أبلغ من أي لغة، ولأن الرثاء—حين يكون لصاحبة فكرة—يصبح تشييعًا لمعنى، لا لجسد.
مُزن لم تكن مجرد باحثة في السياسات الصناعية، ولا كاتبة منشغلة بالاقتصاد. كانت شيئًا أصعب تعريفًا: إنسانة حاولت أن تعيش أفكارها حتى النهاية.
أن تكون أيديولوجية… دون أن تفقد براءة السؤال، وأن تنحاز للحلم… دون أن تهرب من قسوة الواقع.
في زمنٍ صار فيه الاختلاف ذريعةً للإقصاء، أتقنت مُزن فنّ الخلاف الأخلاقي.
كانت تجادل دون أن تُهين، وتشتبك دون أن تُلغي الآخر.
وهذه، في ثقافتنا السياسية، ليست مهارة… بل نُدرة.
كانت اشتراكية… لكن ليس اشتراكية الكتب، بل اشتراكية الناس.
تنحاز للضعفاء، للنساء، للمهمّشين،
وترى أن العدالة ليست شعارًا، بل ممارسة يومية.
كانت تؤمن أن الفكر إن لم يلمس حياة الناس، فهو ترفٌ بارد لا يستحق الدفاع.
الأكثر إيلامًا في رحيلها، ذلك التوازن النادر بين صرامة العقل ورهافة القلب.
تكتب بلغة الباحث، وتشعر بقلب إنسان عادي.
تفكر كخبيرة، وتحزن كواحدة من الناس.
لم تكن مُزن مسالمة بالمعنى السهل، بل كانت واضحة… حادة أحيانًا… صلبة.
لكنها لم تسمح ليقينها أن يتحول إلى قسوة، ولا لنضالها أن يتحول إلى كراهية.
وهذا هو الامتحان الأصعب.
وقد نجحت فيه— نجحت حدّ أن جعلت من يختلف معها يبكيها اليوم.
في زمن الحرب، حيث ينقسم الجميع إلى معسكرات، اختارت طريقًا أصعب:
أن تبحث عن الموقف الجماهيري، لا الاصطفاف المريح.
لم تقدّم إجابات جاهزة، بل ظلت تسأل… وتُقلق… وتُعيد التفكير.
كأنها كانت تعرف: أن أخطر ما يهدد الشعوب ليس أعداءها… بل يقينها الأعمى.
رحلت مُزن… لكن السؤال الذي تتركه ليس: ماذا كتبت؟ بل: كيف عاشت؟
كيف جمعت بين الفكر والسلوك؟ بين الثورة والرقة؟ بين الوضوح والإنسانية؟
هذا هو إرثها الحقيقي.
قد يختلف الناس معها، وقد تُناقش أفكارها،
لكن يصعب إنكار شيء واحد: أنها كانت صادقة.
والصدق—في هذا الزمن—قيمة نادرة.
سلامٌ على روحٍ لم تُساوم، ولم تُهادن، وحاولت أن تبقى إنسانًا في زمنٍ قاسٍ.
سلامٌ على مُزن النيل… حيث لا جدال بعد الآن، ولا خوف من أن تخون الفكرة صاحبها.
|
|