المسرح السوداني: سيرة فنٍّ يمشي على حافة التاريخ..

المسرح السوداني: سيرة فنٍّ يمشي على حافة التاريخ..


04-07-2026, 03:50 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=515&msg=1775573432&rn=0


Post: #1
Title: المسرح السوداني: سيرة فنٍّ يمشي على حافة التاريخ..
Author: د.محمد بابكر
Date: 04-07-2026, 03:50 PM

03:50 PM April, 07 2026

سودانيز اون لاين
د.محمد بابكر-بحرى الشعبيه
مكتبتى
رابط مختصر





ليس المسرح في السودان فناً هامشياً يمكن وضعه على رف الترف الثقافي، بل هو واحد من أكثر أشكال التعبير التصاقاً بحركة المجتمع وقلقه العميق. منذ بداياته الأولى في أواخر القرن التاسع عشر، تشكل هذا الفن في قلب صراع مزدوج: صراع مع واقع استعماري فرض نماذجه، وصراع داخلي للعثور على صوت محلي قادر على تمثيل الناس لا تقليد الآخرين. ومنذ تلك اللحظة، ظل المسرح السوداني كائناً يقاوم، يتعثر أحياناً ، لكنه لا يكف عن النهوض.

كانت البدايات، على نحو لافت، مرتبطة بحضور أجنبي أكثر منها بمبادرة محلية خالصة. ففي مدينة سواكن، ومع بواكير الحكم الثنائي، تعرّف السودانيون على العروض المسرحية التي قدّمتها الفرق العسكرية البريطانية، في مشهد بدا أقرب إلى استعراضات منه إلى فن مكتمل. غير أن هذا “اللقاح” الخارجي لم يلبث أن وجد تربة خصبة، بفضل الجاليات التي استقرت في المدن السودانية، من مصريين وسوريين ويونانيين وأرمن، والذين حملوا معهم تقاليد مسرحية أكثر نضجاً . في تلك القاعات الصغيرة، كان المتعلم السوداني يراقب، لا بوصفه متلقياً سلبياً ، بل كمن يستعد لاقتباس الفكرة وإعادة صياغتها.

سرعان ما انتقل المسرح من كونه عرضاً مستورداً إلى ممارسة محلية، وكان التعليم الحديث هو الجسر الحاسم في هذا التحول. داخل المدارس والكليات، بدأت التجارب الأولى التي يمكن اعتبارها سودانية الهوى واللغة، حيث أخذ الطلاب يقلدون ما يشاهدونه، ثم يضيفون إليه من بيئتهم وتعبيراتهم اليومية. ومع الوقت، تحولت هذه المحاولات إلى فرق وأندية، وبدأت ملامح هوية مسرحية مستقلة تتشكل، لا تقوم على المحاكاة بقدر ما تسعى إلى التمايز.

بلغ المسرح السوداني ذروة حضوره بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي يمكن وصفها بالعصر الذهبي. لم يعد المسرح مجرد وسيلة للترفيه، بل صار مساحة للأسئلة الكبرى: من نحن؟ وكيف نرى أنفسنا في عالم يتغير؟ في هذا السياق، برزت أسماء سعت إلى تأصيل التجربة ومنحها بعداً فكرياً ، وفي مقدمتها يوسف عيدابي، الذي طرح تصوراً طموحاً لمسرح يعكس التعدد السوداني بدل أن يختزله، داعياً إلى خشبة تتسع لاختلاف الأعراق والثقافات، وتحوّل هذا التنوع من عبء سياسي إلى ثراء جمالي.

وقبل هذا الجيل، كان ثمة رواد مهّدوا الطريق بصمتٍ نسبي، مثل عباس خضر وإبراهيم البنا ومحمد سر الختم، و الذين أسهموا في تأسيس فرق الهواة في أربعينيات القرن الماضي، واضعين اللبنات الأولى لعمل مسرحي منظم. هؤلاء لم يكتبوا بيانات نظرية كبرى، لكنهم فعلوا ما هو أهم: جعلوا المسرح ممكنًا، وفتحوا الباب أمام من سيأتي لاحقاً ليطوّر ويُنظّر.

لم يكن المسرح السوداني يومًا منفصلًا عن السياسة، بل عاش في تماس دائم معها. في فترات الانفتاح الديمقراطي القصيرة، كان المسرح يزدهر، وتتحول الخشبة إلى منبر للنقاش الحر، أما في ظل الأنظمة العسكرية، فقد كان أول ما يُقمع. النصوص تُمنع، والعروض تُراقب، والفنانون يُدفعون إلى الصمت أو الهجرة. ومع ذلك، لم يتخل المسرح عن دوره، بل طوّر لغته، فلجأ إلى الرمز والتلميح، ونجح في كثير من الأحيان في قول ما تعجز عنه الصحف. وهكذا أصبحت بعض الأعمال المسرحية أقرب إلى “تاريخ مواز ”، يوثّق ما جرى من زاوية الإنسان العادي، لا من زاوية السلطة.

اليوم، يقف المسرح السوداني أمام واحدة من أعقد أزماته. فالحروب المتكررة وما خلّفته من نزوح وتشظ اجتماعي، إلى جانب الانهيار الاقتصادي، جعلت من العمل المسرحي رفاهية يصعب تحمّلها. أضف إلى ذلك هجرة كثير من الكفاءات، ومن بينهم يوسف عيدابي، الأمر الذي أفرغ الساحة من خبرات تراكمت عبر عقود. لم تعد المشكلة في النص أو الممثل، بل في غياب البيئة التي تسمح بوجود المسرح أصلًا.

ومع ذلك، فإن المخرج من الأزمة لا يبدو مستحيلًا إذا ما أُعيد التفكير في المشروع من جذوره. لعل أول هذه الحلول هو كسر مركزية المسرح، بحيث لا يظل حبيس العاصمة، بل ينتشر في الأقاليم، معبرًا عن تنوع السودان الحقيقي. كما أن التحول إلى الفضاءات الرقمية قد يوفّر بديلاً مؤقتاً في ظل غياب البنية التحتية، دون أن يلغي الحاجة إلى الخشبة الحية. ثم إن توثيق التجارب السابقة، خاصة نصوص السبعينيات والثمانينيات، وإعادة قراءتها في ضوء الحاضر، قد يفتح أفقاً جديداً ، إذ إن كثيراً من الأسئلة التي طرحتها تلك النصوص لا تزال بلا إجابة.

رغم كل ما أصابه من وهن، لم يفقد المسرح السوداني قدرته على البقاء. ثمة شيء عنيد في هذه التجربة، شيء يجعلها قادرة على النهوض كلما ظنّ الناس أنها انتهت. ربما لأن المسرح، في جوهره، ليس مبنى ولا مؤسسة، بل علاقة حيّة بين إنسانٍ يروي وآخر يصغي. وما دام هذا اللقاء ممكنًا، فإن الخشبة، مهما تهدّمت، تظل قابلة لأن تُبنى من جديد.