Post: #1
Title: أفق الدولة لا أفق النسب.. في الرد على فصيل محمد صالح!
Author: محمد جمال الدين
Date: 01-25-2026, 06:15 AM
05:15 AM January, 25 2026 سودانيز اون لاين محمد جمال الدين-The Netherlands مكتبتى رابط مختصر
أفق الدولة لا أفق النسب.. في الرد على فصيل محمد صالح!
كتب اليوم الأستاذ فيصل محمد صالح في عموده (أفق بعيد) مقالًا لافتًا بعنوان التركي والمتتورك، عرض فيه ظاهرة بشرية تتكرر في كل زمان، حين يبالغ بعض الداخلين إلى السلطة في إظهار الولاء، حتى يصبحوا أكثر تشددًا من (الأصيل) نفسه. وهي فكرة صحيحة في سياقها التاريخي، إذ عرفناها في فترات الاستبداد والهيمنة.
غير أن الإشكال يبدأ عندما يُسقَط هذا المفهوم على سياقات مختلفة تمامًا، كتلك المتعلقة بسياسات الهجرة في أمريكا والغرب أو مواقف سياسيين من أصول مهاجرة. فهنا يحدث خلط بين المرجعية الشخصية والدور السياسي داخل الدولة الحديثة.
ولعل مثال الوزيرتين البريطانيتين (بريتي باتيل وسويلا برافرمان) خير دليل على ذلك. فهاتان السيدتان، وهما من أصول آسيوية ومن عائلات مهاجرة إلى بريطانيا، تبنّتا سياسات صارمة تجاه الهجرة واللجوء أثارت كثيرًا من الجدل. إلا أن موقفيهما لم ينبعا من (تنكر للأصل) كما يقول الأستاذ فيصل محمد صالح في عاموده أو كما يُشاع على وجه العموم، بل من موقعهما بوصفهما وزيرتين بريطانيتين تعملان وفق الدستور وتفويض الناخب البريطاني. فالمواطن لم ينتخبهما لأنهما بنات مهاجرين، بل لأنهما تمثلان رؤى سياسية تعبر عن مصالح الناخبين كما يرونها.
في الدولة الحديثة، لا يُمتحن السياسي في أصوله، بل في أدائه ووظائفه الدستورية. وما يبدو للبعض قسوة أو تشددًا هو في الواقع انسجام مع منطق الدولة الحديثة: حماية الحدود وتنفيذ القوانين وتحقيق مصلحة المواطن. بهذه البساطة المملة.
الأمر ذاته ينطبق على الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب؛ فكونه حفيدًا لمهاجرين لا يلزمه أن يكون مؤيدًا للهجرة المفتوحة. السياسة لا تُدار بمنطق النسب ولا بالتحليل الأخلاقي، بل وفق حسابات السيادة والمصلحة الوطنية. فالدولة الحديثة لا تحكمها ذاكرة الأجداد، بل مؤسسات وقوانين وسياسات آنية.
المواطنة عقد قانوني، لا امتحان أصل. وبموجبها ينقطع الولاء السياسي عن الجذور القديمة، ويتحوّل إلى التزام قانوني تجاه الدولة الجديدة وجماعتها السياسية. كما أن الخلط بين حقوق الإنسان وحقوق المواطنة يزيد الالتباس:
فحقوق الإنسان كونية، أما حقوق المواطنة فهي سيادية تحددها الدول وفق قوانينها وقدراتها. الدفاع عن الكرامة الإنسانية لا يعني فتح الحدود بلا نظام، ورفض الفوضى لا يعني كراهية المهاجرين.
ومن هنا، فإن وصف سياسيين منتخبين بأنهم (متتوركين) لمجرد تبنيهم سياسات متشددة في الهجرة، هنا نحن نحمل المفهوم أكثر مما يحتمل، ونسقط نموذجًا من زمن الاستبداد على واقع ديمقراطي مختلف كليًا.
ونـأتي لوهلة على حالنا في السودان، بعد أن أنتهيت من تعليقي المقتضب على أستاذنا فيصل محمد صالح:
في السودان وجب أن نطرح هذه القضية بوضوح أكبر؛ فجزء كبير من سكان السودان من غير مواطنيه القانونيين كما بعضنا يعلم، وربع أبنائه خارجه بحكم الظروف بين مغترب ومهاجر ولاجئ وهم مواطنيه.
وما زال أحياناً سؤال (من هو السوداني؟) غارقًا بين العاطفة والقانون، وبين القبيلة المتمددة بين الدول والوطن المرتبك الحدود.
نحن أظننا بحاجة إلى دولة المشروع لا دولة الشعارات، إلى سودان المواطنة لا سودان النسب؛ دولة تُدار بالقانون لا بالأنساب، وبالحقوق والواجبات لا بالمجاملات والذكريات.
لا نحتاج خطباء عاطفة، بل قيادة منتخبة تعرف معنى السيادة وتتخذ القرار بشجاعة. نحتاج (ترامبًا سودانيًا) بالمعنى الوظيفي لا الشخصي: منتخباً وواضحًا في تعريف الحدود، حاسمًا في تعريف المواطنة، لا يخشى القرار حين يحتاج الموقف إلى حزم.
دولة المواطنة لا تسأل: من أين أتيت؟. . بل تسأل: ما وضعك القانوني؟.. هل تحمل جنسيتها؟ وهل تلتزم بقانونها؟.. تلك هي أسئلة الدولة الحديثة.. دولة المواطنة لا دولة الجماعات ولا دولة الدماء التي تجري في العروق ولا دولة الذاكرة التاريخية.
ذلك ما نحتاجه ووجب أن نعمل عليه في عالم ومفهوم "دولة المواطنة”.. أو هي قناعتي الذاتية!. --- وتعرفون احتراماتي لأستاذنا.. فقط مجرد وجهة نظر.
|
|