المليشيا وأبواق القحاتة والتدمير الممنهج للبنية التحتية وإجهاض التعافي كتبه صلاح الدين حمزة

المليشيا وأبواق القحاتة والتدمير الممنهج للبنية التحتية وإجهاض التعافي كتبه صلاح الدين حمزة


10-30-2026, 00:09 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1793315375&rn=0


Post: #1
Title: المليشيا وأبواق القحاتة والتدمير الممنهج للبنية التحتية وإجهاض التعافي كتبه صلاح الدين حمزة
Author: صلاح الدين حمزة
Date: 10-30-2026, 00:09 AM

00:09 AM October, 29 2026

سودانيز اون لاين
صلاح الدين حمزة-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






((المليشيا وأبواق القحاتة والتدمير الممنهج للبنية التحتية وإجهاض التعافي))

لم تكن بنادق التمرد ومسيّراته العابرة للحدود موجهة نحو المقار العسكرية للجيش السوداني فحسب، بل أطلقت الميليشيا المتمردة منذ الطلقة الأولى في 15 أبريل 2023 إستراتيجية حرب شاملة وهو مايعرف عسكرياً بالأرض المحروقة. وتقوم هذه الإستراتيجية على فرضية ثابتة إذا عجزت الميليشيا وزيولها من قوى الحرية والتغيير (قحت) ومسانديهم وداعميهم من بعض الدول وعلى رأسهم الدويلة عن حكم السودانيين والسيطرة على قرارهم السيادي، فلا بد من تدمير مقومات حياتهم اليومية وعزلهم عن الخدمات الأساسية (الكهرباء، المياه، النفط، التعليم، والصحة)، لتحويل السودان إلى ركام جغرافي غير قابل للحياة، وإجبار المجتمع الدولي على التدخل القسري قفزاً فوق شرعية المؤسسات الوطنية.
تكشف الشواهد الميدانية والبيانات الموثقة عن تسلسل زمني تصاعدي، إنتقل فيه الإستهداف من التدمير التكتيكي في العاصمة إلى الإظلام الشامل وضرب مقومات الحياة في الولايات.
كانت البداية بتخريب قطاع النفط والمصافي عندما قامت المليشيا في الأسابيع الأولى للحرب بإحتلال مصفاة الخرطوم للبترول بالجيلي شمال العاصمة، وتحويلها إلى ثكنة عسكرية ومركز إمداد، تلا ذلك تفجير مستودعات الوقود الإستراتيجية في مدينة الشجرة جنوب الخرطوم، ومركز التحكم الرئيسي لخطوط الأنابيب الناقلة لنفط جنوب السودان، مما حرم الخزانة العامة من المورد المالي الأساسي.
بعد ذلك بدأت المليشيا في إستهداف مواقع الخدمات التي تمس حياة الناس حيث قامت بضرب مستشفيات العاصمة وتعرض مطار الخرطوم الدولي لقصف وتخريب وحرق للطائرات المدنية في اليوم الأول. وتلا ذلك إحتلال وطرد الكوادر الطبية من كبرى مستشفيات العاصمة (مثل مستشفى الخرطوم التعليمي، ومستشفى الشعب، ومستشفى ابن سينا)، وتحويلها إلى ارتكازات قتالية، مما أخرج غالبية المنظومة الطبية في المركز عن الخدمة في غضون أسابيع.
ولإكمال التدمير الممنهج للبنية التحتية للدولة قامت المليشيا بقصف وتدمير كبري شمبات الإستراتيجي الرابط بين أم درمان وبحري، وكبري خزان جبل أولياء، بغية قطع مناطق العاصمة جغرافياً وعزل القوات المسلحة.
لم تسلم محطات المياه النيلية من تخريب المليشيا فمع إنتقال ثقل العمليات، إستهدفت الميليشيا محطات المياه الرئيسية (مثل محطة مياه المقرن، ومحطة مياه بحري)، وقصفت بشكل متكرر محطة مياه المنارة بأم درمان بالمدفعية الثقيلة لقطع مياه الشرب عن ملايين المدنيين الصامدين في كرري وأم درمان القديمة.
أما المدارس والجامعات فقد تحولت إلى مقار لسكن المرتزقة، حيث نُهبت المعامل والمكتبات التاريخية لجامعات الخرطوم، والنيلين، والسودان للعلوم والتكنولوجيا وأُحرقت مباني الإدارات، تلا ذلك تدمير المدارس والمرافق التعليمية في ولاية الجزيرة عقب إجتياحها في ديسمبر 2023.
أخذ المخطط تكتيكاً تكنولوجياً خطيراً مع رصد بشري ببدء إستقرار مظاهر الحياة وعودة الأسواق والتجارة في الولايات الآمنة في بورتسودان وعطبرة وشندي ودنقلا والقضارف، فتركز الإستهداف عبر المسيّرات الإنقضاضية العابرة للحدود لضرب الشبكة القومية الحاكمة لطاقة البلاد حيث تم تدمير محطة تندلتي التحويلية بولاية النيل الأبيض، مما تسبب في خروج المحولات الرئيسية عن الخدمة وقطع الإمداد كلياً عن ولايتي النيل الأبيض وشمال كردفان.
لقد شهد قطاع الطاقة هجوماً منسقاً بالمسيّرات في وقت واحد طال خمس محطات حيوية تسببت في إظلام تام للكهرباء، وهي محطتا الحواتة والفاو بولاية القضارف، ومحطة الجنيد بولاية الجزيرة، ومحطة سنجة بولاية سنار، ومحطة مشكور بولاية النيل الأبيض.
كما تم قصف محطة المرخيات التحويلية غربي أم درمان، وقد إستهدفت المسيّرات المحطة الأكبر الناقلة للكهرباء من السدود النيلية، مما أخرجها عن الخدمة وأثر في إستقرار الإمداد بالخرطوم ونهر النيل والولايات الشمالية.
تكمن الدلالة الإستراتيجية الأعمق لهذا التدمير المتزامن لمحطات الكهرباء والسدود والخطوط الناقلة في ارتباطه المباشر بـإفشال المواسم الزراعية في المشاريع الكبرى (مشروع الرهد، مشروع السوكي، مشروع الجنيد لقصب السكر، ومزارع ولاية القضارف والنيل الأبيض ومشاريع القمح في الولاية الشمالية).
إن الهدف الإستراتيجي للمليشيا وقوى الحرية والتغيير هو قطع التيار الكهربائي عن هذه المشاريع لوقف عمل طلمبات الري العملاقة وقنوات التوزيع الحاكمة، مما يؤدي إلى جفاف المحاصيل وإفشال موسم الحصاد الإستراتيجي للذرة والقمح والسمسم، وبالتالي صناعة مجاعة قسرية حقيقية يعجز التكافل الإجتماعي. حيث تتطابق هذه الضربات الميدانية جغرافياً وتوقيتاً مع الحملة الإعلامية المسعورة التي تقودها الواجهة السياسية للميليشيا (أبواق قوى الحرية والتغيير - قحت / تقدم) عبر منابر وقنوات فضائية ممولة وموجهة من دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتتمثل هذه الحملات بصناعة أكذوبة المجاعة حيث يقود رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، والقيادي خالد عمر يوسف (سلك)، وآخرون، جولات خارجية ومؤتمرات صحفية تصر على ترديد وتضخيم مصطلح المجاعة في السودان. وتتبدى المؤامرة هنا في تبادل للأدوار، فبينما تقصف مسيّرات الميليشيا المحولات الكهربائية لتعطيل الإنتاج الزراعي وطحن حياة الناس، تهرع المنصات السياسية لـقحت في أبوظبي ودبي وعواصم الغرب لإستثمار هذا الإظلام والتعطيل المصنع ميدانياً، لإثبات فرضية المجاعة أمام مجلس الأمن والمنظمات الدولية، والتمسّك بطلب فرض ممرات إنسانية قسرية عابرة للحدود وتدخل دولي عسكري تحت بند حماية المدنيين، وهو الغطاء الذي يسعى التمرد من خلاله لإعادة إدخال السلاح والعتاد بعد أن حاصرته إنتصارات الجيش والمستنفرين برياً وبحرياً وجوياً.
في مواجهة هذا التحالف التدميري التكنولوجي والسياسي، برز الجيش الثاني للبلاد، وهم مهندسو وفنيو وعمال الشركة السودانية للكهرباء وهيئات المياه وقطاعات النفط الوطنية، الذين سطروا ملاحم كسروا بها رهانات المليشيا وأبواقها من قوى الحرية والتغيير قحت. وكانوا يقومون بأعمال الصيانة تحت النيران المباشرة، ففي كل مرة تعرضت فيها محطات المياه أو المحطات التحويلية للقصف، كانت طواقم المهندسين ترفض إخلاء المواقع، بل يسارع العمال لربط الأسلاك وتغيير المحولات التالفة مستعينين بـهندسة الطوارئ والمقاصة اليدوية البديلة، مما أعاد المياه والكهرباء للمستشفيات العسكرية والمدنية في ساعات وجيزة، وقدموا في سبيل ذلك رتلاً من الشهداء والجرحى في ميدان العمل الفني.
وكانت العبقرية في إستعادة كفاءة محطة المرخيات فور وقوع الهجوم على محطة المرخيات، وبتوجيهات مباشرة من الوزارة والولاية، إنخرطت فرق الهندسة الوطنية في عمليات عزل فوري للأجزاء المهدمة، واستعاضت بنظام خطوط إمداد تكتيكية بديلة والمولدات الإسعافية الضخمة لضمان إستمرار عمل مستشفيات أم درمان ومحطات المياه الأساسية، مما أحبط تكتيك الصدمة والترويع وبدد أهداف غرف المخابرات الخارجية التي خططت لإحداث نزوح جماعي عشوائي وهلع بالخرطوم.
الأمر المدهش والمحزن لقوى التمر وأبواقه الإعلامية هو مشاركة شباب المقاومة الشعبية والمستنفرون وأهالي الأحياء بالوقوف كتفاً بكتف مع عمال الصيانة، فشكلوا أطواق حماية أرضية للمحطات، وساعدوا في حفر الخنادق الواقية للمحولات، ومراقبة الخلايا النائمة والطابور الخامس الذي يمد غرف المسيّرات بالإحداثيات الجغرافية، لتتحول حماية البنية التحتية إلى معركة وطنية مقدسة يشترك فيها الفني والمواطن والجندي.
لم تكن الولاية الشمالية بمنأى عن مخطط التدمير الممنهج للبنية التحتية، بل تحولت إلى جبهة إستهداف رئيسية نظراً لرمزيتها كأكبر عمق جغرافي آمن داعم للدولة وللقوات المسلحة، وملاذ ملايين النازحين. شهدت الفترة الممتدة منذ 2023 إلى 2026 هجمات متكررة ومركزة بالطائرات المسيّرة الإنقضاضية العابرة للحدود، إستهدفت مفاصل التوليد والنقل في الولاية، أولاً بإستهداف سد مروي الإستراتيجي ومحطته التحويلية لقصف بالمسيّرات الإنتحارية عدة مرات، إستهدفت بدقة خطوط الناقل الرئيسي والمحولات التحويلية الحاكمة لتصريف الطاقة من التوليد المائي إلى الشبكة القومية، مما تسبب في أضرار بالغة حدت من القدرة التشغيلية للسد.
وتوازياً مع قصف سد مروي كانت هماك هجمات متعمدة طالت محطة عطبرة بولاية نهر النيل ومحطة الدبة المحورية في الولاية الشمالية. تسببت هذه الضربات المنسقة والمكررة في خروج كامل المنظومة الكهربائية في الولاية الشمالية عن الخدمة، ودخول الإقليم في حالة إظلام دامس استمرت لعدة شهور متصلة خلال العامين الماضيين، مما عزل القرى والمدن الإنتاجية رقمياً وخدمياً.
تكمن الدلالة الإستراتيجية لفرض الإظلام الدامس على الولاية الشمالية لشهور طويلة في رغبة الميليشيا وحلفائها الإقليميين في تدمير سلة الغذاء الشتوي للسودان، حيث تعتمد الولايات الشمالية بشكل أساسي على القمح، والفول المصري، والتوابل، والخضروات كحائط صد غذائي بديل لمشاريع الوسط التي طالتها الحرب، وتتمثل هذه الدلالة في تعطيل طلمبات الري ومشاريع الإنتاج حيث تعتمد الزراعة في الشمالية ونهر النيل بنسبة95% على الكهرباء لتشغيل طلمبات ومضخات سحب المياه النيلية والجوفية الإستراتيجية. وأدى إنقطاع التيار لشهور طويلة إلى جفاف آلاف الفدادين، وتلف المحاصيل النقدية والغذائية، وإفشال المواسم الزراعية لعامي 2024 و2025 بالكامل في مشاريع كبرى مثل (مشروع البرقيق، ومشاريع الدبة، وكريمة، وأمري ومروي ومزارع القولد، ومشاريع نهر النيل البديلة).
يعري هذا التدمير الميداني طبيعة التبادل الوظيفي والجولات السياسية الخارجية التي يقودها عبد الله حمدوك وخالد سلك عبر المنصات والمنابر الإماراتية، إذ يتم إستخدام هذا التعطيل المصنع للمواسم الزراعية كأدلة فنية يروجون بها دولياً للإكذوبة الأممية بوجود مجاعة عامة، حيث يطالبون من خلالها بفرض ممرات برية قسرية لانتهاك السيادة الوطنية، بعد أن دمرت آلياتهم ومسيّراتهم مقومات الإنتاج الذاتي للمواطن السوداني لتجويعه عمداً وإخضاعه سياسياً.
إلا أن عبقرية عمال الشمال ومزارعيها تبينت في إصلاح الأعطاب في مواجهة فرض الحصار المائي والكهربائي، حيث سطر عمال الهندسة والمزارعون السودانيون فصلاً مذهلاً من فصول الإعتماد على الذات وكسر الرهانات بدءاً بالإستبسال الهندسي لفرق الصيانة، ففي كل مرة تتعرض فيها محطات الدبة، وعطبرة، وسد مروي للقصف، كانت فرق الطوارئ بالشركة السودانية للكهرباء تعيد تشكيل نفسها ميدانياً. بالرغم من شح قطع الغيار وصعوبة الإمداد اللوجستي، يتمكن المهندسون والفنيون وبجهود محلية خالصة من إجراء عمليات عزل تكتيكي وتوليد بديل وإصلاح المحولات الضخمة في أوقات قياسية، مستخدمين طرائق مبتكرة لتأمين خطوط طاقة إسعافية تضمن بقاء المنشآت الحيوية في الخدمة.
وحتى لا يفشل الموسم الزراعي لم يستسلم المزارع السوداني في الشمالية لواقع قطع الكهرباء وتدمير المحطات، بل إنتفضت المجتمعات المحلية عبر النفير لإبتكار حلول إسعافية حيث جرى المزارعون عمليات تحوير هندسية سريعة للمشاريع الزراعية بالعودة إلى تشغيل طلمبات السحب عبر الوابورات ومحركات الديزل التقليدية، رغم شح الوقود وغلاء أسعاره. كما شهدت محليات الدبة ودنقلا ومروي طفرة تاريخية لـتوطين الطاقة الشمسية، حيث تشارك المزارعون والجمعيات التعاونية علاوة علي الدعم الخرافي للمغتربين من خلال القروبات المناطقية في شراء وتركيب ألواح الطاقة الشمسية لتشغيل آبار المياه الجوفية نهاراً، مما أنقذ مساحات شاسعة من محاصيل القمح الشتوي وحافظ على إستمرارية الإنتاج المحلي.
لقد إنخرط آلاف الشباب والمستنفرين من أبناء الشمالية ونهر النيل في تشكيل كتائب حماية أرضية رديفة لتطويق سد مروي والمحطات التحويلية بالدبة وعطبرة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والاستخبارات العسكرية على تمشيط التخوم وفحص شبكات الإتصال، وتجفيف منابت الطابور الخامس والخلايا النائمة التي ترفع إحداثيات المحطات لغرف المسيّرات الخارجية، ليتحول حزام الإنتاج الزراعي في الشمالية إلى قلعة محصنة بوعي بنيها وسواعد عمالها وصمود مزارعيها.
صلاح الدين حمزة
مروي
salahhamza@gmail.com