Post: #1
Title: ضوء نهاية النفق: سينهض السودان من صميم اليأس شامخا وقوياً كتبه د. فضل محي الدين طاهر
Author: فضل محي الدين طاهر
Date: 10-30-2026, 00:05 AM
00:05 AM October, 29 2026 سودانيز اون لاين فضل محي الدين طاهر-جنيف مكتبتى رابط مختصر
(سينهض من صميم اليأس جيلٌ مريدُ البأسِ جبارٌ عنيدُ يقايضُ ما يكون بما يُرَجَّى ويَعطفُ مـا يُراد لما يُريدُ) محمد مهدي الجواهري
رغم قتامة المشهد السوداني الراهن، فإن الأمل في وقف الحرب ووضع البلاد على مسار السلام الدائم والتنمية يزداد قوة يوماً بعد يوم. وهو أملٌ لا يقوم على التمني، بل على تحولات عميقة في الوعي والواقع بدأت تتشكل بهدوء تحت ركام المأساة.
أول هذه التحولات: إدراك حقيقة الحرب. أدرك كثير من السودانيين معنى المثل السوداني: «الجمرة بتحرق الواطيها». فالحرب لا تحرق إلا من يقف عليها، وهم عامة الناس الذين فقدوا بيوتهم وأرزاقهم وأحبّتهم، بينما ينعم تجار الحروب وأسرهم بحياة مستقرة بعيداً عن لهيبها. وحين يتحول هذا الإدراك إلى وعي جمعي، يصعب على أي طرف أن يتاجر بمعاناة الناس أو يبرر استمرار القتال باسمهم.
ثانيها: سقوط الأقنعة. كشفت هذه الحرب المدمّرة الأقنعة عن معظم الأحزاب والكيانات والطوائف، وأظهرت أنها بصيغتها وعقليتها الحالية لا تلائم سودان ما بعد الحرب. وهذا الانكشاف، على مرارته، يحمل فرصة ثمينة: توسيع قاعدة مشتركة بين السودانيين، تتأسس على المواطنة والكفاءة والمصلحة العامة والأجندة الوطنية بدل الولاءات الضيقة.
ثالثها: الهجرة رصيداً للبناء، وجيل تراجعت فيه العنصرية. إن هجرة السودانيين، وخاصة الشباب، إلى دول متقدمة ومستقرة، وإن كانت وجعاً في ظاهرها، مكّنتهم من اكتساب مهارات وخبرات متنوعة، ولا سيما في تسخير التنوع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لبناء السلام الدائم. وهي رصيد حقيقي سيُستثمر في مرحلة إعادة الإعمار، حين تتوافر البيئة المناسبة لعودة هذه الكفاءات أو لمساهمتها من الخارج.
ومن اللافت تماسك أجيالنا الشابة ووحدتها في بلدان الاغتراب، وتراجع العنصرية والجهوية بينهم رغم اختلاف مناطقهم، وكثيراً ما يتجلى ذلك في المناسبات الاجتماعية حيث يجتمع الجميع على قلب واحد. ومن جانبٍ آخر، شهدت الفترة الماضية سباقاً جميلاً بين السودانيين، على اختلاف خلفياتهم، لتقديم مختلف أنواع الدعم الإنساني والمؤسسي للنازحين داخل السودان. وهذا مؤشر إيجابي لمستقبل البلاد، فالعنصرية والجهوية والتهميش من أهم محركات هذه الحرب، وتراجعها في وعي هذا الجيل يعني أن جذور الصراع بدأت تضعف.
رابعها، وهو الأهم: تحويل التنوع من نقمة إلى نعمة. أدرك الشباب السوداني كيف يحوّل التنوع الإثني والاجتماعي، وتنوع الموارد الطبيعية والبيئة، من نقمة إلى نعمة. فقد ظلّ التنوع القبلي زمناً طويلاً وسيلةً في يد العقلية الريعية للنخب الحاكمة، تستخدمه لنهب موارد البلاد وللحيلولة دون بناء دولة المؤسسات، فتُذكي الانقسام لتضمن بقاءها. وتشير اتهامات واسعة إلى أن بعض الأطراف الإقليمية دعمت بقاء هذه النخب طمعاً في ثروات البلاد. أما اليوم، فإن وعي الجيل الجديد يرى في هذا التنوع ثروة تُسخَّر لصالح التنمية المستدامة والسلام، حيث تتكامل الأقاليم ولا تتصارع، وتصبح الموارد جسراً بين المجتمعات لا ساحةً للاقتتال.
إن الأمم لا تُبنى في أوقات الرخاء وحدها؛ فكثير من الأمم نهض من رماد الحروب أكثر وعياً وتماسكاً. ولذلك نحسب أن المستقبل سيكون أفضل من الحاضر رغم قسوته. فالسودان، بشعبه الذي أنهكته الجمرة وعلّمته الدرس، وبشبابه الذي يحمل المهارة والرؤية والوحدة، سينهض من صميم اليأس شامخاً عصيّاً على الانكسار.
فلنتمسك بالأمل، ولنحوّله إلى عمل: اقتصاد مؤسسي منفتح يقوم على الانتاج والكفاءة لا الريع، واندماج في النظام التجاري الدولي يفتح للسودان أسواقه وفرصه، وعودة الكفاءات لتكون شريكة في البناء.
——————————————
|
|