Post: #1
Title: محمد مختار الخطيب: نقد التشخيص وغياب البديل (2 من 10) قراءة نقدية في "المشروع البديل لبرنامج الهبوط
Author: عاطِف عبدالله قسم السيد
Date: 10-27-2026, 11:43 AM
11:43 AM October, 27 2026 سودانيز اون لاين عاطِف عبدالله قسم السيد-UAE مكتبتى رابط مختصر
محمد مختار الخطيب: نقد التشخيص وغياب البديل (2 من 10) قراءة نقدية في "المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم"
عاطف عبدالله
الجزء الثاني القصور في تشخيص الحرب وطبيعة الصراع السوداني 1. اختزال الواقع في ثنائية "الثورة والهبوط الناعم"
تقوم الورقة على فرضية مركزية مفادها أن جوهر الصراع السوداني هو الصراع بين مشروع ثورة ديسمبر ومشروع الهبوط الناعم، وأن الحرب والتسويات المقترحة ينبغي فهمهما في إطار هذا الصراع الاجتماعي والسياسي.
هذه الفرضية تضيء جانباً من الأزمة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير الواقع السوداني الراهن.
فالحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 ليست مجرد تناقض ثانوي بين قوى مضادة للثورة، ولا مجرد صراع بين جنرالين داخل مشروع واحد. إنها، في الوقت نفسه، صراع مسلح على السلطة ومؤسسات الدولة والموارد، وانفجار لتعدد مراكز القوة العسكرية، وتنافس بين شبكات اقتصادية وأمنية، وصراع تتداخل فيه المظالم الإقليمية والتاريخية والتدخلات الخارجية.
كما أن القوى المشاركة في الحرب أو المتأثرة بها ليست كتلة واحدة، ولا تتطابق مصالحها أو دوافعها بالضرورة. ولا يجوز افتراض أن جميع القوى المدنية التي شاركت في المرحلة الانتقالية تمثل مشروعاً سياسياً واجتماعياً متجانساً، أو أن جميع القوى المناهضة للحرب تنتمي إلى مشروع واحد، أو أن كل من يختلف مع الحزب الشيوعي بشأن طريق التغيير يقف موضوعياً في معسكر واحد.
مكمن القصور هنا هو تحويل إطار تفسيري مفيد إلى إطار حصري لتفسير الواقع.
فإذا كانت ثورة ديسمبر قد حملت مطالب الحرية والسلام والعدالة، فإن الدفاع عن أهدافها لا يقتضي افتراض أن كل خلاف حول الوسائل أو التحالفات أو ترتيب الأولويات هو خلاف بين الثورة وأعدائها.
كان الأجدر بالورقة أن تميز بين:
القوى التي تسعى إلى إعادة إنتاج النظام السابق بصورة مباشرة. القوى العسكرية والاقتصادية التي تتمسك بامتيازاتها وتقاوم إخضاعها للسلطة المدنية. القوى المدنية التي أخفقت في إدارة الانتقال أو قدمت تنازلات أضرت بأهداف الثورة. القوى المدنية المناهضة للحرب التي تختلف في تقديرها لموازين القوى، وسبل وقف القتال، وشروط التسوية، وعلاقة العمل الداخلي بالضغط الخارجي. القوى الاجتماعية والمناطقية التي تحمل مطالب مشروعة، ولكنها لا تتبنى بالضرورة البرنامج الأيديولوجي للحزب الشيوعي. هذا التمييز ليس ترفاً نظرياً، بل شرطٌ أساسي لبناء استراتيجية سياسية واعية، قادرة على تحديد الخصوم الحقيقيين، وتمييزهم عن الحلفاء المحتملين، وتوسيع قاعدة العمل المشترك. فنحن في خضم معركة سياسية محتدمة، وأولى شروط الانتصار فيها أن نعرف عدوّنا الحقيقي، وأن نوجّه جهودنا نحو مواجهته، بدلًا من تشتيت القوى والطاقات في خصومات جانبية. فالعدو الذي ينبغي أن تتوحد الجهود لمواجهته ليس قوى "الهبوط الناعم"، التي يسعى خطاب الحزب إلى تصويرها باعتبارها الخطر الأول، رغم أنها هي الأخرى تناضل من أجل التغيير، بصرف النظر عن الاختلاف أو الاتفاق معها في الرؤى والوسائل؛ وإنما العدو الحقيقي هو تلك القوى التي أشعلت الحرب لتصفية الثورة، وإجهاض مشروعها، واستعادة العرش الذي انتزعته منها ثورة ديسمبر المجيدة.
2. هل الصراع الطبقي وحده يفسر الحرب؟
تقرأ الورقة الصراع من زاوية التناقض بين جماهير الكادحين والفقراء من جهة، وتحالف أصحاب الامتيازات في المركز والأقاليم من جهة أخرى، وتعتبر أن خطاب الكراهية والصراعات القبلية والجهوية يصرف الأنظار عن الصراع الأساسي.
لا شك أن المصالح الاقتصادية وشبكات السيطرة على الموارد تؤدي دوراً مهماً في الأزمة السودانية. لكن الانتقال من هذه الحقيقة إلى اعتبار بقية التناقضات عوامل ثانوية يجري توظيفها لإخفاء الصراع الطبقي يثير مشكلة منهجية.
فالمظالم المرتبطة بالأرض، والتهميش الإقليمي، والتفاوت في توزيع السلطة، والعنف الإثني، وانعدام الأمن، ليست مجرد غطاء أيديولوجي لصراع اقتصادي. إنها وقائع لها تاريخها وفاعلوها ومطالبها، وقد أسهمت في تشكيل الدولة والحروب السودانية قبل اندلاع الحرب الحالية بسنوات طويلة.
كما أن الهوية والموقع الجغرافي والانتماء الإثني لا يحددان وحدهما الموقف السياسي أو الطبقي للأفراد والجماعات. ولا يمكن تفسير التعبئة المسلحة أو الانحيازات المحلية جميعها بوصفها انعكاساً آلياً لمصالح طبقية محددة.
إن التحليل الماركسي الجاد لا يكتمل بمجرد تسمية الصراع الطبقي؛ بل يتطلب دراسة كيفية تداخله مع علاقات السلطة والدولة والهوية والأرض والمؤسسات العسكرية والاقتصاد السياسي للحرب.
ومن هنا، فإن الأطروحة تحتاج إلى تفسير أكثر دقة لكيفية تحول هذه التناقضات المتداخلة إلى حرب شاملة، وللأسباب التي جعلت قوى اجتماعية شاركت في الثورة عاجزة عن منع اندلاعها أو وقفها.
3. نقص التحليل المستقل لمصالح أطراف الحرب
تنتقد الورقة طرفي الحرب وحلفاءهما، لكنها تميل إلى إدراجهما ضمن منظومة واحدة مضادة للثورة، من دون تقديم تحليل مقارن كافٍ لمصالحهما ومراكز قوتهما، ومصادر تمويلهما، وشبكاتهما العسكرية، والاقتصادية.
وهنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت مصالح الطرفين متطابقة في جوهرها، فما الذي يفسر دخولهما في حرب مدمرة بهذا الحجم، واستعدادهما لتحمل كلفتها، وعجزهما عن التوصل إلى تسوية حتى الآن؟
لا يكفي القول إن طرفي الحرب يتنافسان على السلطة والثروة؛ بل ينبغي تحليل طبيعة التناقضات بينهما، وتحديد ما إذا كانت خلافاتهما تتعلق بتوزيع النفوذ داخل الدولة، والسيطرة على المؤسسات والموارد، وضمانات البقاء السياسي والعسكري، أم أنها تمتد إلى اختلافات في مشروعات إعادة تشكيل الدولة وترتيب مراكز القوى داخلها. ويقتضي ذلك أيضاً التوقف عند موقف كل طرف من عودة الإسلامويين وفلول النظام السابق إلى المشهد السياسي، ومدى ارتباطه بشبكات المصالح والنفوذ التي تشكلت في ظل نظام الإنقاذ، وما إذا كان يسعى إلى تفكيك تلك الشبكات أم إلى إعادة توظيفها وتوسيع نفوذها في سياق الحرب.
وفي هذا الإطار، لا بد من فحص مواقف الطرفين من "الاتفاق الإطاري" الذي وُقّع في ديسمبر 2022، باعتباره محطة سياسية كشفت عن تباينات مهمة بشأن مستقبل السلطة المدنية، وإصلاح المؤسسة العسكرية، وإبعاد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية عن التنافس السياسي والاقتصادي. فهل كان الخلاف حول "الاتفاق الإطاري" تعبيراً عن تباين حقيقي في الرؤى بشأن الانتقال المدني الديمقراطي، أم ارتبط أيضاً بالمصالح المؤسسية وموازين النفوذ ومخاوف فقدان الامتيازات؟
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الإسلامويين وفلول النظام السابق في مقاومة مسار الاتفاق الإطاري، وتوظيف الخلافات السياسية المحيطة به لإجهاضه والحيلولة دون استكمال الانتقال المدني الديمقراطي، حيث لم يقتصر دورهم على معارضة الاتفاق، بل امتد إلى الإسهام في إشعال فتيل الحرب، والعمل على تأجيجها وإطالة أمدها، بما يتيح لهم استعادة نفوذهم السياسي ومواقعهم داخل مؤسسات الدولة. كما أن استمرار الحرب وتعثر المبادرات الرامية إلى وقفها لا يمكن فهمهما بمعزل عن دورهم في تقويض فرص التسوية وإفشال الجهود التي تستهدف إنهاء القتال. ومن ثم، فإن تحليل مواقف طرفي الحرب من الإسلامويين وفلول النظام السابق، وتحديد طبيعة العلاقة بينهما، يظل مدخلاً أساسياً لفهم أسباب استمرار الحرب، والعقبات التي تعترض طريق التسوية السياسية، واحتمالات إعادة إنتاج النظام السابق تحت غطاء جديد.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي التمييز بين المواقف المعلنة والمصالح الفعلية، وبين ما يمكن إثباته بالوقائع وما يظل استنتاجاً يحتاج إلى أدلة.
إن فهم هذه التناقضات، بما تنطوي عليه من تداخل بين المصالح العسكرية والاقتصادية والحسابات السياسية، ضروري لتفسير اندلاع الحرب واستمرارها، وتحديد مداخل وقفها، وتقدير فرص التفاوض، وبناء ضمانات تحول دون استئناف القتال أو استغلال التسوية لإعادة إنتاج النظام السابق وشبكات نفوذه، أو إعادة إنتاج الحكم العسكري في صيغة جديدة.
والأهم أن رفض الاصطفاف مع أي من طرفي الحرب لا يعفي من ضرورة فهم كل طرف على حدة، ولا يجعل التمييز بينهما في الوقائع والسلوك والقدرات أمراً غير ضروري.
_______________________________________________ عاطِف عبدالله قسم السيد Atif Abdalla Gassime El-Siyd
|
|