Post: #1
Title: مفارقة الشرعية: حين يصبح الجيش دولةً وحركات التحرر سلاح - تعقيب على مقال للواثق كمير كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 10-26-2026, 04:59 AM
04:59 AM October, 25 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
25/10/2026 خالد كودي، بوسطن
من يملك حق تعريف الشعب السوداني؟ السودان الجديد بين شرعية الثورة ووصاية النخب رد على مقال للواثق كمير بعنوان (السودان الجديد وشرعية التمثيل: مرة أخرى مع خالد كودي) — تورونتو، 19 أكتوبر 2026 يستحق مقال الأخ الواثق كمير الأخير نقاشاً يتجاوز مسألة شرعية حكومة تأسيس إلى سؤال أعمق: من يملك حق المبادرة إلى إعادة تأسيس الدولة السودانية، ومن يحدد المبادئ القابلة للتفاوض والحقوق التي يجب تحصينها من المساومة السياسية؟ ولا تقتصر غايتنا من محاورته على الرد على آرائه وحده، بل تمتد إلى مناقشة تيار أوسع من النخب السياسية والفكرية التي تتبنى تصورات مماثلة. فخلافنا مع الواثق ليس حول اعترافه بالمظالم التاريخية؛ فهو يقر بها كالكثيرين غيره، لكنهم يحيلوا معالجتها إلى عملية توافق وطني دون أن يوضحوا الضمانات التي تمنع إخضاع الحقوق الأساسية مجدداً لموازين القوى التي أسهمت في انتهاكها. وقد أثبتت التجربة السودانية أن الاعتراف بالمظالم لا يكفي لإنصاف ضحاياها، ما دامت القوى المستفيدة من استمرارها تحتفظ بالقدرة على تعطيل معالجتها. وللناقش مع الدكتور وغيره هذا. يمكن تلخيص حجج الواثق في مقاله الأخير في خمس نقاط: ١/ يقر بعدالة قضايا المواطنة والتهميش والهوية وعلاقة الدين بالدولة، لكنه يرفض اعتبار جميع المبادئ التي تتبناها حركة سياسية مبادئ فوق دستورية ملزمة. ٢/ يميز بين الحقوق الإنسانية الأساسية التي لا تقبل المساومة، وبين الاختيارات الدستورية المتعلقة بالعلمانية والوحدة الطوعية وتقرير المصير، التي يرى أنها تحتاج إلى اتفاق وطني. ٣/ يؤكد أن تبني مشروع السودان الجديد لا يمنح تحالف تأسيس شرعية حكومية أو حق تمثيل الشعب السوداني بأكمله. ٤/ يرفض استنتاج الصفة الحكومية من السيطرة العسكرية أو إدارة الأراضي، ويستشهد بتجربة الدكتور جون قرنق والحركة الشعبية. ٥/ يدعو إلى عملية سياسية وطنية مفتوحة يتساوى فيها السودانيون في تقرير مستقبل دولتهم، بدلاً من الاعتراف المسبق بالسلطات التي نشأت أثناء الحرب. هذه أسئلة جدية تستحق المناقشة، لكنها لا تستنفد جوهر الخلاف بيننا. فالسؤال الذي لا يجيب عنه طرح الواثق بوضوح هو: ماذا يحدث عندما تكون المبادئ التي يُراد إحالتها إلى التوافق الوطني هي نفسها المبادئ فوق الدستورية/التاسيسية، وهي التي قاومت الدولة السودانية التاريخية ونخبها إقرارها، وكانت مقاومتها أهم الأسباب الأساسية لاندلاع الحروب واستمرارها؟
أولاً: السودان ليس مجتمعاً متفقاً على مشروع الدولة يتحدث الأخ الواثق كمير عن "الشعب السوداني" كما لو أنه جماعة سياسية متجانسة، تختلف حول التفاصيل وتتفق على الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة. غير أن التاريخ السوداني وواقعه السياسي يكشفان عن مجتمع متعدد، تتباين داخله التصورات حول هوية الدولة ومصادر شرعيتها وعلاقتها بالدين، بل وحول مكانة الإنسان وحقوقه فيها. فهناك من يريد دولة تستمد هويتها وتشريعاتها من مرجعية دينية، ومن يطالب بدولة علمانية تضمن المساواة بين جميع الأديان والمعتقدات. وهناك من يقبل بلامركزية إدارية تُبقي السلطة الفعلية في يد المركز، ومن يدعو إلى إعادة توزيع السلطة والثروة والموارد. كذلك يختزل بعضهم السلام في وقف القتال وتقاسم السلطة، بينما يرى آخرون أن إنهاء الحروب يستوجب تغيير البنية السياسية والمؤسسية التي أنتجتها. هذه ليست خلافات إجرائية، بل اختلافات جوهرية حول طبيعة الدولة نفسها. لذلك لا تكفي الإحالة المجردة إلى أن "الشعب السوداني هو الذي يقرر". فمن المقصود بهذا الشعب في العملية السياسية التي يتصورها الواثق؟ وكيف سيُضمن تمثيل جميع مكوناته؟ ومن يضع قواعد المشاركة، ويحدد جدول الأعمال، ويقرر ما يجوز التفاوض حوله وما لا يجوز؟ وماذا لو انتهت تلك العملية إلى إقرار السودان دولة عربية إسلامية، والشريعة الإسلامية مرجعية دستورية للتشريع والحكم؟ هل تصبح إرادة الأغلبية مبرراً للانتقاص من حقوق المواطنين المختلفين دينياً وثقافياً؟ وهل يجوز إخضاع المساواة في المواطنة وحرية الاعتقاد لتصويت سياسي؟ ثم كيف سيُمثَّل النازحون واللاجئون وشعوب المناطق التي ظلت تاريخياً مهمشة وخارج مراكز القرار؟ وهل تُمنح القوى التي احتكرت السلطة والثروة حق تعطيل الضمانات التي ناضلت تلك المجتمعات طويلاً من أجل انتزاعها؟ نحن لا ننازع في أن السيادة للشعب السوداني بجميع مكوناته؛ بل نرفض اختزال هذا الشعب في المؤسسات والقوى التي اعتادت التحدث باسمه، وكأن تاريخها ومواقع نفوذها يمنحانها تفويضاً تلقائيا ودائماً لتمثيله! فشعوب جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور وغيرها، والعلمانيون، وأتباع المعتقدات الأفريقية التقليدية، والملحدون واللادينيون، والنساء، وسائر الفئات التي تعرضت للإقصاء، ليسوا ضيوفاً على العملية السياسية ينتظرون الإذن بالمشاركة. إنهم مواطنون أصيلون، لهم الحق الكامل في المبادرة والمساهمة في تحديد مستقبل الدولة على قدم المساواة مع الآخرين. وهنا تكتسب أطروحة الكاتبة النيجيرية تشيماماندا نغوزي أديتشي، في محاضرتها الشهيرة "خطر السردية الواحدة" عام 2009، أهمية خاصة. فالهيمنة لا تتمثل فقط في امتلاك القدرة على رواية تاريخ الآخرين، بل في امتلاك سلطة فرض تلك الرواية بوصفها التعريف المعتمد لهويتهم وتجاربهم ومطالبهم. وهذا أحد أوجه الأزمة السودانية: استمرار بعض نخب المركز في احتكار تعريف الوطنية والاعتدال والعقلانية السياسية، بينما يُطلب من شعوب الهامش أن تصوغ مطالبها وفق مفاهيم المركز وشروطه وإجراءاته، والان يتم اختبار هذا! ولا نزعم أن الأخ الواثق يتعمد إقصاء هذه الشعوب، لكننا نرى في منطقه السياسي أثراً لنمط راسخ في تفكير قطاعات من النخب السودانية. ولذلك فإن نقدنا يتناول افتراضات طرحه ونتائجه السياسية، لا نواياه الشخصية. وجوهر الخلاف هنا هو التناقض بين الاعتراف بالمظالم التاريخية، ثم إخضاع ضمانات إنهائها لتوافق قد يمنح القوى المستفيدة من استمرارها القدرة على تعطيل معالجتها. عندئذ يصبح الإقرار بالظلم أمراً سهلاً، بينما يُؤجَّل رفعه باسم التوافق الوطني. وهذا ليس خلافاً شكلياً حول إجراءات الحوار، بل سؤال تأسيسي لا يجوز تجاوزه: كيف نبني دولة تقوم على المساواة إذا جعلنا الاعتراف العملي بهذه المساواة رهناً بموافقة القوى التي قامت امتيازاتها التاريخية على غيابها؟
ثانياً: الاعتراف بالحقوق ثم إحالتها إلى التوافق — أين تكمن المشكلة؟ يؤكد الواثق كمير أن المساواة والكرامة وحرية الاعتقاد حقوق لا تقبل المساومة، لكنه يميز بينها وبين ما يسميه "الاختيارات الدستورية" لمشروع السودان الجديد. وهنا يكمن جوهر خلافنا. فإذا اتفقنا على حظر التمييز بسبب الدين أو الثقافة أو الأصل، فما الضمان الدستوري الذي يقترحه لتحقيق ذلك؟ وهل تستقيم المواطنة المتساوية في دولة تمنح ديناً بعينه امتيازاً تشريعياً أو سياسياً؟ وكيف نضمن المساواة إذا ظلت العقيدة الدينية معياراً للحقوق والواجبات؟ إن العلمانية، كما يتبناها مشروع السودان الجديد، تعني فصل الدين عن الدولة، وحياد مؤسساتها تجاه جميع الأديان والمعتقدات، والفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية/الزمنية. وهي ليست عداءً للدين، بل ضمانة لحرية التدين والاعتقاد، وحماية المواطنين من التمييز بسبب معتقداتهم أو عدم اعتناقهم أي دين. وقد تختلف النظم العلمانية في تنظيم التعليم الديني والأحوال الشخصية وعلاقة المؤسسات الدينية بالمجال العام؛ وهذه مسائل قابلة للتفاوض الديمقراطي. أما حياد الدولة والمساواة في المواطنة، فهما مبدآن تأسيسيان ندعو إلى تحصينهما دستورياً، لا إخضاعهما لمساومات الأغلبية السياسية. وهنا نسأل الواثق: إذا كان اعتراضه على صيغة الفصل بين الدين والدولة، فما البديل الدستوري الذي يقترحه لضمان المساواة الكاملة؟ أما الاكتفاء بالتمييز بين "الحقوق" و"الاختيارات الدستورية"، دون بيان كيفية حماية الأولى، فيترك جوهر المشكلة بلا معالجة. وينطبق المنطق نفسه على العدالة التاريخية. فلا يجوز اختزال المساءلة في الجرائم المرتكبة منذ اندلاع حرب أبريل 2023، وكأن الحروب والانتهاكات بدأت عند ذلك التاريخ. فالمحاسبة عن جرائم الحرب الحالية واجبة على جميع الأطراف، لكنها لا تغني عن معالجة عقود من التمييز والقمع والانقلابات والإفلات من العقاب. فالعدالة التأسيسية لا تقتصر على محاسبة مرتكبي الجرائم، بل تشمل تفكيك البنى السياسية والمؤسسية التي أنتجت المظالم ودفعت مجتمعات سودانية إلى المقاومة المسلحة عبر أجيال. وعليه، فإن السؤال ليس ما إذا كنا نتفق نظرياً على الحقوق، بل ما الضمانات الدستورية والمؤسسية التي تمنع انتهاكها مجدداً؟ فالتوافق على وسائل التطبيق ضرورة، أما تعليق حماية الحقوق الأساسية على توافق سياسي لاحق، فهو إعادة إنتاج للأزمة التي يسعى مشروع السودان الجديد إلى تجاوزها.
ثالثاً: الحقوق فوق الدستورية ليست اختراعاً لحركة سياسية يعترض الدكتور الواثق كمير على أن يضع تنظيم سياسي مبادئه الخاصة فوق العملية الدستورية. وهو اعتراض مشروع إذا كان المقصود فرض برنامج حزبي على المجتمع، لكنه لا يصلح حجة ضد تحصين الحقوق الأساسية التي لا تستمد مشروعيتها من إرادة الأحزاب أو موافقة النخب السياسية. ونتفهم حساسية الأكاديميين والنخب السودانية تجاه المبادرات والحلول التي تنشأ خارج أطرها التقليدية، ولا تمر عبر موافقتها أو إقرارها واجازتها. غير أن استمرار التعامل مع النخب بوصفها المرجعية التي ينبغي أن تجيز كل تصور لمعالجة أزمات السودان يعيد إنتاج الوصاية السياسية، ويعطل إمكانات التغيير، خاصة وان هذه النخب ظلت تجرب منذ الاستقلال! فالحقوق التي يستند إليها مشروع السودان الجديد ليست اختراعاً للحركة الشعبية أو تحالف تأسيس. لقد أقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 المساواة في الكرامة والحقوق، وعدم التمييز، والمساواة أمام القانون. كما تكفل المادتان 18 و26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية الدين والمعتقد والحماية القانونية المتساوية. وأكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم المتحدة أن حرية المعتقد تشمل الأديان والمعتقدات غير الدينية والإلحادية، وأن حظر التمييز يشمل التشريعات وممارسات السلطات العامة. أما حق الشعوب في تقرير المصير، فقد أقرته المادة الأولى المشتركة للعهدين الدوليين لعام 1966. ويعترف إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصيلة لعام 2007 بحقوق هذه الشعوب في المشاركة عبر مؤسساتها التمثيلية، وحماية ثقافاتها وأراضيها ومواردها، والتشاور معها بشأن القرارات التي تمس حقوقها، سعياً إلى الحصول على موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة. وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: الحقوق الأساسية التي يقررها القانون الدولي، والمبادئ التأسيسية التي يدعو مشروع السودان الجديد إلى تحصينها دستورياً، والترتيبات السياسية والمؤسسية التي تخضع للتفاوض الديمقراطي. فالمواطنة المتساوية، وعدم التمييز، وحرية الاعتقاد، والكرامة الإنسانية، والحريات السياسية الأساسية، وحظر التعذيب والاسترقاق، ليست امتيازات يمنحها مؤتمر سياسي أو تسحبها أغلبية حاكمة. أما شكل اللامركزية، والنظام الانتخابي، وإجراءات ممارسة تقرير المصير، والترتيبات الأمنية، وآليات العدالة الانتقالية، فهي مسائل تستوجب التفاوض والاتفاق على الضمانات القانونية والمؤسسية. ولا يعني ذلك أن جميع الحقوق تتمتع بالوضع القانوني نفسه، أو أن ممارستها لا تخضع لأي ضوابط مشروعة. كذلك لا تكتسب المبادئ صفة "فوق دستورية" لمجرد تبنيها من تنظيم سياسي؛ وإنما المقصود إقرار ضمانات دستورية عليا تحمي جوهر الحقوق الأساسية من تقلبات السلطة والأغلبية السياسية، وتمنع العودة إلى التمييز والاستبداد، خاصة وان السودان بعج بالمهوسين الدينيين والعنصريين الخرقي على خلفية ثلاثين عاما فاشية. ومن هنا نسأل الأخ الواثق: ما المبدأ المحدد في مشروع السودان الجديد الذي يعترض عليه؟ وما البديل الدستوري الذي يقترحه لمعالجة المشكلة التي يستهدفها ذلك المبدأ؟ فإذا كان الخلاف حول الصياغات وآليات التنفيذ، فليكن النقاش حولها بوضوح، بدلاً من تحويل الاعتراض على مصدر المبادرة السياسية إلى اعتراض على المبادئ نفسها. لقد قدمت الحركة الشعبية وتحالف تأسيس تصوراً لإعادة تأسيس الدولة، كما قدمت قوى أخرى تصورات مختلفة. ومن حق الجميع مناقشة هذه المشاريع ونقدها، لكن معيار الحكم عليها ينبغي أن يكون مضمونها وقدرتها على ضمان الحقوق ومعالجة جذور الأزمة السودانية، لا هوية القوى التي طرحتها، ولا مدى قبول النخب التقليدية بها، ولا محاولة ابعادها بدعاوي انها مسلحة، ولا مش كده؟
رابعاً: من يحق له تأسيس سلطة في زمن انهيار الشرعية؟ شرعية الثورة وحق إنشاء الحكومة في ظروف الحرب يسأل الواثق كمير: هل تمنح عدالة المشروع أصحابه حق إنشاء حكومة أثناء الحرب والمطالبة بالتعامل معها بصفتها الحكومية؟ الإجابة نعم، من حيث حق القوى الثورية وحركات التحرر في إنشاء مؤسسات للحكم والإدارة في ظروف الحرب وانهيار النظام الدستوري. لكن ينبغي التمييز بين مشروعية إنشاء هذه المؤسسات، وواقع سلطتها، والاعتراف القانوني بها، وامتلاكها تفويضاً ديمقراطياً لتمثيل الدولة بأكملها. وليس ذلك سابقة استثنائية في التاريخ. فقد أعلنت جبهة التحرير الوطني الجزائرية الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية عام 1958، أثناء حرب الاستقلال، لتكون أداة سياسية ودبلوماسية لمشروع التحرر. كما أنشأت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا حكومة مؤقتة عام 1991، قبل الاستفتاء على الاستقلال عام 1993 وتؤكد التجربتان أن إنشاء مؤسسات حكومية في سياق النضال المسلح قد يسبق التسوية السياسية النهائية، دون أن يمنحها ذلك تلقائياً تفويضاً ديمقراطياً شاملاً أو اعترافاً دولياً. أما استشهاد الواثق بتجربة الدكتور جون قرنق، فلا يحسم المسألة. فقد سعت الحركة الشعبية إلى السيطرة على جوبا عام 1992، لكن انشقاق رياك مشار ولام أكول عام 1991، وما ترتب عليه من صراعات داخل الحركة، أضعف قدرتها على تحقيق أهدافها العسكرية. ومن ثم، لا يصح تحويل تجربة قرنق، في ظروفها التاريخية الخاصة، إلى قاعدة تمنع حركات التحرر من إنشاء حكومات في ظروف مختلفة. فحكومة السلام التابعة لتحالف تأسيس أصبحت واقعاً سياسياً ومؤسسياً، وتسعى إلى ترجمة مبادئ مشروع السودان الجديد إلى سياسات ومؤسسات وممارسات حكم. وهي ستكون طرفاً في أي تفاوض مع سلطة بورتسودان، انطلاقاً من ميثاقها السياسي ورؤيتها لإعادة تأسيس الدولة، لا باعتبارها مجرد مجموعة تنظيمات تنتظر الاعتراف بأهليتها السياسية. وهنا تبرز مسؤولية الحكم في المناطق الخاضعة لسيطرة التحالف. فالسكان يحتاجون إلى الأمن والتعليم والصحة والخدمات والتنمية، ولا يمكن تعليق هذه الاحتياجات إلى حين انتهاء الحرب، أو انتظار مؤسسات بورتسودان التي تعجز، في ظروف الانقسام والحرب، عن تلبية احتياجاتهم. فالفراغ الإداري لا يحمي المدنيين، ووجود سلطة فعلية يفرض عليها مسؤولية إدارة شؤون السكان، وتوفير الخدمات الأساسية، وحماية حقوقهم.
شرعية الثورة وتقاطع المدني والعسكري والسياسي: من يملك حق تقرير مستقبل السودان؟ من هذا المنظور، جاء إنشاء حكومة تأسيس استجابةً لواقع استثنائي فرضته الحرب وانهيار المسار الدستوري، ومحاولةً لبناء مؤسسات تستند إلى مشروع السودان الجديد. وإذا كان للأخ الواثق تصور مختلف لطبيعة هذا الواقع وكيفية الاستجابة له، فمن حقنا أن نطالبه بطرحه بوضوح، حتى يكون النقاش بين بدائل سياسية محددة، لا بين مشروع قائم واعتراضات عامة على مشروعية وجوده. فالانقسام الراهن لا يتعلق بمجرد التنافس على السلطة، بل يعكس صراعاً بين مشروعين لطبيعة الدولة: أحدهما يستند إلى استمرارية مؤسسات الدولة الموروثة وبنيتها المركزية، والآخر يسعى إلى إعادة تأسيسها على مبادئ العلمانية والمواطنة المتساوية واللامركزية والعدالة التاريخية. ولذلك لا يمكن اختزال التسوية المرتقبة في ترتيبات عسكرية أو تقاسم للسلطة بمعزل عن القضايا السياسية والدستورية التي أنتجت الحروب السودانية. وهنا تبرز أهمية نظرية التقاطعية التي طورتها الباحثة القانونية كيمبرلي كرينشو، لفهم تداخل وتقاطع أشكال التمييز والهيمنة، وكيف تتضافر البنى السياسية والاجتماعية والمؤسسية في إنتاج الإقصاء. ورغم أن النظرية نشأت أساساً لتحليل تقاطع العنصرية والتمييز الجندري، فإن منظورها التحليلي يساعدنا على فهم تعقيدات الصراع السوداني، حيث تتداخل الهوية والإقليم والطبقة والثقافة والدين مع احتكار السلطة والثروة وأدوات العنف. ومن هذا المنظور، يصبح الفصل بين "المدني" و"العسكري" و"السياسي" فصلاً مضللاً عندما يُستخدم لتجريد حركات الكفاح الثوري من تاريخها الاجتماعي ومطالبها السياسية. فالحركة الثورية المسلحة ليست بالضرورة مجرد مؤسسة عسكرية، كما أن ارتداء الثوب المدني لا يمنح صاحبه تلقائياً شرعية ديمقراطية أو استقلالاً عن بنية السلطة القديمة. وقد كتبنا عن هذا.... لقد حملت قطاعات من شعوب الهامش السلاح في سياق تاريخي تعرضت فيه للإقصاء السياسي والاقتصادي والثقافي، وللقمع بواسطة أجهزة الدولة وقواتها المسلحة، وهذا يفرض التمييز بين الأسباب السياسية والاجتماعية التي دفعت إلى المقاومة المسلحة، وبين الوسائل العسكرية التي استخدمتها، ومدى مشروعيتها والتزامها بحماية المدنيين. والمفارقة أن بعض النخب التي شاركت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إدارة الدولة منذ الاستقلال، أو استفادت من بنيتها المركزية، تسعى اليوم إلى احتكار تعريف "القوى المدنية" بوصفها صاحبة الحق الحصري في تقرير المستقبل السياسي للسودان. ووفق هذا المنطق، يُطلب من شعوب الهامش أن تتخلى عن أدوات مقاومتها قبل معالجة الأسباب التي دفعتها إليها، ثم يُستخدم تاريخ مقاومتها المسلحة ذريعةً لاستبعادها من العملية السياسية نفسها... ده كلام ده !! وهكذا يتحول وصف " المسلح/العسكري" من توصيف لطبيعة التنظيم ووسائله إلى أداة لنزع الأهلية السياسية عن مشروع تحرري، بينما يتحول وصف "المدني" إلى مصدر لشرعية مفترضة لا تستند بالضرورة إلى تفويض شعبي أو سجل ديمقراطي!! ولا تكمن خطورة هذا المنطق في إقصاء الحركات الثورية المسلحة وحدها، بل في إمكان توظيفه لإعادة تأهيل النخب التي احتكرت، بدرجات متفاوتة، السلطة والثروة وإنتاج المعرفة والخطاب السياسي منذ الاستقلال. فبدلاً من مساءلة مسؤوليتها عن بنية الدولة التي أنتجت التهميش والحروب، تصبح صفتها المدنية جواز عبور إلى قيادة المرحلة المقبلة، فيما يُطلب من ضحايا تلك البنية إثبات أهليتهم للمشاركة. إن المدنية قيمة دستورية وسياسية تقوم على خضوع السلطة للقانون والإرادة الشعبية، وليست امتيازاً طبقياً أو مهنياً تحتكره الأحزاب التقليدية أو الأكاديميون أو النخب الحضرية. كما أن رفض الحكم العسكري لا يقتضي إنكار الحق السياسي للمجتمعات التي اضطرت إلى المقاومة المسلحة؛ بل يقتضي بناء ترتيبات تنهي عسكرة السياسة، وتضمن انتقال جميع القوى إلى التنافس الديمقراطي على قدم المساواة. وفي هذا السياق، لا يجوز تجاهل أن السودان يعيش أزمة شرعية ممتدة منذ تعثر الانتقال الذي أعقب ثورة ديسمبر، ثم انقلاب أكتوبر 2021، والحرب التي اندلعت في أبريل 2023. وقد نشأت السلطة الانتقالية بعد الثورة عبر ترتيبات سياسية ودستورية استثنائية، لا بموجب تفويض انتخابي مباشر. فلماذا يُقبل الاحتجاج بالشرعية الثورية في تجربة، ثم يُرفض من حيث المبدأ في تجربة أخرى؟ هذا لا يمنح حكومة تأسيس شرعية ديمقراطية تلقائية، لكنه يجعل إنكار أهليتها السياسية لمجرد نشأتها أثناء الحرب موقفاً غير متسق علي بساطته، خصوصاً إذا مُنحت سلطة بورتسودان أفضلية لمجرد احتفاظها بأجهزة الدولة الموروثة. فاستمرارية المؤسسات لا تكفي وحدها لإثبات الشرعية الديمقراطية، كما أن السيطرة العسكرية لا تكفي لإنشائها. والجماهير المؤيدة لتحالف تأسيس جزء من الشعب السوداني، لها الحق في التنظيم والمبادرة السياسية وبناء المؤسسات التي تعبر عن تطلعاتها، دون ادعاء احتكار تمثيل بقية السودانيين. وتُقاس شرعية أي سلطة بمدى قبول السكان بها، واحترامها لحقوقهم، وقدرتها على توفير الخدمات وحماية المدنيين، وخضوعها للمساءلة، والتزامها بانتقال ديمقراطي حقيقي. وينبغي هنا التمييز بين التاريخ السياسي للحركة الشعبية وتاريخ قوات الدعم السريع. فإذا كان الدعم السريع قد أعلن، عبر الوثائق السياسية والدستورية لتحالف تأسيس، تبنيه مبادئ العلمانية والمواطنة المتساوية وإعادة بناء الدولة، فإن صدقية هذا الالتزام تُختبر بالممارسة الفعلية، وهذا مطلب مشروع. إن المطلوب ليس منح الحركات المسلحة أيا كانت حصانة سياسية، ولا منح النخب المدنية شرعية بالوراثة، وإنما إخضاع الجميع لمعيار ديمقراطي منصف واحد. ولا يجوز أن تتحول الدعوة المشروعة إلى إنهاء عسكرة الدولة إلى وسيلة لإقصاء المجتمعات التي فرضت عليها سياسات الدولة القديمة خوض نضال مسلح من أجل حقوقها، وهنا التعقيد الذي يتجاوز رؤي النخب السودانية. فالقضية في جوهرها ليست من حمل السلاح ومن لم يحمله، بل من يدافع عن دولة المواطنة المتساوية، ومن يقدم ضمانات فعلية لإنهاء التمييز والهيمنة، ومن يقبل الاحتكام إلى إرادة المواطنين دون احتكار أو وصاية. وإذا كان المستقبل السياسي للسودان ينبغي أن يكون مدنياً وديمقراطياً، فلا بد أن يكون أيضاً تأسيسياً، منصفا وعادلاً، لا أن يعيد إنتاج سلطة النخب القديمة تحت لافتة المدنية، ويقصي شعوب الهامش بحجة الوسائل التي اضطرت إلى استخدامها في مقاومته، ولا شنو؟
خامساً: تجربة جون قرنق لا تحسم خلافات اليوم يستند الواثق إلى تجربته مع الدكتور جون قرنق، وإلى أن الحركة الشعبية الأم لم تشترط إنشاء حكومة سودانية موازية للدفاع عن مشروع السودان الجديد. لكن التجارب التاريخية لا تتحول إلى قواعد ملزمة لكل ظرف سياسي لاحق. فقد اختلفت موازين القوى وطبيعة الدولة والتحالفات والسياقات الإقليمية والدولية بين مرحلة قرنق والسودان الراهن. ثم إن العمل مع جون قرنق، على أهميته، لا يمنح صاحبه سلطة نهائية على تفسير مشروع السودان الجديد. فقد عمل معه واختلف معه لاحقاً قادة من داخل الحركة الشعبية، من بينهم رياك مشار ولام أكول. كما شهد تاريخ الحركة خلافات مع شخصيات مثل ياسر عرمان ودانيال كودي وكاربينو كوانين بول ووليم نيون بانج، وإن اختلفت أدوار هؤلاء ومساراتهم وأسباب خلافاتهم… ولا يمكن اختزال هذه التجارب المختلفة في حكم واحد، لكن الدرس واضح: مشروع السودان الجديد ليس ملكاً لمن عاصر قائده، ولا تتوقف شرعية تطويره على موافقة من عملوا معه. أما لماذا ينبغي لحملة السلاح التخلي عن القضايا التي حملوا السلاح من أجلها، وإحالتها إلى عملية سياسية قد تهيمن عليها القوى التي قاومت تلك القضايا تاريخياً، فهذا سؤال لا تجيب عنه الإشارة إلى تجربة قرنق يادكتور الواثق كمير! إن إنهاء العمل المسلح هدف ضروري، لكن تحويل الحركات إلى أحزاب سياسية لا يكفي إذا بقيت أسباب الحرب قائمة. والمطلوب ليس استمرار السلاح إلى ما لا نهاية، بل اتفاق تأسيسي تاريخي يربط إنهاء الحرب بالضمانات الدستورية، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية جديدة واحدة، والعدالة والمحاسبة.
سادساً: بين وصاية النخب وحق شعوب الهامش في إعادة تأسيس الدولة لا يجوز التعامل مع النخب السودانية أو الحركات المسلحة باعتبارها كتلاً متجانسة؛ ففي داخل كل منها اتجاهات ومصالح متباينة. غير أن الخلاف الذي نناقشه يكشف تصورين مختلفين لطبيعة التغيير، ولمن يملك حق المشاركة في تحديد مستقبل السودان. التصور الأول، الذي نلمس بعض ملامحه في طرح الواثق وقطاعات من النخب السياسية والأكاديمية، يدعو إلى عملية سياسية مدنية شاملة، لكنه يميل إلى استبعاد القوى الحاملة للسلاح من صياغة مستقبل الدولة، وحصر دورها في التفاوض حول الترتيبات الأمنية، تاركاً للقوى المصنفة "مدنية" تحديد المبادئ الدستورية وشكل الحكم. وتكمن إشكالية هذا التصور في مساواته بين الجيش السوداني وحركات التحرر المسلحة لمجرد امتلاكهما السلاح، متجاهلاً الاختلاف الجوهري في نشأتهما ووظيفتهما التاريخية ومشروعيهما السياسيين... "أي المساواة بين الدولة والثورة"!! فالجيش السوداني مؤسسة رسمية ورثتها الدولة عند الاستقلال، وكان يفترض أن تحمي سيادتها ومواطنيها، لكنه ارتبط، عبر مراحل طويلة، بالانقلابات والحكم العسكري والحروب الداخلية، وأسهم في حماية بنية الدولة المركزية واختلال توزيع السلطة والثروة أما حركات الكفاح المسلحة، وفي مقدمتها الحركة الشعبية، فقد نشأت كحركة ثورية في مواجهة التهميش والقمع والحروب التي تعرضت لها مجتمعات جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق وغيرها. ولم يقتصر نضالها على مواجهة الجيش عسكرياً، بل ارتبط بمشروع سياسي لإعادة تأسيس الدولة على قواعد المواطنة المتساوية والعلمانية والعدالة التاريخية. فالجيش كان، في مراحل أساسية من تاريخه، أداة لحماية بنية الدولة التي أنتجت التهميش، بينما نشأت حركات الكفاح المسلح لمقاومة تلك البنية وتغييرها. ولا يجوز محو هذا الاختلاف تحت وصف "القوى العسكرية"، أو تحويل السلاح الذي حملته قطاعات من شعوب الهامش في مواجهة القمع إلى ذريعة لحرمانها من المشاركة في تقرير مستقبل البلاد... "والكلام ده مابيبقي"!! ومن منظور نظرية التقاطعية، لا يمكن فصل المقاومة المسلحة عن تداخل الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية والإقليمية. فاختزال حركات التحرر في طبيعتها العسكرية يتجاهل الظروف التي أنتجتها، والمجتمعات التي ارتبط نضالها بمطالبها التاريخية. ولا يعني ذلك أن كل تنظيم مسلح حركة تحرر، أو أن عدالة القضية تعفي أصحابها من المسؤولية. فالمعيار هو التاريخ السياسي والأهداف والممارسات، مع خضوع الجميع للقانون الدولي الإنساني والمساءلة عن الانتهاكات. والمفارقة أن بعض النخب التي شاركت في إدارة الدولة أو استفادت من احتكارها للسلطة والثروة وإنتاج المعرفة منذ الاستقلال، تسعى اليوم إلى احتكار تمثيل المدنية والديمقراطية. وهكذا تصبح المقاومة المسلحة سبباً لنزع الأهلية السياسية عن حركات التحرر، بينما تتحول الصفة المدنية إلى مصدر لشرعية مفترضة، ولو دون تفويض شعبي!! وبهذا المنطق، تُختزل قضية شعوب الهامش في ترتيبات أمنية، بينما تحتفظ النخب التقليدية بحق تحديد المبادئ الدستورية ومستقبل الدولة. وتلك ليست مدنية ديمقراطية، بل إعادة إنتاج للوصاية السياسية باسم المدنية. فالمدنية ليست امتيازاً مهنياً أو أكاديمياً، وإنما مبدأ يقوم على خضوع السلطة للقانون والإرادة الشعبية، وبناء جيش قومي مهني تحت قيادة مدنية دستورية، وإنهاء عسكرة الدولة والسياسة. ولا يتحقق ذلك بإقصاء حركات التحرر الثورية، بل بمعالجة أسباب نشأتها وضمان انتقال الجميع إلى العمل السياسي الديمقراطي. أما التصور الذي ندافع عنه، فيقوم على مشاركة شعوب الهامش بوصفها شريكاً أصيلاً في إعادة تأسيس الدولة، وعلى تحصين الحقوق الأساسية للمواطنة والمساواة والحرية وعدم التمييز. فالتفاوض الديمقراطي مشروع حول كيفية تطبيق هذه الحقوق، لا حول أصل استحقاق المواطنين لها، وليكن هذا واضحاً! وقد أكد جون رولز أولوية الحريات الأساسية المتساوية، بينما ربط باولو فريري التحرر بمشاركة المقهورين أنفسهم في تغيير علاقات القهر، لا بمجرد استيعابهم داخل المؤسسات التي أنتجت إقصاءهم. ومن هنا، فإن شعوب الهامش لا تحتاج إلى إذن من المركز للمشاركة في تأسيس السودان الجديد. إنها شريك أصيل في تحديد مستقبله، لها حق المبادرة السياسية، وعليها، كغيرها، واجب احترام حقوق الآخرين والاحتكام إلى الإرادة الديمقراطية.
خاتمة: من يملك حق تحديد مستقبل السودان؟ يا أخ الواثق، إن خلافنا يتجاوز مسألة شرعية حكومة تأسيس إلى سؤال أكثر جوهرية: هل نعيد بناء السودان وفق توازنات القوى والنخب التي حكمته منذ الاستقلال، أم نؤسس دولة جديدة تعالج المظالم التاريخية وتعيد تعريف السلطة والمواطنة على قاعدة المساواة والعدالة؟ نحن لا ندّعي أن حكومة تأسيس تمثل جميع السودانيين، ولا أن حمل السلاح يمنح شرعية مطلقة أو حصانة من المساءلة. لكننا نرفض توظيف شعار الحكم المدني لاستبعاد حركات التحرر الثورية من صياغة مستقبل الدولة، بينما تُمنح القوى التي ورثت مؤسساتها وامتيازاتها أفضلية سياسية دون تفويض ديمقراطي مماثل. وإذا كنا متفقين على المساواة وحرية الاعتقاد والعدالة والديمقراطية، فلننتقل من إعلان المبادئ إلى تحديد ضماناتها: كيف نكفل حياد الدولة تجاه الأديان؟ وكيف نحمي حقوق المواطنين من استبداد الأغلبية؟ وكيف نحقق العدالة لضحايا الحروب الراهنة والمظالم التاريخية دون انتقائية أو إفلات من العقاب؟ هذه قضايا تأسيسية لا يكفي تأجيلها إلى مؤتمر وطني، مهما اتسعت المشاركة فيه. فالتوافق الديمقراطي ينبغي أن يحدد كيفية حماية الحقوق وتطبيقها، لا أن يجعل الاعتراف بها رهناً بموافقة القوى السياسية. إن السودان الجديد ليس ملكاً للحركة الشعبية أو حكومة تأسيس أو أي تحالف. إنه مشروع لإقامة دولة لا تكون فيها المواطنة منحة من السلطة، ولا الهوية سبباً للتمييز، ولا يُضطر فيها الإنسان إلى حمل السلاح حتى يُعترف بمساواته. ولهذا فإن السؤال ليس من يملك حق السماح للآخرين بالمشاركة في تأسيس السودان، بل كيف ننهي الوصاية التي جعلت بعض السودانيين يحتكرون تعريف الدولة ومستقبلها. فالحوار الذي يحتاجه السودان لا يعيد شعوب الهامش إلى نقطة المطالبة بحقوقها، ولا يجعل الاعتراف بتلك الحقوق ثمناً لتسوية سياسية، بل يعترف بها شريكاً كاملاً في إعادة التأسيس، ويجعل المواطنة المتساوية أساساً لا يخضع للمساومة. فالسودان الجديد لا يُبنى بإعادة توزيع مقاعد السلطة القديمة، بل بإنهاء الشروط التي جعلت بعض السودانيين حكاماً بحكم الامتياز، وآخرين مطالبين بحقهم في المواطن.
النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|