أثر الإعفاء الجمركي وإلغاء الحظر وفتح المنافسة على معيشة المواطن السوداني كتبه الأمين مصطفى

أثر الإعفاء الجمركي وإلغاء الحظر وفتح المنافسة على معيشة المواطن السوداني كتبه الأمين مصطفى


10-23-2026, 06:57 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1792778247&rn=0


Post: #1
Title: أثر الإعفاء الجمركي وإلغاء الحظر وفتح المنافسة على معيشة المواطن السوداني كتبه الأمين مصطفى
Author: د.عبد العزيز ابوطالب
Date: 10-23-2026, 06:57 PM

06:57 PM October, 23 2026

سودانيز اون لاين
د.عبد العزيز ابوطالب-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



أثر الإعفاء الجمركي وإلغاء الحظر وفتح المنافسة على معيشة المواطن السوداني
بقلم د. مستشار عبد العزيز ابوطالب
تتصدر المشهد الاقتصادي في السودان اليوم ثلاثة خيارات أساسية تشكل جوهر السياسة التجارية وتتقاطع مباشرة مع القوة الشرائية للمواطن: الإعفاء من الرسوم الجمركية، إلغاء حظر الاستيراد، وفتح باب المنافسة أمام القطاع الخاص.
تستمد هذه الخيارات أهميتها الراهنة من ضرورة تقييم قرار الحكومة الصادر في أبريل 2026، والذي حظر استيراد ستة وأربعين سلعة وُصفت بـ "الكمالية وغير الضرورية" بغرض الحد من الضغط على الجنيه السوداني؛ وهو القرار الذي ما زالت آثاره وتطبيقاته محل نقاش واسع بين السلطات التنفيذية، الغرف التجارية، وخبراء الاقتصاد. ولقد سبق ان اوضحنا راينا فى ذلك القرار فى حينه بمقال تحت عنوان "منع 46 سلعة علاج مؤقت لازمة مزمنة بتاريخ 28/4/2026".
الا ان الملاخظ انقسام الشارع الاقتصادي في تقييم تجربة الحظر إلى معسكرين رئيسيين:
• المعسكر الحكومي: يرى في تقييد الاستيراد أداة ضرورية لكبح الطلب على العملة الصعبة، وترشيد الاستهلاك، وحماية النقد الأجنبي من الاستنزاف.
• معسكر القطاع الخاص (الغرفة القومية للمستوردين): يؤكد أن المنع حقق نتائج عكسية؛ إذ أدى إلى شح السلع وارتفاع أسعارها، وتأسيس أسواق موازية للتهريب، بينما استمرت أسعار الصرف في التدهور دون التأثر إيجاباً بالحظر حنى تخطت حاجز 10 الف جنيه للدولار الذى سبق ان بشر به مسئول حكومى رفيع فى وقت سابق .
مع العلم بان أثر هذه السياسات ولا يتوقف عند أسعار السلع، بل يمتد إلى الخزانة العامة بحرمان الدولة من إيرادات ضريبية وجمركية رئيسية تساهم فى تغطية بعض نفقات الحكومة ، فضلاً عن ضعف الرقابة على جودة البضائع الداخلة عبر منافذ غير رسمية. وترتبط بالتعديلات المستمرة في سعر "الدولار الجمركي" الذي سجل 5,631.76 جنيهاً بزيادة بلغت 29.6%، مقارنة بنحو 9,300 جنيه في السوق الموازية، مما نقل أعباء هذه الفجوة مباشرة إلى أسعار التجزئة في الأسواق التى اكتوى بنارها المستهلك.
أولاً: أثر الإعفاء الجمركي — بين كبح التضخم وتفاقم عجز الموازنة
يستند المطالبون بالإعفاء الجمركي الشامل إلى الواقع الاستهلاكي, حيث يستورد السودان غالبية احتياجاته الأساسية والغذائية. ويرون أن أي خفض في تكلفة الاستيراد سينعكس فوراً على السعر النهائي، مما يعزز القدرة الشرائية للأسر التي تآكلت دخولها جراء التضخم وتبعات الحرب.
خاصة ان الرسوم الجمركية تُعد المورد الرئيسي للموازنة العامة في ظل محدودية الإيرادات الأخرى. ويتخوف المعارضون من أن الإعفاء قد يتسبب في توسع عجز الموازنة، مما يدفع الدولة للجوء إلى طباعة النقود أو فرض أعباء ضريبية بديلة تُحمل المواطن الكلفة ذاتها من باب آخر.
ثانياً: أثر إلغاء الحظر — وفرة المعروض أم استنزاف النقد الأجنبي؟
يؤكد أنصار رفع القيود الجمركية أن حظر السلع لا ينهي الطلب عليها، بل يحوله إلى التجارة غير الرسمية، مما يرفع الأسعار نتيجة إضافة "علاوة المخاطرة" ودخول منتجات تفتقر إلى فحص الجودة والمواصفات.
ويحذر المحللون الاقتصاديون من أن فتح باب الاستيراد دون ضوابط محددة سيضاعف الطلب على العملة الصعبة ، مما ينعكس سلباً على سعر صرف الجنيه ويزيد معدلات التضخم الى لايستطيع المواطن من تحملها . كما أن الغاء الحظر المفاجئ يهدد الصناعات الوطنية التى تعمل فى بدائل الاستيراد و التي تحتاج حماية لتجاوز مرحلة التعافي.
ثالثاً: أثر فتح المنافسة على عدالة الأسواق أم مخاطر الإغراق؟
يقوم خيار المنافسة الحرة على إلغاء الاحتكارات والامتيازات الممنوحة لجهات محددة. وتُسهم المنافسة العادلة بين المستوردين والمنتجين المحليين في خفض الأسعار وتحسين جودة البضائع المتاحة للمستهلك.
وترتكز هيكلية السوق السوداني على عدد محدود من الكيانات التجارية ذات القدرة الماليّة العالية. وقد يؤدي الانفتاح غير الممنهج إلى سيطرة هذه الكيانات، أو دخول بضائع رديئة جراء ضعف الرقابة الجمركية والصحية، فضلاً عن تقلبات الأسعار الشديدة على المدى القريب.
وتظل فاعلية هذه الخيارات الثلاثة (الإعفاء، رفع الحظر، والمنافسة) رهينة بالسياسة النقدية وسعر الصرف.اى بدون سياسة نقدية متماسكة وسعر صرف مستقر، تفقد هذه الخيارات أثرها المباشر على مستوى معيشة المواطن . ان استمرار وجود فارق واسع بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، يدفع المستورد في تسعير بضائعه بناءً على التكلفة الأعلى للعملة الصعبة في السوق الموازى. وبالتالي، فإن تضييق فجوة سعر الصرف يُعد شرطاً أساسياً لضمان وصول أثر أي إصلاح جمركي إلى الميزانية الشخصية للمواطن.
ولإرساء حوكمة استراتيجية تُخرج الملف التجاري من دائرة القرارات الظرفية، يُمكن تبني منهجية معهد إدارة المشاريع (PMI)في قيادة المخاطر الاقتصادية وفق أربع خطوات رئيسية:
[تحديد المخاطر والفرص] ──> [التحليل النوعي والكمي] ──> [تخطيط الاستجابة] ──> [المتابعة والرقابة]
1. تحديد المخاطر (Risk Identification): بناء سجل مخاطر متكامل يوازن بين التهديدات (مثل استنزاف النقد الأجنبي، وتوسع العجز، وإغراق السوق) والفرص المتاحة (كزيادة الحصيلة الإيرادية الرسمية، وخفض الأسعار، وتحسين الجودة).
2. التحليل النوعي والكمي (Qualitative and Quantitative Analysis): تقييم احتمالية حدوث كل خطر ومستوى أثره على معيشة المواطن لترتيب الأولويات الاستراتيجية.
3. تخطيط الاستجابة (Response Planning):
3.1. التخفيف (Mitigation): توجيه الإعفاءات حصراً للسلع الأساسية ومدخلات الإنتاج مثل الارز, العدس , زيت الطعام زغيرها من السلع الضرورية .
3.2. التحويل (Transfer): إخضاع الواردات لنظام التأمين والمواصفات الإلزامية.
3.3. التجنب (Avoidance): إرجاء فتح الاستيراد في القطاعات الحاضنة لصناعات وطنية واعدة ( بدائل الاستيراد ).
3.4. القبول (Acceptance): تخصيص احتياطي طوارئ مالي لمواجهة التغيرات المفاجئة.
4. المتابعة والرقابة (Monitoring and Control): متابعة مؤشرات الأداء بشكل دوري (أسعار السلع الأساسية، فارق سعر الصرف، وحصيلة الجمارك الفعلية) لتعديل المسار عند الحاجة.
وعليه نخلص الى اقتراح التوصيات القابلة للتنفيذ:-
1. إعفاء جمركي مرحلي ومستهدف: قصر الإعفاءات الجمركية على السلع الأساسية مثل (الارز, العدس, الفول المصرى , زيوت الطعام ....الخ)ومدخلات الإنتاج، مع إعلان قوائم الإعفاء بآلية شفافة لضمان النزاهة وتكافؤ الفرص.
2. إلغاء الحظر وفق جدول زمني: ربط رفع الحظر عن السلع بخطط زمنية واضحة لإعادة إنعاش وتأهيل القطاعات الإنتاجية المحلية وفق اتفاقية منظمة التجارة العالمية safeguard agreement .
3. توحيد منظومة الامتيازات: إلغاء كافة الإعفاءات الاستثنائية للجهات الفئوية أو السيادية، وإخضاع المنظومة ككل للمراجعة الدورية المفتوحة.
4. توحيد ومعالجة تشوهات سعر الصرف: العمل على تقليل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي عبر سياسات نقدية مرنة كشرط سابق لأي فتح تجاري.
5. تاسيس إدارة المخاطر بوزارة التجارة:لرصد هذه المخاطر قبل اتخاذ القرار لا بعده باعتماد منصة متابعة قياسية تعتمد على بيانات دقيقة للأسعار والإيرادات وتحدد احتياطيات الطوارئ الماليّة اللازمة لللاستجابة للخطر .
6. دعم الصناعة بالتحفيز لا بالمنع: تحويل حماية المنتج المحلي من حظر المنافسين إلى تخفيض الرسوم الجمركية والضريبية على المواد الخام والمدخلات، لتمكين المصانع الوطنية من المنافسة في التكلفة والجودة.
عليه يصبح الإعفاء الجمركي، رفع الحظر، وتنشيط المنافسة ، أجزاء اساسية من حزمة واحدة تتطلب الموازنة والتكامل؛ خاصة ان الهدف النهائي هو حماية القدرة الشرائية للمواطن واستقرار الخزانة العامة من خلال إدارة نقدية وتجارية قائمة على الشفافية والتخطيط المحكم.
والله المستعان