Post: #1
Title: من نداء التوافق إلى هندسته قراءة في مقال الأستاذ وليام كودي «السودان: دروس من مرارة التاريخ وحتمية
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 10-23-2026, 11:00 AM
11:00 AM October, 23 2026 سودانيز اون لاين د. علي عبدالله الخليفة طه-UK مكتبتى رابط مختصر
سلسلة «استكمالاً لا مصادمة» من نداء التوافق إلى هندسته قراءة في مقال الأستاذ وليام كودي «السودان: دروس من مرارة التاريخ وحتمية التوافق الوطني» (سودانيز أونلاين، 16 أكتوبر 2026) د. علي عبدالله الخليفة طه
مدخل
يكتب الأستاذ وليام كودي على موقع سودانيز أونلاين، في السادس عشر من أكتوبر 2026، مقالاً قصيراً في حجمه، كثيفاً في رسالته: أن السودان، منذ تمرد توريت في أغسطس 1955 وحتى الحرب الدائرة اليوم، ظل أسير دورة واحدة من الاستئثار والإقصاء والتمرد، وأن المخرج الوحيد منها هو التوافق الوطني الشامل، والعدالة، ودستور يرى فيه كل سوداني نفسه. ويختم بسؤال موجّه إلى النخب المدنية والعسكرية: هل تستوعب الدرس، أم تمضي في الدائرة المفرغة ذاتها؟ وهذه القراءة لا تأتي لتعارض هذا النداء؛ فهو في جوهره نداء يتقاسمه ميثاق النجاة وبناء الدولة من أوله إلى آخره. بل تأتي، على قاعدة هذه السلسلة، لتستكمله: فالمقال يحسن الإجابة عن سؤال «ماذا نحتاج؟»، ويترك سؤال «كيف يتحقق؟» مفتوحاً. والسؤال الثاني هو بالتحديد الموضع الذي تعثرت فيه أكثر النداءات السودانية النبيلة منذ الاستقلال: لم يكن ينقصها صدق الدعوة إلى الوفاق، بل كانت تنقصها الآليات التي تمنع الوفاق نفسه من أن يتحول إلى صيغة هيمنة جديدة تتكلم بلغة الوفاق.
أولاً: ما يصيب فيه المقال
١. الأزمة دورة واحدة لا أزمات متفرقة
أول ما يُحسب للكاتب أنه يقرأ تاريخ السودان الحديث بوصفه سياقاً متصلاً لا سلسلة من الحوادث المنفصلة. واختياره تمرد توريت نقطةً للبدء له دلالة أعمق مما قد يبدو: فقد سبق التمرد إعلان الاستقلال بأشهر، أي أن أزمة الدولة أقدم من الدولة نفسها، وأن الخلل لم يكن طارئاً على البناء بل كامناً في تصميمه الأول. وهذا يلتقي مع ما يقرره الميثاق حين يصف النموذج السوداني الموروث بأنه قام على «شرعية تنازلية»: مركز يُنتج القرار والتمثيل والموارد ثم يوزّعها على الأطراف بقدر ما تسمح به موازين القوى، وهو النموذج الذي أنتج دورة التهميش والتمرد والانقلاب على مدى سبعين عاماً.
٢. الإدانة لا تميّز بين مدني وعسكري
ويُحسب للكاتب ثانياً أنه لا يبرّئ أحداً: فقوى الهيمنة المتعاقبة عنده «مدنية كانت أو عسكرية». وهذه نقطة يكثر تجاهلها في الخطاب السياسي السوداني، الذي يميل كل طرف فيه إلى تحميل الآخر وحده وزر الدورة. والميثاق يقرر الأمر ذاته حين يرى أن العلة في اتجاه الشرعية لا في واجهة الحكم، «أيًّا كانت واجهته المدنية أو العسكرية».
٣. رفض البندقية ورفض الأغلبية العددية البحتة معاً
أما الإصابة الثالثة، وهي الأهم، فرفض الكاتب طريقين في آن واحد: الحسم بالسلاح، و«الديمقراطية العددية البحتة» في بلد متنوع تنوع السودان. فكثير من الكتابات تكتفي برفض الأول، وتفترض ضمناً أن صندوق الاقتراع وحده كفيل بالحل. والكاتب هنا يضع إصبعه على ما يسميه الميثاق «التوافق الموزون»: آلية تجمع بين التمثيل العددي والتمثيل التعويضي، فلا تُترك الأطراف تحت رحمة الكثافة السكانية للمركز، ولا يُختزل الوطن في معادلة حسابية.
ثانياً: من النداء إلى الهندسة — سبعة محاور للاستكمال
إذا كان التشخيص سليماً، فإن السؤال يصبح: ما الذي يحول دون أن يتكرر مصير نداءات التوافق السابقة؟ وفي ما يلي سبعة مواضع يترك فيها المقال فراغاً تنفيذياً، مع ما يقترحه الميثاق لسدّه.
المحور الأول: توافق بلا قاعدة قرار
يقول المقال: «لا بديل عن إدارة الدولة بالتوافق الوطني الشامل». لكن التوافق ليس حالة وجدانية تُعلَن، بل قرار يُتخذ، وكل قرار يحتاج إلى قاعدة: من يقرر أن التوافق قد تحقق؟ وبأي نصاب؟ فإن كان المقصود هو الإجماع، صار لكل طرف حق نقض يشل الدولة، ويمنح أي جهة مسلحة أو نافذة قدرة على تعطيل كل شيء بالامتناع. وإن كان المقصود تسوية بين القوى الكبرى، عدنا إلى المركز الذي ينتقده المقال نفسه، لأن الطاولة لا يجلس إليها إلا من يملك القوة. ويحذّر الميثاق من أمر أدق: أن الإجماع الظاهري قد يخفي إسكات من لا صوت له أكثر مما يعكس إنصافه. فكم من «وفاق وطني» في تاريخنا كان في حقيقته صمت الأطراف الغائبة عن الطاولة. ← آلية الميثاق: التوافق الموزون قاعدةً لاتخاذ القرار داخل المؤتمر الدستوري: نصاب يجمع المعيار العددي والمعيار التعويضي، ويمنع أي كتلة من فرض قرار مصيري منفردة، دون أن يمنح أي طرف فيتو مطلقاً (القسم الثاني، ثالثاً). ومعه مبدأ «رفض الاكتمال»، الذي لا يعدّ الإجماع الظاهري هدفاً ولا دليلاً على العدالة، ويصون قنوات دستورية دائمة لمن لم يجد تمثيلاً كافياً (القسم الأول، رابعاً).
المحور الثاني: المكوّنات أم الأمكنة؟
يصف المقال السودان بأنه «فسيفساء فريدة من الثقافات والإثنيات والجهويات»، ويطالب بدستور «ترى فيه كل مكونات الشعب السوداني نفسها». والوصف صحيح، لكن الانتقال منه إلى التمثيل يحمل خطراً لا يلتفت إليه المقال: إذا صارت «المكوّنات» هي وحدات التمثيل، صار الانتماء الإثني مورداً سياسياً، وصار للنخب حافز دائم لتضخيم الحدود بين الجماعات بدل تجسيرها. وهذا ما تُظهره أدبيات مستقلة، من دونالد هورويتز في دراسته للصراعات الإثنية، إلى محمود ممداني في نقده لإرث الإدارة الأهلية الاستعمارية القائم على العشيرة لا على الإقامة. والمفارقة أن المحاصصة الهوياتية، التي تبدو أقصر طريق إلى أن «يرى كل مكوّن نفسه»، هي من أسرع الطرق إلى تحويل الهوية إلى خط تماس. وقد قدّمت تجربة مؤتمر الحوار الوطني اليمني (2013–2014) درساً تحذيرياً: نِسَب مسبقة للفئات انتهت إلى تمثيل شكلي اختارت فيه النخب من «يمثّل» تلك الفئات دون تفويض حقيقي منها. ← آلية الميثاق: «المكان لا النسب»: الإقليم وحدة جغرافية إدارية محددة الحدود، والمعيار التعويضي يُقاس بمؤشرات تنموية موضوعية للمكان ذاته، لا بالتركيبة السكانية لسكانه (القسم الثاني، ثالثاً وخامساً). والحضور الفئوي للنساء والشباب والمهجر يتحقق بعتبات تصحيحية عند نقاط التصعيد، لا بحصص هوياتية عند نقطة الاقتراع الأولى (القسم الثاني، سادساً).
المحور الثالث: الدستور المرآة وحدود النص
يرى المقال أن المواطن حين يجد حقوقه مصانة في الوثيقة الدستورية «يزاح دافع حمل السلاح ويسقط مبرر الاقتتال». وهذا أمل مشروع، لكنه يحمّل النص أكثر مما يحتمل، من جهتين. الجهة الأولى تاريخية: لم تكن مشكلة السودان يوماً في غياب النصوص الدستورية الجيدة على الورق. فقد انهار كل مشروع دستوري، مهما بدا متقدماً، حين تُرك السؤال الجوهري بلا حسم: من يملك قرار الحرب والسلم، والميزانية العسكرية، والتعيينات العليا؟ الدستور الذي لا يجيب عن موقع السلاح منه مرآة جميلة معلّقة في بيت بلا أبواب. والجهة الثانية راهنة: جزء من دافع حمل السلاح في السودان اليوم لم يعد مظلومية تُرفع بالإنصاف الدستوري، بل صار اقتصاداً قائماً بذاته. فالجباية المسلحة على الطرق والمعابر، وتهريب الذهب، والشبكات المالية الموازية، كلها مصالح يمكن أن تستمر بعد أي دستور مثالي، ما لم تُفكَّك بأدوات خاصة بها. ومن يحمل السلاح لأنه يربح منه لن يضعه لأنه رأى نفسه في مرآة. ← آلية الميثاق: إعادة ضبط المشهد العسكري: إخضاع القوة المسلحة لسلطة مدنية مساءلة، ومسارات متزامنة للدمج والتسريح وإعادة الهيكلة تسري على جميع التشكيلات، والفصل بين قيادة الجيش ورئاسة الدولة (القسم الثالث). والسيادة المالية: حساب سيادي موحد للذهب، وجهاز مستقل لحوكمة الموارد الاستخراجية، ونقل شركات المؤسسات العسكرية والأمنية إلى ملكية مدنية (القسم السادس)، مع تفكيك «اقتصاد البوابات» بفصل مسار تسليم السلاح عن مسار مساءلة الأصول (الفصل السادس من بروتوكول التفعيل).
المحور الرابع: سلام بلا مغلوبين… وأين الضحايا؟
يريد المقال تسويات «يشعر الجميع فيها بأنهم منتصرون في السلام لا مغلوبون في الصراع». والعبارة جميلة، وروحها صحيحة: لا سلام يقوم على إذلال طرف. غير أن منطق «لا غالب ولا مغلوب» استُعمل في تجارب كثيرة، سودانية وغير سودانية، غطاءً لدفن المحاسبة باسم عدم تعكير الأجواء. فإذا خرج الجميع منتصرين، فمن يعوّض من هُجّر وقُتل واغتُصب؟ وإذا لم يُهزم أحد، فهل يبقى أحد مسؤولاً؟ وكلمة «العدالة» حاضرة في خاتمة المقال بوصفها «طوق النجاة»، لكنها غائبة عن بنيته بوصفها مؤسسة. والعدالة التي تبقى كلمة في الخاتمة تُرجأ عادة إلى ما بعد السلام، ثم يأتي ما بعد السلام فتُرجأ مرة أخرى، حتى تضيع الأدلة والشهود والذاكرة الحية. ← آلية الميثاق: البنية الثلاثية للعدالة الانتقالية: مجالس مصالحة محلية للانتهاكات المجتمعية، ومفوضية للحقيقة والتعويض، ودائرة للجرائم الكبرى لا تخضع جرائمها للصلح الأهلي ولا لمنطق العفو (القسم الخامس). وأهم من ذلك أن تبدأ آليات العدالة، ولا سيما التوثيق وحماية الشهود، بالتوازي مع وقف إطلاق النار مباشرة لا بعده (القسم الرابع، ثالثاً). فالسلام الذي لا يُهزم فيه أحد ممكن، شرط ألا يكون الضحايا هم المهزوم الوحيد.
المحور الخامس: «الوطن يسع الجميع» — الشمول وحدوده
يقول المقال إن السودان «ليس حكراً على جهة أو أيديولوجية أو مكوّن بعينه»، وإن الوطن يسع الجميع. ونحن نتفق تماماً على أن الإقصاء بسبب الرأي أو الانتماء الفكري هو الآلية التي أنتجت كل دورات الانقلاب والانقسام. لكن الشمول الذي لا يعرّف حدوده يترك سؤالاً معلقاً سرعان ما يفجّر أي طاولة حوار: هل يشمل «الجميع» الكيان الذي حلّه القانون وتقع عليه مسؤولية موثقة عن انقلاب 1989 وما تلاه؟ إن قلنا نعم، طعنّا في استحقاقات ثورة ديسمبر. وإن قلنا لا دون ضوابط، فتحنا باباً لإقصاء يتسع حتى يبتلع خصوماً لم يُقصدوا أصلاً. ← آلية الميثاق: شمول بلا إقصاء سياسي أو فكري، مع استثناء واحد محدد الأركان: حزب المؤتمر الوطني المنحل بصفته الاعتبارية وقياداته ذات المسؤولية الموثقة، دون أن يمتد إلى مجرد الانتماء السابق ولا إلى التيار الإسلامي بوصفه تياراً فكرياً، مع حق الطعن الفردي أمام جهة قضائية مستقلة، وسقف زمني تلقائي الانتهاء يُراجَع بعد عمل مفوضية الحقيقة (القسم الخامس، سادساً؛ ومبادرة الجسر الانتقالي، ثالثاً). فالوطن يسع الجميع حقاً حين تكون حدود الاستثناء قضائية ومعلنة، لا سياسية ومطاطة.
المحور السادس: ضمير النخب أم بنية من أسفل؟
يختم المقال بنداء إلى «إيقاظ الضمير الوطني لدى النخب المدنية والعسكرية»، وبسؤال: «هل تستوعب القوى السودانية العِبر؟». وهنا تكمن المفارقة الأعمق في النص: فالمقال يحمّل النخب المتعاقبة مسؤولية الدورة كلها، ثم يعلّق الخلاص على يقظة ضميرها. وتجربة سبعين عاماً تقول إن الحشد الأخلاقي، مهما صدق، لم يعوّض فارقاً حقيقياً في الموارد والتنظيم بين من يملك السلطة ومن يطالب بها. والميثاق لا يستغني عن مخاطبة الأقوياء، بل يجعلها شرطاً أول: فمبدأ «الافتقار»، أي الاعتماد المتبادل، يشترط أن يبدأ إقرار الطرف الأقوى بحاجته إلى الأضعف قبل أن يُطلب من الأضعف الإقرار بحاجته إلى الأقوى، وأن يُترجم هذا الإقرار إلى أثر مؤسسي في التمثيل والموارد والسلطة، لا إلى خطاب يستهلك نفسه. لكنه لا يعلّق المشروع على استجابة النخب وحدها؛ فهو يبني، بالتوازي، شرعية صاعدة من الأحياء والقرى والمعسكرات والمهجر، تجعل الاستئثار مكلفاً لا مستحيلاً أخلاقياً فقط. ← آلية الميثاق: الشرعية الوظيفية الصاعدة من الأطراف إلى المركز (القسم الأول، أولاً)، والنفير الوطني الكبير حاملاً تنفيذياً موزّعاً بثلاثة مستويات (القسم الثامن). و«فجوة الخصم» في بروتوكول التفعيل: الحماية من الاستيعاب لا تأتي من صلابة أفراد بعينهم، بل من بنية موزّعة تجعل كلفة الاستيعاب الكامل أعلى من عائده (الفصل الخامس من البروتوكول).
المحور السابع: التوافق والزمن
لا يقول المقال شيئاً عن الزمن، وهذا ليس تفصيلاً. فالتوافق المفتوح بلا سقف قد يصبح هو نفسه ذريعة لإطالة الانتقال: كل طرف يؤجل الحسم انتظاراً لتحسّن موقعه، والسلطة الانتقالية تمدد ولايتها باسم «استكمال التوافق». وقد مُدّدت المدد الانتقالية السابقة وقُصّرت بحسب موازين القوة لا بحسب ما أُنجز. ← آلية الميثاق: انتقال يُقاس بمعايير إنجاز معلنة وقابلة للقياس، ويحكمه سقف مطلق لا يتجاوز خمس سنوات من تاريخ تشكيل السلطة الانتقالية، لا يقبل التمديد بأي ذريعة، مع انتخابات تبدأ من الوحدات المحلية صعوداً، وترحيل ما لم يكتمل إلى المؤسسات المنتخبة (القسم الرابع، خامساً). فالتوافق الذي لا يحدّه زمن ينقلب من وسيلة للانتقال إلى بديل عنه.
ثالثاً: وقفة مع مثل الجنة
يستحضر الكاتب قصة «صاحب الجنة» الذي أقسم على الاستئثار بالثمار وحرمان المساكين، فكانت النتيجة دماراً أكل الجنة وما فيها. والعناصر التي يذكرها، أي القسم على الاستئثار وحرمان المساكين، تعود إلى قصة «أصحاب الجنة» بصيغة الجمع في سورة القلم: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾، ﴿أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ﴾؛ أما «صاحب الجنة» بالمفرد فأقرب إلى صاحب الجنتين في سورة الكهف، وقصته في الغرور بالمال لا في حرمان المساكين. وهذا تدقيق لا ينقص من وجاهة الاستشهاد، بل يزيده دلالة. ففي قصة سورة القلم تفصيل يستحق التأمل في سياقنا: كان بين أصحاب الجنة صوت حذّرهم قبل الخراب، ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ﴾، فلم يُسمع إلا بعد أن صارت الجنة «كالصريم». والدرس السياسي الذي نستخلصه، بلغة مدنية يشترك فيها السودانيون جميعاً على اختلاف مرجعياتهم، هو أن الأزمة لم تكن في غياب الصوت المحذّر، بل في غياب القناة التي تُلزم الأقوياء بسماعه قبل فوات الأوان. وهذا بالضبط ما يسعى إليه مبدأ «رفض الاكتمال»: ألا يبقى صوت الأطراف تحذيراً أخلاقياً يُستذكر بعد الكارثة، بل حقاً دستورياً دائماً في المراجعة يُمارس قبلها.
خاتمة: جواب عن السؤال
يسأل الأستاذ وليام كودي: هل تستوعب القوى السودانية الدرس التاريخي العميق، أم تستمر في الدائرة المفرغة؟ وجوابنا، استكمالاً لا مصادمة، أن الدرس لن يُستوعب بانتظار يقظة الضمائر وحدها؛ فقد استيقظت ضمائر كثيرة في تاريخنا ثم نامت حين تبدّلت موازين القوة. الدرس يُستوعب حين يتحول إلى بنية: قاعدة قرار تمنع الاستئثار دون أن تمنح الفيتو، وتمثيل يقوم على المكان لا على النسب، ودستور يحسم موقع السلاح والمال قبل أن يزيّن صفحات الحقوق، وعدالة تبدأ مع وقف النار لا بعده، وشمول معلن الحدود، وشرعية تصعد من أسفل، وانتقال محكوم بسقف زمني لا يقبل التمديد. بهذا المعنى، فإن ما يطالب به المقال من توافق وعدالة ليس موضع خلاف، بل هو نقطة لقاء. والفارق الوحيد أننا نقترح ألا يبقى التوافق نداءً إلى الآخرين، بل هندسة تجعل الاستئثار أعلى كلفة من الشراكة. فحين تصبح الشراكة هي الطريق الأقل كلفة حتى للأقوياء، لن نحتاج إلى أن نسأل إن كانوا قد استوعبوا الدرس؛ ستكون البنية قد استوعبته عنهم. والدعوة مفتوحة للأستاذ وليام كودي، ولكل من يشاركه هذا الهمّ، لقراءة ميثاق النجاة وبناء الدولة وبروتوكول تفعيله ومبادرة الجسر الانتقالي، والإسهام في نقدها وتطويرها؛ فهي مسودات للنقاش، لا تدّعي الاكتمال، ولا تقبل أن تدّعيه.
|
|