Post: #1
Title: السوابق القضائية السودانية بوصفها مصدراً للمبادئ الدستورية كتبه حسين إبراهيم علي جادين
Author: حسين ابراهيم علي جادين
Date: 10-23-2026, 05:04 AM
05:04 AM October, 23 2026 سودانيز اون لاين حسين ابراهيم علي جادين-السودان مكتبتى رابط مختصر
السوابق القضائية السودانية بوصفها مصدراً للمبادئ الدستورية
سمو الدستور، والرقابة القضائية، وسيادة حكم القانون
مقدمة: لا تُقاس عظمة الدساتير بما تتضمنه من نصوص تتغنى بالحقوق والحريات، وإنما بما توفره من ضمانات تحول دون انتهاك تلك الحقوق، وبما تمنحه للقضاء من سلطة تمكّنه من ردّ السلطات العامة إلى حدود اختصاصاتها، كلما جاوزتها أو استعملتها على غير الوجه الذي رسمه الدستور والقانون. فالدستور، وإن كان وثيقة سياسية وقانونية تنظم ممارسة السلطة وتحدد اختصاصاتها، لا يستطيع أن يؤدي وظيفته بوصفه القانون الأعلى للدولة ما لم توجد جهة قضائية مستقلة تملك تفسير أحكامه، والفصل في المنازعات المتعلقة بتطبيقها، والحيلولة دون أن تصبح السلطات التي أنشأها الدستور سلطات مطلقة تتصرف في الحقوق والحريات بغير قيد. وفي التجربة القضائية السودانية سوابق تستحق الدراسة والتمحيص؛ لأنها لم تقف عند حدود الفصل في نزاع بين خصوم، بل تناولت مسائل جوهرية تتصل بطبيعة الدستور ومكانته في النظام القانوني، وحدود سلطة الهيئة التشريعية في المساس بالحقوق الأساسية، وخضوع السلطة التنفيذية للقانون، وامتداد الرقابة القضائية إلى القرارات الصادرة عن المسؤولين العموميين. ولعل من أبرز هذه السوابق القضائية قضية جوزيف قرنق وآخرين ضد حكومة السودان Joseph A. Garang and Others v. The Supreme Commission and Others التي صدر الحكم فيها في 22 ديسمبر 1966 وقضية حكومة السودان ضد زهرة آدم عمر وأخرين، وهما سابقتان تكشفان، كل في مجالها، عن أهمية الدور القضائي في حماية المشروعية الدستورية والقانونية، وسوف نأتي بملخص لكلتا القضيتين فيما يلي، أولاً: سمو الدستور ليس مجرد إعلان سياسي: ففي قضية جوزيف قرنق وآخرين ضد حكومة السودان Joseph A. Garang and Others v. The Supreme Commission and Others نظر القضاء السوداني في نزاع نشأ عن تعديل أُدخل على الدستور الانتقالي السوداني لعام 1964، وكان من شأنه المساس بحقوق أساسية كفلها الدستور، من بينها حرية تكوين الجمعيات والانضمام إليها وكان المدعون أعضاء في الحزب الشيوعي السوداني، وقد تمحور النزاع حول مدى سلطة الجمعية التأسيسية في تعديل الدستور على نحو ينتقص من الحقوق الأساسية التي ضمنها، وحول مدى دستورية التعديل الذي أُقر في نوفمبر 1965 وانتهت المحكمة العليا، في حكمها الصادر في 22 ديسمبر 1966، إلى أن الحقوق الأساسية المقررة بموجب المادة 5(2) من الدستور الانتقالي، بصيغته المعدلة سنة 1964، لا يجوز الانتقاص منها بالتشريع أو بالتعديل الدستوري الذي تجريه الجمعية التأسيسية خلال الفترة الانتقالية المعنية. واستند الحكم إلى أن الدستور لم يضع آلية لتعديله خلال تلك الفترة، بما يفيد عدم جواز الانتقاص من الحقوق المضمونة خلالها
وآخرين ثالثاً: خضوع السلطة التنفيذية للقانون — حكومة السودان ضد قضية زهرة آدم عمر إذا كانت قضية جوزيف قرنق تتصل مباشرة بالرقابة الدستورية وحماية الحقوق الأساسية، فإن قضية زهراء آدم عمر- مجلة الأحكام الفضائية السودانية 1965 تقدم مثالاً مهماً على خضوع السلطة التنفيذية للرقابة القضائية، وإن كان مجالها المباشر هو القانون الجنائي والإداري, وقد تعلقت قضية زهراء آدم عمر وآخرين بأمر صادر عن النائب العام بوقف إجراءات جنائية قبل اكتمال التحقيق، وبمدى توافق ذلك الأمر مع أحكام المادة 231 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1925، والإجراءات الشكلية التي يتطلبها القانون لممارسة هذه السلطة، وتتلخص وقائعها والحكم الصادر فيها في أن المتهمة زهراء آدم عمر أتهمت مع آخرين بناء على شكوى من امرأة تدعى ام سلامة عيسى أبو عنقة بأنها و امرأة أخرى قريبة لها يتعاملون في الاتجار بالقاصرات لغرض البغاء بموجب المادة 310 من قانون العقوبات السوداني المنطبق آنذاك, توسعت التحريات وكشفت عن اشخاص اخرين ومنازل يشتبه في استخدامها للأغراض ذاتها والقى القبض على شخصيات سياسية واجتماعية بارزة ثم أفرج عن بعضهم بكفالة. أراد القاضي الذي يجري التحقيق القبض على وزير الخارجية آنذاك بعد ما وجه اليه اتهاماَ بموجب المادة 318 من قانون العقوبات الذي كان منطبقا آنذاك. تدخل النائب العام وأصدر امرا بوقف الإجراءات في 20 يونيو 1962 ابلغ به القاضي عن طريق المدعي العام واعترض القاضي على الامر بينما ثار خلاف حول قانونية امر وقف الإجراءات الصادر من النائب العام وما يتبعه من الافراج النهائي عن المتهمين. الحكم وأهم المبادئ: وقررت المحكمة أن الأمر لم يستوفِ المتطلبات القانونية اللازمة، وأنه لا يجوز تنفيذه لمجرد صدوره عن مسؤول يشغل منصباً رفيعاً. كما اعتبرت أن ممارسة السلطة المقررة بموجب النص التشريعي، في الظروف التي عرضت عليها، ذات طبيعة قضائية أو شبه قضائية تخضع لرقابة المحكمة العليا عن طريق أمر المراجعة القضائية المعروف بـ certiorari وتبرز في هذه السابقة قاعدة قانونية تتجاوز تفاصيل النزاع الجنائي: لا تعلو سلطة المسؤول العام على القانون، ولا يكتسب القرار مشروعيته من مكانة مصدره، وإنما من صدوره في حدود الاختصاص ووفق الشروط والإجراءات التي قررها القانون، فالاختصاص الذي يمنحه المشرّع لا يجوز أن يتحول إلى امتياز شخصي، ولا يجوز استعماله لتحقيق غرض أجنبي عن الغرض الذي منح من أجله. كما لا يجوز تجاوز الشروط القانونية بحجة أن القرار يخدم مصلحة عامة أو يصدر عن جهة عليا. وعلى الرغم من ذلك أبطلت المحكمة الإجراءات بحجة احتمالية انحياز القاضي ضد المتهمين. وتكتسب هذه القاعدة أهميتها الدستورية من اتصالها بمبدأ سيادة حكم القانون، وإن كان من الأدق وصف السابقة ذاتها بأنها سابقة في القانون الإداري والجنائي ذات دلالة دستورية، لا باعتبارها حكماً مباشراً في دستورية قانون. كما تناول الحكم مبدأ الحياد القضائي، وقرر أن قيام احتمال حقيقي للتحيز قد يبطل الإجراءات، دون اشتراط إثبات التحيز الفعلي. ويعكس ذلك فهماً جوهرياً للعدالة: فليس كافياً أن يكون القاضي عادلاً في ضميره، بل يجب أن تجري الإجراءات على نحو يصون الثقة الموضوعية في حياده. رابعاً: المبادئ الدستورية بين النص والتطبيق تكشف السابقتان عن جانبين متكاملين من جوانب دولة القانون، يتعلق الجانب الأول بالقيود المفروضة على السلطة التأسيسية والتشريعية عند التعامل مع الحقوق الأساسية، وهو ما برز في قضية جوزيف قرنق. أما الجانب الثاني فيتعلق بخضوع القرارات التنفيذية لشروط المشروعية والرقابة القضائية، وهو ما تجلى في قضية زهرة آدم عمر وفي الحالتين، لا يكون القضاء مجرد جهة تطبق الأوامر الصادرة عن السلطات الأخرى، بل جهة تفصل في مدى توافق ممارسة السلطة مع القواعد القانونية التي تحكمها، ومع ذلك، فإن استنباط المبادئ الدستورية من السوابق القضائية يتطلب منهجاً علمياً دقيقاً؛ فلا يكفي أن يكون الحكم صادراً عن محكمة عليا حتى يصبح كل ما ورد فيه قاعدة ملزمة في جميع الظروف. بل يجب التمييز بين المسألة التي فصل فيها الحكم، والأسباب اللازمة للوصول إلى النتيجة، والملاحظات العرضية التي لا تقوم عليها النتيجة، فضلاً عن مراعاة التطور اللاحق للتشريعات والدساتير والأحكام القضائية كما ينبغي التمييز بين السابقة التي تقرر قاعدة دستورية مباشرة، والسابقة التي تقرر قاعدة في القانون الإداري أو الإجراءات القضائية يكون لها أثر في حماية الحقوق الدستورية، وهذا التمييز ليس مسألة اصطلاحية؛ بل هو شرط لصحة البحث القانوني، ولتجنب نسبة مبادئ إلى القضاء لم يقررها، أو توسيع نطاق حكم تجاوزاً لما تسمح به أسبابه،
إن استحضار هذه السوابق في النقاش الدستوري السوداني الراهن خاصة بعد تأسيس المحكمة الدستورية ليس مجرد استعادة لتاريخ القضاء، بل هو تذكير بأن مشروعية السلطة لا تنفصل عن خضوعها للقانون، وأن حماية الحقوق لا تتحقق بمجرد تضمينها الوثائق الدستورية، فالدولة التي تتعطل فيها الضمانات الدستورية، أو تتجاوز فيها السلطات حدود اختصاصاتها، تكون معرضة لتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والضرورة إلى ذريعة، والسلطة العامة إلى أداة لا تخضع للمساءلة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إحياء الوعي بالسوابق القضائية السودانية، وجمعها وتصنيفها وتحليلها، وتحديد ما بقي منها صالحاً للاستدلال في ظل النصوص الدستورية والتشريعية اللاحقة، كما تبرز أهمية دراسة مدى تنفيذ الأحكام القضائية، لأن الحكم الذي يقرر مبدأ دستورياً ولا تجد آثاره طريقها إلى الواقع يكشف عن فجوة بين سيادة القانون نظرياً وفعاليتها عملياً, فاستقلال القضاء لا يكتمل بمجرد استقلال القاضي في إصدار الحكم؛ بل يحتاج كذلك إلى احترام أحكام القضاء وتنفيذها، وإلى وجود مؤسسات تضمن ألا تكون قوة الدولة سبباً في تعطيل القانون الذي تستمد منه شرعيتها، خاتمة تثبت السوابق القضائية السودانية أن المبادئ الدستورية لا تُستمد من النصوص وحدها، بل تتضح حدودها ودلالاتها من خلال تفسير القضاء لها وتطبيقها على المنازعات الواقعية، ففي قضية جوزيف قرنق برزت حماية الحقوق الأساسية في مواجهة تعديل دستوري، وتأكيد خضوع السلطات للقيود الدستورية. وفي قضية زهرة آدم عمر ظهرت أهمية الرقابة القضائية على ممارسة السلطة التنفيذية، وضرورة التزام المسؤول العام بحدود الاختصاص والإجراءات القانونية، فضلاً عن حماية الحياد القضائي، وهكذا تتكامل علوية الدستور، والرقابة القضائية، وسيادة حكم القانون، لتشكل ضمانات لا غنى عنها لحماية الحقوق والحريات ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه هذه السوابق هو أن القانون لا يفقد قيمته حين تعجز السلطة عن احترامه فحسب، بل يفقد جانباً من وظيفته حين يعجز المجتمع القانوني عن تذكر أحكامه وتحليلها والاستناد إليها في الدفاع عن المشروعية، فالدستور ليس قيداً على السلطة فحسب؛ إنه أيضاً مصدر مشروعيتها، والقضاء ليس خصماً للسلطة حين يراقبها؛ بل هو أحد الضمانات التي تجعل ممارسة السلطة قانونية، وتجعل الحقوق قابلة للحماية، وتجعل الدولة دولة قانون لا دولة أشخاص.
حسين إبراهيم علي جادين قاض سابق
|
|