Post: #1
Title: سقوط الضمير وخيانة المثقف في عصر الحروب والمجاعات الكبرى كتبه يحيى أبنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 10-23-2026, 04:59 AM
04:59 AM October, 22 2026 سودانيز اون لاين يحيى ابنعوف-كندا مكتبتى رابط مختصر
في هذا الزمان العاصف، حيث تتشكل أقطاب وقوى جديدة على أنقاض أمم تتهاوى وتسقط تحت وطأة النكبات والحروب المدمرة، يجد الإنسان المعاصر نفسه وحيداً في مواجهة الموت، والجوع، والتشرد. ولعل المأساة الدائرة اليوم في السودان الجريح، وما يرافقها من دماء تسيل وبيوت تهدم وملايين يفتك بهم الجوع والخوف، تقدم النموذج الأكثر فجاجة وقسوة لمدى عجز المنظومة الدولية، وسقوط "الضمير الإنساني" الذي يقف متفرجاً بلا حراك. وسط هذا الطوفان من المآسي، يبرز السؤال الأكثر إيلاماً: أين المثقف؟ وأين صوت الحكمة والعدالة حين ترتفع أصوات المدافع وتفتح أبواب المقابر الجماعية؟ إن خيانة المثقف اليوم لا تتلخص في صمت تقليدي، بل تتحول في عصر الحروب الكبرى إلى "مشاركة سلبية بالفرجة"، تتجلى في محطات قاسية تعكس سقوطاً أخلاقياً مدوياً: 1. المأساة المعاصرة: حين يصرخ الدم والعالم يغض الطرف حين تشتعل الحروب — كما يحدث في السودان وفي كل بقعة ملتهبة من عالمنا المأزوم — وتتحول حياة البشر إلى مجرد أرقام عابرة في نشرات الأخبار، يبدو العالم وكأنه فقد مناعته الأخلاقية. وفي هذا السياق، يفترض أن يكون المثقف هو "صوت الدم الصارخ" والنافذة التي يطل من خلالها المقهورون على ضمير الإنسانية. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن كثيراً من النخب والمثقفين قد تخلفوا عن دورهم الفاعل، فانكفأوا إلى تفرجٍ باهت خلف شاشات الهواتف كأنهم يتابعون عرضاً سينمائياً، متناسين أن المثقف الحقيقي لا يقف في مناطق الرمادي أو الصمت، بل يجب أن يكون دائماً الفاعل اليقظ الذي يقف بصلابة "ضد الحرب" مطلقاً، رافضاً لمنطق السلاح، ومنحازاً بلا تردد لدماء الأبرياء وحقهم في الحياة. 2. المثقف الافتراضي: من صانع للرأي العام إلى "مؤثر" يبحث عن السلامة في زمن الحروب والانهيارات الكبرى، انزاح دور المثقف التقليدي العضوي (الذي يقف في خندق الناس) لصالح ما يمكن تسميته بـ "المثقف الافتراضي". وهو كائن مكتفٍ بعبارات التعاطف الباردة، أو التغريدات العابرة التي تحفظ له ماء وجهه أمام متابعيه، دون أن يمتلك شجاعة النزول إلى عمق الميدان، أو تبني القضايا المصيرية لشعبه. لقد تحولت الثقافة عند الكثيرين إلى أداة لجمع "الإعجابات" واستهلاك المآسي كسلعة إعلامية، بدلاً من أن تكون مشروع تحرير ومقاومة فكرية وأخلاقية في وجه آلات القتل وجوع الأبرياء. 3. سقوط الشرعية الأخلاقية للنخبة في زمن السقوط الجماعي حين تسقط الأمم وتتشكل موازين قوى جديدة على جماجم الضحايا، تتبدل أولويات النخب نحو البقاء الفردي والتموضع السياسي الآمن. وهنا تتجلى الخيانة بأقسى صورها؛ إذ يختار المثقف مهادنة القتلة، أو تبرير الصراعات العبثية تحت غطاء الأيديولوجيات الضيقة، أو الانخراط في معارك جانبية تافهة بينما الوطن ينزف من أورطه الرئيسية. إن التخلي عن الإنسان وهو يواجه الموت جوعاً وقهراً في السودان وفي كل أرض عربية ومستباحة، هو إعلان رسمي عن وفاة الرسالة التنويرية للمثقف، وسقوط مدوٍ لكل ادعاءات الحرية والعدالة وحقوق الإنسان التي طالما تغنى بها في برجه العاجي. خلاصة القول إن الحروب والمجاعات الكبرى ليست سوى "مفرزة كاشفة"؛ فهي تُميز بين المثقف المزيف الذي يستثمر في المآسي أو يكتفي بالتفرج السلبي ذريعة للسلامة، وبين المثقف الحقيقي الفاعل الذي يعتصم برفض الحرب كلياً، ويجعل من قلمه وفعله درعاً للإنسان وجوع الأطفال ودمار الأوطان. وحين يختار المثقف أن ينعزل في صمت متواطئ أمام نزيف الدم، فإنه لا يخون قضيته فحسب، بل يوقع شهادة وفاته الأخلاقية والأبدية.
|
|