​نقد واستعراض كتاب (لعبة الشيطان – الجذور الإمبريالية لحركات الإسلام السياسي)

​نقد واستعراض كتاب (لعبة الشيطان – الجذور الإمبريالية لحركات الإسلام السياسي)


10-22-2026, 07:20 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1792693247&rn=0


Post: #1
Title: ​نقد واستعراض كتاب (لعبة الشيطان – الجذور الإمبريالية لحركات الإسلام السياسي)
Author: يوسف ارسطو
Date: 10-22-2026, 07:20 PM

07:20 PM October, 22 2026

سودانيز اون لاين
يوسف ارسطو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



​نقد واستعراض كتاب (لعبة الشيطان – الجذور الإمبريالية لحركات الإسلام السياسي)
​سلسلة: كتابات في السياسة والفكر والفن (5)
​صراعات السلطة والثروة في السودان (ضمن سلسلة جواهر المعارف السودانية للأطفال والناشئة والشباب)
​عنوان الكتاب: لعبة الشيطان: دور الولايات المتحدة في نشأة التطرف الإسلامي
​تأليف: روبرت درايفوس (كاتب ومحرر صحفي أمريكي متخصص في السياسة والأمن القومي).
​استعراض: طلعت الشايب (كاتب ومترجم من مصر).
​مقدمة، تلخيص ونقد: يوسف أرسطو.
​مقدمة في مفهوم الإمبريالية والجذور التاريخية
​الإمبريالية في اللغة مشتقة من كلمة "إمبراطورية" التي تعني الاستعمار الجديد. أما عند الماركسيين اللينينيين، فتعني أعلى مراحل الاستعمار؛ والمقصود بها استغلال ونهب ثروات الشعوب عن طريق التآمر عبر مجموعة من المنظمات والشركات واللوبيات عابرة القارات، بطرق مشروعة أو غير مشروعة. وفي هذا الكتاب، يوضح الكاتب كيف عملت بريطانيا أولاً، ومن ثم أمريكا والدول الغربية، على لعب أدوار محورية في إنشاء واستغلال حركات الإسلام السياسي لخلق أنظمة تابعة وخاضعة لمصالحها.
​إضاءة تاريخية: نُشر استعراض الكتاب لطلعت الشايب في مجلة "العربي" (العدد 631، يونيو 2011). وصدر الكتاب الأصلي بعد أربع سنوات من أحداث 11 سبتمبر، ويراه كثير من المحللين -كما كتب طلعت الشايب- معبراً عن توجه شجاع يكشف ويعارض السياسة الرسمية لأمريكا.
​بريطانيا وفكرة الإحياء الإسلامي
​يوضح الكتاب كيف كانت بريطانيا هي الأسبق إلى استخدام "فكرة الإحياء الإسلامي" لتحقيق مشروعها الإمبراطوري، وذلك بفضل عشرات الملايين من رعاياها المسلمين في الشرق الأوسط. بدأت القصة في العام 1885 بلقاء بين جمال الدين الأفغاني ومسؤولين في المخابرات والخارجية البريطانية بلندن؛ إذ تساءل الناشط السياسي والرحالة عما إذا كانت بريطانيا مهتمة بتنظيم وقيادة تحالف إسلامي شمولي يضم مصر، وتركيا، وفارس، وأفغانستان ضد روسيا القيصرية.
​وبينما كانت الصيغة شبه الحداثية التي وضعها الأفغاني للأصولية الإسلامية غامضة، فإن تلميذه محمد عبده استطاع أن يكون أكثر ارتباطاً بحكام مصر البريطانيين، وأن يضع القواعد الأساسية للإخوان المسلمين؛ حيث ساعد البريطانيون الشيخ محمد عبده لاستثمار الحماسة الإسلامية لصالحهم.
​ويتابع الكاتب الأمريكي بعد ذلك كيفية استغلال بريطانيا للحركة الإسلامية بحكم خبرتها في المجال السياسي والديني والقبلي. وفي هذا السياق، فتحت أوروبا الغربية أبوابها لكثير من النافذين لتلقي العلوم والمعارف في الجامعات الأوروبية والأمريكية، أسوةً بما فعلته أوروبا الشرقية في استقطاب النخب وتوجيهها.
​الحرب الباردة واستثمار الإسلام السياسي
​كانت السعودية ودورها الإسلامي في نظر آيزنهاور (الرئيس الأمريكي آنذاك عام 1957) قابلة لأن تُستثمر كسلاح ضد الاتحاد السوفيتي والقوميين اليساريين. وبناءً على ذلك، شكل أعضاء مجلس الأمن القومي الأمريكي لجنة عمل خاصة بالمنظمات الإسلامية التي يمكن استهدافها بدعاية وكالة الاستعلامات.
​وفي الستينات، عززت أمريكا تحالفها مع السعودية مساندةً للجهود الضخمة التي بذلها الملك فيصل على المستوى الدولي ليجمع حوله المسلمين في الحرب الباردة؛ ففي جولة له، وصف الماركسية بأنها عقيدة مخربة، وأعلن أنه بات أكثر إصراراً على القضاء عليها، وشارك شاه إيران دعوته لإنشاء حلف إسلامي. وفي الأردن، قال إن قوى الشر (يقصد روسيا والدول الاشتراكية) كانت تخطط لشن حرب على الإسلام.
​وفي هذا يقول ديفيد (وهو محلل سياسي عمل في مكتب المخابرات التابع للإدارة الأمريكية):
​"في أواخر الستينات كنا نحارب الشيوعية، ومن ثم فقد دعمنا مساندة الملك فيصل للإخوان المسلمين والشمولية الإسلامية، وكنا نريد وضعهم في مواجهة أي حلفاء تضعهم موسكو أو كل من يقف أمام مصالح الإمبريالية."
​السادات والتحولات الاقتصادية والسياسية
​كان مجيء السادات نعمة؛ حيث قام بتقوية دعائم نظام حكمه المتداعي بإطلاق قوى التطرف الإسلامي واستخدمها مطرقة ضد اليسار، ويعد عام 1973 معلماً بارزاً يرمز لإعادة ميلاد الحركة الإسلامية وصعود الإسلام السياسي.
​ويرى الكاتب أن أحد الأسباب التي تفسر استمرار الغرب في القبول بالإسلام السياسي هو بروز "الإسلام الاقتصادي" في السبعينات (إذ يوجد ربع الاحتياطي العالمي في السعودية فقط). فجزء كبير من الثروة الهائلة كان يتدرج إلى شبكة واسعة من البنوك وشركات الاستثمار الخاضعة للإخوان المسلمين، بحيث كانت تقوم بشكل علني بتمويل السياسيين والعسكريين والأحزاب والإعلام الذي تسيطر عليه الجماعة، إضافة إلى تمويل عمليات التحول الإسلامي في مصر والسودان (نظام نميري).
​تقول تشرشل (وهي خبيرة بشؤون الإسلام السياسي) إنهم كانوا يسمحون للمجاهدين بالتخلص من كل القيادات المعتدلة وكل الزعماء الوطنيين، وكانت الولايات المتحدة تستخدمهم وتسيء استخدامهم. وفي نهاية كتابه، يصف بوش وبطانته بأن استجابتهم تتسم برؤية إمبريالية تعتمد على الأصوليين من أجل الثروات، ويطالب بعضهم بأن تلقي الولايات المتحدة بثقلها إلى جانب آيات الله والإخوان، لتستمر لعبة الشيطان.
​النقد والتقييم الموضوعي
​رغم أهمية الطرح وجرأته في كشف الوجه البراجماتي (النفعي) للسياسة الخارجية الغربية، إلا أن القراءة النقدية الموضوعية تقتضي إبداء بعض الملاحظات المنهجية والفكرية:
​الاختزال وسطوة نظرية المؤامرة: يميل المؤلف أحيانًا إلى تفسير التاريخ من زاوية أحادية تعتمد بالكامل على "المؤامرة الخارجية". هذا الطرح، وإن كان صحيحًا في جزئياته الإستراتيجية، إلا أنه يُسقط في المقابل الذاتية التاريخية لتلك الحركات التي نشأت نتيجة أزمات هيكلية داخل المجتمعات (كفشل الدولة الوطنية والتخلف التنموي).
​إغفال التناقضات والصدامات: العلاقة بين الغرب وحركات الإسلام السياسي لم تكن في وفاق تام طوال الوقت؛ فقد شهدت صدامات دموية وأزمات حادة، كما أن التيارات الإسلامية وغير الإسلامية أثبتت في محطات كثيرة تواطؤها مع العمالة وخدمة الإمبريالية على حساب الشعوب.
​التعميم في قراءة الرموز التاريخية: الربط المباشر بين محطات مبكرة (مثل الأفغاني ومحمد عبده) وبين ظاهرة الإخوان المسلمين والتيارات المعاصرة يحتاج إلى تدقيق تاريخي لا ينبغي اختزاله كلياً في كونه "صناعة استعمارية بريطانية".
​انعكاسات الأزمة: السودان نموذجاً
​التدخلات الغربية بشقيها الاقتصادي والاستخباراتي ساهمت في تأجيج صراعات السلطة والثروة في السودان، والتي لا تزال تلقي بظلالها الوخيمة على الحروب والصراعات السودانية الماثلة اليوم.
​ويبقى السؤال الجوهري المطروح أمام القوى الوطنية: كيف نتجنب استخدام أدواتنا الفكرية والسياسية لأغراض غير وطنية؟ وخاصة في ظل إشكالية خطيرة تتمثل في أن توجيه تهمة "العمالة والارتزاق" بات يُطال الجميع؛ فما العمل إذن؟
​لهذا السبب، يجب أن يكون النقد مُصوَّباً بدقة لخدمة الوطن وبناء وعي وطني حقيقي.
​خاتمة واستنتاج
​يظل كتاب "لعبة الشيطان" وثيقة نقدية بالغة الأهمية تفضح ازدواجية المعايير لدى القوى الإمبريالية التي طالما رفعت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان بينما كانت ترعى وتشجع أكثر الحركات ظلامية لتحقيق مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.
​مراجع ذات صلة:
​كتاب "التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين" للمؤرخ والصحفي البريطاني مارك كيرتس (Mark Curtis)، الذي يكشف بالوثائق الرسمية التي رُفعت عنها السرية كيف تعاونت الاستخبارات البريطانية والأمريكية مع الجماعات الأصولية لمواجهة القومية العربية (كعبد الناصر) والمد الشيوعي لحماية مصالح النفط.
​كتاب "أفكار حول فلسفة الإخوان المسلمين" لعبد الخالق محجوب (منشورات دار الفكر الاشتراكي، الخرطوم، 1968م)، والذي يشير إلى تماهي أفكار حركات الإسلام السياسي مع الإمبريالية العالمية في موقفها ضد الثورة الاجتماعية.
​الغاية من سلسلة "جواهر المعارف السودانية": تأتي هذه القراءات والنقود في إطار مشروع سلسلة جواهر المعارف السودانية للأطفال والناشئة والشباب، والتي تهدف إلى توفير معارف وطنية ونقدية للبناء، وخلق وعي مغاير وأكثر اكتمالاً يمكّن الأجيال الجديدة من قراءة التاريخ والسياسة بعين ناقدة ومنحازة للشعب.