Post: #1
Title: أوثان الرتب طغيان يتدثر بثياب السيادة كتبه محمد عبدالرحيم أبوه
Author: محمد عبدالرحيم أبوه
Date: 10-21-2026, 07:39 PM
07:39 PM October, 21 2026 سودانيز اون لاين محمد عبدالرحيم أبوه-Sudan مكتبتى رابط مختصر
السودان ذلكم الوطن الموشى بوشائج التاريخ والمضمخ بعطر الحضارة والمجبول على أنفة الشعوب التي تأبى الضيم وتستعصي على الانكسار، ليس إقطاعية عسكرية تستباح فيها إرادة الناس ولا ثكنة موصدة يختزل فيها الوطن في أوامر الجنرالات، ولا رقعة جيوسياسية تتنازعها أطماع القوى وتصفى على ترابها الحسابات الدولية. إنه وطن أعرق من أن تستوعبه نزوات السلطة، فقدره أسمي من أن يحصر في نزوات وأهواء ورغبات الحاكمين، وأكرم من أن يرتهن مصيره لمشيئة البندقية، غير إن مأساة الوطن الكبرى تكمن في عصيانه المزمن على التعلم من الفواجع التي مر بها عبر التاريخ، فمنذ انقلاب الفريق إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958، مروراً بانقلاب جعفر نميري في 25 مايو 1969، ثم انقلاب عمر البشير في 30 يونيو 1989، وصولاً إلى انقلاب عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021، ظلت الحياة السياسية تدور في فلك الاستيلاء على الحكم، كأن الدولة لا تبنى إلا على أنقاض التوافق وكأن السلطة لا تستقيم إلا بإقصاء الشعب، وكأن إرادة الملايين تفصيل هامشي في معادلة تحتكرها فوهات البنادق. وهكذا تعاقبت العهود وتبدلت الوجوه وتناسخت الشعارات، بينما ظل السؤال الجوهري معلقاً في ضمير الوطن : أي منجز استراتيجي أهدته العسكرة للسودان وأي نهضة حقيقية أثمرها تغييب الإرادة الشعبية، وأي مجد يرتجى من سلطة تستمد مشروعيتها من القهر لا من التفويض أو الغلبة والرضا العام.
وفي سياق البحث عن جوهر الحقيقة، يتضح أن الوطنية ليست ظاهرة صوتية أو ضجيجاً إنشائياً يداعب العواطف، ولا أوسمة تصف على الصدور ولا نجوماً تتكاثر على الأكتاف ولا قاموساً من الشعارات الجوفاء يستدعى كلما ضاقت السلطة بالنقد أو ارتعدت أمام استحقاقات المحاسبة، إنما الوطنية ميثاق أخلاقي وسياسي قوامه صيانة الأرض وحرمة الدم وكرامة الإنسان، واستقلال القرار والخضوع لإرادة الشعب بوصفه صاحب السيادة ومصدر الشرعية. وما من مفارقة أفدح من أن يتوسل الحاكم مفردات السيادة وهو يفرط في استقلال القرار، وأن يتغنى بحماية الوطن بينما تتداعى أركانه، وأن يتذرع بحفظ الأمن فيما تتآكل الطمأنينة من أفئدة أهله، وأن يرفع راية الكرامة بينما يدفع المواطن إلى مهاوي الخوف والتشرد والمهانة. إن السيادة ليست صكاً يمنح للحاكم ليتصرف بمقتضاه في مصائر الناس، ولا حصانة أبدية تعطل المساءلة، بل هي مسؤولية جسيمة تقاس بمدى قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وصون مواردها، وإقامة مؤسسات لا تختزل في أشخاص ولا تتداعى برحيلهم ولا تدار وفق نزواتهم. ومن ظن أن هيبة الدولة مرادفة لهيبة الحاكم فقد خلط بين الكيان العابر والكيان الباقي وبين المنصب الذي تنقضي ولايته والوطن الذي تتوارثه الأجيال، فالدولة القوية ليست تلك التي تسكت مواطنيها، بل تلك التي تنصت إليهم وليست التي تخضعهم لسطوة السلاح، بل التي تخضع السلاح لسلطة القانون.
ويا لفداحة المأساة حين يستباح الدم باسم الضرورة ويسوغ القهر بذريعة الاستقرار ويكسى الاستبداد مسوح الوطنية، حتى يصبح الانتقاد والاعتراض جريمة في عرف الموالين وتصبح مساءلة السلطة ضرباً من الخيانة في قاموس المنتفعين. عندئذ لا يعود الخطر كامناً في استبداد الحاكم وحده، بل يتجاوز ذلك إلى استبداد الوعي الذي يطبع مع الظلم ويمنح العنف تأويلاً أخلاقياً ويستبدل بميزان الحق بميزان الولاء وبمحكمة الضمير محكمة المصالح. إن الدم السوداني ليس رقماً في سجلات الصراع ولا هامشاً في تقارير العواصم ولا ثمناً مستباحاً لتثبيت أركان الحكم أو ترجيح كفة النفوذ الإقليمي والدولي، إنه حرمة لا تسقطها الحسابات وحق لا تبطله الدعاية، ووجع لا تمحوه الخطب مهما أُحكم سبكها أو تلألأت مفرداتها وكل من يهون من دماء الأبرياء أو يجمل مواقف من تسببوا في إراقتها، أو يسخر الوطنية ستاراً لتبرير الانتهاكات، إنما يسهم في تقويض المعنى الذي يدعي الدفاع عنه. ولعن الله الجهل والعنصرية البغيضة حين تتدثر بعباءة الوطنية والاستبداد وتتوارى خلف جلال الرتب، والنفاق حين يسبغ على المصالح الشخصية مسميات المصلحة العليا، فما من خيانة للمعنى أبلغ من أن يستعمل اسم الوطن لتسويغ ما ينال من أبنائه، ولا من انحطاط أخلاقي أفدح من أن يطلب من الضحية تمجيد اليد التي آلمته أو يستدعى منه الصمت كي لا تنكشف عورة السلطة، أياً كانت مصادرها أو ذرائعها فلا تواجه بتسليم الإرادة الوطنية لطرف آخر ولا باستبدال التبعية بتبعية مضادة، بل ببناء دولة تمتلك قرارها وتحمي مصالح شعبها وتزن علاقاتها الدولية بميزان المصلحة الوطنية الخالصة بعيداً عن الارتهان والمحاور والوصاية.
وختاماً. فإن السودان أكبر من أن يختزل في جنرال وأرسخ من أن يختصر في نظام وأبقى من أن يرهن مصيره لكرسي مهما اشتد التمسك به، أو لرتبة مهما أحاطت بها هالات التبجيل. فالأوطان لا تورث بوصفها غنائم ولا تدار كإقطاعيات مغلقة ولا تصان بتعليق مصائر الشعوب على مشاجب الطاعة، إنما تنهض حين تسترد السياسة مدنيتها وتستعيد المؤسسات استقلالها ويصبح القانون فوق الجميع وتصان التعددية، وتحترم الحقوق ويصبح انتقال السلطة تعبيراً عن الإرادة الشعبية، لا ثمرة لانقلاب جديد يعيد إنتاج المأساة في أثواب مستحدثة، وليس من الإنصاف أن يمنح أحد صك البراءة من التقصير لمجرد ما يحمله من ألقاب، أو أن تتخذ الرتب العسكرية حجاباً يحول دون المساءلة، أو أن تستعمل الشعارات الوطنية ممحاة لآثار الجرائم والانتهاكات والفشل، فالتاريخ وإن تأخر حكمه، لا يخدع ببريق المظاهر ولا ترهبه صرامة الخطابات ولا تغريه فخامة الأوسمة. إنما يسجل ببرود الوقائع وصلابة الذاكرة، من صان الوطن ومن استنزفه ومن حمى الشعب ومن عرضه للهلاك، ومن جعل السلطة أمانة ومن اتخذها غاية تستباح في سبيلها الأنسانية. فالكراسي عارية من الزمن والرتبة منزلة لا تغني عن المسؤولية والسلطان ظل مهما طال امتداده أما الوطن فليس ظلاً لأحد ولا ملكاً لحاكم ولا رهينة لبندقية. ومن يضحي بوطنه ليبقي على كرسيه، إنما يقامر بالباقي في سبيل الزائل فلا يحفظ عرشاً ولا يصون مجداً ولا يكتب لنفسه في ذاكرة الأجيال سوى سيرة من خذلوا الوطن حين كان أحوج ما يكون إليهم.
|
|