Post: #1
Title: ابقوا عشرة على المبادئ كتبه زهير السرَّاج
Author: زهير السراج
Date: 10-21-2026, 04:10 AM
04:10 AM October, 20 2026 سودانيز اون لاين زهير السراج -Canada مكتبتى رابط مختصر
مناظير الأربعاء 21 أكتوبر، 2026
manazzeer@yahoo.com
* في 21 أكتوبر 1964، قال السودانيون السوداني كلمتهم، وأسقطوا النظام العسكري الذي ظن أنه يستطيع حكم البلاد إلى الأبد. خرج الطلاب، والعمال والمهنيون والموظفون، وأغلقت الأسواق أبوابها، وشل الإضراب السياسي أجهزة الدولة، وواجه المواطنون الرصاص، وفي النهاية، سقط نظام الفريق إبراهيم عبود، وأسقط الشعب الحكم عسكري الغاشم.
* لم تكن ثورة أكتوبر منحة من أحد ولا تنازلا إختياريا من العسكر، ولا صفقة حزبية. كانت ثورة شعبية دفع السودانيون ثمنها غالياً من دمائهم وارواحهم، وانتزعوا حقهم في الحرية والديمقراطية.
* استولى العسكر على السلطة بقيادة الفريق عبود في 17 نوفمبر 1958، بخيانة من رئيس الوزراء، القيادي في حزب الأمة والضابط السابق في الجيش عبد الله خليل، إثر أزمة سياسية وصراع حزبي.
* منذ اليوم الاول حل النظام العسكري الأحزاب، وصادر حرية الصحافة، وضرب الحريات، وحاصر النقابات والطلاب، وأغلق المجال العام أمام العمل السياسي. ولم يكتفِ بذلك، بل إرتكب أكبر خيانة في حق الوطن والشعب، عندما وقَّع عام 1959 اتفاقية مياه النيل مع مصر، والتي حصلت بموجبها على النصيب الاكبر من المياه بلغ قدره 55.5 مليار متر مكعب من المياه، مقابل 18.5 ملياراً للسودان.
* كما إنصاع للمطالب المصرية التعسفية بإغراق منطقة وادي حلفا التاريخية، وتهجير سكانها من ارض اجدادهم مقابل 15 مليون جنيه مصري فقط، تعويضاً عن الأضرار التي ستلحق بالممتلكات، وتشييد مدينة جديدة في شرق السودان. لم يكن ذلك المبلغ الضئيل كافياً لتعويض ما فقده الناس من أرض وبيوت وآثار وذكريات ووطن ارتبطت به حياتهم، فتحمّل الشعب السوداني الجزء الأكبر من تكاليف إعادة التوطين.
* كان نظام عبود نموذجاً لحكم جائر لا يملك الشعب فيه حق محاسبة من يقرر مصيره، ولا يستطيع المتضررون تغيير القرار أو رفضه، وهكذا اجتمعت مصادرة الحريات مع التفريط في مصالح المواطنين، بينما كان النظام يتصرف وكأنه صاحب البلاد، وليس حاكماً مسؤولاً أمام أهلها.
* وفي الجنوب، تفاقمت الازمة، واسُتخدم القتل والابادة الجماعية لقمع المعارضين، وسعى النظام إلى فرض الأسلمة والتعريب على مجتمع متعدد الأديان والثقافات، ولجأ إلى القوة بدلاً من الحوار لمعالجة الأزمة، فأجّج الحرب الأهلية، وعمّق العداء بين الدولة والجنوبيين، بينما كانت البلاد كلها تغلي تحت وطأة القمع ومصادرة الحريات.
* لكن الشعب كان اقوى واكبر (مما كان العدو يتصور)، فاندلعت الإحتجاجات الطلابية، وتحركت النقابات، واستمرت المعارضة، وتراكم الغضب حتى حانت اللحظة الفاصلة في مساء الأربعاء 21 أكتوبر 1964، عندما عقد طلاب جامعة الخرطوم ندوة في مجمع الداخليات لمناقشة مشكلة جنوب السودان، فاقتحمت الشرطة المكان وأطلقت الغاز المسيل للدموع والرصاص، وقتلت الشهيد أحمد القرشي طه.
* في اليوم التالي، خرج موكب تشييع القرشي، وتحوّل إلى مظاهرة سياسية ضخمة. ارتفعت الهتافات ضد الحكم العسكري، وامتدت الاحتجاجات إلى الشوارع ومواقع العمل، وانضم المهنيون والعمال والموظفون إلى الطلاب، وقادت جبهة الهيئات الحراك الشعبي، ثم اتسع الإضراب السياسي والعصيان المدني حتى تعطلت مؤسسات الدولة.
* وضحى الكثير من الشهداء بدمائهم وارواحهم، من بينهم مدني التجاني المرضي، ومحمد حسن مختار، وعبد المولى عبد الرازق مرجان، ومصطفى محمد متولي العتباني، وعز الدين محمد خالد التنقاري، والنور علي التنقاري، وضوالبيت محمد بيلو، ولورنس ديمتري، ومبيور شول، وبخيتة المبارك الحفيان، وبابكر حسن عبد الحفيظ. كانوا من مناطق وجهات مختلفة، بما يعكس تضامن الجميع واتساع المقاومة والغضب العارم!
* وتحت الضغط الشعبي المكثف، إضطر عبود لحل المجلس العسكري ومجلس الوزراء في 26 اكتوبر، ثم استقال في 15 نوفمبر، وانتهى الحكم العسكري، وبدأت مرحلة انتقالية برئاسة سر الختم الخليفة، وعاد النشاط الحزبي والنقابي، واستعاد السودانيون حرياتهم المصادرة.
* في مايو 1969 وقع انقلاب جديد، ثم جاء انقلاب يونيو 1989، وتكرر الانقلاب في 25 أكتوبر 2021 بواسطة الخائن البرهان وربيبه حميدتي، قبل أن تنفجر الحرب في أبريل 2023. ولو قُدِّم عبود والذين شاركوا معه في انقلاب 17 نوفمبر 1958 إلى العدالة، ونالوا جزاءهم العادل، لما تجرأ غيرهم على الانقلاب على السلطة الشرعية، ولكن غياب المحاسبة شجّع الانقلابات، وظل السودان يدفع ثمنها انقلاباً بعد انقلاب، حتى انتهى به الأمر إلى الحرب والدمار.
* ومع ذلك، ستظل ثورة أكتوبر صفحة مضيئة في تاريخ السودان، وأثبتت أن الشعب السوداني لا يُحكم بالقوة، وأن الشرعية تقررها الجماهير وليس الدبابات والبيانات العسكرية. ومثلما سقط عبود ونميري والبشير، سيسقط البرهان وحميدتي والكيزان وكتائب الظل والمليشيات والمرتزقة، وسيواجهون هذه المرة المصير الذي يستحقونه على ما ارتكبوه من جرائم في حق الشعب السوداني، فالسلاح لا يحمي الخائن والظالم من السقوط، ولا مفرّ من العدالة مهما طال الزمن.
* المجد لشهداء أكتوبر الذين واجهوا الرصاص دفاعاً عن الحرية، وللطلاب والعمال والمهنيين والنقابيين وكل الذين شاركوا في الثورة، وللشعب الذي رفض أن يكون قطيعاً من الاغنام في دولة يحكمها السلاح والخونة!
* عاشت أكتوبر، وعاش الشعب السوداني حراً، ولا نامت أعين الجبناء !
|
|