Post: #1
Title: عبد الله علي إبراهيم يفتح خزائن فكره لـ [صحيفة إيلاف]: تفكيك أزمة الدولة والهوية في السودان كتبه
Author: عبدالله علي إبراهيم
Date: 10-20-2026, 03:56 AM
03:56 AM October, 19 2026 سودانيز اون لاين عبدالله علي إبراهيم-Missouri-USA مكتبتى رابط مختصر
عبد الله علي إبراهيم يفتح خزائن فكره لـ [صحيفة إيلاف]: تفكيك أزمة الدولة والهوية في السودان حاوره: إبراهيم علي
أزمة الصفوة السودانية، استلاب الأفندية، وأوهام "البوتقة" وتجريف الهوية عن التاريخ والهوية: الاستشراق وصناعة "اختراع الشمال".. "كيف أذهلتنا كتابات ماكمايكل عن أنفسنا؟" هكذا أنتجت حروب "الهامش والمركز" توحش الاستهداف الاجتماعي، وتعثرت أمة السودان في مخيال نخبها لسنا أمة متخيلة فحسب، بل ضحايا "خنخنة البعاتي" الاستعماري واتفاقيات السلام المرتزقة
في زمن يعاني فيه السودان أسوأ أزماته الوجودية؛ تتجاذبه أزمة الهوية وأزمة الشرعية السياسية، وسط تخبط غير مسبوق للنخب والسياسيين. بينما يتوزع الملايين من أبناء الوطن بين نازح في الداخل ولاجئ في الشتات، يعانون مرارة التشرد وضنك العيش وغياب أي أفق لرؤية مستقبلية واضحة تلم شتات البلاد. في وسط هذا المخاض المرير والظلام المعتم، جلسنا إلى المفكر والمؤرخ السوداني البارز، أستاذ التاريخ بجامعة ميزوري والمهتم بالمسألة السودانية وتعقيداتها، البروفيسور عبد الله علي إبراهيم؛ نستنطق التاريخ بحثاً عن مخرج وسط ركام الخراب.
**1. بدايةً بروفيسور عبد الله؛ في ظل مقولتكم الشهيرة حول "خلو النخب السودانية من عادة الحوار"، وفي ظل هذا الغياب التاريخي لثقافة التنازل، كيف تقرؤون مآلات مسارات الحوار السوداني-السوداني الجارية حالياً؟** > غير خافٍ أن الحوار المعروض هو شغل ناشطين هم في أحسن الأحوال من المشفقين على مآل البلد يريدون إسعافها من "جرفها الهار" كما تجري العبارة. في هذا سوء ظن كبير بالفكر؛ لأنه لا يعمل ضمادة على جرح، بل هو عمل للمدى الطويل الدولة فيه مُساءَلة لا مُستخدِم أو راعياً. وهو حلقة في نداء قائم في أن تجتمع الصفوة على ميثاق يعالج "جذور المسألة" ونبرأ به من شقاقنا. وهنا سوء ظن بالاختلاف حتى أردنا طيه في عهد جامع مانع، ولم يقع لنا هذا العهد لأنه سراب بقيعة. فسنختلف إلى قيام الساعة لو أحسنا إدارة هذا الاختلاف. وهنا مكان لعادة الفكر لا عادة الناشطية، وهي من المعدوم في سوق الخرطوم.
**2. لديكم قراءات تفكيكية متجددة للفكر الاستشراقي—ولاسيما في أعمال مثل "تاريخ العرب في السودان" لـ «هارولد مكمايل»—كيف ترى أثر هذه التناولات الاستشراقية في تشكيل المفهوم الحديث للمسألة السودانية وتحديد ملامح هويتنا؟ وهل تعتقد أن عجزنا عن نقد هذه المقولات هو ما أسهم في تكريس مفاهيم وافدة؟ كتابات ماكمايل أذهلتنا عن أنفسنا بوجهين: * **الأول:** أنكرت على عرب السودان المسلمين—من هم في طليعة تكوين الأمة—هويتهم، فقالوا إن الجامع بينهم حقاً هو الرباط الأفريقي الذي ينكرونه ثلاثاً بقولهم إنهم عرب. وأن هذه الأفريقية هي التي وثّنت إسلامهم فصار ما يعرف عندهم بـ "الإسلام الشعبي". وهذا تطفل على هوية القوم لا سند لهم في علم الهوية، علاوة على أنه تبخيس مرموق لأفريقيا التي صوروها بأنها لا سعة لها لعقيدة خالصة دون أن ترتجلها وتمسخها. فليس من شغل الباحث مغالطة الناس في هويتهم، فشغله حقاً هو أن يدرس لِمَ اختارت هذه الجماعة هذه الهوية في شرط الزمان والمكان. * **أما الوجه الآخر للإذهال:** فهو توسل (أو تسول) جماعة منا بالأفريقية المكتشفة هذه لعقد صفقة مع أفارقة السودان لإرساء السلام المفقود لعقود. فتجد هذه الصفقة ما طلبته مدرسة "الغابة والصحراء" كما عرضت لذلك في مقال منذ التسعينات. ومن أدل الدلائل عليه فيديو شائع لمحمد أبو القاسم حاج حمد يطلب صراحة من قادة الحركة الشعبية ألا يبالغوا ويصدقوا أن مثله عرب مسلمون لأنهم "قباح" مثل الأفارقة ودينهم نصف ديانة، فكلنا في السودان أفارقة ففيم الحرب؟ ومنشأ الذهول هنا أنه بينما صح أن نبني الأمة على التنوع، وهو الاختلاف، تجدنا اعتزلنا الاختلاف وطلبنا السوية في الهوية.. وهذا ضلال.
**3. أشرتم في إحدى الندوات إلى أن "متحف الخليفة" يمثل توثيقاً لهزيمتنا برؤية المستعمر، وأننا لم نتحرر بعدُ من قيم الاستعمار ومفاهيمه. كيف تقرؤون تاريخ الحكم الوطني في السودان من هذه الزاوية النقدية؟** لم أكف من إعادة عبرة لعبد الله الطيب على الأسماع؛ قال: *"توفي الاستعمار وقام في هيئة حكمنا الوطني بعاتي له خنخنة"*. وليس أدل على تمكن المعرفة الاستعمارية مثل ما ترى من تبني صفوة التعليم الحديث للتركة الاستعمارية؛ فمن رأيهم أننا لم نكن دولة مستعمرة أصلاً، ولم تحررنا حركة وطنية، بل قرار صدر من الإنجليز عن نبل أو سقم! أما دولته فكانت فينا "المن والسلوى": عمار، خدمة مدنية راكزة، وقطار تظبط عليه ساعتك. وكلما خابوا كلما استبدت بهم ذكرى الإنجليز فينا. وهذا الترداد هو من مبالغتهم في العيب في الوطن. وبينما تجد كتابات عن صفوتنا مواددة للإنجليز لنا—في مثل ما فعل فرانسيس دينق وحسن عابدين—لن تجد من اتصل بمدرسة "ما بعد الاستعمار" التي تعمل منذ عقود في تفكيكنا من براثن الاستعمار في شخص "البعاتي". وهي مدرسة تجاوزت نقد الحركة الوطنية السياسي إلى بواطن الدولة الاستعمارية، في مثل ما كتبتُ أنا عن الثنائية الاستعمارية كما تجسدت في القضائية كمصدر للعنف. ولقيتُ عنتاً لا حد له في نقدي لمناهج "بخت الرضا" من صفوتنا شمالاً ويميناً، لأنها الأصل في نسب امتيازهم فينا. وليس من سلطان لم يمكن لنفسه بمنهج تعليمي يدجن الأجيال لإرادته ورؤاه. والاستعمار أحوج السلاطين لتدجين الأهالي>
**4. في كتابكم "مصادر العنف في الثقافة السودانية"، تناولتم الجذور البنيوية للنزاع؛ كيف تقرؤون مآلات خطاب "الهامش" و"المظلومية" اليوم، وهل أدى أغراضه التحشيدية أم تحول إلى عائق؟** لم تأتِ الحركات المسلحة بجمهور الهامش نفسه إلى ميدان السياسة، بل جاءت به كـ "ضحايا حرب" مع الحكومة و"حزام أسود" حول الخرطوم. فجعلوا البندقية—التي لا يحملها كل أحد من شعبهم—وصية على قضية الهامش، مما انتهى بهم إلى عصب مسلحة لا مسلحين ذوي قضية (كما نصح أمليكار كابرال جماعته). ناهيك من أن قيادة هذه الحركات البرجوازية الصغيرة لم تكن ترى من قضية الهامش سوى حظهم هم البخس في الوظيفة، مما دفعني للقول إنهم "طلاب طبعة أخرى للسودنة". والأدهى أنهم حين اعتزلوا القوى الثورية "الجلابية"، صارت لهم عادة ضارة وهي التواثق مع ديكتاتور الجلابة ومصالحته: (1972 اتفاقية أديس أبابا، 2005 نيفاشا، واتفاقيات فكة كثيرة مع حركات دارفور في الدوحة وحركات الشرق في أسمرا مع الإنقاذ). وحين ينقضها الديكتاتور الجلابي يقولون عن "جلابة" المركز جميعاً أنه لا عهد لهم.
**5. من الملاحظ امتداد خطاب الهامش مؤخراً ليستهدف مجتمعات وأسر بأكملها بشكل انتقامي واستئصالي؛ كيف تقرؤون هذا التحول الخطير نحو الاستهداف الاجتماعي المباشر؟ وكيف يحمي المجتمع نفسه؟** لهذا التوحش مصادر: 1. **ثقافة غذتها معارضة الإنقاذ:** طابقت فيه بين "العروبو-إسلامية" في النظام و"الجلابة". فصار "ساكن الدبة"—الذي يرشقه لايفاتية الدعم السريع بالوعيد—طرفاً أصيلاً في ظلم الهامش كحفدة للزبير باشا والمتنبي والأزهري. وهي ظاهرة تجسدت في مقياس "الكمبو" (أي ما يلقاه ناس الكمبو من الجلابة). وهي ثقافة دس وفتنة وقطع رأس لمعارضة شمالية فقدت باختيارها مواقعها بين أهلها وركبت قاطرة الحركات المسلحة أو اللجوء السياسي. 2. **طبيعة الحرب ضد المدنيين:** الحرب التي تخوضها الدعم السريع هي حرب إرهاب ضد المدنيين في المقام الأول للحصول على مغنم سياسي أو أيديولوجي. لقد خرج المدنيون في لجان المقاومة بثبات يطالبون بإنهاء وجود الدعم السريع، وكانت حربه على المدنيين لأنهم من ثبتوا على مطلب الثورة برفض وجوده. 3. **العصبية القبلية و"أجر الذئب":** التركيبة الغالبة للدعم السريع قائمة على "الفزع" القبيلي، وأجرهم ليس على قيادتهم بل من تغنيم المدنيين مما يسميه الألمان بـ "أجر الذئب".
**6. هل تراكم المظالم التاريخية والمسكوت عنه هو السبب في إخفاق النخب في إنتاج خطاب مصالحة، أم أن هناك تزييفاً للمسألة؟* "المسكوت عنه" هذه فرية كاذبة. سكتوا عن ماذا؟ الرق التاريخي بل والمعاصر؟ عرضوا بها جميعاً في حلبتنا وفي الحلبة الدولية. احتقبت الحركة الشعبية موضوعة الرق معها إلى أمريكا وروّجت لها بين الكنائس واللوبيات، حتى نشر أليكس دي وال مقالاً طلب فيه من جون قرنق ألا يضرب على وتر الرق لئلا يخسر قضيته إن لم يصدق. وانكشفت مسرحيات فداء الرقيق (مثل مسرحية البارون كوكس) حتى قال المذيع الأمريكي دان راذر: *"يعني انخمينا!"*. الشكوى ليست من المسكوت عنه بل من **"المغشوش عنه"**. احتججتُ على منصور خالد حين قال إن النوبة عملوا في خدمة الصحة "الألتة" زمن الاستعمار بذاكرة استرقاق الشماليين لهم، في دولة لم يكن السودانيون من يضع قواعد العمل فيها بل الإنجليز! فنشر غسيل "الجلابي" القذر هو ما أراد به أهله في الهامش الاستثمار في "عقدة الذنب الليبرالية" لدى صفوة الشمال لإفحامهم وجعلهم يتبعون خطهم السياسي عن خجل من أسلافهم.
**7. هل ما زال هناك متسع لتجاوز الثنائية التاريخية الحادة بين "العروبة" و"الإفريقانية"، أم أن الحرب الحالية حسمت القطبية؟** أعتقد أننا تجاوزنا هذه الثنائية بأن "سُطناها سواطة"! ما يحير في هذه الحرب هو صمت من ناصبوا الإسلاموعروبية العداء (من ناس قحت وسائرهم) عن الاحتجاج على الدعم السريع السلالي الجنيدي العربي، ممن ينادي محاربوه بالوضوء قبل المعركة ويقتلون أسيرهم مشيعاً بـ "نوبي" أو "عبد" صراحة! سرعان ما رموا أفريقيتهم الشعواء على قارعة الطريق وصار قتلة "الزرقة" في 2003 مغفوري "الجنوسايد" في 2023. ويزداد الأمر غرابة أن من كانوا يملؤون المنابر ضيقاً بنا لعروبة العرب منا والدعوة للخروج من الجامعة العربية، كثيرهم اليوم لا يرى غضاضة في أن يكون في صف الإمارات التي تدفع فاتورة حرب الدعم السريع.
**8. استناداً إلى ما طرحه د. خالد الكد حول تعثر بناء الأمة، إلى أي مدى أدى هذا العجز التأسيسي للأفندية إلى خروج دعوات تقرير المصير والتفكيك كحلول لحقن الدماء؟** قال خالد الكد إنه لم تكن هناك أمة سودانية لا قبل الإنجليز ولا خلال حكمهم، وبنى قوله على أن أقوام السودان أشتات، لكن نضالهم بذر "مشروع أمة" بقي ضبابياً. ليس هناك دولة-أمة خلقت هكذا في يوم وضعها؛ فكلها بدأت من بذور في مواجهة تحديات (كدولة وستفاليا التي خرجت من حرب الثلاثين عاماً الدينية). فحربنا القائمة هي طريقنا الوعر لبناء الأمة، وإن تعثر هذا الطريق هو ما أفسح المجال لصعود خيارات تقرير المصير والتفكيك ككلفة اضطرارية لحقن الدماء واسترداد السلام المفقود. نقد الأفندية كما أراد الكد يقع في علم بناء الأمة لرائده بنديكت أندرسون (كتابه*الأمم المتخيلة*)؛ فالأمة تخرج من "مخيال" طليعتها الوطنية. وطليعة الأفندية تخيلت خلال حركتها الوطنية السودان أمة عربية مسلمة من قماشة حاضنتها الثقافية. وتركوا ل"البوتقة" أن تستأصل التنوع. و"البوتقة" أي الانصهار في الثقافة العربية والإسلامية فتخيلوا أمة من قماشة ثقافتهم الأصاغر غاضين الطرف عن ثقافتها الأكابر (بداية من تعريب التعليم بالجنوب 1948، والدستور الإسلامي، وسياسات عبود، ودستور 1968، ونميري، والإنقاذ). شذ عن هذا "إعلان 9 يونيو 1969" الذي كان أول إعلان من الدولة يعترف بالتنوع بأثر من الحزب الشيوعي (المتأثر بكتاب ستالين *حول الماركسية في علم اللغة* الذي عربه عبد الخالق محجوب 1954). ثم دخل الأفندية في طور العكم السياسي بالسلاح فوقع الهرج. المطلوب كان "إعادة التفاوض" في الوطن الموروث لبنائه على ثقافات البلد كلها. ومن المحزن أن الحزب الشيوعي لم يعد يكترث لنقد النهج البرجوازي الصغير في بناء الأمة، وأخذته معارضة "كيفما اتفق" التي لا ترى جذراً طبقياً للغلواء القومي، بل تراه عاهة في العربي المسلم بإجماع.
**9. في مقالكم حول "اتفاق جوبا ومسار الخرطوم"، استشهدتم بمفهوم هنري لوفافر «الحق في المدينة»؛ كيف ترون فرض مشاركة الحركات المسلحة في إدارة العاصمة القومية؟ ولماذا اعتبرتم ذلك "تطفلاً"؟** جعلت اتفاقية جوبا لحركات دارفور المسلحة نصيباً في إدارة العاصمة القومية بذريعة أنها "جلد نمر" فيها خلق من دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. وكان ذلك ترتيب سلام في فهمهم، لكن فات عليهم أن هذه وصاية خرقَت الديمقراطية خرقاً واسعاً. العاصمة ثمرة عملية بندرة تاريخية جعلت لأهلها مصالح استقلت عن مناشئهم الأولى في الولايات أو الريف. ومتى كنا في ديمقراطية استحقوا أن ينتخبوا من يمثلهم بناءً على برنامج وعاصمية (مواطن مسجل في قائمة ناخبي العاصمة). وهذا الحق يسري على ساكن الخرطوم وعلى ساكن نيالا الدارفورية أيضاً! فهي مدينة. ولهذا قلت إن اتفاقية جوبا دقت إسفيناً بين السلام والديمقراطية. فالسلام عندهم "رمرمة" في الوظيفة العامة. ولا أعرف ما إحسان الحركات المسلحة في إدارة نفسها لتطلب إدارة مدينة أهلها أدرى بشعابها! اتخذت التكتيك المسلح فتفرقت شيعاً أميبية (أكثر من 150 فرقة) وعصف بها الكيد الإثني في داخلها واضطرت للارتزاق في ليبيا وجنوب السودان. الحركات المسلحة "إقليم هرج" ليس من الرشد أن يُولى على قوم لهم سبل أفضل وأذكى في القيام بأمره.
|
|