Post: #1
Title: عميل سري برتبة ميليشي.. مسرحية العبث في تصريحات علي رزق الله السافنا! كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 10-19-2026, 07:47 PM
07:47 PM October, 19 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
في تواريخ الحروب والمآسي الإنسانية الكبرى، تتكشف دائما معادن الرجال، وتتساقط الأقنعة لتظهر الوجوه على حقيقتها دون رتوش أو تجميل. وفي ظل هذه اللحظات الفاصلة التي تختبر فيها الأوطان، يبرز صنفان من الناس، صنف يكتب التاريخ بدمائه وتضحياته الصامتة، وصنف آخر يحاول، بائسا، أن يمتطي صهوة الأحداث ليعيد كتابة تاريخه الملطخ بالدماء، محاولا غسل خطاياه بكلمات جوفاء وتصريحات صحفية لا تثير سوى السخرية والشفقة في آن واحد. وضمن هذا الصنف الأخير، يطل علينا اليوم العميد الميليشاوي علي رزق الله، الشهير بلقب السافنا، القائد الميليشي العائد لتوّه إلى صفوف القوات المسلحة السودانية، ليقدم لنا فصلا جديدا من فصول الكوميديا الحزينة، ومسرحية عبثية رديئة الإخراج، يحاول من خلالها أن يخلق من نفسه بطلا قوميا أسطوريا، متناسيا أن ذاكرة الشعوب لا تمحوها التصريحات، وأن دماء الضحايا لا تسقط بالانضمام إلى صفوف الجيش. إن المتابع الحصيف للتصريحات الصحفية الأخيرة التي أطلقها السافنا، يدرك على الفور أنه أمام حالة استثنائية من محاولات الاستغفال السياسي والتاريخي. الرجل الذي أمضى أربع سنوات كاملة يرتدي بزة ميليشيا الدعم السريع، ويأتمر بأمر قيادتها، ويساهم كترس فاعل في آلتها العسكرية التي أذاقت المواطنين في دارفور وكردفان ويلات الموت والتعذيب والتهجير القسري والجوع، يخرج اليوم ليخبرنا ببساطة يحسد عليها، أنه كان مجرد عميل سري ومقاتل نقي اليدين. إن هذه المحاولة الساذجة لتبييض السجل وتجاوز الماضي القريب، لا تمثل فقط استخفافا بعقول السودانيين، بل تعد استفزازا صارخا لمشاعر مئات الآلاف من الضحايا والأرامل والأيتام والنازحين الذين اكتووا بنيران تلك المرحلة المظلمة. عزيزي القارئ.. تبدأ الرواية الهوليوودية للسافنا بمحاولة تبرير انضمامه لميليشيا الدعم السريع، حيث يدعي أنه وجد نفسه مضطرا للالتحاق بها بعد توقيفه عقب خروجه من سجن كوبر إبان اندلاع الحرب في منطقة بحري. ويبرر هذا الخيار المصيري بعبارة سطحية غاية في الاستفزاز قائلا، ما كان عندي خيار آخر غير أمشي في الطريق ده، وهنا يجب أن نتوقف طويلا أمام هذا المنطق العجيب، إذ هل أصبحت الخيانة العظمى والانضمام إلى صفوف ميليشيا متمردة تعبث بأمن السودانيين مجرد خيار اضطراري يشبه اختيار طريق بديل عند ازدحام المرور، وكيف يمكن لقائد عسكري أن يبرر قتاله في صفوف قوات مارست أبشع أنواع الانتهاكات بأنه لم يجد طريقا آخر؟ إن التذرع بالاضطرار بعد أربع سنوات من التمتع بامتيازات الميليشيا ورتبها ومخصصاتها، يفرغ مصطلح الوطنية من مضمونه، ويجعل من الانتهازية السياسية والعسكرية مجرد وجهة نظر. ولكن السافنا لم يكتفِ بهذا التبرير الهش، بل أراد أن يضفي على نفسه هالة من الغموض والبطولة الأسطورية، فقفز قفزة بهلوانية في الهواء ليعلن أنه حافظ على اتصالات استخبارية وعملياتية مع القوات المسلحة طوال فترة وجوده داخل صفوف الدعم السريع، ولم يتورع في لحظة نشوة إعلامية عن تشبيه نفسه بشخصية رأفت الهجان. إن هذا التشبيه بحد ذاته يمثل قمة المسرحية المأساوية، فرأفت الهجان كان يزرع في قلب العدو الخارجي لصالح وطنه، ولم يكن يحمل سلاحا ليقتل به أبناء جلدته كغطاء لعمله السري. هل يريدنا السافنا أن نصدق أنه كان يخطط لإنقاذ الوطن بينما كانت القوات التي يقودها تدك القرى وتحرق المدن، وهل كانت استراتيجيته الاستخباراتية تتطلب الصمت التام والمشاركة الفعلية في تدمير البنية التحتية وتهجير المدنيين الآمنين في دارفور وكردفان؟ إن ادعاء العمل المزدوج بعد سقوط المشروع الميليشياوي وبوادر هزيمته، هو أقدم حيلة في كتاب المرتزقة والمنشقين الباحثين عن طوق نجاة في اللحظات الأخيرة. وتستمر فصول الرواية الخيالية حين ينتقل السافنا للحديث عن إنجازاته العملياتية واللوجستية الخارقة للعادة، فقد زعم أنه تمكن، بفضل حنكته ودهائه، من استدراج قوات تابعة للدعم السريع وسحبها باتجاه مدينة بارا ليتمكن الجيش من القضاء عليها. إن محاولة السطو على التكتيكات العسكرية للقوات المسلحة السودانية، وسرقة انتصارات جنودها وتضحيات شهدائها في معركة بارا، ونسبتها إلى ميليشي منشق يبحث عن موطئ قدم في مرحلة ما بعد الحرب، هي إهانة لا يمكن السكوت عنها للجيش السوداني. العبقرية العسكرية التي يحاول السافنا تفصيلها على مقاسه، لا تتناسب مع موقعه كقائد ميداني في ميليشيا تعتمد في أساسها على الفوضى والاندفاع وليس على التخطيط الاستراتيجي المعقد الذي يدعيه. أما المبالغة التي تكشف حجم الاستخفاف بالعقول، فتتجلى في تصريحه بأنه قام بإدخال ألف ومائة وثلاثة وستين مدفعا لصالح الجيش السوداني. الرقم جاء دقيقا ومحددا بشكل يثير الضحك (1163 مدفعا)، وكأننا نتحدث عن علب ثقاب تم تهريبها في حقيبة يد، وليس عن عتاد عسكري ثقيل يحتاج إلى قوافل من الشاحنات العسكرية وتأمين لوجستي ضخم وغطاء جوي ومسارات آمنة. كيف لقائد في ميليشيا تراقب أنفاس أفرادها أن يهرب ترسانة مدفعية بهذا الحجم الهائل دون أن يلاحظه أحد، وكيف اختفت هذه المدافع من سجلات الميليشيا لتظهر فجأة في مخازن الجيش بفضل رأفت الهجان السوداني؟ إن إلقاء الأرقام الجزافية في التصريحات الصحفية قد يصنع أثرا دراميا مؤقتا في عقول السذج، ولكنه أمام التحليل المنطقي والمهني يسقط كقصر من ورق، ليفضح حجم الهذيان الذي يعيشه صاحبه. ونصل إلى النقطة المحورية والأكثر إيلاما واستفزازا في تصريحات هذا القائد الميليشي السابق، وهي تلك المتعلقة بملف حقوق الإنسان والانتهاكات الجسيمة، إذ بكل برود أعصاب وصفاقة لا نظير لها، يقف السافنا لينفي تورطه في أي ممارسات قمعية، معلنا صك براءته بعبارته الشهيرة "أنا أنضف من الدعم السريع"، لا ضربت متظاهرين ولا فضيت اعتصام ولا خشيت بيوت ناس. يالها من طهارة مزعومة ونظافة مصطنعة، إذ كيف يمكن لقائد بارز في آلة حرب طاحنة أن يدعي النقاء، وأين كان السافنا عندما كانت ميليشيا الدعم السريع تذيق مواطني دارفور وكردفان أصناف العذاب، هل كان في إجازة مفتوحة أم كان يوزع الورود والمساعدات الإنسانية بينما كانت قواته تحرق الأخضر واليابس؟ إن محاولة التملص من المسؤولية الجنائية والأخلاقية عبر النفي المطلق، هي سقطة أخلاقية تضاف إلى سقطاته العسكرية، وإن دماء الأبرياء الذين سقطوا، وآهات المعذبين، ودموع المهجرين قسريا، وبطون الجوعى في أقاليم السودان الغربية، كلها تقف شاهدة على حقبة سوداء كان السافنا أحد صُناعها وحراسها. إن هذه الجراح الغائرة لا تُعالج بتصريح صحفي مقتضب، ولا تُغسل بماء الادعاءات الكاذبة، فالمسؤولية القيادية تلزمه أخلاقيا وقانونيا بكل ما اقترفته القوات التي كان ينتمي إليها ويقودها. ولإكمال رسم لوحة البطل التراجيدي المستهدف، لم يفوت السافنا الفرصة للحديث عن التضحيات الشخصية الجسيمة التي قدمها في سبيل مهمته السرية، مشيرا إلى تعرضه لسبع وأربعين إصابة، بالإضافة إلى نجاته من محاولات اغتيال متكررة. مرة أخرى، تبرز الأرقام الدقيقة والمبالغ فيها لتضفي مسحة من الأكشن الرخيص على الرواية، سبع وأربعون إصابة، إننا لا نتحدث هنا عن قائد عسكري بشري من لحم ودم، بل نتحدث عن بطل من أبطال الأساطير الإغريقية أو شخصية كرتونية لا تقهر. إن هذه الدراما المفتعلة تهدف في المقام الأول إلى استدرار العطف، ومحاولة إقناع الرأي العام بأن انشقاقه لم يكن هروبا من سفينة غارقة، بل كان تتويجا لمسيرة من العذاب والتضحية المزعومة، ولكن المبالغة في سرد هذه التفاصيل تأتي بنتيجة عكسية، حيث تسلط الضوء على عمق الأزمة النفسية التي يعيشها هؤلاء العائدون، ومحاولاتهم المستميتة لإثبات ولائهم الجديد بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب المنطق والعقل. وفي محاولة يائسة للعب على الوتر الإقليمي والقبلي، يتنصب السافنا في ختام مسرحيته متحدثا رسميا باسم سكان دارفور، مدعيا أنهم يرفضون التمرد ويتطلعون إلى وصول القوات المسلحة لفرض الأمن في الإقليم. ورغم أن هذا الموقف هو بالفعل موقف الغالبية العظمى من أبناء دارفور الشرفاء الذين عانوا ويلات الحرب والتمرد أكثر من غيرهم، إلا أن المفارقة الصارخة تكمن في هوية المتحدث نفسه، فمن المثير للاشمئزاز أن يخرج الرجل الذي كان حتى الأمس القريب جزءا أصيلا من الآلة العسكرية التي دمرت دارفور وسببت لها كل هذا الشقاء، ليتحدث اليوم بلسان ضحاياه ويمثل تطلعاتهم، إنها ذروة الانتهازية السياسية ومحاولة تسلق معاناة الآخرين لحجز مقعد في قطار التسويات القادمة. إن أهل دارفور وكردفان يمتلكون من الوعي ما يكفي ليميزوا بين أبنائهم المخلصين الذين وقفوا معهم في أحلك الظروف، وبين أولئك الذين حملوا السلاح ضدهم، ثم عادوا اليوم ليرتدوا ثياب الواعظين ويطالبوا باستكمال الترتيبات الأمنية لضمان بقائهم في المشهد العسكري والسياسي. إن الدعوة التي يطلقها السافنا لتوحيد التشكيلات العسكرية تحت مظلة جيش واحد، وإن كانت في ظاهرها تبدو دعوة وطنية صحيحة ومطلوبة، إلا أنها في باطنها، وعندما تصدر من شخصية بهذا التاريخ، تبدو وكأنها محاولة لتأمين المستقبل الشخصي وحماية المكتسبات، أكثر من كونها إيمانا حقيقيا بمؤسسية الدولة، إذ كيف لمن عاش وترعرع في كنف الميليشيات خارج إطار القانون والنظام العسكري المنضبط، أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى داعية للمؤسسية والاحترافية العسكرية؟ إن الجيش الوطني الواحد لا يُبنى بإعادة دمج قادة الميليشيات الذين تلوثت أيديهم بالدماء، بل يُبنى على أسس من المحاسبة والشفافية والعدالة الانتقالية التي تضمن عدم تكرار مآسي الماضي. في الختام.. يجب أن يدرك المليشي السافنا، وكل من يسير على دربه من محاولي تزوير التاريخ الحديث، أن محكمة الوعي الشعبي لا ترحم، وأن أوراق التوت التي يحاولون ستر عوراتهم السياسية والعسكرية بها قد سقطت منذ زمن بعيد. إن البطولة الوطنية ليست معطفا يتم ارتداؤه وخلعه حسب اتجاه الريح وتغير موازين القوى، بل هي موقف مبدئي ثابت يُدفع ثمنه غاليا من الدماء والتضحيات الحقيقية والصادقة في سبيل رفعة الوطن وحماية مواطنيه. السافنا اليوم يقف عارياً أمام الحقيقة، تصريحاته الكاذبة ورواياته المهلهلة عن العمل الاستخباري وإدخال المدافع الوهمية، ومحاولاته التنصل من تاريخ مليء بالدماء والتهجير القسري، لم تنجح سوى في تحويله إلى مادة للتندر والسخرية المريرة في أوساط السودانيين. إن الدماء التي أريقت في دارفور وكردفان، والأرواح التي أُزهقت ظلما وعدوانا، لن تمنح صكوك الغفران لمن تلطخت أيديهم بها بمجرد وقوفهم أمام كاميرات الصحافة وتلاوتهم لبيانات الانشقاق المصاغة بركاكة. سيظل السافنا في الذاكرة الجمعية السودانية مثالا صارخا للانتهازية العسكرية ومحاولة صناعة الأبطال الزائفين، وسيكتب التاريخ في صفحاته السوداء أن ميليشيا حاول ذات يوم أن يستغفل أمة بأكملها، فكان رده الصدى من حناجر الضحايا صوتا يرفض التزييف ويتمسك بالقصاص العادل والذاكرة التي لا تموت. أما الأبطال الحقيقيون، فهم أولئك المرابطون في خنادق الشرف، والمدنيون الصامدون تحت ويلات الحرب، الذين لم يساوموا يوما على تراب هذا الوطن ولم يتاجروا بدمائه في بورصة التصريحات الإعلامية والمناورات الرخيصة.
|
|