السودان الجديد ليس مقعداً في حوار السودان القديم: تعقيب علي الواثق كمير حول تأسيس وشرعية الثورة وحد

السودان الجديد ليس مقعداً في حوار السودان القديم: تعقيب علي الواثق كمير حول تأسيس وشرعية الثورة وحد


10-16-2026, 07:14 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1792174494&rn=0


Post: #1
Title: السودان الجديد ليس مقعداً في حوار السودان القديم: تعقيب علي الواثق كمير حول تأسيس وشرعية الثورة وحد
Author: خالد كودي
Date: 10-16-2026, 07:14 PM

07:14 PM October, 16 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر




السودان الجديد ليس مقعداً في حوار السودان القديم: تعقيب علي الواثق كمير حول تأسيس وشرعية الثورة وحدود التفاوض
1-2

16/10/2026 خالدي كودي، بوسطن

مدخل: حين يصبح الخلاف حول شرعية الثورة لا حول شرعية السلاح
في مقاله المعنون (حول تأسيس والسودان الجديد: تعقيب على خالد كودي)، المنشور بتاريخ 10 أكتوبر 2026، يقدم الواثق كمير مرافعة سياسية وفكرية تستحق المناقشة، ليس فقط لما تثيره من أسئلة حول تحالف تأسيس وحكومته المدنية، وإنما لأنها تكشف عن معضلة أعمق في الفكر السياسي السوداني: كيف يمكن لنخب تعترف بالمظالم التاريخية التي تأسست عليها الدولة، وتقر بضرورة تغييرها، أن تعود عند لحظة التغيير الفعلية إلى الدفاع عن الإجراءات والمؤسسات والمفاهيم التي ساهمت في استمرار تلك المظالم؟
هذه المعضلة هي جوهر خلافنا مع الدكتور الواثق، وليست مجرد اختلاف حول الترتيبات الإجرائية للحوار أو الصفة القانونية لحكومة تأسيس.
يؤكد الدكتور الواثق أنه لا يدافع عن السودان القديم، ولا يمنح سلطة بورتسودان شرعية ديمقراطية، ولا ينكر حق القوى المرتبطة بتحالف تأسيس في المشاركة السياسية. لكنه يرفض التعامل مع حكومة تأسيس بصفتها المؤسسية، ويعتبر أن إنشاء حكومة في ظل الحرب لا يمنحها شرعية سياسية، وأن امتلاك السلاح والسيطرة على الأرض لا ينبغي أن يتحولا إلى مصدر لحقوق سياسية إضافية.
ويمضي أبعد من ذلك حين يشكك في التمييز بين السلاح الثوري والسلاح الذي يحمي الامتيازات التاريخية، ويطالب بالفصل الوظيفي بين المسارين العسكري والسياسي، ويضع المبادئ فوق الدستورية، بما فيها قضايا الهوية والمواطنة والحقوق، ضمن المسائل التي ينبغي أن تخضع للتوافق الوطني والحوار الدستوري.
وفي معرض دفاعه عن هذا التصور، يطرح سؤالاً يبدو ديمقراطياً في ظاهره: من فوّض حكومة تأسيس لتمثيل مشروع السودان الجديد؟ ويؤكد أن السودانيين أنفسهم هم الذين ينبغي أن يقرروا مستقبل دولتهم، لا الأطراف المسلحة أو التحالفات التي نشأت أثناء الحرب.
هذه، باختصار، أهم مرتكزات مقاله.
غير أن المشكلة ليست في مشروعية الأسئلة، فكثير منها مشروع وضروري، وإنما في الافتراضات التاريخية والسياسية التي تقوم عليها، وفي النتائج التي تفضي إليها عندما تُطبَّق على واقع سوداني لم تتساوَ فيه القوى الاجتماعية يوماً في امتلاك الدولة أو في فرص تقرير مصيرها، ولنناقش هذا:
فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان السلاح يمنح الشرعية، وإنما لماذا يُطلب من الذين حملوا السلاح لمقاومة حرمانهم من الحقوق أن يتخلوا عن نتائج نضالهم، ويعيدوا طرح تلك الحقوق نفسها للتفاوض مع القوى التي استخدمت سلاح الدولة تاريخياً لمنعهم من ممارستها؟
وليس الخلاف حول ما إذا كان السودانيون يجب أن يقرروا مستقبلهم؛ فذلك حق لا خلاف عليه. إنما الخلاف حول ما إذا كانت المساواة والحرية والكرامة الإنسانية حقوقاً أصيلة لجميع السودانيين، أم مجرد مقترحات سياسية تنتظر موافقة مؤتمر تحدد موازين القوى فيه إمكانية إقرارها أو رفضها.
هنا يقع التناقض الأساسي في أطروحة الاخ الواثق: فهو يقر بالحاجة إلى إعادة تأسيس الدولة، لكنه يجعل المبادئ التي يقوم عليها هذا التأسيس قابلة لإعادة التفاوض؛ ويعترف بأن الدولة القديمة أنتجت الحروب، لكنه لا يقدم ضمانات تحول دون احتفاظ القوى التي ورثت مؤسساتها بالقدرة على تعطيل التغيير؛ ويرفض منح الشرعية للسيطرة العسكرية، لكنه لا يفحص بالقدر نفسه كيف أصبحت السيطرة على مؤسسات الدولة القديمة مصدراً للامتياز السياسي والاعتراف المؤسسي.
ولذلك فإن خلافنا ليس بين من يؤمن بالسلام ومن يؤمن بالحرب، ولا بين المدني والعسكري، وإنما بين تصورين للدولة والسلام والعدالة: تصور يجعل الحقوق الأساسية نقطة انطلاق لا يجوز النزول عنها، وتصور يجعلها موضوعاً لمفاوضات مفتوحة، قد تعيد إنتاج علاقات القوة التي ثار الناس ضدها.

أولاً: السودان القديم والسودان الجديد — الخلاف في طبيعة الدولة لا في صفة حامل السلاح
يحاول الواثق كمير نفي أن يكون خلافنا متعلقاً بالسودان القديم والسودان الجديد، ويعتبر هذا التمييز ثنائية مصطنعة، بحجة أنه نفسه يدعو إلى إعادة بناء الدولة ومعالجة جذور أزمتها.
لكن الاعتراف النظري بضرورة التغيير لا يكفي لإزالة الخلاف بين مشروعين سياسيين. فالاختلاف بين المشاريع لا يُقاس بما تعلنه من غايات عامة، وإنما بالمبادئ التي تلتزم بها، وبالقوى الاجتماعية التي تمثل مصالحها، وبالوسائل والضمانات التي تعتمدها لتحقيق تلك الغايات.
لقد ظل السودان القديم، منذ الاستقلال، أكثر من مجرد نظام سياسي يمكن تغييره بانتخابات أو انقلاب. إنه بنية تاريخية تشكلت عبر علاقات غير متكافئة بين المركز والأقاليم، وعبر تعريف انتقائي للهوية الوطنية، وتوزيع غير عادل للسلطة والثروة، وتوظيف مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والقانون والتعليم والإدارة، لإعادة إنتاج تلك العلاقات.
لم تكن الحروب في جنوب السودان وجبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور حوادث منفصلة عن هذه البنية. لقد كانت، في جانب جوهري منها، نتائج لصراع طويل حول تعريف الدولة ومن يملكها، وحول من يُعترف به مواطناً كامل الحقوق، ومن يُطلب منه أن يتكيف مع هوية سياسية وثقافية صيغت من دونه.
أما مشروع السودان الجديد، كما تطور في فكر الحركة الشعبية لتحرير السودان اليوم، وكما يحمله ويبشر به جماهيرها، فلا يقوم على مجرد استبدال حكام بحكام، وإنما على إعادة تعريف الدولة نفسها: دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وعدم التمييز، والاعتراف بالتعدد القومي والثقافي والديني، والفصل المؤسسي بين الدين والدولة أي العلمانية، والعدالة التاريخية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، واللامركزية، والوحدة الطوعية، وضمان الحقوق والحريات الأساسية.
ومن هذا المنظور، لا تُختزل المسألة في كون الطرف الذي يحمل هذه الرؤية مدنياً أو عسكرياً. فقد تحمل قوة مدنية مشروعاً استبدادياً، وقد تنشأ حركة مسلحة من مقاومة حرمان تاريخي من الحقوق.
لا يمنح ذلك الحركة المسلحة حصانة أخلاقية أو سياسية، ولا يجعل كل ما تفعله مشروعاً، لكنه يمنع أيضاً استخدام صفتها العسكرية لإبطال عدالة مطالبها أو إنكار تاريخ نضالها.
وهنا يفيدنا التمييز الذي أشرنا اليه مرارا والذي قدمه الفيلسوف السياسي فرانز فانون في كتابه معذبو الأرض (1961)، بين العنف بوصفه أداة للسيطرة الاستعمارية والعنف الذي ينشأ في سياق مقاومة تلك السيطرة. لم يكن فانون يقرر أن كل عنف تحرري عادل في نتائجه، بل كان يكشف عن خطأ عزل فعل المقاومة عن البنية التاريخية للعنف التي سبقته وأنتجته.
وبالمثل، لا يمكن تحليل المقاومة المسلحة في الهامش السوداني كما لو أنها ظهرت في فراغ سياسي، أو كانت مجرد رغبة في الوصول إلى السلطة.
لقد سبقت بندقية الدولة بندقية المقاومة في مناطق الهامش، وسبقت سياسات الإقصاء مطالب الانفصال أو تقرير المصير، وسبق احتكار السلطة والثروة التمرد على هذا الاحتكار.
ومن ثم فإن مساواة الطرفين لمجرد امتلاكهما السلاح تُلغي التاريخ من التحليل، وتحوّل الاختلاف بين الدفاع عن الامتيازات ومقاومة الحرمان إلى اختلاف شكلي وسطحي بين قوتين عسكريتين.
ومع ذلك، يجب أن يبقى المعيار واحداً في مساءلة الجميع عن الانتهاكات بحق المدنيين. فعدالة القضية لا تعفي حاملها من المسؤولية، كما أن ارتكاب الانتهاكات لا يمحو بالضرورة عدالة الحقوق التي يناضل الناس من أجلها. الخلط بين الأمرين يضر بالعدالة وبالتحليل السياسي معاً.

ثانياً: ثورة الهامش لم تحمل السلاح لتفتح باباً جديداً للمساومة على الحقوق
يطرح الواثق سؤالاً يقول فيه: "من يقرر أن هذا سلاح ثوري وذاك سلاح امتيازات؟"
والإجابة أن التاريخ، وطبيعة المشروع السياسي، وعلاقات القوة التي نشأ السلاح في سياقها، والممارسة الفعلية لحامليه، هي التي تسمح لنا بالتمييز بين الأدوار السياسية المختلفة للقوة المسلحة.
فليس كل من يحمل السلاح ثورياً، وليس كل من ينتسب إلى مؤسسة عسكرية حارساً للامتيازات. لكن ذلك لا يعني أن جميع الحروب متساوية في أسبابها وأهدافها، أو أن الباحث مطالب بالتخلي عن التحليل التاريخي بمجرد أن يجد طرفين يحملان السلاح، ولا مش كده؟
لقد شهد السودان حروباً ارتبطت بمطالب التحرر من التمييز والإقصاء، كما شهد حروباً ارتبطت بالصراع على السلطة داخل المركز نفسه. والتمييز بين الحالتين ليس حكماً أخلاقياً مستمداً من ادعاءات المتحاربين، وإنما مسألة بحث تاريخي وسياسي.
لقد نشأت الحركة الشعبية لتحرير السودان في سياق أزمة الدولة السودانية، وطرحت منذ تأسيسها مشروعاً لإعادة بناء السودان كله، لا مجرد المطالبة بحصة إقليمية في السلطة. وتطورت رؤيتها في مواجهة سياسات فرض الهوية الواحدة، والتهميش الاقتصادي والسياسي، واستخدام الدين في التشريع وإضفاء الشرعية على الحكم.
وحين انقسمت البلاد، لم تنتهِ هذه الأزمة في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور. فبقيت مطالب المواطنة المتساوية والاعتراف بالتنوع والعدالة في توزيع الموارد والسلطة قائمة، واستمرت النزاعات المسلحة بأشكال مختلفة.
لم يكن حمل السلاح بالنسبة إلى شعوب الهامش السوداني خياراً أولياً، بل جاء نتيجة تاريخ طويل من التهميش والإقصاء، وفشل الوسائل السلمية والمؤسسات السياسية في إنصاف هذه الشعوب والاستجابة لمطالبها المشروعة، فضلاً عن لجوء الدولة إلى القوة العسكرية لقمع مقاومتها ومطالبها بالحقوق المتساوية.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية يغفل الواثق كمير عن دلالاتها: فقد استعانت قوى سياسية ومدنية سودانية بالمؤسسة العسكرية للاستيلاء على السلطة، وفرض مشاريعها الأيديولوجية، وحماية امتيازاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكنها، في المقابل، تطعن اليوم في الشرعية السياسية للقوى التي اضطرت إلى حمل السلاح لمقاومة تلك المشاريع وانتزاع حقوقها. وهكذا يصبح السلاح، في منطق هذه القوى، مقبولاً حين يُستخدم لحماية السلطة والامتيازات، ومبرراً لنزع الشرعية حين يُستخدم لمقاومة الظلم والمطالبة بإعادة تأسيس الدولة على قواعد المواطنة المتساوية والعدالة!!!
فقد استعانت حكومات مدنية وعسكرية، على اختلاف توجهاتها، بالقوة المسلحة في إدارة النزاعات مع الأطراف، كما استخدمت الحركة الإسلامية انقلاب يونيو 1989 لتأسيس مشروعها السلطوي، ثم سخرت أجهزة الدولة والقوات النظامية والتعبئة الدينية لخدمة ذلك المشروع.
ولم تكن حروب الجهاد التي أعلنها النظام الإسلامي في جنوب السودان وجبال النوبة مجرد عمليات عسكرية؛ فقد ارتبطت بخطاب أيديولوجي أعاد تعريف الحرب بوصفها واجباً دينياً ووطنيا، وأضفى على الصراع السياسي والثقافي طابعاً عقائدياً. وكانت النتيجة تعميق الانقسام الوطني، وتوسيع نطاق الانتهاكات، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لإعادة هندسة المجتمع.
فكيف يمكن، بعد هذا التاريخ، أن نناقش سلاح المقاومة بمعزل عن سلاح الدولة، أو أن نجعل صفة المدني والعسكري معياراً كافياً للحكم على عدالة المشروع السياسي؟
لقد واجهت ثورات التحرر في أنحاء العالم هذه المعضلة.
ففي الجزائر، لم تنشأ جبهة التحرير الوطني لأن الجزائريين كانوا يفضلون الحرب على السياسة، وإنما لأن الاستعمار الفرنسي أقام نظاماً لا يتيح للمستعمَرين مساواة فعلية في تقرير مصيرهم. وفي جنوب أفريقيا، لم يكن انتقال قطاعات من المؤتمر الوطني الأفريقي إلى المقاومة المسلحة عام 1961 انفصالاً عن مشروع المساواة، وإنما جاء بعد عقود من النضال السلمي والقمع العنصري، وفي سياق إغلاق مساحات العمل السياسي.
وقد أوضح نيلسون مانديلا في مرافعته الشهيرة أمام المحكمة في ريفونيا عام 1964 أن اللجوء إلى العمل المسلح جاء بعد دراسة الخيارات المتاحة في مواجهة القمع. ولم يجعل مانديلا السلاح غاية في ذاته؛ فقد ظل هدفه المعلن إقامة مجتمع ديمقراطي يعيش فيه الجميع على قدم المساواة.
هذه التجارب لا تمنح الحركات المسلحة المعاصرة شرعية تلقائية، لكنها تقدم درساً تاريخياً للنخب: لا يجوز اختزال مقاومة الظلم في وسيلتها، ثم تجاهل البنية التي جعلت تلك الوسيلة جزءاً من الصراع بل والخيار الأوحد في معظم الأحيان،
ولعل المفكر والمناهض للعبودية فريدريك دوغلاس قد عبّر عن هذه الحقيقة بوضوح حين قال في خطابه عام 1857
"السلطة لا تتنازل عن شيء دون مطالبة. لم تفعل ذلك قط، ولن تفعل"
وأكد في الخطاب نفسه أن النضال قد يكون أخلاقياً أو مادياً أو يجمع بينهما، لكنه يظل نضالاً...
لا ينبغي فهم هذه المقولة باعتبارها تمجيداً للعنف، بل باعتبارها نقداً لفكرة أن أصحاب الامتيازات يتخلون عنها تلقائياً بمجرد إقناعهم أخلاقياً، ولا شنو؟
وهذا هو الدرس الذي تعلمته شعوب الهامش السوداني عبر أجيال من النضال.
لم تناضل الحركة الشعبية من أجل الحصول على دعوة إلى مؤتمر يناقش ما إذا كان مواطن جبال النوبة أو النيل الأزرق يستحق المساواة مع غيره. لقد ناضلت لأن هذه المساواة حق أصيل، ولأن الدولة القائمة رفضت الاعتراف العملي به وضمانه.
وهنا ايضا يبرز اختلافنا مع الاخ الواثق. فهو ينظر إلى الحوار باعتباره الطريق الذي يمكن من خلاله إقرار أسس الدولة الجديدة. أما نحن فنرى أن هناك حقوقاً ومبادئ لا يستمد وجودها من الحوار أصلاً؛ وإنما ينبغي أن يكون الحوار وسيلة لتحديد كيفية حمايتها وترجمتها إلى مؤسسات وضمانات دستورية.

ثالثاً: المبادئ فوق الدستورية — هل المساواة موضوع للتفاوض أم أساس له؟
تبلغ أطروحة الاخ الواثق كمير إحدى أكثر نقاطها إثارة للخلاف عندما يرى أن المبادئ فوق الدستورية تحتاج إلى توافق وطني حول مضمونها ومصدر إلزاميتها، وأن إقرارها قبل العملية الدستورية يستوجب النقاش. ويبدو هذا الطرح منسجماً مع الديمقراطية الإجرائية، لكنه يتجاهل حقيقة أساسية: الديمقراطية لا تعني إخضاع الحقوق الإنسانية الأساسية لإرادة الأغلبية، بل تقوم أصلاً على الاعتراف بهذه الحقوق وحمايتها من تعسف السلطة والأغلبية معاً.
فليس من حق أي مؤتمر سياسي أن يقرر ما إذا كانت جماعة مهمشة، أو أقلية دينية أو ثقافية أو قومية، تستحق المساواة. ولا يجوز أن تصبح حرية الاعتقاد أو الحق في الحياة والكرامة وعدم التمييز موضوعاً للمساومة بين القوى السياسية. فهذه حقوق أصيلة، لا يمنحها مؤتمر ولا تسقطها أغلبية.
وقد تناول الفيلسوف جون رولز، في كتابه نظرية في العدالة (1971)، أولوية الحريات الأساسية، مؤكداً أن العدالة لا تسمح بالتضحية بحقوق الأفراد لمجرد تحقيق منفعة أكبر للأغلبية. وطور رونالد دوركين هذه الفكرة بالنظر إلى الحقوق باعتبارها ضمانات في مواجهة القرارات السياسية التي قد تتخذها الأغلبية على حساب الأفراد. أما يورغن هابرماس، فقد ربط الشرعية الديمقراطية بالمشاركة المتساوية في صنع القانون، وهي مشاركة لا تستقيم ما لم تكن الحقوق التي تضمنها قائمة ابتداءً.
وعليه، فالسؤال ليس ما إذا كان السودانيون سيتفقون على المساواة، بل بأي حق يُطلب من بعض السودانيين انتظار موافقة الآخرين للاعتراف بمساواتهم؟ وهل يجوز أن ينعقد مؤتمر ليقرر إن كان المسلم أو المسيحي أو غير المؤمن يستحق حرية الاعتقاد، أو إن كان مواطن جبال النوبة أو النيل الأزرق أو دارفور يتمتع بالحقوق نفسها التي يتمتع بها غيره؟ الإجابة قاطعة: لا، قطعا لا.
وهنا ينبغي التمييز بين الحقوق الإنسانية الأساسية، التي لا تقبل المساومة؛ والمبادئ الدستورية الضامنة لها، مثل استقلال القضاء وسيادة القانون وخضوع الجيش للسلطة الدستورية؛ والترتيبات المؤسسية، كتوزيع السلطات والنظام الانتخابي وشكل الحكم، وهي مسائل مشروعة للتفاوض الديمقراطي.
أما العلمانية، القائمة على الفصل بين الدين والدولة، فهي في مشروع السودان الجديد مبدأ فوق دستوري غير قابل للمساومة أو التفاوض، لارتباطها المباشر بحرية الاعتقاد والضمير والمواطنة المتساوية وعدم التمييز على أساس الدين. وكذلك ترتبط الوحدة الطوعية وحق تقرير المصير برفض الإكراه السياسي والقومي. ويمكن مناقشة الآليات الدستورية لتنفيذ هذه المبادئ وضمان ممارستها، لكن لا يجوز التفاوض على جوهرها أو التراجع عنها، لأن ذلك يعني إعادة إخضاع الحقوق والحريات الأساسية لإرادة القوى السياسية وموازين السلطة.
فالمبادئ فوق الدستورية ليست وسيلة لفرض إرادة تحالف سياسي، وإنما ضمانات تحول دون إعادة إنتاج التمييز والاستبداد باسم الأغلبية أو الشرعية الدستورية. وقد جسدت ألمانيا هذا المبدأ بعد التجربة النازية، عندما حصّنت المادة 79(3) من قانونها الأساسي مبادئ دستورية جوهرية، بما فيها حماية كرامة الإنسان والأسس الديمقراطية، من التعديل حتى بالأغلبية البرلمانية.
والدرس واضح: ليست كل القضايا قابلة للتصويت، لأن الديمقراطية التي تسمح بإلغاء الحقوق المؤسسة لها تستطيع أن تتحول إلى أداة لهدم نفسها.
ومن هنا يتضح جوهر خلافنا مع الواثق: لقد ناضلت شعوب الهامش السوداني لعقود من أجل انتزاع حقوقها الأساسية، لا من أجل الحصول على فرصة جديدة للتفاوض حول استحقاقها لهذه الحقوق. فكيف يُطلب منها اليوم أن تعيد إخضاع حرياتها ومساواتها لموازين القوى السياسية نفسها التي ساهمت تاريخياً في حرمانها منها؟
إن وظيفة الحوار التأسيسي ليست تقرير ما إذا كان السودانيون متساوين، بل الاتفاق على كيفية بناء دولة تجعل هذه المساواة حقيقة دستورية ومؤسسية لا تستطيع أي سلطة أو أغلبية انتهاكها.

رابعاً: لو انتظر المستعبدون تصويت المستعبِدين على حريتهم
تكشف تجربة النضال ضد العبودية والتمييز العنصري في الولايات المتحدة عن مأزق الديمقراطية حين تُختزل في التصويت والتوافق، وتُفصل عن العدالة والحقوق الأساسية. فقد تأسست الجمهورية الأمريكية على إعلان الحرية والمساواة، بينما أبقت تسوياتها الدستورية والسياسية على العبودية، وحمت مصالح القوى التي استفادت منها. ولم يكن ذلك تناقضاً أخلاقياً عابراً، بل خللاً بنيوياً سمح باستخدام مؤسسات الدولة والقانون لحماية الاستعباد.
ولو انتظر المستعبدون موافقة مالكي العبيد على حريتهم، لظلت حقوقهم رهينة إرادة القوى المستفيدة من إنكارها. فالعبودية لم تُلغَ بمؤتمر للتوافق بين أطراف متساوية، بل عبر نضال طويل خاضه المستعبدون ومناهضو العبودية، وصراع سياسي وحرب أهلية، انتهت بإقرار التعديل الدستوري الثالث عشر عام 1865. ثم جاء التعديلان الرابع عشر والخامس عشر لتكريس المساواة القانونية وحماية حقوق التصويت، دون أن يمنعا لاحقاً نشوء أنظمة الفصل العنصري والحرمان من الحقوق السياسية. وقد تطلب تفكيك هذه الأنظمة نضالات جديدة أفضت إلى قانون الحقوق المدنية عام 1964 وقانون حقوق التصويت عام 1965
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق تأمل الواثق كمير وغيره من المثقفين والأكاديميين وقادة الرأي السودانيين: كيف يمكن مطالبة ضحايا التمييز بإخضاع حقوقهم الأساسية لتوافق سياسي تشارك في تحديده قوى ارتبطت مصالحها تاريخياً ببقاء البنية التي أنتجت ذلك التمييز؟ فالمشكلة ليست في الحوار ذاته، وإنما في تحويل الحقوق إلى موضوع للمساومة بين أطراف غير متكافئة، بعضها يسعى إلى إنهاء الامتيازات، وبعضها له مصلحة في استمرارها. وليجاوب الواثق او غيره من دعاة "المؤتمر الدستوري" علي هذه الأسئلة بوضوح.
وقد واجه مارتن لوثر كينغ هذه المعضلة في رسالته من سجن برمنغهام عام 1963، حين انتقد الذين يقرون بعدالة المطالب، لكنهم يرفضون وسائل النضال ويطالبون المضطهدين بانتظار الظروف المناسبة او الوقت المناسب. فقد أدرك أن تأجيل العدالة باسم الاعتدال والتوقيت والتوافق قد يصبح وسيلة أكثر قبولاً لاستدامة الظلم.
ولا يعني ذلك أن التجربة الأمريكية تتطابق مع السودان، بل إن درسها الأساسي يتجاوز اختلاف السياقات: الحقوق الإنسانية لا تستمد مشروعيتها من موافقة القوى التي تنكرها، ولا يجوز أن تصبح المساواة ثمناً لتسوية سياسية، وليكن هذا واضحا.
وحين يقول الأخ الواثق كمير إن المواطنة المتساوية والحقوق الأساسية "يمكن أن تكون موضع توافق واسع"، فإن السؤال الحاسم هو: ماذا لو لم يتحقق هذا التوافق؟ ماذا لو أصرت قوى نافذة على الامتياز الدستوري للهوية العربية الإسلامية، أو رفضت المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن الدين والمعتقد والأصل؟ هل تُعلَّق هذه الحقوق حتى تنضج التسوية، أم يُعترف بأن رفضها يتعارض أصلاً مع شروط الدولة الديمقراطية؟
إن الحق الذي يتوقف على موافقة من ينكره ليس حقاً مضموناً، بل امتيازاً تمنحه موازين القوة وتسحبه متى شاءت
ولهذا لم تناضل شعوب الهامش من أجل أن يسمح لها المركز بالمشاركة في مؤتمر يقرر أهليتها للمساواة، بل من أجل إنهاء سلطة الدولة التي جعلت المساواة نفسها موضوعاً للمنح والمنع. وهذه هي المسافة الجوهرية بين حوار يعيد إنتاج السودان القديم، وحوار تأسيسي ينطلق من الحقوق غير القابلة للمساومة لبناء السودان الجديد.

خامساً: ميثاق تأسيس — من المطالبة بالإصلاح إلى إعلان أسس الدولة البديلة
يتساءل الاخ الواثق كمير عن أحقية حكومة تأسيس في تمثيل مشروع السودان الجديد، مؤكداً أن هذا المشروع سابق على التحالف، ولا تملكه جهة بعينها، وأن مشاركة الحركة الشعبية فيه لا تمنحه حق احتكار تمثيله.
ونتفق معه في أن مشروع السودان الجديد ليس ملكية حصرية لأي تنظيم أو حكومة، ولا يبدأ تاريخه بتشكيل تحالف تأسيس عام 2025. لكن هذه الحقيقة لا تنفي حق القوى المؤمنة به في تنظيم نفسها، وصياغة مواثيقها، وإنشاء مؤسسات سياسية تسعى إلى تحويل مبادئه إلى واقع.
لقد أعلن تحالف تأسيس، في ميثاقه التأسيسي ودستوره الانتقالي لعام 2025، التزامه بإقامة دولة علمانية ديمقراطية لامركزية، تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والمحاسبة التاريخية والاعتراف بالتعدد، وبناء جيش وطني مهني واحد جديد يخضع للسلطة المدنية، والحق علي تقرير المصير. وهذه المبادئ، لا أسماء التنظيمات ولا تاريخ نشأتها، هي المعيار الذي يحدد انتماء أي مشروع سياسي إلى رؤية السودان الجديد. فأي قوة تتبناها وتلتزم بتحقيقها يمكن أن تكون جزءاً من هذا المشروع، أما من يفرغها من مضمونها، يسوفها أو يؤجل إقرارها باسم التوافق السياسي، فلا يكفي ادعاؤه الإصلاح لاعتبار مشروعه امتداداً للسودان الجديد، ولاشنو؟
ومن المشروع مساءلة تحالف تأسيس عن قدرته على تنفيذ التزاماته، والتناقضات بين مكوناته، وممارسات القوى المسلحة المنضوية فيه. لكن ينبغي التمييز بين نقد هذه الممارسات ونفي الأهلية السياسية عن التحالف بسبب الخلفيات التاريخية لبعض أطرافه. فالتحالفات السياسية، بما فيها حركات التحرر الوطني في كل مكان، كثيراً ما جمعت قوى مختلفة المنشأ والتجربة حول أهداف مشتركة، والسودان ليس استثناء.
وفي هذا السياق، فإن إشارة الواثق إلى نشأة الدعم السريع داخل بنية السودان القديم صحيحة تاريخياً، ولا يجوز إسقاط المسؤولية عن الانتهاكات المرتبطة بتلك النشأة. غير أن التقييم السياسي لا يتوقف عند الماضي وحده، بل يشمل طبيعة التحول المعلن، ومدى الالتزام به، والممارسة الفعلية، والاستعداد للمساءلة والإصلاح وفقا للشروط التي تبناها. فتبني ميثاق ديمقراطي لا يجعل القوة ديمقراطية تلقائياً، كما أن تاريخها السابق لا يكفي وحده للحكم باستحالة تحولها. المعيار هو مدى الاتساق بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية، لا مجرد الصفة العسكرية أو المدنية لحامل المشروع.
إن اشتراط التفويض الانتخابي للاعتراف بأهلية حكومة تأسيس السياسية يخلط بين تمثيل مشروع سياسي وادعاء تمثيل الشعب السوداني بأكمله. فالأول يستند إلى تبني المبادئ والعمل على تحقيقها، أما الثاني فيتطلب تفويضاً ديمقراطياً لا تملكه حكومة تأسيس، ولا تملكه سلطة بورتسودان التي تتحدث باسم الدولة السودانية والشعب السوداني دون أن تكون منتخبة.
وهنا يبرز التناقض في موقف الواثق كمير: فهو يميز نظرياً بين السلطة الفعلية والاعتراف الدولي والشرعية الديمقراطية، لكنه لا يطبق معاييره بالقدر نفسه على الطرفين. فإذا كانت السيطرة العسكرية لا تمنح حكومة تأسيس شرعية تمثيل السودانيين، فلماذا تُعامل سلطة بورتسودان بوصفها المرجعية المؤسسية للدولة رغم افتقارها إلى التفويض الانتخابي ذاته؟ وما الأساس الموضوعي لهذه المفاضلة، إن لم يكن استمرار احتكار مؤسسات الدولة القديمة؟
إن الاعتراف بالوجود السياسي والمؤسسي الفعلي لحكومة تأسيس لا يعني منحها شرعية ديمقراطية مطلقة، وإنما الإقرار بمسؤولياتها تجاه السكان وحق القوى المكونة لها في المشاركة في إعادة تأسيس الدولة، مع إخضاعها للمساءلة والمعايير الديمقراطية نفسها التي ينبغي تطبيقها على سلطة بورتسودان.
فالمعيار لا يجوز أن يكون من ورث مؤسسات الدولة بوضع اليد ومن نشأ خارجها، بل طبيعة المشروع السياسي، واحترام حقوق المواطنين، ومدى الالتزام ببناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية

نواصل المقال في الجزء الثاني.

النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)