Post: #1
Title: ما بين حلم الدجاجتين في الجزائر واحتياجات أشقاء أيقونة المعدّنين في السودان كتبه
كمال الهِدَي
Author: كمال الهدي
Date: 10-16-2026, 07:12 PM
07:12 PM October, 16 2026 سودانيز اون لاين كمال الهدي-عمان مكتبتى رابط مختصر
تأمُلات
تبدو ردة فعلنا كسودانيين، ضعيفة حتى هذه اللحظة، تجاه جريمة الطيران المصري الذي قتل أعداداً كبيرة من المعدّنين السودانيين داخل أرضنا.
وعلى الرغم من التداول الواسع للفيديو الذي ظهر فيه البطل الصغير الطيب الهادي وهو يودع أهله والدنيا كلها بكلمات مؤثرة، فإن ردة الفعل لم تتناسب مع حجم الكارثة.
فلا يكفي أن يكتب كل منا بضع كلمات في رثاء الشهيد، بإذن الله، وبقية من قُتلوا معه جراء غارات الطيران المصري. فالمتوقع في مثل هذه الحالة أكبر بكثير مما شاهدناه وتابعناه خلال الأيام الماضية، على المستويين الرسمي والشعبي.
ولا أدري إن كان بإمكان القانونيين السودانيين تقديم شكوى إلى الجهات الدولية المعنية، أم أننا سنكتفي بالصراخ والتذمر مما حدث.
هذا السؤال متروك للخبراء القانونيين، فلست من العارفين بنصوص القانون الدولي ومواده.
أما على المستوى الشعبي، فتطوف بذهني ردة فعل إخوتنا الجزائريين، وهبتهم هبة رجل واحد استجابة لنداء تلك الفتاة اليتيمة التي لم تكن تحلم سوى بدجاجتين لمناسبة زواجها.
فإذا بأهل المليون شهيد يؤكدون للعالم أجمع أن دماء شهدائهم لم تذهب هباءً منثوراً؛ إذ تداعوا خلال ساعات قليلة، وقدموا للفتاة ما لم يخطر على بالها أو تحلم به.
وفروا مواد غذائية تكفي لإعاشة مدينة كاملة، وتكفلوا بمراسم الزواج في صالة فخمة، وأغدقوا على العروسين من الهدايا ما لم يحلما به.
وأهم ما في الأمر هو سرعة استجابتهم وترجمتهم التعاطف إلى فعل عملي؛ إذ لم يكتفوا بالبوستات والمنشورات واللايفات التضامنية، ولا بمجرد الدعوات، كما يفعل كثير من السودانيين في مثل هذه الحالات.
لقد أكد صناديد الجزائر أن تضحيات أجدادهم أثمرت وطنية وتضامناً وحباً حقيقياً للوطن. أما نحن، فنؤكد كل يوم أن ما يأتي بسهولة يذهب بسهولة أكبر. ولذلك، لا أستبعد أن يُحتل بلدنا من جديد ما دمنا على هذا الحال المائل.
فالتعبير عن الغضب عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يكفي في مواجهة القضايا الكبيرة، لا سيما أن بعضنا صار يستغل كل مصيبة تحل بنا للترويج لنفسه عبر الوسائط، بدلاً من المساهمة الفعلية في إيجاد الحلول أو تقديم العون.
وقد رأيتم جميعاً كيف أن بعض من ذرفوا دموع التماسيح عبر هذه الوسائط، وأظهروا تعاطفاً مصطنعاً مع ضحايا المذبحة، عادوا سريعاً إلى جلسات السمر وتبادل الضحكات في المقاهي، وكأن شيئاً لم يكن.
فكثيرون من هؤلاء يتكسبون من مآسينا، وإلا لما دعموا الدمار والخراب منذ ساعاته الأولى. لكننا لا نريد أن نفهم، وظللنا نتيح لهم المزيد من الفرص للتكسب من مآسينا، بمتابعتهم وتداول لايفاتهم ومنشوراتهم.
الشهيد الطيب، ذلك الطفل الذي كان رجلاً في تحمّله للمسؤولية، رحل عن دنيانا وهو يكابد من أجل توفير لقمة العيش لأشقائه الأيتام. وعلى الرغم من كلماته المؤثرة التي نطق بها في لحظاته الأخيرة، لم يجد منا، حتى اللحظة، أكثر من منشورات التعاطف.
مع أن الطبيعي، لو كنا ذلك الشعب المتضامن الكريم الذي أوصانا أجدادنا بالحفاظ على وطنه والتكاتف من أجله، أن نرى، ولا أقول أن نسمع، عدداً من الميسورين يتكفلون بكامل احتياجات أشقائه الذين تركهم خلفه، من مأكل ومشرب وتعليم وعلاج.
ولكان من الطبيعي أيضاً أن نشهد حملة يشارك فيها كل مواطن سوداني شريف بما يستطيع، ولو بجنيه واحد، من أجل هؤلاء الأيتام الذين فقدوا عائلهم الصغير.
فهذا أقل ما يمكن تقديمه لمن جعلنا منه أيقونة ورمزاً للصمود والتضحية. لكن مشكلتنا دائماً أننا نُكثر من الكلام والشعارات، ثم يختفي معظمنا عند لحظة الفعل. وهنا يكمن الفرق بين الدعم العملي الذي قدمه الجزائريون لفتاة يتيمة أرادت أن تتزوج، والدعم اللفظي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، خصوصاً حين يكون المحتاجون إلى الدعم الحقيقي أطفالاً صغاراً، مثل أشقاء الطيب، رحمه الله.
هذه ليست دعوة لترك المجال للمحتالين كي يتصدوا لمشكلة أشقاء الشهيد ويبدأوا في جمع تبرعات لا يعرف الناس أين ستذهب، وإنما هي مناشدة للخيرين ولكافة أفراد الشعب السوداني الموجودين داخل الوطن، بأن يتواصلوا مع أسرة الشهيد، وينظموا حملة شفافة لدعم أشقائه وتلبية احتياجاتهم بصورة ملموسة.
وهي أيضاً تذكير بأن مشكلات البلد لن تُحل بكثرة المنشورات واللايفات، وإنما تحتاج إلى خطوات عملية ومبادرات حقيقية، وهذا تحديداً ما ينقصنا دائماً.
|
|