تجديد ولاية بعثة تقصّي الحقائق.. هل تفتح الأدلة طريق العدالة وإنصاف الضحايا؟ -(1)

تجديد ولاية بعثة تقصّي الحقائق.. هل تفتح الأدلة طريق العدالة وإنصاف الضحايا؟ -(1)


10-16-2026, 03:05 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1792116350&rn=0


Post: #1
Title: تجديد ولاية بعثة تقصّي الحقائق.. هل تفتح الأدلة طريق العدالة وإنصاف الضحايا؟ -(1)
Author: محمد عبدالله ابراهيم
Date: 10-16-2026, 03:05 AM

03:05 AM October, 15 2026

سودانيز اون لاين
محمد عبدالله ابراهيم-الخرطوم-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






"لا تكفي القرارات الدولية لإنصاف ضحايا الحرب ما لم تتحول إلى التزامات تحمي الحقيقة من الضياع وتصون الأدلة من الاندثار وتفتح الطريق أمام المساءلة وجبر الضرر، فالعدالة ليست مجرد اعتراف بالانتهاكات وإنما مسؤولية تقتضي كشف الحقيقة وتحديد المسؤولين عنها، وضمان ألا تضيع حقوق الضحايا بين استمرار الحرب وتعقيدات السياسة وحدود الاستجابة الدولية".

في الخامس من أكتوبر 2026، اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً بتمديد ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان لعام إضافي بأغلبية 28 دولة مقابل معارضة 10 دول وامتناع 9 عن التصويت.

وجاء القرار في وقت تتواصل فيه الحرب وما يصاحبها من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، مؤكداً ضرورة حماية المدنيين ووقف الأعمال العدائية وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى السكان الذين يواجهون الجوع والحرمان وتدهور الأوضاع الإنسانية في مناطق النزاع بمختلف أنحاء السودان. غير أن أهمية القرار تتجاوز مجرد تمديد ولاية البعثة لتضع جدية الالتزام الدولي بحقوق الضحايا أمام اختبار حقيقي .. "هل تتوافر الإرادة السياسية والموارد والضمانات العملية الكفيلة بتمكين البعثة من كشف الحقيقة وحفظ الأدلة وتحديد المسؤوليات بما يعزز فرص المحاسبة ويصون حق الضحايا في العدالة والإنصاف وجبر الضرر؟".

وتتجلى أهمية هذا الاختبار في ما يعنيه استمرار التحقيق لضحايا الحرب في السودان، فتجديد ولاية البعثة ليس مجرد إجراء أممي يرتبط بمدة زمنية أو ترتيبات مؤسسية وإنما يتصل بحقوق أصيلة لا ينبغي أن تخضع لموازين القوى السياسية أو العسكرية .. فالضحايا الذين فقدوا أمنهم ومنازلهم وسبل عيشهم وتعرضوا لأشكال متعددة من الانتهاكات لا يكتفون بالاعتراف بمعاناتهم، بل يتطلعون إلى مسار مستقل للعدالة يكشف حقيقة ما جرى ويحدد المسؤوليات ويصون حقوقهم في الإنصاف والمساءلة وجبر الضرر، ومن هنا تبرز ضرورة استمرار التحقيق الدولي لحماية الحقيقة من الطمس والحيلولة دون أن تتحول الانتهاكات إلى وقائع محفوظة في الذاكرة الجماعية، بينما يظل المسؤولون عنها بمنأى عن المساءلة القانونية.

وفي هذا السياق رحبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بتجديد ولاية البعثة واتساع التأييد الدولي لاستمرار عملها، لكنها انتقدت عدم اتخاذ خطوات كافية لتعزيز قدراتها على حفظ الأدلة وإعدادها للاستفادة منها في الملاحقات القضائية المستقبلية، وتكشف هذه الملاحظات عن تحدي يتعلق بالفجوة المحتملة بين حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق البعثة والإمكانات المتاحة لتنفيذها خصوصاً مع اتساع نطاق الانتهاكات وتعقيد التحقيقات، فالتأييد الدولي لا يكتسب قيمته الكاملة ما لم يقترن بالتزامات عملية وموارد كافية تمكن البعثة من أداء مهامهم بكفاءة واستقلالية.

وتزداد أهمية هذا الدعم بالنظر إلى أن جمع الأدلة وتوثيقها والتحقق منها وحفظها يمثل جزءاً أصيلاً من ولاية البعثة منذ إنشائها في أكتوبر 2023، إلى جانب تحديد المسؤولين المحتملين عن الانتهاكات استناداً إلى الأدلة المتاحة، وعليه فإن توفير الموارد والخبرات المتخصصة لا يعني توسيع اختصاصات البعثة، وإنما تمكينها من أداء مسؤولياتها القائمة وفق المعايير القانونية والمهنية، بما يعزز فرص الاستفادة من نتائج تحقيقاتها في مسارات العدالة والمساءلة.

وسبقت قرار التجديد مطالبات من عشرات منظمات المجتمع المدني السودانية بتمديد ولاية البعثة لعامين وتوفير الدعم المالي والتقني واللوجستي اللازم لمواصلة تحقيقاتها، وفي أغسطس الماضي دعت هذه المنظمات إلى تعزيز قدرات البعثة ومعالجة التحديات التي تواجه عملها بما يمكنها من إجراء تحقيقات عاجلة بشأن الانتهاكات المرتكبة، وتعكس هذه المطالب أهمية توفير الوقت والموارد اللازمة لتحقيقات دقيقة ومستقلة، فالمعيار الحقيقي لفاعلية التحقيق ليس كثرة الشهادات التي يجمعها أو التقارير التي يصدرها وإنما دقة نتائجه وموثوقية أدلته ومدى صلاحيتها للاستناد إليها في إجراءات المساءلة، ومع استمرار الانتهاكات تزداد ضرورة التحرك العاجل لجمع الأدلة والتحقق منها وحفظها منعاً لضياعها أو تلفها أو تعذر الوصول إليها.

وتبرز أهمية التوثيق الدقيق أيضاً في ظل التدفق الواسع للصور ومقاطع الفيديو والشهادات عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، فرغم دور هذه المواد في كشف الانتهاكات وتسليط الضوء على معاناة المدنيين فإن انتشارها لا يمنحها بالضرورة حجية قانونية، إذ يتطلب الاستناد إليها في إجراءات المساءلة التحقق من مصادرها وتوقيتاتها ومواقعها وسلامتها من التلاعب ومقارنتها بمعلومات وشهادات مستقلة تعزز موثوقيتها .. فثمة فارق جوهري بين توثيق الانتهاكات للرأي العام وإثباتها وفق معايير قانونية تتيح تحديد المسؤوليات وملاحقة مرتكبيها، ولا تقف أهمية الأدلة عند حدود المساءلة الجنائية، بل تمتد إلى دعم حقوق الضحايا في الانتصاف وجبر الضرر.

ولاول مرة تضمن قرار تجديد ولاية البعثة إشارة صريحة إلى أهمية حفظ الأدلة لأغراض المساءلة بما يشمل سبل الانتصاف وجبر الضرر مستقبلاً، وتكتسب هذه الإضافة أهمية خاصة في السودان، حيث خلفت الحرب أضراراً واسعة طالت حياة ملايين المدنيين وأمنهم وممتلكاتهم وسبل عيشهم، فهي تعزز الصلة بين توثيق الانتهاكات وحقوق المتضررين وتتيح الاستفادة من الأدلة في تحديد طبيعة الأضرار وآثارها ودعم المطالبات القانونية بجبرها.

وبذلك يمكن أن يشكل حفظ الأدلة أساساً لمسارين متكاملين للعدالة، المسار الاول مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات والثاني تمكين الضحايا من المطالبة بالتعويض ورد الحقوق وإعادة التأهيل وضمانات عدم التكرار، غير أن هذا الاعتراف يستوجب تطوير مسارات قانونية ومؤسسية مستقلة وفعالة لجبر الضرر وتوفير الموارد والضمانات اللازمة لتمكين المتضررين من الوصول إلى العدالة والحصول على الإنصاف .. فجبر الضرر ليس منحة تقدم للضحايا وإنما حق أصيل، ولا تكتمل العدالة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وحدها ما لم تقترن المساءلة بإجراءات تعالج آثارها وتعيد الاعتبار إلى المتضررين وتصون كرامتهم.

ولا تنفصل حقوق الضحايا في العدالة وجبر الضرر عن ضرورة توفير الحماية الفعلية لهم وللشهود الذين يقدمون إفادات أو أدلة بشأن الانتهاكات، فهؤلاء ليسوا مجرد مصادر للمعلومات وإنما أصحاب حقوق في الكرامة والخصوصية والأمان والحماية من التهديد والانتقام، ولا تستقيم العدالة إذا أصبحت المشاركة في كشف الحقيقة سبباً في تعريضهم لمخاطر جديدة، وتمتد مسؤولية الحماية إلى منظمات المجتمع المدني السودانية والمبادرات الحقوقية والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يساهمون في توثيق الانتهاكات رغم التحديات الأمنية والميدانية، وتمثل خبراتهم ومعرفتهم بالسياقات المحلية وقدرتهم على الوصول إلى المعلومات والشهادات إسهاماً مهماً في جهود التحقيق المستقل.

وفي إطار تعزيز فاعلية هذه الجهود أكد قرار التجديد أهمية التعاون والتكامل بين آليات المساءلة بما يشمل الجهود الوطنية المستقلة والتحقيقات الإقليمية ولا سيما البعثة المشتركة لتقصي الحقائق التابعة للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ويتيح هذا التوجه فرصاً لتنسيق العمل وتبادل الخبرات وتعزيز الاستفادة من نتائج التحقيقات، كما نص القرار على استمرار المتابعة الأممية من خلال الإحاطات والتقارير المقدمة إلى مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة، وإتاحة مشاركة المجتمع المدني في بعض جلسات الحوار بما يدعم استمرارية الرقابة الدولية ويعزز فرص توظيف نتائج التحقيقات في مسارات المساءلة وإنصاف الضحايا.

محمد عبدالله ابراهيم
mohammedabdalluh2000@gmail.com

نواصل،،