السودان ولعنة الموارد حين تموّل الثروات حربًا على الوطن كتبه كمال حامد

السودان ولعنة الموارد حين تموّل الثروات حربًا على الوطن كتبه كمال حامد


10-13-2026, 07:54 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1791917646&rn=0


Post: #1
Title: السودان ولعنة الموارد حين تموّل الثروات حربًا على الوطن كتبه كمال حامد
Author: كمال حامد بكري
Date: 10-13-2026, 07:54 PM

07:54 PM October, 13 2026

سودانيز اون لاين
كمال حامد بكري-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر





يمتلك السودان ثروات طبيعية هائلة، فوق الأرض وفي باطنها، تؤهله لأن يكون من الدول الغنية والقادرة على تحقيق نهضة اقتصادية شاملة. لكن المفارقة أن هذه الثروات، التي كان ينبغي أن تكون ركيزة للتنمية والاستقرار، أصبحت في ظل الحرب الراهنة مصدرًا للصراع، وهدفًا للأطماع، ووسيلة لتمويل استمرار القتال.
فالحرب لا تدمّر مؤسسات الدولة فحسب، بل تفتح المجال أمام استغلال مواردها في غياب الرقابة والسيادة الفاعلة. ومع انشغال طرفي الحرب بمعاركهما، أصبحت مناطق الإنتاج والتعدين أكثر عرضة للنهب والتهريب، فيما وجدت قوى إقليمية في ضعف السودان فرصة لتعزيز نفوذها وتأمين مصالحها على حساب الشعب السوداني.
وهنا تكمن خطورة ما يمكن تسميته بلعنة الموارد: حين تتحول الثروة من فرصة لبناء الدولة إلى حافز لإضعافها، وحين يصبح الاستيلاء على الموارد مصدرًا لتمويل السلاح، فيما يُستخدم السلاح للسيطرة على مزيد من الموارد. وتكتمل هذه الحلقة عندما تتقاطع مصالح أطراف داخلية مع مصالح خارجية ترى في استمرار الحرب فرصة لتحقيق مكاسب يصعب تحصيلها في ظل دولة مستقرة وقادرة على حماية ثرواتها.
وفي مثل هذه البيئة، تبرز معادلة بالغة الخطورة: إتاحة المجال لاستغلال الموارد أو الاستيلاء عليها مقابل الدعم العسكري أو السياسي. وبتبنى الدولة لهذه المعادلة فإنها لا تمثل مجرد فساد أو تهريب، بل تفريطًا في السيادة الوطنية؛ لأن من يملك السلاح لا يملك الحق في التصرف بثروات الشعب، ومن يسيطر على منطقة لا يملك حق منح الآخرين امتيازات فيها خارج القانون ومؤسسات الدولة الشرعية.
وتكشف الأنباء المؤكده عن استهداف معدّنين سودانيين في مناطق غنية بالذهب، داخل الأراضي السودانية المتاخمة لإحدى دول الجوار، عن جانب مأساوي من هذه الأزمة. فقد اكدت الانباء بالصوت والصورة عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ودفن آخرين داخل المناجم، وسط تاكيد بشأن ترتيبات غير معلنة أتاحت التنقيب في المنطقة. وهي وقائع تستوجب تحقيقًا مستقلًا يكشف حقيقة ما جرى، والجهة المسؤولة عنه، وأي دور محتمل لأطراف الحرب في تمكين جهات خارجية من استغلال الموارد السودانية القضية تتجاوز خسائر الأرواح إلى سؤال السيادة: كيف يمكن أن تُستغل ثروات داخل الأراضي السودانية دون حماية فعالة من الدولة؟ ومن يملك حق التصرف فيها؟ ومن يتحمل مسؤولية تعريض المواطنين لهذه المخاطر؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست شأنًا اقتصاديًا فحسب، بل قضية أمن وطني وحقوق شعب.
والأخطر أن المستفيد من استنزاف الموارد قد لا يكون هو الطرف الذي يخوض المعارك على الأرض. فقد تتحمل المجتمعات المحلية كلفة القتل والنزوح، بينما تذهب عائدات الذهب وغيره إلى شبكات مصالح تموّل الحرب أو تستفيد من استمرار الفوضى. وبذلك يصبح المواطن السوداني ضحية مزدوجة: يفقد أمنه ومصدر رزقه، ثم تُنهب الثروات التي كان يفترض أن تسهم في إعادة بناء حياته وبلاده.
لذلك، فإن اختزال الأزمة في تبادل الاتهامات بين طرفي الحرب لا يكفي. المطلوب هو تتبع عائدات الموارد، والتحقيق في عمليات التعدين والتهريب والاتفاقات المتعلقة بها، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في نهب الثروات أو توظيفها لتمويل القتال، إلى جانب حماية المناطق الحدودية والتعدينية واستعادة سلطة القانون.
لكن هذه الإجراءات ستظل محدودة الأثر ما دامت الحرب مستمرة والدولة عاجزة عن بسط سيادتها. فوقف الحرب ليس مجرد ضرورة إنسانية، بل شرط أساسي لحماية موارد السودان ومنع تحويلها إلى غنائم تتقاسمها أطراف الصراع وشبكات المصالح الخارجية. ولا يعني وقف القتال إسقاط المساءلة، بل يجب أن يقترن بتحقيق العدالة ومحاسبة من أشعلوا الحرب أو أسهموا في إطالتها، وفق القانون.
وهكذا، تصبح لعنة الموارد جزءًا من معادلة الحرب: ثروات تُنهب لتمويل القتال، وحرب تُضعف الدولة فتفتح الباب لمزيد من النهب، فيما تتقاطع مصالح أطراف داخلية وخارجية على حساب السودان وشعبه. لذلك، فإن وقف الحرب واستعادة سيادة الدولة ومحاسبة المتورطين ليست مجرد مطالب سياسية، بل ضرورة لكسر هذه الحلقة المدمرة، حتى تتحول ثروات السودان من غنيمة للصراع إلى ركيزة لبناء الوطن.