Post: #1
Title: أنتم تعرفون كل شيء... فلماذا الصمت؟ كتبه الطيب الزين
Author: الطيب الزين
Date: 10-13-2026, 11:10 AM
11:10 AM October, 13 2026 سودانيز اون لاين الطيب الزين-السويد مكتبتى رابط مختصر
أنتم يا ساسة، تعرفون الحقيقة كاملة... فلماذا الصمت؟
الجريمة ليست جريمة الجناة وحدهم.
الجريمة أيضاً جريمة الذين عرفوا الحقيقة وسكتوا عنها.
الذين عرفوا... وسكتوا.
رأوا الظلم... وسكتوا.
عرفوا الجاني... ثم ساووا بينه وبين الضحية.
عرفوا أسباب المأساة... ثم احتموا وراء لغة الحياد والموازنات السياسية.
فالساكت عن الحق لا يبرئ نفسه بالصمت، وإنما يجعل نفسه شريكاً في استمرار الظلم.
الخطأ ليس خطأ من ارتكب الجريمة وحده.
**الخطأ هو خطأ الساكتين عن الحق.**
أولئك الذين عرفوا الحقيقة وكتموها،
وعرفوا الجاني فساووه بالضحية،
وعرفوا واجبهم تجاه الوطن فقدموا عليه مصالحهم الخاصة.
من فضّ الاعتصام؟
الساسة عارفون.
من ارتكب الجريمة؟
ومن المستفيد منها؟
ومن قتل الثوار والثائرات أمام القيادة العامة؟
الساسة عارفون.
من الذي نفذ الانقلاب على حكومة الثورة؟
الساسة عارفون.
من الذي هدد الدكتور عبدالله حمدوك؟
الساسة عارفون.
من الذي أشعل هذه الحرب اللعينة؟
وما الأهداف التي تقف وراء استمرارها؟
الساسة عارفون.
البئر وغطاه...
الساسة عارفون.
كل شيء...
الساسة عارفون.
لكنهم سكتوا.
والساكت عن الحق شيطان أخرس.
ومن يَهُنْ يَسْهُلِ الهوانُ عليه،
وما جرحٌ بميتٍ إيلامُ.
وما حدث للفقراء والمساكين الذين قُتلوا في جبل العقيدات ليس حدثاً معزولاً،
وليس مفاجأةً في سياق ما يجري في هذا الوطن الجريح،
بل هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من الصمت والتردد والمساومة.
بعد أن تراجعت قيم العزة والكرامة،
وغابت الشجاعة الأخلاقية،
وأصبح حساب الربح والخسارة مقدماً على قول الحقيقة.
لقد ترك الشهيد المفكر محمود محمد طه درساً خالداً في الشجاعة والثبات على المبدأ.
ففي وجه الطغيان، ومن داخل قاعة المحكمة، وقف محمود محمد طه وحيداً أكثر شجاعة من جموعٍ عرفت الحقيقة ثم آثرت الصمت.
وقال:
"ومن أجل ذلك، فإني غير مستعد للتعاون مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر والتنكيل بالمعارضين السياسيين."
كان ذلك موقف رجلٍ واحد.
لكن قيمة المواقف لا تُقاس بعدد أصحابها.
تُقاس بصدقها.
أما اليوم، فكم من سياسي يعرف الحقيقة ويسكت؟
وكم من شاهدٍ على الظلم آثر السلامة؟
وكم من صاحب موقفٍ قديم تراجع عندما أصبحت للموقف كلفة؟
لقد قدّمت ثورة ديسمبر السودان للعالم في صورة بهية.
قدّمته وطناً ينبض بالأمل.
وشعباً قادراً على التضحية.
وشباباً وشاباتٍ ألهموا العالم بشجاعتهم وسلميتهم.
لكن الذين جعلوا مصالحهم فوق مصلحة الوطن بددوا كثيراً من ذلك الرصيد العظيم.
لا تهمهم عزة السودان.
ولا كرامة السودان.
ولا صورة السودان أمام العالم.
ما يهمهم هو مواقعهم في المعادلة.
ومكاسبهم الخاصة.
وما يمكن أن يحققوه لأنفسهم من نفوذ أو سلطة أو امتيازات.
ومن أجل تلك المصالح يصبح كل شيء قابلاً للمساومة.
حتى الحقيقة.
حتى العدالة.
حتى دماء الأبرياء.
ولهذا فإن على الساسة أن يصححوا خطأهم.
وعليهم أن يتصدوا لهذه المهزلة.
وعليهم أن يقولوا الحقيقة كاملة بلا مواربة.
فلا يمكن مساواة الجاني بالضحية.
ولا يمكن مساواة من أشعل النار بمن احترق بها.
ولا يمكن بناء وطن على إنكار الوقائع أو الهروب من المسؤولية.
لقد انتهى زمن الغموض.
وانتهى زمن المجاملات السياسية.
وانتهى زمن مسك العصا من المنتصف.
وفي خضم هذا الضجيج، وفي زمنٍ أصبح فيه الصمت أكثر شيوعاً من قول الحقيقة، لا بد من وقفة وفاء صادقة.
التحية والتقدير للدكتور النور حمد، الذي اختار أن يكون صوتاً للضمير الوطني عندما تراجع كثيرون، وتمسك بما يعتقد أنه الحق دون خوف أو مواربة.
والتحية للأستاذة رشا عوض، التي لم تختبئ خلف ستار الحياد، ولم تساوم على قناعاتها عندما أصبح للصمت ثمن أقل من الموقف.
والتحية كذلك لكل الشرفاء من أبناء وبنات السودان،
لكل من قاوم اليأس،
لكل من تمسك بالحقيقة،
لكل من رفض الظلم ولو بكلمة،
لكل أمٍ صبرت،
ولكل أبٍ صمد،
ولكل شابٍ وشابةٍ حملوا حلم وطنٍ حرٍ كريم،
ولكل من ظل متمسكاً بقيم ثورة ديسمبر: الحرية والسلام والعدالة.
التحية للشهداء الذين دفعوا أرواحهم ثمناً للحلم.
والتحية للجرحى والمفقودين والنازحين وكل ضحايا هذه المأساة.
والتحية لكل سوداني وسودانية لم يبيعوا ضمائرهم في سوق المصالح،
ولم يساوموا على الوطن،
ولم يجعلوا الخوف أعلى من الحقيقة.
فمهما اشتد الظلام،
ومهما طال ليل المحنة،
يبقى الأمل معقوداً على الشرفاء،
ويبقى مستقبل السودان ملكاً لأولئك الذين حافظوا على كرامتهم،
وتمسكوا بالحقيقة،
حين اختار غيرهم الصمت.
فالدم لا يجف في ذاكرة الشعوب،
والمظالم لا تسقط بالتقادم،
والحقيقة قد تتأخر،
لكنها لا تموت.
سيأتي يوم تُفتح فيه الدفاتر كلها،
وتتكلم الشواهد،
وتنطق الوقائع،
وتسقط الأقنعة.
يومها لن يكون السؤال فقط:
من الذي ارتكب الجريمة؟
بل سيكون السؤال أيضاً:
من الذي عرف وسكت؟
من الذي رأى وتواطأ؟
من الذي خذل شعبه؟
ومن الذي قدّم مصالحه الخاصة على مصلحة الوطن؟
عندها لن تنفع المناصب،
ولا التحالفات،
ولا الخطب المنمقة.
ويبقى الحكم الأخير:
أن الرجال تُعرف بالمواقف،
وأن الأوطان لا يخذلها الجناة وحدهم،
بل يخذلها أيضاً الذين عرفوا الحقيقة...
واختاروا الصمت.
الطيب الزين
|
|