1-2- حين تتحول جرائم الحرب إلى مبررات لاستمرارها التاريخ والقانون الدولي وسيكولوجيا الانتقام في ال

1-2- حين تتحول جرائم الحرب إلى مبررات لاستمرارها التاريخ والقانون الدولي وسيكولوجيا الانتقام في ال


10-13-2026, 02:49 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1791856174&rn=0


Post: #1
Title: 1-2- حين تتحول جرائم الحرب إلى مبررات لاستمرارها التاريخ والقانون الدولي وسيكولوجيا الانتقام في ال
Author: خالد كودي
Date: 10-13-2026, 02:49 AM

02:49 AM October, 12 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر



1-2- حين تتحول جرائم الحرب إلى مبررات لاستمرارها
التاريخ والقانون الدولي وسيكولوجيا الانتقام في الحرب السودانية

12/10/2026 خالد كودي، بوسطن

قراءة في انتهاكات الجيوش ضد المدنيين، وحدود الحسم العسكري، وأزمة الوعي السياسي في زمن الحرب
مقدمة: الحرب لا تصبح عادلة بمجرد إدانة جرائم الخصم
يكشف تاريخ الحروب الحديثة عن مفارقة أخلاقية وسياسية عميقة؛ لاتوجد حروب بدون انتهاكات، حتي الحروب التي خاضتها الدول والجيوش تحت شعارات الدفاع عن الوطن، وحماية الأمن القومي، ومكافحة الإرهاب، واستعادة الشرعية، شهدت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين الذين أعلنت تلك الجيوش أنها تسعى إلى حمايتهم. ولم تقتصر هذه الانتهاكات على الجيوش الصغيرة أو المليشيات غير المنضبطة، بل ارتكبتها أيضاً جيوش دول كبرى تمتلك مؤسسات عسكرية محترفة، وأنظمة قانونية متقدمة، وخبرات طويلة في التدريب والانضباط.
ومن الحرب العالمية الثانية إلى فيتنام، ومن الجزائر إلى العراق وأفغانستان، تتكرر ظاهرة تستحق التعلم منها: فكلما طال أمد الحرب، واتسعت دائرة الخوف والكراهية، وضعفت الرقابة والمساءلة، ازدادت احتمالات تعرض المدنيين للعنف العسكري، سواء عبر الاستهداف المباشر أو العمليات التي لا تراعي الحماية الواجبة لهم. والسودان ليس استثناءً من هذه الظاهرة.
غير أن الأخطر من وقوع الانتهاكات هو تحويلها إلى مبررات لمواصلة الحرب. فعندما يرتكب أحد أطراف النزاع جريمة، قد يتخذها الطرف الآخر دليلاً على أن الحل الوحيد هو القضاء العسكري الكامل عليه، وفق منطق "بل بس" المتداول في السودان خاصة وسط الجيش والمليشيات التابعة له. وهكذا تتحول الجريمة، التي يفترض أن تستدعي حماية المدنيين والمحاسبة ووقف العنف، إلى وقود إضافي لاستمرار القتال.
وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في الحرب السودانية التي اندلعت في 15 أبريل 2023، حيث أصبح توثيق الجرائم والانتهاكات جزءاً من الصراع على الشرعية السياسية والأخلاقية، بينما يتراجع أحياناً النقاش الجاد حول حماية المدنيين، وإنهاء الحرب، ومعالجة الأسباب التاريخية والسياسية التي أنتجتها.
ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: ليس أي الأطراف ارتكب جرائم أكثر، أو كيف يمكن توظيف تلك الجرائم لتبرير استمرار القتال، وإنما كيف يمكن وقف الحروب، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع تكرارها، دون تحويل العدالة نفسها إلى ذريعة لإطالة أمد الحرب؟

أولاً: التاريخ يثبت أن القوة العسكرية لا تمنح حصانة أخلاقية
ليست الانتهاكات المرتكبة أثناء الحروب مجرد أخطاء فردية يرتكبها جنود فقدوا السيطرة على سلوكهم؛ فقد تنشأ أيضاً عن سياسات عسكرية، وعقائد قتالية، وثقافات مؤسسية، وأنظمة قيادة تتسامح مع التجاوزات أو تفشل في منعها ومحاسبة مرتكبيها. وقد تسهم مواقف القوى المدنية والسياسية في تبرير هذه الانتهاكات أو توظيفها بصورة انتهازية.
وتكشف تجارب القرنين العشرين والحادي والعشرين أن الاحتراف العسكري والتفوق التكنولوجي لا يكفيان لضمان احترام القانون الدولي الإنساني. فالمؤسسة العسكرية، مهما بلغت قوتها أو مكانتها، تظل مسؤولة عن وسائل الحرب وأساليبها، وخاضعة للمساءلة القانونية والأخلاقية.

١/ فيتنام ومجزرة ماي لاي: 16 مارس 1968
في 16 مارس 1968، قتل جنود أمريكيون مئات المدنيين الفيتناميين في قرية ماي لاي، بينهم نساء وأطفال ومسنون. وتتراوح التقديرات التاريخية لعدد الضحايا بين 347 و504 أشخاص، معظمهم من المدنيين العزل الذين لم يشكلوا تهديداً عسكرياً مباشراً. وكشفت التحقيقات اللاحقة عن محاولات للتستر على المجزرة داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية.
وتوضح هذه الجريمة كيف يمكن للحرب أن تحول السكان المدنيين، في تصورات بعض العسكريين، إلى أعداء محتملين لمجرد انتمائهم الجغرافي أو الإثني، أو الاشتباه في تعاطفهم مع الخصم. وتجد هذه العقلية صدى في الخطاب المتداول مؤخراً في السودان حول "الوجوه الغريبة"، حيث قد تتحول الملامح والأصول والانتماءات المفترضة إلى أسباب للاشتباه والتمييز، بما ادي الي تجاوز حقوق المدنيين بنا في ذلك قتلهم.
لم تكن ماي لاي ضرورة عسكرية، بل جريمة قتل جماعي تكشف خطورة تجريد المدنيين من إنسانيتهم وتحويل الاشتباه الجماعي إلى مبرر للقتل والانواع الأخرى من العنف. فالانتماء إلى منطقة أو جماعة لا يجعل الإنسان مقاتلاً، ولا يسقط عنه الحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني.

٢/ الجزائر: التعذيب باسم مكافحة الإرهاب، 1954–1962
خلال حرب استقلال الجزائر، مارست القوات الفرنسية التعذيب والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري ضد جزائريين في سياق مواجهتها لجبهة التحرير الوطني. وأصبحت معركة الجزائر عام 1957 نموذجاً بارزاً لاستخدام التعذيب وسيلة للحصول على المعلومات وتفكيك شبكات المقاومة.
وتوضح المؤرخة رافاييل برانش، في دراستها المنشورة في المجلة الدولية للصليب الأحمر عام 2008، أن السلطات الفرنسية استخدمت أعمال العنف التي نفذتها جبهة التحرير الوطني لتبرير التعذيب، بينما تجاوزت هذه الممارسات نطاق مكافحة الهجمات المسلحة إلى إخضاع المجتمع الجزائري ومراقبته.
وتتجسد هنا مفارقة بالغة الأهمية: فقد تتخذ الدولة من انتهاكات خصومها ذريعة لارتكاب انتهاكات جديدة، وتحول الإجراءات الاستثنائية إلى ممارسات مؤسسية مستمرة.
وانتهت الحرب باستقلال الجزائر في 5 يوليو 1962، رغم التفوق العسكري الفرنسي. وقد أظهرت التجربة أن السيطرة العسكرية والأمنية لا تكفي لحسم قضية سياسية تتعلق بالاستقلال والهوية والشرعية والحقوق الأساسية.
والدرس الذي يمكن استخلاصه للنخب السودانية ليس أن الجرائم التي ترتكبها الجماعات المناهضة للسلطة تصبح مقبولة بسبب عدالة مطالبها، بل أن انتهاكات أحد الطرفين لا تلغي الالتزامات القانونية والأخلاقية للطرف الآخر، وأن إخضاع السكان بالقوة لا يعالج بالضرورة أسباب المقاومة.

٣/ العراق: سجن أبو غريب وانهيار الحدود الأخلاقية، 2003–2004
عقب الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003، كشفت فضيحة سجن أبو غريب عام 2004 عن تعرض معتقلين عراقيين للتعذيب والإذلال والإساءة الجسدية والنفسية على أيدي أفراد من القوات الأمريكية.
وقد وثقت تحقيقات عسكرية أمريكية، بينها التحقيق المتعلق بأنشطة الاستخبارات داخل سجن أبو غريب الصادر عام 2004، جوانب من هذه الانتهاكات والإخفاقات المؤسسية المرتبطة بها.
ولم تقتصر خطورة أبو غريب على الأفعال المرتكبة بحق المعتقلين، بل امتدت إلى التناقض بين الخطاب السياسي المعلن حول الحرية وحقوق الإنسان، والممارسات التي تعرض لها أشخاص يفترض أن القانون يحميهم.
وتكشف التجربة أن تصوير الحرب باعتبارها مواجهة أخلاقية مطلقة بين الخير والشر قد يهيئ المناخ لتجريد الخصم من إنسانيته. فعندما يُختزل المعتقل في صورة "الإرهابي" أو "العدو"، يصبح تبرير الإذلال والتعذيب أسهل نفسياً لدى مرتكبيه، رغم الحظر القانوني المطلق لهذه الأفعال.

ثانياً: القانون الدولي لا يجيز الانتقام من المدنيين أو مصادرة الحريات باسم الحرب
تطور القانون الدولي الإنساني استجابةً للتجارب المأساوية للحروب، ولا سيما الحرب العالمية الثانية. ففي 12 أغسطس 1949، اعتمد المجتمع الدولي اتفاقيات جنيف الأربع، وخُصصت الاتفاقية الرابعة لحماية المدنيين وقت الحرب. ثم جاءت البروتوكولات الإضافية لعام 1977 لتعزيز القواعد المنظمة لسير العمليات العسكرية وحماية ضحايا النزاعات المسلحة.
وتقوم هذه المنظومة على مبادئ أساسية، أبرزها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في استخدام القوة، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية السكان، وحظر التعذيب والعقاب الجماعي، ومساءلة المسؤولين عن جرائم الحرب. ولا يتوقف الالتزام بهذه القواعد على احترام الطرف المقابل لها، كما لا يجوز اعتبار الانتماء السياسي أو الجغرافي أو الإثني أو الديني دليلاً على المسؤولية الجنائية.
وفي السودان، تكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ تقييد الحريات العامة وإضعاف الضمانات الدستورية. فقد أدى انقلاب عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر 2021 إلى تعطيل أحكام أساسية من الوثيقة الدستورية لعام 2019، وحل مؤسسات الحكم الانتقالي، وإعلان حالة الطوارئ، بما قوض المسار الدستوري وفتح المجال أمام مزيد من القيود على الحقوق والحريات، رغم ما شاب الوثيقة الدستورية نفسها من قصور في الضمانات القانونية والمؤسسية.
ومع اندلاع الحرب، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في أبريل 2026، حالات اعتقال تعسفي وتعذيب وسوء معاملة بحق مدنيين، نُسبت إلى قوات تابعة للجيش وأجهزة أمنية وجماعات مرتبطة به، في سياق اتهامات بالتعاون مع قوات الدعم السريع، أو بسبب الانتماء الإثني والجهوي أو النشاط السياسي والإنساني. وولاتزال هذه الممارسات تمارس مع استمرار توظيف الاشتباه الأمني لتقييد الحقوق الأساسية.
ولا تمنح حالة الطوارئ أو ظروف الحرب أي سلطة حق التعذيب أو العقاب الجماعي أو الاعتقال التعسفي. فالعدالة تقوم على الأدلة والإجراءات القانونية السليمة والمسؤولية الفردية، لا على الانتقام أو الهوية السياسية والإثنية والدينية. كما أن الجرائم المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، مهما بلغت جسامتها، لا تمنح الجيش أو الأجهزة الأمنية حصانة من المساءلة عن انتهاكاتها.

ثالثاً: سيكولوجيا الانغلاق والانتقام: كيف يتحول الخوف إلى ثقافة حرب؟
لا يكفي لفهم استمرار الحروب تحليل موازين القوة والمصالح السياسية وحدها؛ إذ ينبغي أيضاً دراسة العمليات النفسية والاجتماعية التي تجعل الأفراد والجماعات يتقبلون العنف، ويبررون انتهاكات الأطراف التي ينتمون إليها، ويصورون الانتقام باعتباره استعادة للكرامة أو تحقيقاً للعدالة.
١/ الانغلاق الجمعي وتحويل الانتماء إلى معيار للحقيقة
تساعد نظرية الهوية الاجتماعية، المرتبطة بأعمال عالمي النفس هنري تاجفيل وجون تيرنر، في تفسير ميل الأفراد إلى تصنيف أنفسهم والآخرين ضمن جماعات متمايزة، وتشكيل تصوراتهم عن العالم من خلال هذه الانتماءات-كالانتماء الي العباس او الي منطقة او حتي طبقة بعينها...
وفي ظروف الحرب، قد تتصلب الحدود النفسية بين الجماعات، بحيث تتحول الجماعة التي ينتمي إليها الفرد إلى مرجع للحقيقة والشرعية والأخلاق. وعندئذ يميل إلى تصديق الروايات التي تدين خصومه، والتشكيك في الأدلة التي تكشف انتهاكات الطرف الذي يؤيده.
وقد يصبح نقد المؤسسة العسكرية، حتى عندما يتعلق الأمر بجرائم موثقة، أقرب في نظر بعض أنصارها إلى الخيانة منه إلى ممارسة المسؤولية الأخلاقية.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على العسكريين، بل تمتد إلى المثقفين والصحفيين والأكاديميين والناشطين، عندما تتحول انتماءاتهم السياسية إلى مرشحات تحدد الجرائم التي تستحق الإدانة، والضحايا الذين يستحقون التعاطف، والانتهاكات التي يُفضَّل تجاهلها.
٢/ التجريد من الإنسانية
يشرح عالم النفس ألبرت باندورا، في نظريته عن "الانفصال الأخلاقي"، كيف يستطيع الأفراد تبرير أفعال تتعارض مع قيمهم المعتادة، عبر إضفاء المشروعية على العنف، أو التنصل من المسؤولية، أو التقليل من معاناة الضحايا، أو تجريدهم من إنسانيتهم.
وفي الحروب، تتجلى هذه الآليات في الخطاب الذي يختزل الأفراد في هويات سياسية أو إثنية، او جهوية أو عسكرية، ويحوّل المدنيين إلى أعداء مفترضين لمجرد انتمائهم إلى جماعة أو منطقة معينة. وبذلك تتراجع الموانع النفسية والأخلاقية أمام إيذائهم، وقد يمتد العقاب إلى أسرهم ومجتمعاتهم.
وتبرز خطورة هذه الظاهرة في السودان من خلال مقاطع متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر، أو يُزعم أنها تُظهر، أعمالاً وحشية، بينها التمثيل بالجثث وبقر البطون وقطع الرؤوس. ومع ضرورة التحقق المستقل من كل واقعة وتحديد هوية مرتكبيها، فإن تصوير هذه الأفعال وتداولها، خصوصاً عندما يصاحبه الاحتفاء بها، يكشف خطورة تطبيع القسوة وتحويل الإذلال والعنف إلى وسائل للترهيب والانتقام.
وتقع هذه الممارسات ضمن الأفعال المحظورة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا يمكن تبريرها بدوافع الثأر أو الضرورة العسكرية أو الانتماء إلى قضية سياسية.
٣/ الانتقام بوصفه بديلاً عن العدالة
الانتقام استجابة نفسية مفهومة عند التعرض لأذى جسيم، لكنه يختلف جوهرياً عن العدالة. فالعدالة تقوم على إثبات الجريمة، وتحديد المسؤولية الفردية، والمحاسبة وفق القانون؛ بينما يميل الانتقام إلى تعميم المسؤولية على الجماعة التي ينتمي إليها الجاني، وتحويل العقاب إلى وسيلة لإلحاق الألم بالآخرين.
وفي السودان، يبرز هذا المفهوم عند تحليل علاقة بعض تيارات الحركة الإسلامية بنظام الحكم الذي أطاحت به ثورة ديسمبر 2018–2019. فقد شكّل سقوط نظام البشير خسارة سياسية واقتصادية ومؤسسية كبيرة لهذه التيارات، وأصبحت استعادة النفوذ ومواجهة القوى الثورية جزءاً من الصراع اللاحق على السلطة.
ويمكن، في هذا السياق، قراءة بعض ممارسات القمع والتضييق على القوى المدنية بوصفها ذات أبعاد انتقامية، مع ضرورة التمييز بين هذا التفسير السياسي والنفسي وبين الإثبات القانوني لدوافع مرتكبي انتهاكات محددة.
وتكمن الخطورة في أن تتحول الحرب إلى فرصة لتصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين والمدنيين، تحت شعارات الأمن أو مكافحة التعاون مع العدو. وعندئذ تتسع دائرة الاشتباه والعقاب، وتتجدد حلقة العنف: جريمة تولّد غضباً، والغضب يغذي الانتقام، والانتقام ينتج ضحايا جدداً تُستخدم معاناتهم لتبرير مزيد من الجرائم.
وهكذا قد تتحول الحرب من مواجهة مسلحة إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة وتصفية الخصومات، بينما تتراجع العدالة وحماية المدنيين أمام منطق الثأر والإفلات من العقاب.
. ٤/ الخوف من السلام: حين يصبح الاعتراف بالمساواة تهديداً للامتيازات التاريخية
من أخطر مظاهر الأزمة السودانية أن يصبح السلام الحقيقي مصدر قلق لبعض القوى السياسية المركزية والنخب الثقافية والأكاديمية، ليس خوفاً من توقف القتال، وإنما من التغيير الذي قد يطال بنية الدولة وموازين السلطة والثروة والامتيازات التاريخية.
ويتجلى ذلك في المواقف التي تتجنب تسمية الجذور السياسية والثقافية للحروب، أو تلتف على مطالب المواطنة المتساوية والعدالة التاريخية، وتحتال بحجة أن "المجتمع غير مستعد"، أو أن الأولوية للاستقرار وتأجيل القضايا الخلافية.
والسؤال هنا: أي مجتمع يُقصد بعدم الاستعداد؟ أهو المجتمع الذي عانى التهميش والتمييز، أم الفئات التي اعتادت احتكار السلطة وتحديد حقوق الآخرين؟
وليس هذا النمط من التفكير جديداً في التاريخ السوداني. ففي 6 مارس 1925، وقّع علي الميرغني، والشريف يوسف الهندي، وعبد الرحمن المهدي وثيقة بعنوان "مذكرة كرام المواطنين"، موجّهة إلى مدير المخابرات بالخرطوم، اعترضوا فيها على مشروع قانون يتعلق بالأرض الزراعية، وعدّوا تنظيم الدولة لحقوق الانتفاع بالأراضي تهديداً لحقوق الملاك ومصالحهم. وتؤكد المذكرة أن "الأرض الزراعية ملك لمن يحييها"، وتطالب بعدم المساس بحقوق أصحاب الأراضي والشركات والأفراد، وتحذر من نتائج تطبيق القانون.
وتكشف الوثيقة عن تصور للعلاقة بين الدولة والحقوق الاقتصادية، تُقدَّم فيه مصالح الملاك وحقوقهم المكتسبة بوصفها حدوداً ينبغي ألا تتجاوزها الإصلاحات الحكومية. والمفارقة أن الموقّعين يمثلون زعامات دينية وسياسية ارتبطت بها أحزاب وتيارات لا تزال مؤثرة في الحياة السودانية.
ولا يعني ذلك بالضرورة تطابق مواقف الأجيال اللاحقة مع مواقف أسلافها، لكنه يطرح سؤالاً تاريخياً مشروعاً حول استمرار أنماط التفكير التي تجعل حماية الامتيازات القائمة أسبق من إعادة النظر في عدالة توزيع الموارد والسلطة وإقرار المساواة.
وتجد هذه الظاهرة نظيراً تاريخياً في حركة الحقوق المدنية الأمريكية. ففي رسالته من سجن برمنغهام عام 1963، انتقد مارتن لوثر كينغ قطاعات من البيض الليبراليين المعتدلين الذين أقروا بالمساواة نظرياً، لكنهم طالبوا الأمريكيين السود بتأجيل نضالهم إلى وقت أكثر ملاءمة، وفضلوا الحفاظ على النظام والاستقرار على مواجهة الظلم.
وقد رأى كينغ أن مطالبة المضطهدين بالانتظار تمنح أصحاب الامتيازات سلطة تحديد موعد حرية الآخرين، وأن الاعتراف المجرد بالحقوق يفقد معناه عندما يقترن بالرفض المستمر لوسائل تحقيقها.
وفي السودان، تتكرر المعضلة عندما تعترف بعض النخب بحقوق المهمشين من حيث المبدأ، ثم تربط إقرارها بنضج المجتمع أو انتهاء الحرب أو تحقيق توافق سياسي، دون الاعتراف بأن غياب تلك الحقوق كان من الأسباب الأساسية للنزاعات المسلحة. وهكذا يتحول التأجيل من إجراء انتقالي إلى وسيلة للمحافظة على البنية التي أنتجت الإقصاء.
فالسلام الذي قد يثير قلق المستفيدين من النظام القديم ليس وقف إطلاق النار، بل السلام الذي ينهي احتكار السلطة والثروة، ويعيد تأسيس الدولة على المواطنة المتساوية والحقوق الدستورية. ولا يمكن معالجة جذور الحروب السودانية بتأجيل حقوق المهمشين، لأن هذه الحقوق ليست نتيجة مؤجلة للسلام، وإنما من شروط تحقيقه واستدامته.
نواصل في الجزء الثاني من المقال.

النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)