Post: #1
Title: سبحان الله.. هل توجد في قلوب الذين يحكمون السودان ذرة من الرحمة؟ كتبه الطيب محمد جادة
Author: الطيب محمد جاده
Date: 10-13-2026, 02:42 AM
02:42 AM October, 12 2026 سودانيز اون لاين الطيب محمد جاده-السودان مكتبتى رابط مختصر
بقلم: صحفي مستقل
سبحان الله! إلى أي مدى يمكن أن يصل قسوة الإنسان على أخيه الإنسان؟ وكيف يستطيع من يتولى مسؤولية حكم بلدٍ أنهكته الحروب والمآسي أن ينظر إلى معاناة شعبه دون أن يتحرك في قلبه شيء من الرحمة؟ وهل يدرك الذين يجلسون على مقاعد السلطة في السودان حجم الألم الذي يعيشه المواطن البسيط، أم أن المسافة بينهم وبين معاناة الناس أصبحت بعيدة إلى الحد الذي لم تعد معه صرخات الجوعى والمشردين تجد طريقها إلى ضمائرهم؟
إنها أسئلة موجعة، لكنها لم تعد ترفاً فكرياً أو مجرد عبارات تُكتب في مقال صحفي عابر، بل أصبحت صرخة يطلقها كل سوداني يرى وطنه يتراجع نحو المزيد من الألم، بينما تتضاعف معاناة الإنسان الذي لا يملك من أمره شيئاً. فالسودان الذي عرفه الناس بكرم أهله وتماسك مجتمعه وتنوعه الثقافي والإنساني، أصبح عنواناً لمأساة لا ينبغي أن يعتاد عليها العالم، ولا أن يتعامل معها السودانيون باعتبارها قدراً لا يمكن تغييره.
عندما تصبح حياة المواطن أمراً هامشياً
إن أعظم مسؤولية تقع على عاتق أي سلطة حاكمة هي حماية الإنسان وصون كرامته وتوفير الحد الأدنى من الأمن والاستقرار. فالحكم ليس امتيازاً شخصياً، ولا وسيلة للتمتع بالنفوذ، ولا فرصة لإثبات القوة أمام الخصوم، وإنما هو تكليف أخلاقي وقانوني يضع حياة المواطنين وحقوقهم في مقدمة الأولويات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا تعني السلطة إذا كان المواطن يخاف على حياته، ويقلق على أسرته، ويعجز عن توفير احتياجات أطفاله الأساسية؟ وما قيمة الشعارات الوطنية إذا كان الإنسان نفسه يشعر بأنه متروك لمواجهة مصيره وحيداً؟
لا يمكن اختزال معاناة السودانيين في الأرقام والتقارير وحدها؛ فخلف كل رقم أسرة فقدت منزلها، وأم تبحث عن الأمان لأطفالها، وأب يقف عاجزاً أمام احتياجات أسرته، وشاب ضاعت سنوات عمره بين الخوف والنزوح وانسداد الأفق. هؤلاء ليسوا مجرد أسماء في نشرات الأخبار، بل بشر لهم أحلام وحقوق وكرامة، ومن واجب كل من يتولى مسؤولية عامة أن يتذكر ذلك قبل أي اعتبار آخر.
أهذه هي الدولة التي يستحقها السودانيون؟
من المؤلم أن يشعر المواطن بأن صوته لا يصل، وأن معاناته لا تحرك ساكناً، وأن مطالبه بالحياة الكريمة أصبحت أقل أهمية من الحسابات السياسية والعسكرية. فالدولة ليست مباني ومؤسسات وأعلاماً ترفرف فوق المكاتب، بل هي قبل كل شيء منظومة تحمي الإنسان وتضمن حقوقه وتمنع تحويل حياته إلى ساحة مفتوحة للخوف والمعاناة.
وحين تتراجع هذه الوظيفة الأساسية، يصبح من حق المواطنين أن يسألوا المسؤولين بوضوح: أين مسؤوليتكم الأخلاقية؟ وأين واجبكم في حماية المدنيين؟ وما الذي يمنع أن تكون كرامة السوداني وحياته خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه؟
إن انتقاد السلطة ليس عداءً للوطن، ومساءلة المسؤولين ليست جريمة، والمطالبة بالرحمة ليست ضعفاً. بل إن المجتمعات التي تحترم نفسها هي التي تسمح لأبنائها بطرح الأسئلة الصعبة، وتعتبر النقد وسيلة لتصحيح الأخطاء لا مبرراً لإسكات الأصوات.
هل فقدنا إنسانيتنا؟
حين يتأمل المرء حجم المعاناة التي يمر بها السودانيون، قد يشعر بأن القسوة أصبحت أقوى من الرحمة، وأن المصالح أصبحت أعلى صوتاً من نداءات الضحايا. وهنا تخرج العبارة من القلب مثقلة بالحزن: أحقاً نحن أمام بشر يشعرون بألم الآخرين، أم أن المسؤولية جردت بعضهم من أبسط معاني الإنسانية؟
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحكم على إنسانية شعب كامل أو جماعة بأسرها من خلال مواقف بعض المسؤولين. فالإنسانية لا تزال حاضرة في آلاف السودانيين الذين يتقاسمون الطعام مع النازحين، ويفتحون منازلهم للغرباء، ويساعدون المرضى، ويبحثون عن المفقودين، ويخاطرون بسلامتهم من أجل إنقاذ الآخرين. هؤلاء يثبتون أن الرحمة لم تمت في السودان، حتى عندما تبدو المؤسسات عاجزة عن أداء واجبها.
إن المشكلة ليست في البحث عن كلمات قاسية نصف بها الواقع، وإنما في مواجهة السلوكيات والقرارات التي تزيد معاناة المدنيين، ومطالبة المسؤولين بتحمل تبعاتها، والعمل على وقف كل ما يهدد حياة الإنسان وكرامته.
المسؤولية لا تسقط بالتبريرات
قد تتذرع السلطات بظروف الحرب، وتعقيدات المشهد السياسي، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية والأمنية. ولا شك أن إدارة بلد يعيش نزاعاً مسلحاً ليست مهمة سهلة، لكن صعوبة الظروف لا تعني سقوط الواجبات، ولا تمنح أحداً الحق في تجاهل حقوق المواطنين.
إن حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وضمان المساءلة عن الانتهاكات، ومواجهة خطاب الكراهية والعنصرية، كلها مسؤوليات لا يجوز أن تختفي خلف الضجيج السياسي والعسكري. كما أن إنهاء الحرب وفتح الطريق أمام حل سياسي يعيد للسودانيين حقهم في الأمن والحياة المستقرة ينبغي أن يكونا في مقدمة الأولويات.
فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات التي تمجد القوة، بقدر ما يحتاج إلى أفعال تعيد للإنسان قيمته، وتؤكد أن حياة المواطن أغلى من المناصب، وأن مستقبل الأجيال لا يجوز أن يكون رهينة للصراع على السلطة.
كلمة أخيرة
سبحان الله! كيف يمكن لوطن بهذا التاريخ، وبهذا الثراء الإنساني، أن يبلغ به الحال أن يسأل أبناؤه عن مكان الرحمة في قلوب من يتولون أمره؟
إن هذا السؤال ليس شتيمة لأحد، بل شهادة ألم من مواطن يريد أن يرى بلاده آمنة، وشعبها مطمئناً، وأطفاله قادرين على الحلم بمستقبل أفضل.
يا من تتحملون مسؤولية حكم السودان، تذكروا أن الكراسي زائلة، وأن المناصب مهما طال بقاؤها تنتهي، لكن آثار القرارات تبقى في ذاكرة الناس، وأن دموع الأمهات وآهات الضحايا لا ينبغي أن تضيع وسط صخب السياسة والحرب.
لا نريد سلطة تخشى النقد، بل دولة تحترم مواطنيها. ولا نريد شعارات عن الوطنية، بل وطناً يشعر فيه الإنسان بأنه ليس رخيصاً، وأن حياته ليست رقماً مهملاً، وأن كرامته ليست موضوعاً قابلاً للمساومة.
فهل بقيت في قلوبكم ذرة من الرحمة توقظ الضمير، وتعيد الإنسان إلى مقدمة الأولويات؟ أم سنظل نطرح السؤال نفسه، بينما يدفع المواطن السوداني وحده ثمن صراع لم يختره، وحرب يتمنى أن تنتهي، ووطن لا يريد منه سوى أن يعيش بسلام؟
الرحمة ليست ضعفاً، وحماية الإنسان ليست منّة، والحكم الذي لا يضع حياة المواطنين في مقدمة أولوياته يفقد المعنى الأخلاقي الذي يمنحه شرعيته.
الطيب محمد جادة صحفي مستقل
|
|