Post: #1
Title: كامل إدريس.. حيطة النظام القصيرة كتبه دكتور الوليد آدم مادبو
Author: الوليد ادم مادبو
Date: 10-12-2026, 02:25 AM
02:25 AM October, 11 2026 سودانيز اون لاين الوليد ادم مادبو-السودان مكتبتى رابط مختصر
كان الأجدر بعادل الباز، وهو الذي خبر الحكومات السودانية على مدى نصف قرن، ألا يكتفي بوصف كامل إدريس بأنه حيطة مائلة، بل أن يسأل: من بنى هذه الحيطة، ومن حمّلها ما لا تطيق، ومن يقف خلفها مستعدًا للتنصل من المسؤولية عند انهيارها؟ فالمسألة ليست أن رئيس الوزراء ضعيف أو سيئ الأداء فحسب، بل أن الحكومة المدنية تعمل في ظل اختلال عميق في توزيع السلطة، حيث تحتفظ مراكز القوة المسلحة بأدوات القرار، بينما يتحمل المسؤول المدني جانبًا من كلفة الفشل.
في رواية الباز عن لقائه بكامل إدريس في ملتقى الإعلاميين، تبرز ملاحظات تتعلق بسلوك رئيس الوزراء وطريقة تعامله مع النقد، من مقاطعته الحديث وانتزاع الميكروفون، بحسب الرواية، إلى ما وصفه الكاتب بضيق الصدر وفقدان الحجة. وهي، إن صحت تفاصيلها، ملاحظات تستحق النقاش؛ فالسلوك العام للمسؤول جزء من مسؤوليته أمام الجمهور، والخبرة الدولية والشهادات لا تمنح صاحب المنصب حصانة من النقد، ولا تغني عن القدرة على الإدارة والتواصل واحترام الرأي المخالف.
لكن ثمة فرقًا بين الإشكال السلوكي والأزمة الأخلاقية. فالأول يتعلق بتصرفات الفرد وأدائه، أما الثانية فتتصل بمنظومة القيم التي تحكم ممارسة السلطة، وبالعلاقة بين المسؤولية والمصلحة، وبين امتلاك القوة والاستعداد للخضوع للمحاسبة. ولا يجوز استنتاج أزمة أخلاقية كاملة من واقعة سلوكية واحدة، مثلما لا يجوز اختزال أزمة دولة في سلوك شخص، مهما كانت المآخذ عليه.
من يحكم، ومن يتحمل المسؤولية؟
لا أحد يطالب بإعفاء كامل إدريس من المحاسبة. فإذا كان قد أخفق في إدارة حكومته، أو عجز عن تقديم معلومات واضحة بشأن أدائها، أو تعامل مع النقد بطريقة لا تليق بمقتضيات المنصب، فهذه مسائل تستحق المساءلة. لكن ثمة فارقًا بين محاسبة الرجل عن قراراته، وتحويله إلى تفسير شامل لأزمة تتجاوز سلطته الشخصية.
كيف يُطلب من رئيس وزراء أن يعيد بناء مؤسسات الدولة في ظل حرب مستمرة، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وضعف آليات المحاسبة، وغياب منظومة دستورية قادرة على ضبط العلاقة بين المؤسسات؟ وكيف يمكن تقييم أدائه من دون معرفة من يملك القرار في المسائل السيادية والأمنية والمالية، ومن يستطيع تعطيل قرارات الحكومة، ومن يخضع للمساءلة إذا تصرفت قوة مسلحة خارج سلطة القانون؟
هذه ليست أسئلة لتبرئة كامل إدريس، وإنما لتحديد مسؤوليته تحديدًا صحيحًا. فالمحاسبة التي لا تميز بين من يملك القرار ومن ينفذه، وبين من يضع السياسة ومن يستطيع نقضها، قد تبدو صارمة، لكنها تنتهي إلى توزيع مضلل للمسؤولية، وتمنح مراكز القوة الفعلية فرصةً للوقوف خارج المشهد، بينما ينشغل الجمهور بمحاسبة من يظهر في واجهته.
حيطة النظام القصيرة
لعل استعارة الحيطة المائلة تصلح، إذا تجاوزنا استخدامها في وصف شخص رئيس الوزراء، لتفسير موقع الحكومة المدنية داخل بنية السلطة الراهنة. فهل نحن أمام حكومة تملك أدوات الحكم ثم تعجز عن استخدامها، أم أمام حكومة يُطلب منها تحمل نتائج لا تملك وحدها وسائل التحكم في أسبابها؟
قد يكون كامل إدريس قد أسهم بقراراته أو سلوكه أو خياراته السياسية في إضعاف موقعه، وقد تكون له إخفاقات لا يمكن ردها إلى قيود الحرب أو تدخل مراكز القوة. لكن ذلك لا يلغي السؤال عن العلاقة بين الحكومة المدنية والسلطة العسكرية: من يحدد الأولويات؟ من يسيطر على أدوات الإكراه؟ من يستطيع فرض قراراته؟ ومن يستفيد حين تتحول الحكومة إلى عنوان للفشل، بينما تبقى مراكز القرار الفعلي بمنأى عن المحاسبة؟
إذا كانت هناك فجوة بين المنصب والسلطة، فإن رئيس الوزراء يصبح مرشحًا لتحمل قدر غير متناسب من اللوم العام. عندئذٍ لا تعود «حيطة الطين المائلة» وصفًا لشخص فحسب، بل صورةً لحكومة مدنية قد تتحمل أعباء نظام لا تملك أدواته كاملة؛ حيطة يسهل الوصول إليها وتوجيه اللوم إليها، بينما تبقى الأعمدة التي تسند البناء خارج مجال الفحص.
ولا يعني ذلك أن رئيس الوزراء مجرد ضحية، أو أن محدودية صلاحياته تثبت أنه واجهة متعمدة. فقد يختار المسؤول البقاء في منصبه رغم القيود، وقد يقبل بدور يمنح ترتيبات سياسية معينة مظهرًا مدنيًا، وقد يحاول توسيع مجال فعله من داخلها. والتمييز بين هذه الاحتمالات يحتاج إلى فحص قراراته ومواقفه وحدود صلاحياته، لا إلى افتراض النيات سلفًا.
لكن السؤال السياسي يبقى قائمًا: هل يؤدي وجود رئيس وزراء مدني إلى إخضاع السلطة الفعلية للمحاسبة، أم يوفر لها عنوانًا مدنيًا يمكن تحميله جانبًا من كلفة الإخفاق؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على السجال حول شخصية الرجل، لأنه يمس طبيعة الدولة لا سلوك شاغل المنصب وحده.
|
|